"الشتاء الأسود".. رواية مصرية تتوقع حرباً نووية

تتحدث الرواية عن "نهاية العالم" وتتمحور حول شخصية زياد وأخته فريدة اللذين يسكنان في مدينة أسيوط، وينقلب عالمهم رأسًا على عقب نتيجة حرب نووية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة.

رواية "الشتاء الأسود" للكاتب المصري أحمد صلاح المهدي
رواية "الشتاء الأسود" للكاتب المصري أحمد صلاح المهدي

إذا كنتم تتذكرون، فقد كتب أحمد صلاح المهدي رواية الخيال العلمي المذهلة "ملاذ: مدينة البعث". وقد أتبعها الآن برواية الشتاء الأسود (2018)، التي أطلقت أخيراً في معرض القاهرة الدولي للكتاب. وتمت مناقشة الكتاب مؤخرًا في الصالون الثقافي السابع للجمعية المصرية لأدب الخيال العلمي.

رواية "ملاذ" كانت عن "ما بعد" نهاية العالم، أما رواية "الشتاء الأسود" فهي "نهاية العالم" بالفعل، لأنها تحكي قصة نهاية العالم كمقدمة لـ"ملاذ". القصة تتمحور حول شخصية زياد وأخته فريدة؛ فتى وفتاة في ريعان شبابهم يسكنان في مدينة أسيوط في صعيد مصر في مستقبل مترف، وينقلب عالمهم رأسًا على عقب نتيجة حدوث حرب نووية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة.

والد زياد وفريدة د. سيف الدين هو طبيب في المستشفى المحلية، وأمهما د. سمية علم الدين مهندسة بارزة في مجال الهندسة الوراثية تعمل مع الحكومة المصرية. عندما اندلعت الحرب النووية استقبل زياد مكالمة هاتفية من والدته تخبره بأن يخزّن الطعام والاحتياجات الأخرى الأساسية لأنه قد تم استدعاؤها إلى القاهرة. السوبرماركت المحلي مزدحم بالناس واستغل الانتهازيون الفرصة لرفع الأسعار. ثم انهارت شبكات الهاتف وانقطعت إشارة التلفاز، لتتركهم في الظلمة بأكثر من طريقة. إنهم بالفعل في منتصف الشتاء، فقط لتنحجب عنهم الشمس بفعل الرماد الإشعاعي المتصاعد إلى طبقات الجو الخارجية، ليحل محل طبقة الأوزون المستنزفة في الأصل. صار على زياد أن يعتمد على حنكته، وأن يعود إلى وسائل البقاء البدائية؛ فيقطع الأشجار في الحديقة الأمامية ويحطم قطعاً من الأثاث لتبقيهما دافئين. لقد انقطعت الكهرباء أيضًا ووالدهما عالق في المستشفى، يحاول عبثًا أن يعتني بالمرضى المتأثرين بالإشعاع، من دون أن يعرف أن زوجته لم تعد تعتني بطفليهما.

د. قدرية سعيد، واحدة من النقاد في الأمسية التي عقدت في الجمعية المصرية لأدب الخيال العلمي لمناقشة الرواية، فسرت أن أحداث القصة تجري في أسيوط لأنها واحدة من أكثر المحافظات إهمالًا في مصر؛ ففيها أكبر معدلات البطالة، والعشوائية، والفقر، ونقص الخدمات. هناك حوادث السيول المشهورة التي جرت هناك مع نقص "الاهتمام" من جانب الحكومة. إغاثة الكوارث وإدارة الأزمات ليست واحدة من نقاط القوة لدى الحكومة المصرية وبالتحديد في تلك المحافظة. وإدارة الأزمات ليست واحدة من نقاط القوة عند العرب عامة.

هذا ما حدث في القصة؛ في البداية تدخل الجيش للحد من الكارثة، لفترة من الوقت، ولكن المؤن لم تكن تكفي الجميع، ولم يكن رجال الجيش في مزاج يسمح بالتعامل مع السكان المحليين. في الوقت ذاته تهجم عصابة مسلحة على المستشفى التي يعمل فيها والد زياد، ويخطفون فريدة. زياد ينقذ أخته ويتعلم أن يقتل بدماء باردة، بعد أن شاهد أباه يقتل أمام عينيه. هذه ضريبة الحرب الأهلية؛ لا يستطيع الأبرياء الدفاع عن أنفسهم، حتى لو كان اسمك سيف الدين.


الجوع كافر والنقد لاذع

لاحظ أن مساعد الدكتور سيف الدين يدعى رامي، وهذه كنية عسكرية، ويساعد زياد، ويعطيه سلاحاً، حتى يتمكن من إنقاذ أخته فريدة، ثم يتوجه إلى القاهرة.

ولكن الأمور تسير من سيء إلى أسوأ، فأكلة لحوم البشر يخطفون الناس من الشوارع، ومن ضمنهم زياد وفريدة. وبعد أن هربا بشق الأنفس يتوجهان إلى القاهرة ليكونا مع أمهما. ولكنهما وجدا أنهما مضطران للتعاون مع أحد المهربين للتسلل إلى داخل القاهرة والاختباء في محطة مترو السادات، والتي كانت مليئة بالفقراء واللاجئين، وقبلتهم السيدة العجوز الجدة بخيتة التي تتولى زمام الأمور بينهم.

يتصادق زياد أيضًا مع الشاب جلال الذي يخبره بشائعات عن ملجأ في دلتا النيل يدعى "الملاذ" يديره الصيادون (هذه الرواية هي الجزء التمهيدي لرواية ملاذ). ثم يهجم الجيش على مملكة ما تحت الأرض ويدمرها. كان السكان يحصلون على الإمدادات من دون بطاقاتهم الذكية؛ ولكن الكسل منع الجيش من اكتشاف ذلك من قبل، وروح الدعابة هي العلامة التجارية المصرية، وفي أحد المشاهد المضحكة يدفع فيها زياد لمهرب طعام معلب، طعام قطط.

يتحد زياد وفريدة أخيرًا مع أمهما، ويشعران بالأمان في بداية الأمر، ولكن زياد يشعر بالحنين إلى المجتمع الذي عاش وسطه أسفل الأرض، لقد أحسا بالدفء بين أناسٍ يعتنون بهما، أناس سخّروا حياتهم لمساعدة بعضهم البعض. هنا في مركز الأبحاث التابع للحكومة يعيشون حياة جيدة، على حساب حياة عدد كبير من الناس. يخبر زياد أمه بشكلٍ مباشر أنه يكره حياته الجديدة في هذا المكان وأنه سيغادر في أول فرصة تسنح له. يتعرض مركز الأبحاث للهجوم من قبل المحتجين الساعين في يأس للحصول على المؤن، ويتعرض زياد للخطف وتُقتل أمه أثناء محاولة إنقاذه.

المشهد الختامي لزياد وفريدة يصلان إلى الملاذ الآمن، ليجدا جلال هناك أيضًا ويستريحان أخيرًا بعد رحلتهما الطويلة والشاقة من أسيوط. هذه دلالة رمزية على أنهما ينتميان إلى هذا المكان، حيث يقرر الناس مصيرهم الخاص، ويعتمدون في توفير المؤن على أنفسهم.

وأحداث الرواية تمر بسرعة البرق، فلم أستغرق في قراءتها سوى يومين، الأحداث متتالية ومشوقة إلى هذا الحد، ومن العجيب أن رواية "الشتاء الأسود" كانت الرواية الأكبر حجمًا؛ 28000 كلمة مقارنة بـ23000 لرواية "ملاذ".


الأدب المقارن في مرآة العربية

من المنعش دومًا رؤية المصريين والعرب يتمكنون من الأشكال الأدبية الغربية بتلك البراعة، كي يضعوا بصمتهم الخاصة في تلك الموضوعات المطروقة مرارًا مثل نهاية العالم وما بعد الكارثة (post-apocalypse, end of the world) .

هذا النوع من الأدب هو أقدم مما نتخيله في تاريخ الخيال العلمي؛ لذا تأخرنا كثيراً كعرب في تقديم مساهمة قيّمة من مؤلف عربي، ومن بين الكتب الكلاسيكية في هذا المجال: "الرجل الأخير" (1826) لماري شيلي ورواية "المحاورة بين إيروس وتشارميون" (1839) لإدغار آلان بو، وهي و"آلة الزمن" (1895) و"حرب العوالم" (1898) لـ"إتش جي ويلز"، و"بعد لندن" (1885) لريتشارد جيفريس، و"الإنذار الأحمر" (1958) لبيتر جورج، ورواية "على الشاطيء" (1957) لنيفيل شوت.

أي شيء يمكن أن يؤدي إلى نهاية العالم في هذا النوع من الأدب، وليس فقط الحرب النووية. الطاعون والمجاعة والكوارث الطبيعية وغزو الفضاء والتمرد الآلي وما إلى ذلك.  

رواية "الشتاء الأسود"  قدأحيت كل هذه المخاوف، فهي رواية واقعية تمامًا في هذا الصدد؛ فأنت تظل تتساءل إن كان شيء فظيع كهذا من الممكن أن يحدث في بلد متجانس متآنس مثل مصر، حربٌ لا ناقة لنا فيها ولا جمل ـ في شبه الجزيرة الكورية ـ تؤثر علينا هنا. هل يمكن لحياتنا المرفهة أن تنهار فجأة؟ هل يمكن أن نتحمل العودة إلى الحياة البدائية، كأسلافنا، أن نضطر إلى قطع الحطب كي نبقي أنفسنا دافئين وكي نسلّح أنفسنا؟ هل يمكن أن ننجو من هذه الحرب، نفسًيا، وأن نتعافى من حالة الصدمة مثل فريدة؟ أم ستنفلت أعصابنا ونتصرف بقسوة مثلما فعل زياد في بعض المشاهد الهامة؟ هذه الأسئلة بالتأكيد أرقت فكر أحمد المهدي وقد أصبحت تؤرقني بدوري بواقعتيها المخيفة.

المدهش أن أحمد المهدي ترعرع بعد الحرب الباردة، عمره 26 سنة فقط؛ ولكن مخاوفه ومهاراته في القراءة تعدت هذه الحواجز الزمنية والمكانية. مصدر إلهامه كان تشكيلة من الروايات والأفلام وألعاب الفيديو .

خالد جودة أحد النقاد الحاضرين في صالون الجمعة المصرية لأدب الخيال العلمي رأى أن الهدف من الفن هو أن ينتزعك من غفوتك وأن يجعلك تتساءل عما يمكن أن يحدث، بطريقةٍ مثمرة. وكان أستاذ جودة محقًا أيضًا عندما أبرز حقيقة أن أحمد المهدي أصر على الكتابة بالعربية الفصحى، لا العامية المصرية؛ فبفعل ذلك أثبت أحمد المهدي أن العربية الفصحى هي لغة مرنة يمكنها تقبل وصف الأكشن والعنف والإثارة ومن خلال مفاهيم حديثة مثل الخيال العلمي وأدب الكارثة.

الاستلهام من التاريخ هو نقطة مميزة أخرى تستحق تسليط الضوء عليها، ظاهرة "آكلي لحوم البشر" ليست مستنسخة من السينما والأدب الغربي وأدبيات الزومبي (zombie)، بل مأخوذة من التاريخ المصري. فقد حدثت في العصر الفاطمي بسبب مجاعة في عهد المستنصر، سميت بالشدة المستنصرية، وقد أشار إليها الناقد خالد جودة خلال المناقشة في الصالون الثقافي.

والرجوع إلى الوراء خطر دامٍ إذا فشلت التكنولوجيا الحديثة في سياق الفقر والجهل، والتخطيط السيء، والإدارة السيئة للأزمات؛ فإن الأدب المستقبلي هو دعوة إلى شد الهمم.

العنصر الأنثوي مهم أيضًا، يتجسد في الجدة بخيتة، وفي والدة زياد، وأخت زياد. في البداية، تبدو فريدة الفتاة العاجزة الإعتيادية، ولكنها تنضج وتتعلم كيفية البقاء على قيد الحياة، وتُقتل. فريدة تنقذ حياة زياد وتعثر على طبيب متقاعد ودود يقوم بعلاجه. لدى الرجل صلات ويدفع بعض المال للجنود للعثور على والدتهم، الدكتورة سمية.

انتقادي الوحيد للرواية هو أنها لم تكن متسقة بالكامل مع رواية "ملاذ"، هنا تحدث الحرب بسبب صراع بين كوريا الشمالية وأميركا، بينما قيل لنا في "ملاذ" أن الحرب كانت بسبب النزاع على موارد الطاقة. أنا شخصيًا أفضل سيناريو الصراع على موارد الطاقة، فسيناريو كوريا الشمالية هو توجيه مباشر إلى عناوين الأخبار الرئيسية في هذه الأيام، وليس عملًا تنبؤياً كـ"ملاذ" التي تعد عمل كلاسيكيًا في أدب الخيال العلمي. لما لا يكون هناك حرب في الشرق الأوسط تتحول إلى حربٍ نووية عندما تحاول إسرائيل انتهاز الفرصة أثناء صراع مصر الداخلي؟ هذا سيناريو محتمل لو طلبت رأيي.

لكن ولحسن الحظ هنا تعمل الدكتورة سمية على إعادة توزيع الخريطة الجينية للحيوانات والنباتات لجعلها قادرة على تحمل الشتاء النووية والتوابع الإشعاعية للحرب. هذا من الممكن أن ينقذ العالم كلّه، هذا إسهام ممتاز في أدب الخيال العلمي من العرب إلى البشرية والعالم أجمع. لكن موتها كان متوقعًا!.