الطريق إلى الحرية: سوريا من الانتداب إلى الاستقلال

في هذا الكتاب يحكي لنا وزير الخارجية السوري وليد المعلم عن سوريا منذ الاحتلال الفرنسي وحتى استقلالها وجلاء آخر جندي أجنبي عن أرضها.

كتاب "سورية 1916 - 1946 .. الطريق إلى الحرية" لوليد المعلم

 مثلت سوريا عبر التاريخ محور اهتمام الكثير من الدول، فتعرضت للاعتداءات والاحتلال نظراً لموقعها الاستراتيجي المهم وتوسطها ثلاث قارات، فضلاً عن عبور قوافل التجارة عبرها. وفي كل مراحل تاريخها العريق كانت سوريا عصية ومنيعة على المعتدي، لم ترضَ بالخضوع، قاومت وناضلت، ولا تزال إلى يومنا هذا تناضل في سبيل حريتها وحرية شعبها.

هذا الكتاب الذي يتألف من أكثر من سبعمائة صفحة يمتاز بأسلوبه الشيق الممتع وهو يوثق للقراء وللتاريخ حوادث وتفاصيل عن فترة مهمة من تاريخ سوريا.

يتألف الكتاب من مقدمة وتمهيد وثلاثة عشر فصلاً، يبدأ من الحرب العالمية الأولى ويختمه باستقلال سوريا وجلاء آخر جنود المحتل عن ترابها.

في ختام الكتاب ينشر وليد المعلم مجموعة من الوثائق الهامة التي رسمت أحداث غيرت مجرى التاريخ، بدءاً من بيان الاتفاق بين حزب الاتحاد والترقي والمنتدى الأدبي عام 1913 وانتهاء ببلاغ الجنرال روجيه المندوب السامي الفرنسي عام 1945. في هذا الملحق سلط الكاتب الضوء وأفسح المجال للقارئ ليطلع على الاتفاقات الكثيرة والوثائق الهامة والوعود التي غيرت التاريخ.

في المقدمة يوضح المعلم الغاية من الكتاب فيقول: "جاءت فكرة الكتاب من:

  • الحرص على تدوين فترة محددة من تاريخ سوريا الحديث وهي فترة الانتداب.
  • دعوة للمؤرخين والمحللين لتحليل تلك الفترة. فلا يمكن فهم الحاضر بمعزل عن قراءة الماضي.
  • محاولة الإجابة على تساؤل: هل الاستقلال نتيجة الأوضاع الدولية التي كانت سائدة أم بنضال الشعب ضد الاحتلال".

اعتمد المؤلف في كتابه على المنهج التاريخي، وبحث في تحالف الضعيف مع القوي، وفي تآمر القوي على الضعيف، كما درس نتائج مؤامرة اتفاق سايكس- بيكو، وسلط الضوء على الاتفاقيات التي وضعت لرسم حدود مصطنعة لا تمت للواقع والتاريخ بصلة.

ولكن وبرغم كل تلك المحاولات، يقول المعلم: "إن حلم السيطرة على سوريا راود كل القوى الاستعمارية، فتصارعت من أجله، لكن الحلم بقي سراباً، وبقيت سوريا مفتاح الشرق الأوسط، واعترف العدو قبل الصديق بأنها حجر الزاوية في المنطقة."، ص7-8.

ينتقل الكاتب بنا إلى تمهيد بعنوان "عرب وترك" متحدثاً "عن نشوء القوميات في المشرق العربي نتيجة لاستبداد السلطان العثماني عبد الحميد، فظهرت بوادر نهضة فكرية في سوريا ولبنان" كرد على النزعة القومية التركية. ويشير إلى ظهور حركات واتجاهات عربية عدة، البعض منها كان يدعو للبقاء في حضن الدولة العثمانية والعيش معاً، في حين دعت اتجاهات أخرى إلى الانفصال والثورة على الحكم التركي، وها هي الجالية العربية في باريس تشكل لجنة من عدد من الشخصيات الذين ستذكر أسماؤهم شهداء في سبيل الاستقلال، لتضع هذه اللجنة مطالب عدة لتقديمها لمؤتمر باريس عام 1913، من أبرزها: حقوق الدولة العثمانية وضرورة الإصلاح والمهاجرة من وإلى سوريا. لكن الأتراك عمدوا إلى إفشال هذا المؤتمر بمختلف الوسائل "ولم يكتفِ العثمانيون بزرع الخلاف بين صفوف الوطنيين العرب، بل بدؤوا البطش والتنكيل بالزعماء العرب"، ص27.

وقد أشار المعلم إلى الكتب التي صدرت في تلك الفترة والتي طعنت بالزعماء العرب ونادت إلى نبذ كل ما هو عربي، فيقول إن أحد هذه الكتب وعنوانه "تاريخ المستقبل": "إن المصلحة تقضي على حكومة الأستانة بإكراه السوريين على ترك أوطانهم..."، ص28.


سوريا ضحية الاتفاقات السرية

 

يعرض الكاتب أحداثاً هامة من تاريخ الدول العربية وسوريا تحديداً، فيعرض بداية للأوضاع التي كانت سائدة قبل الحرب العالمية الأولى متحدثاً عن العلاقات بين فرنسا وبريطانيا مع الدولة العثمانية وأيضاً علاقاتها مع ألمانيا، خصوصاً فيما يتعلق بالدخول في الحرب إلى جانب أي طرف من الأطراف. ويشير إلى بدء الاتصالات والمراسلات بين العرب وبريطانيا فيما بات يعرف لاحقاً بمراسلات الحسين – مكماهون، ودخول العرب الحرب إلى جانب الحلفاء في مقابل وعود بنيل الاستقلال وهي وعود لم تفِ بها بريطانيا. وفي المقلب الآخر كانت بريطانيا وفرنسا تعمل على تقاسم التركة العثمانية، يقول الكاتب: "لقد كشفت الوثائق التي نشرها الاتحاد السوفياتي بعد انتصار ثورته عام 1917 أن المفاوضات بشأن تقسيم تركة الدولة العثمانية بدأت بين الحلفاء في بطرسبورغ في شهر آب(أغسطس) 1914".

ولم يفت الكاتب من أن يقدم لنا وجهة نظره الهامة في نهاية كل فصل من فصول الكتاب، فيقول: "لقد خُ،دع الشريف حسين بالفعل بازدواجية السياسة البريطانية، لكنه أخطأ بعدم التشاور مع الوطنيين السوريين بشأن مراحل مفاوضاته مع مكماهون، وهم الذين فوضوه بقيادة ثورتهم"، ص47.

كما يتحدث الكاتب عن دخول العرب الحرب الى جانب الحلفاء، وتولي جمال باشا قيادة الجيش، تحدث عن المجازر التي ارتكبت في عهده "اشتهر جمال باشا من زمن بعيد بشدته وقسوته وتفننه في طرق القتل والاغتيال"، ص 50. ثم يعرج المعلم للحديث عن يوم الشهداء الذين قضوا بأوامر من جمال باشا وبتهم مختلفة أقلها الانتساب للجمعيات.

بعد إعلان الثورة العربية الكبرى 1916، يبايع العرب الشريف حسين ملكاً عليهم، الأمر الذي أزعج البريطانيين وزعماء نجد (آل سعود)، ثم تعطي بريطانيا وعداً لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين عام 1917، "لما اندلعت الحرب العالمية الأولى، انتقل النشاط الصهيوني نحو الحلفاء لثقتهم بانتصارهم، فبدأوا بمساومة الحكومة البريطانية، بوضع إمكاناتهم المادية والدعائية تحت تصرف الحلفاء، إذا ما قطعوا لهم وعداً يجعل فلسطين وطناً قومياً لليهود"، وكان لهم ما أرادوا، ص 69.

يتحدث الكتاب بإسهاب عن مؤتمر الصلح في باريس وعن لجنة كينغ – غرين وتنفيذ اتفاق سايكس – بيكو، كما يشير إلى الجمعيات والأحزاب التي نشأت في العهد الفيصلي والصحافة التي نالت اهتمام الأمير فيصل.

يقول المعلم:" إن أخطاء فيصل بدأت عندما وافق على النصيحة البريطانية بالتفاهم مع الفرنسيين مباشرة حول مستقبل سوريا، فكان اتفاق فيصل – كليمنصو وفيصل – وايزمان، أدت هاتان الوثيقتان إلى إحداث انقسام في الصف الوطني"، ص 99.


الانتداب والمقاومة

 يتحدث الكاتب عن إنذار غورو ورضوخ الأمير فيصل له، معرجاً على معركة ميسلون واحتلال دمشق من قبل القوات الفرنسية، ويقول: "هذه المعركة التي كانت ملحمة من ملاحم البطولة العربية، ورمزاً للتضحية والفداء في سبيل الوطن وحريته،"، ص 106.

ويضيف: "إن ما فعله يوسف العظمة وإخوانه في يوم ميسلون الخالد سيبقى صفحة مضيئة لكل الأجيال، فالتاريخ أولاً وأخيراً موقف"، ص141.

وفي فصل آخر يحدثنا الكاتب عن إجراءات سلطات الانتداب والتضييق على السوريين وفرض غرامات باهظة، والرقابة على الرسائل وإقفال مكتب اللجنة الوطنية وإصدار أحكام على رجال العهد الوطني، ومحاولات تقسيم سوريا إلى دويلات، مثل دولة العلويين ودولة دمشق ودولة الدروز ودولة حلب وسلخ لواء إسكندرون. ولكن رغم التضييق الشديد على الحريات لم يتوقف النشاط السياسي، وخاصة بعد قرارات التجزئة، فكانت الدعوة الى وحدة البلاد السورية ورفض التجزئة والتقسيم.

 ويخصص الكاتب المعلم هذا الفصل من الكتاب للحديث عن حركات المقاومة في سوريا ضد المحتل الفرنسي، يقول: "مرت الثورات السورية في طورين:

الأول: ثورات الساحل والشمال(1918-1922).

الثاني: الثورة السورية الكبرى (1925-1927). استهدفت هذه الثورات التحرر من الانتداب الفرنسي، والمطالبة بوحدة البلاد واستقلالها"، ص185.

من هنا ينطلق الكاتب للحديث عن أبرز الثورات في طوريها الأول والثاني، مستعرضاً ثورات الشيخ صالح العلي وإبراهيم هنانو وثورة سلطان باشا الأطرش، راصداً كل المعارك التي تخللتها والانتصارات التي حققتها. يقول المعلم: "إن التاريخ حكم للذين ثاروا ضد الاحتلال بالصفحات الخالدة، إن الثورات السورية رسمت لنا ولغيرنا من الشعوب قواعد خالدة وهي: أن الاستقلال يؤخذ ولا يعطى، وبأن الشعب القادر على التضحية لا يقهر، وبأن تحرير الأرض لا يتم إلا بالطريقة التي سلبت فيها"، ص212.


وعود من سراب

يتابع الكاتب الحديث عن الحركات السياسية في سوريا، "فقد ظلت الثورة السورية هاجس فرنسا بعد فشل كل الحملات العسكرية للقضاء عليها"، ص 215.

يتم تعيين الكونت هنري دي جوفنيل مفوضاً سامياَ، وكان أول سياسي غير عسكري يعين في هذا المنصب منذ بدء الانتداب، ويتم تعيين الداماد رئيساً للدولة والحكومة المؤقتة، ويعبّر المعلم عن وجهة نظره في هذه المرحلة قائلاً :"بالفعل استطاع دي جوفنيل أن يكتب نهاية الثورة السورية الكبرى، وأن يشق الصف الوطني من خلال سلسلة من الوعود التي أطلقها فصدقها البعض، وعمل على تحقيقها، بينما استمر رجال الثورة في نضالهم حتى قضت على ثورتهم جحافل الجيش الفرنسي"، ص 245.

وتحت عنوان النضال من أجل الدستور يخصص المعلم فصلاً من كتابه متحدثاً بداية عن حكومة تاج الدين الحسيني، وعن الجمعية التأسيسية والدستور، ويبيّن كيف تدخلت سلطات الانتداب لتأجيل دعوة الجمعية التأسيسية بسبب فوز قائمة الكتلة الوطنية في الانتخابات، ويشير إلى أن العام 1930 شهد حركة سياسية واسعة في البلاد، فقد تم تأسيس أكثر من 24 حزباً، من أبرزها: حزب الإصلاح وحزب الاتحاد الوطني وغيرها من الأحزاب التي ساهمت في الحياة السياسية السورية. وجرت الانتخابات النيابية عام 1932 والتي أدت إلى ظهور حزبين جديدين هما: الحزب الحر الدستوري وحزب الائتلاف، واختار الفرنسيون السيد محمد علي العابد لرئاسة الجمهورية وصبحي بركات لرئاسة مجلس النواب.

يتابع المعلم في الفصول اللاحقة الحديث عن الحركة السياسية السورية ونضالها ضد سلطات الانتداب، والأوضاع الدولية التي كانت سائدة في تلك الفترة.

وعن لواء إسكندرون يفرد المعلم فصلاً كاملاً من الكتاب يبدأه بأن علماء الجغرافيا في جميع العصور اتفقوا على اعتبار منطقة الإسكندرون قطعة من سوريا، ولكن سياسات الدول ومصالحها سلخت اللواء عن أرضه الأم ومنحته للدولة التركية.

عبد الرحمن الشهبندر هذا الرجل الوطني والذي عرفته كل سوريا بنضاله ضد المحتل، كان من المخلصين لقضية الوطن ووحدته واستقلاله، أفرد له المعلم الفصل العاشر من كتابه بعنوان "الشهيد الحي". ففي يوم الأحد 6 تموز يوليو 1940 فجعت سوريا باغتيال الشهبندر، وحملته دمشق على الأكتاف، ونادت به "الزعيم الأوحد".

لم ينتهِ الصراع الدولي على سوريا، وبدأت الحرب العالمية الثانية، وكان قد وصل ديغول إلى السلطة في فرنسا، وبدأ الصراع بين الفيشيين والديغوليين في المستعمرات الفرنسية ومن بينها سوريا.

يقول المعلم: "كانت سوريا بالنسبة للطرفين أهم مركز في الشرق، فهي جسر يربط بين آسيا وأوروبا"، ص271.

تتغير الأحداث بشكل جلي في  تلك المرحلة من تاريخ سوريا، فبعد انتصار الديغوليين والبريطانيين، عرفت جبهة سوريا ولبنان استقراراً نوعاً ما. يحدثنا الكتاب عن الصراع بين الفرنسيين والبريطانيين في سوريا، فقد وعد ديغول بمنح سوريا ولبنان الاستقلال، الأمر الذي أشعر البريطانيين بخيبة الأمل، لكنه يقرر مواصلة السير في سياسته بمنح البلدين استقلالاً صورياً يضمن سيطرة فرنسا على مقدراتهما.

في الفصل الأخير من الكتاب بعنوان "الاستقلال والجلاء 1944-1946" يحدثنا المعلم عن الجلاء، فقد دخلت البلاد في طور جديد على درب النضال لتحقيق الاستقلال، وكان للمقاومة الدور البارز في نيل الاستقلال الى جانب السياسة التي أسهمت به بشكل واضح.

"في 3 آذار(مارس) 1946 جرى التوقيع في باريس على اتفاق فرنسي – بريطاني ينص على البدء بإجلاء القوات الفرنسية والبريطانية عن سوريا، وأنجزت القوات الفرنسية والبريطانية جلاءها من الأراضي السورية يوم الأربعاء 17 نيسان(أبريل) 1946، فأصدرت الحكومة السورية قراراً باعتبار هذا اليوم عيداً وطنياً للجمهورية العربية السورية باسم عيد الجلاء، وتم في 19 تشرين الثاني(نوفمبر) 1946 انتخاب سوريا عضواً غير دائم في مجلس الأمن الدولي، فكانت أول بلد عربي تحرر في آسيا وأفريقيا من دون أي امتياز أجنبي، ودون عقد دينية أو طائفية أو إقليمية". ص475.

يشار إلى أن لبنان قد نال استقلاله في 22 تشرين الثاني نوفمبر من العام 1943.

كتاب "سوريا: الطريق إلى الحرية" هو أحد أهم الكتب التي كتبت تاريخ سوريا، وهو بهذا يعتبر مرجعاً تاريخياً لابد من العودة إليه لندرك أهمية هذه البلاد.

 الكاتب في سطور: وليد المعلم نائب رئيس مجلس الوزراء السوري – وزير الخارجية والمغتربين. درس في مدارس دمشق، نال شهادة بكالوريوس في الاقتصاد من جامعة القاهرة، عين سفيراً للجمهورية العربية السورية لدى الولايات المتحدة الأميركية بين عامي 1990 و1999، وشارك في مفاوضات التسوية مع إسرائيل عام 1991، وشغل منصب وزير الخارجية منذ العام 2006.

 

*ميادة سفر كاتبة سورية.