آفاق النفط والغاز في شرق المتوسط

تعتبر «إسرائيل» تصدير الغاز فرصة لتعزيز مكانتها الجيوسياسية ومن أجل تمتين العلاقات مع دول الجوار.

الاكتشافات الجديدة (النفط والغاز) في شرق البحر الأبيض المتوسط تضيف بعداً جديداً للصراع العربي - الإسرائيلي
الاكتشافات الجديدة (النفط والغاز) في شرق البحر الأبيض المتوسط تضيف بعداً جديداً للصراع العربي - الإسرائيلي

يتضمّن هذا الكتاب الدراسات والمحاضرات التي ألقِيت في ندوة خاصة عقدتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، حول صناعة الغاز في شرق المتوسط، باعتبارها صناعة استراتيجية، والبدائل المستقبلية التي قد تنتج منها.

إن القاعدة أو الخلفية التي انطلقت منها المؤسسة في بحث هذه القضية هي الاكتشافات البترولية الجديدة (النفط والغاز) في شرق البحر الأبيض المتوسط، والتي تضيف بعداً جديداً إلى الصراع العربي - الإسرائيلي، نظراً إلى الثروات الطبيعية الكامنة في المناطق الاقتصادية الخالصة البحرية في شرق المتوسط من ناحية، وإلى الخلافات والتعقيدات الناتجة من غياب حدود بحرية مرسومة قبل هذه الاكتشافات من ناحية أخرى.

وقد عالجت المحاضرات والبحوث المقدّمة في الندوة المذكورة أبعاداً متعدّدة في مسألتي النفط والغاز، وخصوصاً دور الكيان الإسرائيلي «الاستشاري» وتأثيره السلبي على طموحات فلسطين والدول المجاورة لها في مجال استخراج واستثمار الحقول النفطية والغازية المكتشفة خلال العقد الأخير.

ومن خلال المحاضرات أو الدراسات التي وردت في الكتاب، حول سياسات الدول المعنية بهذه القضية، يمكن «التقاط» أهم الأفكار أو المحاور ذات الصلة، وهي:

لبنان

خلال محاضرة لرئيس اللجنة النيابية للأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه، النائب (السابق) محمد قبّاني، ورد أن شركة أس. جي. أس الأميركية، التي أجرت مسوحاً في بحر لبنان بناءً على موافقة شفهية من وزير الطاقة السابق محمد عبد الحميد بيضون في سنة 2002، اكتشفت وجود كميّات هائلة من الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط؛ لكن اللجنة النيابية لم تطّلع على ما كان يجري حينها.

وقبل ثلاث سنوات، يضيف قبّاني، رفع وزير الطاقة آنذاك جبران باسيل، دعوى ضدّ الشركة المذكورة لدى المحاكم اللبنانية. وقد صدر قبل أشهر حكم بإلزام هذه الشركة تسليم الحكومة اللبنانية نتائج المسوح التي نفذتها، حيث اطّلعت اللجنة على هذه الكشوفات الهائلة، بحسب قبّاني.

يقول رئيس مجلس إدارة هيئة قطاع البترول لسنة 2016، وسام الذهبي، إن في لبنان ميزات تفاضلية بما يخصّ الاستثمار الجيّد لثروته النفطية والغازية المكتشفة حديثاً، ومنها:

- لبنان يضمّ بلوكّات كبيرة غير مكتشفة، ولدى الدولة اللبنانية قاعدة بيانات ربما هي الأضخم في المنطقة والعالم، بعد إجراء الكثير من المسوح الزلزالية الثنائية والثلاثية الأبعاد؛ فالمنطقة الاقتصادية الخالصة مستكشفة بنسبة 100٪ بالمسوح الثنائية الأبعاد، وبنسبة 80٪ بالمسوح الثلاثية الأبعاد، ما يعني أن أي شركة تستطيع خلال عام فقط أن تستفيد من البيانات على صعيد الاستكشاف.

- لدينا ميزة تفاضلية أخرى تتمثّل في قرب لبنان من الأسواق العربية، وكذلك من السوق التركية التي خسرناها، لأن خط الغاز العربي الذي يصل مصر بالأردن وسوريا ولبنان كان يجب أن يصل إلى تركيا؛ لكن المشروع توقف. ولو كان في لبنان غاز لاستطعنا إمداد دول العبور.

 

تركيا

يقول السفير التركي في لبنان، تشغاتاي أرجييس، في محاضرته التي ألقاها ضمن فعاليات الندوة نفسها، إن بلاده تؤمن بقوّة بأن المواد الهيدرو-كربونية (المكتشفة في المنطقة) يمكن أن تكون مصدراً للسلام والتعاون والازدهار للأطراف كافة. ويضيف: إن تركيا سوق مهمة للغاز الطبيعي يزداد فيها الطلب على الغاز، وتمثّل بلداً للترانزيت المنخفض التكلفة، بفضل بُنيتها التحتية القائمة وتلك الجاري تطويرها. ولذلك فهي خيار أكثر جدوى وحيوية تجارياً لتصدير الغاز البحري الإسرائيلي والقبرصي واللبناني.

 

دول المنطقة

يكشف ناصر حطيط، عضو مجلس إدارة هيئة قطاع البترول في لبنان، أن الاحتياطات المؤكدة من الغاز الطبيعي في دول المشرق (وخصوصاً سوريا والعراق) تتجاوز 220 تريليون قدم مكعب، والمتوقعة (سوريا والعراق وفلسطين والأردن ولبنان) نحو 400 تريليون قدم مكعب. لكن، وعلى الرغم من هذه الأرقام الضخمة، فإننا لا نزال نستعمل الفيول لإنتاج الكهرباء بدلاً من الغاز الطبيعي. ففي سوريا، يتم إنتاج أقل من نصف حاجة الكهرباء (الحاجة نحو 7 إلى 8 غيغاوات) من الغاز، وفي العراق أقل من الربع (الحاجة نحو 16 إلى 20 غيغاوات)؛ وهذا يعني أن: النفط يُستخرج ويُباع، بينما الغاز الطبيعي لم يبدأ استغلاله بعد.

وعن الحلول، يقول حطيط: أمامنا خياران لاستغلال مقدّراتنا الهائلة: الأول هو الخيار السهل الذي يعتمد على الاستخراج والتصدير وإدخال أرباح إلى صناديق الدول. وعند هبوط أسعار النفط، سوف تتدنّى أرباح الدول ويتم التوقف عن تأمين ريع المواطن. أما الخيار الآخر، فيعتمد على ربط استغلال الموارد الأحفورية بالتنمية المستدامة، عبر الاستثمار في إنتاج الكهرباء ووسائل النقل وتطوير الصناعات التي تستعمل النفط والغاز كمواد خام لا كمحروقات فقط؛ وهذا هو الخيار الرشيد، الذي يستدعي سياسات عابرة للحدود تعتمد على إنتاج الغاز في العراق وسوريا واستهلاكه محلياً أولاً، ثم تصديره.

 

الكيان الإسرائيلي

يقول صالح جلاّد، المستشار المالي لشركة اتحاد المقاولين (CCC)، إن العوامل الجيوسياسية والجغرافيا الاقتصادية المرتبط بعضها ببعض تطغى على الدول ذات الشواطئ المشتركة في حوض شرق المتوسط، بما فيها تركيا وقبرص وسوريا ولبنان.

وتشكّل «إسرائيل» خطراً واضحاً وقائماً على مصالح فلسطين ومصر، فضلاً عن مصالح المجتمع الدولي ككل، خطراً يعوق بصورة جديّة نشاطات النفط والغاز في حوض شرق المتوسط والنشاطات الإجمالية من هذه النشاطات.

ويتابع جلاّد: ستشكّل الثروة الهيدروكربونية والموارد المائية العوامل الرئيسية التي ستحدّد مستقبل منطقة الشرق الأوسط غير المستقر فعلاً.

يكشف محمد الأنصاري، رئيس شركة كرمة سولار- القاهرة، أن حقلي تامار ولفيتان في «إسرائيل» يملكان احتياطات تساوي معاً نحو 20 - 25 تريليون قدم مكعب؛ وهذا أكبر مما قد تستهلكه «إسرائيل» في قرن من الزمن. وتمرّ خيارات التصدير إما عبر خط أنابيب مكلِف ويجب أن يعبر مياهاً عميقة جداً (تفوق 8000 قدم عمقاً) ليصل إلى تركيا (التي تتزود حالياً بالغاز من روسيا)، إما عبر خيار أقل تكلفة يتمثل في بناء خط أنابيب قصير نسبياً، يصل إلى شبكة خطوط أنابيب الغاز الوطنية المصرية.

ويتابع الأنصاري: سيسمح الخيار الثاني لـ«إسرائيل» بالبيع في السوق المحلية المصرية، أو بدفع رسوم للتصدير من خلال الشغور المتاح في أحد معامل الغاز الطبيعي المسال.

وتقود دولفينوس، وهي شركة مصرية، المفاوضات مع «إسرائيل» للدخول في اتفاقية تتيح استيراد الغاز من حقل لفيتان.

ويستنتج الأنصاري بأن مصر باتت في موقع فريد يمكّنها من العمل كمركز للغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، نظراً لغياب البنية التحتية اللازمة للغاز، كما لضعف الطلب المحلّي القوي عليه، في «إسرائيل» وقبرص على وجه الخصوص.

ومن شأن اكتشافات رئيسية في لبنان أن تعزّز أيضاً موقع مصر هذا.

وحول آفاق الصناعة البترولية الإسرائيلية وحدودها، أعدّ محرّر الكتاب، وليد خدّوري، وهو الخبير النفطي ورئيس التحرير السابق لنشرة «ميس» النفطية  (MESS)، بحثاً مختصراً جاء فيه أن «إسرائيل» تحاول منذ بداية الألفية الثالثة اكتشاف البترول في مياه شرق المتوسط، وذلك بعد الاكتشافات الغازية التي حققتها مصر في مياهها شمالي الإسكندرية وبور سعيد، واكتشاف السلطة الفلسطينية في بحر غزّة حقل غزّة مارين. وبناءً على الاحتياط المكتشف في المناطق البحرية، والذي بلغ 39 تريليون قدم مكعب تقريباً، بدأت «إسرائيل» بتغيير الأسس المعتمدة لسياستها الطاقوية، وباشرت تخطّط لتحويل تغذية معظم محطات الكهرباء المحلية من الاعتماد على المنتوجات البترولية أو الفحم إلى استعمال الغاز الطبيعي.

وقد استغلّت «إسرائيل» أوضاعاً معيّنة في الدول العربية المجاورة المتصالحة معها، والتي تواجه كغيرها من الدول العربية الأخرى، ازدياداً في استهلاك الغاز الطبيعي، ونقصاً مرحلياً في إمدادات الطاقة، الأمر الذي سيضطرها إلى تنويع مصادر الاستيراد وزيادة بدائل الطاقة.

وتبنّت «إسرائيل»، بمساندة الولايات المتحدة، سياسة التصدير أولاً إلى الدول العربية المجاورة المتصالحة معها. والهدف الجيو -استراتيجي لتبنّي هذه السياسة هو تحقيق تطبيع أكثر ضمانة للعلاقات مع الدول المعنية، إضافة إلى الفرصة التي يتيحها تصدير الغاز بالذات للتغلغل في قطاع الطاقة العربي الاستراتيجي، والنفوذ الذي ستتيحه هذه الخطوة لـ«إسرائيل» لاحقاً للمشاركة في تقرير نمو الصناعة العربية، من خلال التحكم بأسعار الغاز والكهرباء.

"السياسة الإسرائيلية العامة لقطاع الغاز" هو عنوان الدراسة الأخيرة في الكتاب، والتي أعدّتها يولا البطل، المتخصصة في الشؤون الإسرائيلية، ورندة حيدر، محرّرة نشرة «مختارات من الصحف العبرية" في مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

وقد ركّزت الباحثتان على استعراض الخلافات التي دارت بين المؤسسات الإسرائيلية والهيئات المعنية بملف الغاز من جهة، وبين الشركات المستثمرة من جهة أخرى، قبل التوصل إلى إطار تنظيمي متفق عليه بشأن آلية إدارة عائدات الثروة الغازية في «إسرائيل»؛ والذي يُطلَق عليه «اتفاق تسوية الغاز».

والحديث هنا هو عن «دولة» تعتبر نفسها عُرضة على الدوام لخطر يتهدّد وجودها، وتضع مواردها الطبيعية في خدمة مشروعها الصهيوني الرامي إلى تعزيز مكانة «إسرائيل» كدولة يهودية، بحسب الرؤية اليمينية المتطرفة التي تتحكم فيها اليوم، ومن أجل تحقيق الاستراتيجيا الإسرائيلية التي تهدف إلى تحقيق الهيمنة الاقتصادية والسياسية على دول المنطقة.

وفي الواقع، فإن «إسرائيل» تعتبر تصدير الغاز فرصة لتعزيز مكانتها الجيوسياسية (من خلال تصدير الغاز ومشاريع الغاز المشتركة)، ومن أجل تمتين العلاقات مع دول تربطها بها معاهدات «سلام» (الأردن ومصر)، أو مع دول الجوار مثل تركيا من جهة، أو قبرص واليونان من جهة أخرى.

أخيراً، تضمّن الكتاب خرائط وجداول حول القطع البحرية المطروحة للاستثمار والنشاط الاستكشافي في شرق المتوسط، وحول أهم الحقول الغازية العالمية، وتلك المكتشفة في شرق المتوسط، وفي الكيان الإسرائيلي.

 

 *كاتب لبناني.