الوجود والنحو: قراءة فلسفية في أقسام الكلام العربي

يحاول عبد القادر لقـاح إثبات علاقة التقسيم الثُلاثي للكلام (إسم، فعل، حرف) بالوجود المُمكن بوصفه لا يخرج عن ثُنائية الجوهر والعرض.

الوجود والنحو: قراءة فلسفية في أقسام الكلام العربي
الوجود والنحو: قراءة فلسفية في أقسام الكلام العربي

صدر لعبد القادر لقـاح (أستاذ اللسانيّات والنحو في جامعة محمّد الأول بوجدة المغربية) كتاب بعنوان "الوجود والنحو: قراءة فلسفية في أقسام الكلام العربي" عن منشورات مقاربات في فاس.  

يحاول الدارِس إثبات علاقة التقسيم الثُلاثي للكلام (إسم، فعل، حرف) بالوجود المُمكن بوصفه لا يخرج عن ثُنائية الجوهر والعرض. ويشير إلى أن لمبحث الوجود حضوراً قوّياً في التُراث العربي الإسلامي بمختلف فروعه المعرفيّة، وهذا يؤكّد حضور نسقٍ فلسفي عام يصل بين جميع الحقول المعرفيّة بالرغم من اختلافها على مستوى الموضوع. وهكذا نجد مبحث الوجود حاضراً في الفلسفة والمنطق وعِلم الكلام والفقه والبلاغة والنحو وعِلم الوضع.

والذي عليه الجمهور أن ممكن الوجود هو كل ما عدا الله سبحانه وتعالى ولا يخرج عن أن يكون قائماً بنفسه لا يحتاج إلى موضوع ولا يحل في محل، وهو: الجوهر أو قائماً بغيره وفي موضوع ومحتاج إلى محل وهو: العرض.

ووفقاً لهذا التصوّر، فالله تعالى خلقَ الجواهر والأعراض، والعالم الحادِث المخلوق لا يخرج عن أن يكون إما جَوْهَــراً وإما عَـرَضاً، ومعرفة الله تعالى تقتضي تنزيهه في مُجانسة مخلوقاته ومُشابهة الحوادث، وفي هذا يقول الشيخ عبد الغني النابلسي:

مَعْرِفَةُ اللهِ عَلَيْكَ تُفْتَرَضْ **** بِأَنَّهُ لا جَوْهَرٌ وَلا عَرَضْ

وكونُ اللغة أصواتاً، تعريف بالجنس البعيد، كما يقول المناطقة، لأن الصوت يشمل اللفظ وغيره. ولو قلنا (ألفاظاً) لكان أنسب وهو ما عليه الجمهور، كقول إبن مالك (كَلامُنا لَفْظٌ مفيدٌ كاستقمْ).

وبما أن اللغة وسيلة للتعبير عن الوجود المُمكن، ألا يمكن أن تكون هناك علاقة بين التقسيم الثلاثي للكلام (إسم، فعل، حرف) وبين الوجود المُمكن بوصفه لا يخرج عن ثنائيّة الجوهر والعــرَض؟ وأيُّ أقسام الكلامِ يعبِّر عن الجـوهر، وأيّ منها يعبِّر عن العرض؟ وهل القسمة الثلاثية قسمة عقلية؟ وهل هي قسمة وجودية؟

لقد عرض الدارِس بداية لمبحثِ الوجود - على نحو مُقتضب - عند الفلاسفة والمُتكلّمين، لأن مبحث الوجود مبحث فلسفي كلامي بامتياز؛ ولكنه في الوقت نفسه يمتد إلى المباحث الأخرى، لأنه بمثابة الأساس الأبستيمولوجي لها، فإذا كانت الفلسفة بحثاً في الموجود من حيث هو موجود، فإن العلوم الأخرى هي بحث في أعراض موجود/ موضوع ما (على اختلاف الموضوعات بين عِلم وآخر).

ثم خصّص الباحِث المبَحث الثاني للغة والوجود، وتناول فيه مراتب الوجود الأربع (الوجود الخارجي، الوجود الذهني، الوجود الرسمي، والوجود اللفظي)؛ وعرض لأقسام الكلام في النحو العربي في ضوء نظرية الوضع (عند عُلماء الوضع) وشرح في هذا الخصوص نظرية المرآة كما بسطها الإيجي ومن تابعه من عُلماء الوضع والأصوليين والبلاغيين؛ محاولا إثبات أن القسمة الثلاثية للكلام هي قسمة عقلية وقسمة وجودية، وفي ضوء هذا التصوّر بَحَثَ في (المصدر) و(المُشتقّات)، واستعرض أقوال النُحاة والأصوليين وعُلماء الوضع، وخصّص المطلب الأخير من هذا المبحث لأقسام الكلام في ضوء ثنائيّة الكلّي/ المُشخّص كما هي مبسوطة في كتب عُلماء الوضع.