الحداثة الممتنعة وتحوّلات المجتمع والدولة في الخليج

يبحث الكتاب في التحولات الجارية في عمق المجتمعات الخليجية. تحولات ستقود إلى تغيّرات في نمط العلاقات الاجتماعية والسياقات الثقافية والهياكل الحاكمة لأنماط السلوك.

كتاب "الحداثة الممتنعة في الخليج العربي: تحوّلات المجتمع والدولة" للباحث باقر سلمان النجار
كتاب "الحداثة الممتنعة في الخليج العربي: تحوّلات المجتمع والدولة" للباحث باقر سلمان النجار

يقول المؤلّف باقر سلمان النجار في مقدّمة كتابه "الحداثة الممتنعة في الخليج العربي: تحوّلات المجتمع والدولة" إن بعض السياسات والتنظيمات والتشكيلات (في دول الخليج)، تبدو في هياكلها الداخلية، ولربما في بعض آليات عملها الداخلية أو إنجازاتها منتسبة إلى عالم النظم الحديثة؛ لكنها تخضع في منتوجها الرمزي لسياقات ثقافية ينتسب بعضها إلى مرحلة ما قبل الدولة أو قبل المجتمع الحديث، حيث السلطة في هذه المؤسسات تبقى «أحادية» النزعة. كما أن معايير الانتساب إليها قائمة على معايير العزو والعصبوية.

وهو يستنتج بأن قدرة بعض الأطراف الخليجية على إرباك التحولات التي كان يمكن أن يقودها حراك «الربيع العربي» في المنطقة قادت إلى قدرٍ متنامٍ من الفوضى، ليس في مواقع ومجتمعات الحراك، بل في بعض دول المنطقة، بحكم الارتباط الجغرافي والجيوسياسي، من حيث ارتدادات القوى الإسلامية الموظفة في المواقع العربية الأخرى.

ويُردف بالقول إنه إذا ما استطاع النفط أن يحدث تغيّرات مهمة في المنطقة على مدار العقود الستة التي تلت اكتشافه، فإن تكنولوجيا وأدوات الاتصال الاجتماعي باتت قادرة على اختراق الأفراد من الداخل؛ وهي في ذلك تُحدث تغيّرات في الفرد وتغيّرات أكبر وأشمل في المجتمع.

وكمثال، فإن الاستخدام الجديد للهواتف المتنقلة في مجال «تويتر» و«فيسبوك» و«واتس آب» قد أصبح في الخليج مدخلاً مهماً للمعلومات غير الرسمية، بعيداً عن قدرة الدولة على ضبطها أو منعها. وهي أداة إن لم توظف سياسياً فقد باتت تأثيراتها كبيرة في علاقة الدولة بالمجتمع.

في الفصل الأول من الباب الأول من الكتاب، وعنوانه "الدولة: سلطة تهدّدها تضامنياتها"، يوضح المؤلّف بأن الدولة والمجتمع في منطقة الخليج لا يمثّلان كينونتين منفصلتين عن بعضهما بعضاً بحدود وهياكل ومؤسسات تنتظم فيهما العلاقة بين الدولة والمجتمع، كما هي في المجتمعات الحديثة؛ بل هي حالة تتماهى في العلاقة بينهما.

ويشرح المؤلّف تفاعل «التضامنيات» المختلفة داخل المجتمع مع الدولة والتأثيرات المتبادلة فيما بين هذين الكيانين غير المنفصلين في الواقع؛ هذه التضامنيات التي قد تأخذ صيغاً ومسمّيات، لكنها تعبّر عن حصص الجماعات والأفراد في مركّب القوّة القائم.

من هنا فإن الدولة في مجتمعات الخليج، ونتيجة لتباطؤ بنائها المؤسسي والثقافي، تبدو انعكاساً لمنظومة التحالف القائمة بين «التضامنيات» في المجتمع، بعضها أو إحداها من ناحية، ومؤسسة الحكم من ناحية أخرى. بل يمكن القول إن هذا التحالف أو هذا التوافق بينهما يمثّل العصب الأساسي الذي يحافظ على كيان الدولة والمجتمع في منطقة الخليج، برغم المتغيرات المتسارعة في محيطها، خلال العقود الأخيرة.

ورغم أن الدولة في الخليج لا تقوم على أيديولوجيا محددة، كما هي الأنظمة العربية الأخرى في بلاد الشام وإفريقيا، فإن التوظيف الكبير للعاملين العرب في جهاز الدولة كمستشارين وفنيين، من ناحية، والتحالفات السابقة والحالية مع جماعات الإسلام السياسي العربي، كجماعات «الإخوان» والسلف، من ناحية أخرى، بدا أنه مشكّل لنوع من الأيديولوجيا التي تعمل هذه الجماعات، عبر أجهزة الدولة، على تحقيقه.

ويتوقف المؤلّف عند أبرز خصائص الدولة في الخليج، والتي سمّاها «الهندسة الاجتماعية» التي تشكّلت في عموم المنطقة وليس في الدول الخليجية فقط، وذلك بفعل «المال النفطي» الذي أعطى تلك الدول قوة في إعادة تشكيل نسيجها الاجتماعي الداخلي: حَضَر مقابل بدو وريف، وسنّة مقابل شيعة، وعرب مقابل هولة أو عجم، وليبراليين مقابل إسلاميين، ومواطنين مقابل أجانب أو وافدين.. بل إنه ساعدها أيضاً على إدارة المنافسة والصراع فيما بينها!

 

الجماعة والطبقة في الخليج

في الفصل الثاني (التراتبيات الاقتصادية والاجتماعية: الجماعة والطبقة في الخليج)، يعالج المؤلّف مسألة تشكّل الطبقات في دول الخليج، وتأثير عوامل النفط والدين والقبيلة والعرق فيها. ومن ثم يحلّل موقع «الطبقة الوسطى» و«الطبقة التجارية» في المجتمع، وتأثيرها السياسي والاجتماعي والاقتصادي داخل دول الخليج وفي الاقتصاد العالمي!.

ويكشف المؤلّف أحد أهم معضلات بعض أفراد الطبقة الوسطى، أنها في سبيل بقائها وسعيها إلى المال والقوة الاجتماعية والسياسية، تكون أكثر استعداداً للارتداد عن أفكارها ومواقفها السابقة؛ بل إنها تبدو حينها أكثر استعداداً لتجاوز القانون أو كسره، لتصبح مجرّد فئة وصولية تبرّر لنفسها كل تجاوزاتها اللامهنية واللا أخلاقية؛ فيما اكتفت الطبقة التجارية بمواقعها الاقتصادية وبانشداداتها العصبوية، مبتعدة عن أداء أدوار سياسية داخل هياكل الدولة الخليجية.

في الباب الثاني من الكتاب (ولكم في العمالة الأجنبية حياة)، يبحث المؤلّف، ضمن فصول عدّة، في قضية العمالة الأجنبية في دول الخليج، والتحديات التي تطرحها على صعيد الهوية، والمخاطر السياسية والأمنية، والتداعيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بسبب الأعداد الهائلة من الوافدين الأجانب (من دول آسيوية وإفريقية عديدة)، إلى هذه الدول ، طيلة العقود الماضية.

وبعدما يحلّل المؤلّف عوامل الطلب على القوى العاملة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والاحتياجات الطبيعية أو المفتعلة لسوق العمل في تلك الدول، وتداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية التي حصلت في العام 2008 في الولايات المتحدة، يتوقف عند مفارقات كثيرة طالت الطرف الأساسي المعني بهذه القضية، وهم الوافدون الأجانب، أو ما يسمّى «عمالة الرتب الدنيا»، والذين صُدِموا (بأغلبهم) بتبخر حلم الثراء السريع في دول النفط الخليجية، لتصعب بذلك، أو تستحيل عملية دمج هؤلاء في النمط الاقتصادي والاجتماعي الخاص بالبلدان التي استقبلتهم، في مراحل تاريخية مختلفة، ومن خلال قنوات استقدام غير قانونية غالباً، على أمل استثمار «طاقاتهم» بأقلّ قدرٍ من الكلفة!.

ويعبّر أحد أبناء الجيل الثاني من المهاجرين إلى دول الخليج خير تعبير عن هذه الصورة القاتمة، بقوله: «لا أشعر بانتماء إلى غير هذا البلد. لقد ولِدت وتعلّمت وأعمل فيه؛ ومع ذلك أنا أجنبي!».

وفي الخلاصة، فإن المجتمعات الخليجية (الكويت والبحرين كنموذجين فاقعين)، وبفعل التلكؤ في بناء الدولة الحديثة فيها من الناحية المؤسساتية والحقوقية والدستورية، تتلكأ فيها عمليات الدمج الاجتماعي على صعيد الداخل من السكان، فكيف لها أن تتم على صعيد الخارج منه؟

 

وضع المرأة الخليجية

في الباب الثالث (المرأة والمجتمع)، يناقش المؤلّف وضع المرأة الخليجية في ضوء تحولات القرن الحادي والعشرين، على الصعد الاجتماعية والسياسية، مثل انخراطها في سوق العمل وأدائها لأدوار سياسية، والتحديات التي واجهتها من قِبل فئات دينية وسياسية واجتماعية مختلفة.

ويستدل بأن نشأة "المول" (Mall)، أو ما نسمّيه في ثقافتنا المحلية المجمّع/ المجمّعات التجارية أو مجمّعات الأسواق، في الولايات المتحدة في نهاية السبعينات من القرن العشرين، عدّت تحولاً مهماً في الموقف من مسألة التسوق، حيث استطاع «المول» أن يكسر الاحتكار «الذكوري» لعملية التسوق، والذي يتماثل في بعض أوجهه مع فكرة كسر الاحتكار النخبوي في الثقافة (الرجل) وبروز الشعبي (المرأة).

وإضافة إلى المجمّعات التجارية، يبرز «الفضاء الرياضي»، والمناسبات الدينية ذات الطابع الاجتماعي، مثل شهر رمضان والمولد النبوي، حيث ترتفع حمّى الشراء في بعض البلاد العربية، ولتتأكد مقولة القصور المنهجي في الدراسات والبحوث حول قضايا المرأة، ككيان منفصل عن الفضاء الاجتماعي والثقافي، وربما السياسي والاقتصادي التي هي جزء منه؛ بل إنه من الصعوبة بمكان البحث في قضايا المرأة بعيداً عن مركّب القوة القائم في المجتمع. هذا المركّب الذي بقدر ما تشكّله هياكلنا الاقتصادية، فإنه يتشكّل وفق سياقاتنا الثقافية ووفق بعض قِيمنا الدينية.

والاستهلاك، كنزعة وكممارسة سلوكية، هو جزء من هذا السياق المشكّل لكلّ كياننا وممارساتنا. وهو بفعل عمليات العولمة الأخطبوطية متمفصل في كلّ جزء من أجزاء حياتنا. ونتيجة لذلك، تمثّل ثقافة الاستهلاك جزءاً من هذا السياق الذي لا يمكن أن يكون وقعه أو حجمه عند المرأة أكبر من الرجل.

 

مأزق التعليم في الخليج

في الباب الرابع (التعليم ومعضلات التنمية البشرية)، يبحث المؤلّف في «مأزق التعليم الجامعي في الخليج»، مشيراً إلى وجود قرابة 44 مؤسسة تضم نحو مليون طالب ونصف المليون.

ويقول في هذا السياق: «لا يخفى أن التطورات الأخيرة التي مرّت بها المنطقة العربية، ومنها منطقة الخليج، قد ساقت إلى دفة بعض إدارات المؤسسات الجامعية قوىً إدارية حوّلت هذه الجامعات أو بعض مؤسساتها إلى قطاعات مغلقة على البعض دون الآخر، أو حوّلتها إلى ساحات للصراع يأخذ بعضها بعداً طائفياً والآخر قبلياً أو سياسياً؛ وهي في محصّلة لها أبعدت هذه الجامعات عن وظيفتها الأساسية في إكساب المعرفة واكتسابها. وبذلك، مالت أحياناً إلى أن تكون منحازة وغير مستقلة في وظيفتها الاجتماعية ومعطّلة في أدوارها بفعل القيود والصراعات».

وهنا يدعو المؤلّف إلى الإدراك الواعي بأهمية الإصلاح التعليمي الحقيقي وليس الشكلي، مع الأخذ بمعايير العمل الجامعي بتقاليده الصحيحة ومتطلباته العالمية، لتحقيق تقدم حقيقي في واقع المؤسسة الوطنية (أي الجامعة).

ومن ثم يقدّم المؤلّف مقاربة لمواقع دول الخليج، الإقليمية والدولية، في إطار تحديات التنمية البشرية، التي تواجهها أغلب مجتمعات العالم الثالث. ويستنتج بأن الوطن العربي خسر رهان التنمية الاقتصادية؛ وهو في ذلك قد خسر أيضاً رهان التنمية البشرية/ الإنسانية، التي تلبّي حاجات الأفراد والجماعات، وتنقلهم من واقعهم الاقتصادي/ الاجتماعي/ الثقافي/ السياسي، الذي في أقلّه قد يوصف بعبارات الفشل والتخلّف، إلى واقع إنساني أفضل وأرحب.

هذا مع العلم بأن دول مجلس التعاون الخليجي «أفضل» نسبياً، على الصعيد الاقتصادي، من شقيقاتها العربيات، إضافة إلى قدرتها على تقديم خدمات اجتماعية، كالتعليم والصحة، بفعل بحبوحتها النفطية.

لكن المؤلّف يعرض في هذا الإطار لتحديات عدة تواجهها تلك الدول، وأهمها قدرتها على الانتقال بالخدمات المقدّمة للناس من طابعها الخدمي إلى طابعها التنموي الإنتاجي؛ وكذلك قدرة هذه الدول على «تجويد» مستوى خدماتها لتنعكس إيجابياً على كلّ فئات المجتمع وجماعاته المتنوعة.

ويبقى التحدي الأساسي المتمثل في قدرة أنظمة دول الخليج السياسية على التعايش والتأقلم مع المتغيرات الدولية، والأخرى المتعلقة بوسائط الاتصال وتوظيفاتها المحلية والدولية؛ فمن دون تحقيق شرط الديمقراطية والمشاركة السياسية، وتعزيز السيادة لدولة القانون وتأكيد المواطنة الواحدة بلا رتب أو تراتب، ستبقى الإنجازات البشرية لدول مجلس التعاون الخليجي منقوصة التحقق.

 

الخليج وإرباك العولمة

ويتوقف المؤلّف، في الباب الخامس من كتابه (الخليج وإرباك العولمة: تحوّلات الناس والمكان)، عند التحديات التي فرضتها العولمة، وتحديداً الثورة المعلوماتية والقيم التي حملتها، على المجتمعات العربية عموماً، ومجتمعات دول الخليج بشكل خاص. فقد وجدت هذه المجتمعات نفسها في حيرة وارتباك، بين واقع اجتماعي وثقافي واقتصادي، وربما سياسي، فرضته عمليات العولمة، وبين فضاءات اجتماعية وثقافية ترفض أن تتواءم مع المعطيات الدولية.

ويقدّم المؤلّف نماذج عن تأثيرات العولمة في قضايا الزواج والطلاق، والتي كان للوسائط الاجتماعية تأثير مهم فيها، بموازاة تأثير العوامل الاقتصادية والاجتماعية التقليدية. وهو يتطرق في هذا السياق إلى (جدل المكان والإنسان في إطار المدينة الحديثة)، على قاعدة أن المدينة ليست مجرد تخطيط فيزيقي وتنظيم خدماتي، وإنما تركيبي معقّد من الأنساق القيمية والثقافية.

ومن ثم يعرض المؤلّف لنماذج من المدينة الخليجية، والتي تنقسم إلى ثلاثة أنماط من المدن الفرعية منقطعة الوصل عن بعضها بعضاً؛ وهذه الأنماط هي:

 

1- المجاورات القديمة (الأحياء الشعبية).

2- عمارات وفلل سكن الأجانب.

3- أحياء وضواحي السكان المحليين.

 

ويخلص إلى أنه رغم محاولات إضفاء الطابع المحلي في التصميم الخارجي للبيت الخليجي وبناء بعض المجسّمات والمقاهي والأسواق والمجاورات القديمة، يصعب على المرء تحديد هوية المدينة الخليجية الثقافية؛ أو بالأحرى يسهل نسبها إلى إحدى المدن الأميركية لا إلى المدينة العربية الإسلامية!.

 

الهوية والجماعة

وتحت عنوان (الهوية والجماعة)، الذي وضعه المؤلّف للباب السادس، تم بحث موضوعات عدة ترتبط بالهويات المتصارعة وحقوق المواطنة في دول مجلس التعاون الخليجي، وخصوصاً موقع الأقليات والإثنيات التي تعيش في تلك الدول، في إطار الصراع بين الهويات وحق المواطنة.

وهو يورد في هذا المجال فكرة مجسّدة لهذا الواقع المعقّد، وردت على لسان تركي الفيصل، سفير السعودية السابق في الولايات المتحدة، ورئيس الاستخبارات العامة السعودية السابق؛ والذي يقول: "إننا في دول مجلس التعاون منكشفون استراتيجياً في مجالات كثيرة، عسكرية واقتصادية وأمنية وسكانية وتنموية. وعلينا لنكون آمنين في أوطاننا أن نحصّن جبهتنا الداخلية بمزيد من الإصلاح؛ إصلاح الخلل البنيوي في اقتصاداتنا.. وترسيخ مفهوم المواطنة كأساس لعلاقة المواطن بالدولة، وتوسيع دائرة المشاركة في نظمنا السياسية..".

ويستكمل المؤلّف هذا النقد اللاذع من قِبل أحد أركان الحكم السعودي للنظام السياسي والاجتماعي السائد في دول الخليج، بقوله: "إن استخدام التاريخ ووسائط التواصل الحديثة، والمنابر الدينية، يعزّز حالات التوتر بين الأطراف المختلفة في المجتمع. وهكذا الحال بالنسبة لتوظيف (السلطة) للّغة في وصف الآخر، أو بالأحرى في رميه بأوصاف ومسمّيات مستجلبة من التاريخ، كالروافض والصفويين والنواصب والفرس والمجوس؛ هذه الأوصاف التي يُعاد إنتاجها في إطار صراع الهويات، أو بالأحرى المصالح، الأمر الذي يُسهم في خلق «سياج اجتماعي» يؤسس لحالة الخوف من الآخر، ولتوسيع الفجوة مع المواطنين من أتباع المذاهب الأخرى (مثل الشيعة).

ويقول المؤلّف إن تجاوز معضلة عجز عمليات التحديث في دول الخليج عن بلوغ مرحلة تشكيل مجتمع المواطنة، لا يمكن أن يتم إلاّ عبر بناء ثقافي وسياسي جديد، يصيب الدولة كما يصيب المجتمع، وتتأكد به الهوية الوطنية الكبرى!.

وحول أوضاع الإثنيات والأقليات في المجتمعات الخليجية، يدعو المؤلّف إلى تطبيق المساواة في الحقوق السياسية والمدنية لكلّ المواطنين في دول الخليج، باختلافاتهم الإثنية والعرقية والقبلية، في النصوص والممارسة معاً. وهو يقدّم معطيات رئيسية في هذا السياق حول شيعة الخليج، بمختلف تفرعاتهم وانتماءاتهم، والجماعات الإثنية التي لديها علاقات بدول الجوار المباشر، كبلاد فارس والهند، والأقليات الأخرى، بصفتها المذهبية أو الإثنية، والتي يشكّل ثباتها ونموّها في دول الخليج منذ عقود مديدة تحدياً ثقافياً وسياسياً واجتماعياً يجب مواجهته بأساليب علمية وحضارية، بعيداً عن التوظيف السياسي والنفعي لهذه السلطة أو تلك من حكومات دول الخليج.

 

الثقافة والمثقفون

في الباب السابع والأخير (الثقافة والمثقفون)، يبحث المؤلّف في النسق أو الأنساق الثقافية في دول الخليج، والتحديات التي تواجهها الثقافة الخليجية في القرن الحادي والعشرين، ومنها التحدي السياسي، والتحدي الاجتماعي، والتحدي الثقافي، والتحدي التعليمي، وتحدي العلاقة مع الغرب.

ويوضح قصده بالتحدي السياسي، القادم من النظام السياسي ذاته، وتحديداً في خوفه من أن يقود الثقافة المجتمع إلى وضع يستحيل ضبطه؛ فيما قصد بالتحدي الاجتماعي ما يحصل من مقارعات ونزاعات قد تدفع السلطة (ومؤسساتها الأمنية) إلى اتخاذ مواقف عدائية من هذا المكوّن الاجتماعي أو ذاك.

ويعني التحدي الثقافي ما يصدره متعاطو ومنتجو الثقافة الإبداعية، أو مدّعو إنتاجها، من حيث ضعف حضورهم الثقافي على المستوى المحلي، كما على المستوى الإقليمي؛ وبما يسهم في إنتاج ثقافة ليس لها نوع من السلطة الفكرية في المجتمع لكي تمثّل مرجعاً في فلسفة الحكم، كما هي في فتاوى الاجتهاد الديني.

أما التحدي التعليمي، فيتمثّل في عجز النظام التعليمي في دول الخليج عن أن يكون محرّكاً وباعثاً للثقافة بصورها الجديدة، وإن كان مساهماً في بروز اهتمامات عامة بقضايا الأدب والشعر والنقد. وهنا يكشف المؤلّف دوراً سلبياً وخطيراً لـ(الريع النفطي)، في إنتاج «المثقف النفطي» المحلي، والمثقف «المتنفط» القادم من الخارج. فقد أدّى الريع النفطي إلى تغيير جوهري في هوية المثقف العربي ووظيفته، مع تنوّع كبير في انتماءات النخبة الخليجية، السياسية أو الفكرية (الإنتلجنسيا).

في خاتمة الكتاب، وبعد أن يتعرض بإيجاز لما سمّاه «الليبرالية الخليجية»، وهي الجماعة التي لا تزال تبحث عن فكر خاص ومستقل، (تضم شخصيات وجماعات ذات انتماءات إسلامية أو قومية سابقة)، يستنتج المؤلّف بأن الليبرالية السياسية، كما الاجتماعية والاقتصادية، لا يمكن لها أن تتجذر في المجتمع ما لم تشكّل الجماعات الأقل حظاً في المجتمع، من المنظور السياسي والاقتصادي، ولربما الاجتماعي، معيناً أساسياً لها، وما لم تشكّل الديمقراطية نسقاً ثقافياً أصيلاً في المجتمع، تتمفصل حوله كلّ الممارسات الاجتماعية والسياسية والاتجاهات الفكرية والثقافية، وما لم تمثّل الطبقة الوسطى، باتساعها، المعين والرافد الأساسي لهذه الحركة.

 

*كاتب لبناني.