واقع التربية في المجتمع الشرقي المعاصر

التربية في لبنان تسهم في زيادة القلق والشعور بالذنب عند االتلميذ، بدلاً من تقويم طاقاته العقلية والعاطفية والاجتماعية.

التربية في لبنان تسهم في زيادة القلق والشعور بالذنب عند االتلميذ
التربية في لبنان تسهم في زيادة القلق والشعور بالذنب عند االتلميذ

في ظلّ الانفصام الحاصل اليوم بين مستويي الأخلاق والسياسة، يحتاج العالم المعاصر إلى تربية متجددة وناشطة، ترعى حياة الإنسان من المهد إلى اللحد. فالأجيال المعاصرة تبدو عُرضة -أكثر فأكثر- لتزايد نسبة الاضطراب في تكيّفها مع البيئة، وذلك بشكل يتلاءم مع تزايد الضغوط الناجمة عن التغيّرات العلمية الحاصلة في كلّ المجالات.

تقول مؤلّفة الكتاب في المقدّمة إن تشديدها على أهمية التربية الأسرية ثم المدرسية ينطلق من الواقع الحياتي المميّز لتاريخ الإنسان؛ إذ بدت هذه التربية بمثابة عماد للمجتمعات ووسيلة أساسية لتأمين بقائها واستمراريتها.

والحق يُقال إن التربية شكّلت منطلقاً لتقدم المجتمعات البشرية وتطورها، لأنها باتت جزءاً لا يتجزأ من أنشطة الحياة المعتادة التي واكبت سير الحياة الإنسانية بكلّ حقباتها.

في الفصل الأول (واقع التربية - ماضياً وحاضراً)، تؤكد المؤلّفة أنه لا بدّ من الاطّلاع على الحقائق التاريخية في سياق محاولة فهم واقع التربية في المجتمع الشرقي المعاصر، لأن التربية لا تقتصر على عملية التعلّم التي تحصل داخل الفصل في المدارس وفي معاهد التعليم فحسب؛ بل تتعداها لتشكّل تلك العملية الموجّهة نحو تغيير سلوك الإنسان، وعلى مستوييه الفردي والجماعي.

لكن الاطّلاع على هذه الحقائق ليس سهلاً، إذ يتطلب الوقوف على مجمل أبعاد حركة المجتمع (التراث، السياسة، الاجتماع، الاقتصاد) وعلاقاته الثقافية بالثقافات الأخرى؛ كما يتطلب فهم المتغيرات السياسية والاجتماعية.

وتشير المؤلّفة إلى حقيقة تاريخية تحدث عنها الدكتور سعيد إسماعيل علي، وهي أن «الفكر التربوي ليس سوى منظومة فرعية من نظام أكبر هو المجتمع بأسره»، مع ما يحمل من أبعاد وما فيه من تعقيدات.

وبالتالي، فالمهمة التربوية هي مهمة صعبة وشاقة، تبدأ مع حياة الإنسان ولا تنتهي إلاّ بمماته. ويستحيل فهم الإنسان المعاصر لمقوّمات هذه المهمة التربوية انطلاقاً من منظار الأمس ومفاهيمه.

حول (مقوّمات التربية المعاصرة وطبيعتها)، تتحدث المؤلّفة في الفصل الثاني عن أهمية الثقافة (التربية)، انطلاقاً من العلاقة القائمة بين من يقدّم هذه الثقافة (المعلّم) ومن يتقبّلها (التلميذ)، إذ تجمع هذه العلاقة بين شخصين يتميّز كلٌ منهما بكيان وجودي خاص به. وهنا تبرز أهمية الحاجة إلى علم النفس والمتخصصين به.

وتورد المؤلّفة بعض الأفكار في سياق دخول علم النفس على الخط التربوي، ومنها:

 

1- وضع الاختبارات النفسية لتصنيف التلامذة.

2- ارتباط الإخفاق المدرسي بتاريخ الفرد.

3- الإفراط في التوجيه كعدمه؛ كلاهما ينعكس سلباً على إنسانية الفرد وتطلعاته.

تجدر الإشارة هنا إلى أن العالم العربي، بالمقارنة مع العالم المتقدم (الغربي خصوصاً)، يعاني عجزاً فكرياً وتربوياً حال دون تحوّل الفكر التربوي إلى طاقة حقيقية تبثّ الحياة في الواقع التعليمي، فتقضي على ما فيه من أمراض ومشكلات.

وتستنتج المؤلّفة أن التربية الجديدة تعتمد على مفهوم فلسفي حول الطفل في بيئته الفيزيقية والاجتماعية. كما تتضمن تطبيقاتها تربية معنوية شاملة تهدف إلى تنمية الطاقات الشخصية للطفل، بأبعادها العقلية واليدوية والعاطفية والجسدية والاجتماعية.

في الفصل الثالث (تطوير المقوّمات التربوية تماشياً مع تطور مجالات المعرفة العامة)، تعدّد المؤلّفة معطيات لا بدّ من أخذها في الحسبان لتطوير المقوّمات التربوية، تماشياً مع تطور مجالات المعرفة العامة؛ ومن أهمها:

 

1- الحاجة إلى أسلوب تعليمي حياتي إبداعي.

2-التربية عملية مستمرة؛ تبدأ داخل الأسرة وتُستكمل في المدرسة.

3-دور المكافأة والعقاب في تحقيق التربية لأهدافها الرئيسية.

4-تربية الكفاءات.

5-دخول الكثير من المهمات الجديدة على خط التربية الحديثة.

6-دور التربية في التغيير الاجتماعي.

وتستخلص المؤلّفة من هذا الفصل أن على التربية ملاحقة التغييرات وتجديدها بشكل مستمر كي تتواءم مع احتياجات العصر، وتحقق التغيير الإيجابي المناسب لمراحل التعليم والشامل لها كلّها.

(ماهيّة التربية وكُنه دور المعلم)، هو عنوان الفصل الرابع من الكتاب، وفيه تعرّف المؤلّفة التربية كعملية تطبيع اجتماعي، تنطلق من ضرورة تنمية الفرد، ويتمحور هدفها الأساسي حول مساعدة الكائن البشري على بلورة الصفات المميّزة له عن سائر المخلوقات الحيّة الأخرى من جهة، ومن أفراد سواه من جهة أخرى. وتلفت إلى ارتباط عملية توسيع الأهداف التعليمية وتوضيحها ارتباطاً وثيقاً بإمكانيات الطفل وحاجاته ونموّ مدركاته.

وهنا لا بدّ من مراعاة ما سمّته المؤلّفة (مطالب النمو)، التي تختلف باختلاف الخلفية الثقافية من مجتمع إلى آخر ، وأبرزها:

1- الإحساس بالثقة، باعتباره المكوّن الأول للشخصية السليمة، لأن جذوره تترسخ داخل الطفل منذ عامه الأول.

2-الإحساس بالاستقلال، الذي تتبلور معالمه ما بين سن السنة والسنة والنصف، حيث يُلاحظ انصراف معظم رصيد الطاقة عند الطفل النامي باتجاه تأكيد ذاته.

3-المبادرة الشخصية (أو الإحساس بالمبادأة)، حيث تنمو عند الطفل، منذ سن الرابعة أو الخامسة، تلك (الأنا الوازعة) التي تشكّل ما سمّي بـ (الأنا العليا)، أو الوازع الأخلاقي عند الإنسان الراشد.

4-الإحساس بالإنجاز والإتمام، لأنه متى تدعمت أسس الثقة والاستقلال والمبادأة في حياة طفل المراحل الأولى من النمو، كانت احتمالات تقدّمه إلى المراحل التالية كبيرة.

5-الإحساس بالهوية، حيث تبدأ حيرة الطفل في هويته عند بلوغه سن المراهقة، وهي المرحلة التي تنقله إلى عالم الرشد. ويترجم ذلك في ثورته على من رافقه سابقاً (من أهل ومعلّمين).

6-الإحساس بالودّ والتآلف، حين يمتد شعور المراهق بذاته، أي بوحدة شخصيته، ليتجاوز ذاته، أي (أناه)، فيهتم بالآخرين، من دون إهمال حاجته الشخصية التي لا بدّ من إشباعها.

وفي الخلاصة، تتبيّن أهمية تأكيد واقع وحدة حياة الإنسان المتعددة المراحل، وكون عملية النمو تصدر من داخله هو، ولا تُفرض عليه من الخارج. ثم إن كلّ مرحلة من المراحل المذكورة تتميز بخصائص جسمية واجتماعية ونفسية انفعالية وعقلية، ينبغي للمعلّم أخذها في الاعتبار لدى تأديته لمهمته التربوية.

في الفصل الخامس (التربية البنّاءة والصحّة الذهنية)، توضح المؤلّفة هدفها من دعوة المربّين إلى إعادة النظر في دور التربية، انطلاقاً من توجهين رئيسيين:

1-نقل جوهر المعرفة وأشكال التفكير والقيم الثقافية.

2-تكامل التربية المدرسية مع التنشئة الأساسية للطفل داخل أسرته.

 

ومن ثم تعدّد مقوّمات هذه التربية كالآتي:

1- دور التربية، لأن الأهل لا يمكنهم القيام بهذه المهمة لوحدهم، وإنما بالتكامل مع المدرسة والمعلّم، الذي يجب أن يتمتع بتجهيز شخصي ومعرفي مناسب.

2- التعليم ضرورة لكلّ فرد معاصر، مع ضرورة تحسين مهمته من خلال البرامج المدرسية بصفتها أداة أولية تُرسي أسس التآزر ورصّ الجهود الجماعية في سبيل ضبط التغير الثقافي الاجتماعي.

3- النمو المعرفي عند الطفل، ويتحصل عبر مرافقته لإطلاعه على كيفية إدراكه للعالم المحيط به والصورة التي يكوّنها عنه.

4-القصور والعوائق الثقافية؛ فنوع اللغة المستعملة في المنزل، والأهمية الممنوحة لها في عملية ضبط الأطفال لنزواتهم ومساعدتهم على تخزين المعلومات، يرتبط بالسهولة التي سيجدونها في تعلّم القراءة وتقبّل التعليمات.

5-ضرورة انسجام المعطيات الثقافية مع النظام البيئي المحيط بالطف، حتى لا يفقد الطفل ثقته بالأهل والعالم المحيط به؛ إذ يشكّل مثله الأعلى، ونموذج المعرفة والقدرة الذي يطمح إلى التماهي معه.

وعليه، يتبيّن أن التعلّم لا يحدث مرة واحدة؛ وتنوّع مراحل اكتسابه يضاعف عند الفرد ظروف تعزيزه.

(الطفل والمدرسة والمعلّم والأهل)، هو عنوان الفصل السادس من الكتاب، وفيه تبحث المؤلّفة في الدوافع الكامنة وراء إمكانية تحقيق التعلّم، والتي يمكن ردّها إلى دوافع اجتماعية الصبغة، ودوافع شخصية فردية، ودوافع ترتبط بدور المعلّم وكُنه مهمته. أما الدوافع الاجتماعية، فتتمثل في الارتباط الوثيق بين التقويم المعرفي المدرسي والعوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الخاصة بالجماعة التي ينتمي إليها التلميذ الطفل.

وتعني المؤلّفة بالدوافع الفردية ردود فعل الارتياح والفخر المثارة داخل التلميذ جرّاء نجاحه في المدرسة، وجرّاء الميل الشخصي الكامن في أعمق أعماقه إلى تحقيق المعرفة والتعلّم.

ولأن المعلّم يُعدّ الراشد الوحيد داخل الصف، يشدّد العلماء على أهمية تمثيله للمقوّمات التربوية. وعلى التربية، من ثمّ، كما يقول موكو (Mauco)، أن تركّز على التعبير الرمزي الخاص بالتلميذ.

ولذا، يتمثل الوضع التربوي الإيجابي في إمكانية تحقيق حوار تبادلي إيجابي بين المعالّم والتلميذ، لا بإقامة علاقة تؤسس على تفوّق الراشد على الطفل وامتلاكه معرفة يفتقر الطفل إليها.

كذلك، للأهل في هذا الإطار تأثير حاسم، إذ عليهم إعادة طرح المشاكل الشخصية للطفل، حيث من الممكن أن يعيشوا العمليات النفسية المرافقة لدخول طفلهم إلى المدرسة وانفصاله عنهم.

ومن ثمّ تشرح المؤلّفة أسباب الإخفاق المدرسي وإخفاق التكيّف مع المحيط، بموازاة شرحها للنجاح المدرسي ومفهوم الذات عند الطفل، متوقفة عند ما يسمّى الذكاء الوجداني، الذي يعمل على تحقيق عالم تؤمّن للأطفال، ضمن إطاره، إمكانية تحقيق النضج الانفعالي والوعي الروحي؛ وهما أكثر عنصرين تفتقر إليهما المجتمعات المعاصرة.

ويمكن القول إن الذكاء الوجداني يوقظ في الطفل بعض الكفاءات الداخلية، كالاندفاع الذاتي، والإدراك، والتعاطف، والتي قد تبقى خامدة ما لم تهتم البيئة (المدرسة والأهل خصوصاً) بإيقاظها وإحيائها لدى الطفل.

في الفصل السابع (التربية في مجتمعنا الشرقي المعاصر - حالة خاصة: المجتمع اللبناني)، تتوقف المؤلّفة عند المعطيات التربوية الممارسة في المجتمع الشرقي المعاصر، قصد التعرف إلى وضعه التربوي الحالي.

وتتخذ المؤلّفة من المجتمع اللبناني حالة خاصة لتحليل العلاقة بين المدرسة والسلطة الاجتماعية، لأن تركيبة السلطة في المجتمع تصطاد الإنسان منذ الصغر، فتعوّده على غير وعي منه، وعبر عملية التنشئة الاجتماعية السياسية المبكرة، على الإخلاص لما لقّنه إياه الأهل والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية، من لغة ودين وسلوك وتقاليد وقيم ومفاهيم ... إلخ.

لذا يبدو واضحاً، في رأي المؤلّفة، أن الكتب المدرسية في لبنان ليست من وضع مختصين تربويين نفسيين، اطّلعوا على المستجدات التربوية فأخذوها في الاعتبار لدى وضعهم للنصوص الأدبية أو اختيارها، وخصوصاً لدى وضع الملحقات الأخلاقية النهائية؛ بل هي، على العكس، من وضع مؤلّفين غارقين في خضم النظام الاجتماعي الكلاسيكي القديم التوجه.

في الفصل الثامن والأخير (دور المعلّم في خفض الاضطراب النفسي لدى الطفل - حالة خاصة: المعلّم اللبناني)، تقدّم المؤلّفة عدداً من الأفكار أو النصائح للمربّي لأداء مهمته التربوية بنجاح، ومنها أن يكون قريباً من التلميذ فيشعره بالاطمئنان، وأن يعي المربّي (المعلّم) وضعيته النفسية كي يتمكن من توجيه سلوكه توجيهاً ناجحاً ومفيداً، فيساعده على القيام بعمليتي النقل Transfert  والتحويل Transformation الإيجابيتين من الأهل إليه.

وتلاحظ المؤلّفة أن التربية في لبنان تسهم في زيادة القلق والشعور بالذنب عند الإنسان (التلميذ)، بدلاً من تقويم طاقاته العقلية والعاطفية والاجتماعية وتحريرها من صبغتها الليبيدية التكافلية (التعلّق بالأم بالدرجة الأولى).

وتدعو المؤلّفة في هذا السياق إلى "ثورة ثقافية جذرية"، والتي تعني التخطيط الشامل لتربية ٍ تتبصر الوقائع، فتعلّم الطفل كيف يعيش في الحاضر والمستقبل، لا في الماضي، إذ إن الأمور تستبقه.

كما تدعو المؤلّفة في خاتمة كتابها إلى وضع ذوي الكفاءات أيديهم في أيدي الآخرين، فيتكاتفوا لهدم حصون الجهل، وإحداث الثورة الفعلية التي طال أمد انتظارها.

*حسن صعب كاتب لبناني.