"صلاة تشيرنوبل" وانهيار الاتحاد السوفياتي

انتهى الحلم السوفياتي الطوباوي على الأرض إلى كابوس، ولذلك يربط الكتاب بين انفجار تشيرنوبل، وانهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه، بل يعتبر أحد الشهود أن الحادث الأول أدى إلى تسريع وقوع الحادث الثاني.

"صلاة تشيرنوبل" وانهيار الاتحاد السوفياتي
"صلاة تشيرنوبل" وانهيار الاتحاد السوفياتي

في عام 2015، أثيرت ضجة واسعة حول فوز الكاتبة الصحافية البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش بجائزة نوبل في الآداب عن كتبها التي تتناول الحرب والمعاناة في روسيا بحس صحافي إبداعي، قائم على جمع الشهادات وتعدد الأصوات. وآنذاك اعتبر فوزها توسيعاً لمفهوم الأدب المتجاوز للأشكال التقليدية، كالشعر والقصة والرواية والمسرحية، حيث وُصفِت كتابتها بأنها أقرب للتقريرية أو السردية الصحافية أو الوثائقية.

وأرجعت سارة دانيوس الأمينة العامة الدائمة للأكاديمية سبب فوزها إلى "أن الكاتبة طرقت دروباً أدبية جديدة، ففي السنوات الثلاثين إلى الأربعين الأخيرة أجرت سفيتلانا مسحاً للإنسان خلال المرحلة السوفياتية وما بعدها. لكن الأمر لا يتعلق بحوادث بل بمشاعر". فتصريح دانيوس يؤكد أن حصول سفيتلانا على جائزة نوبل سببه "دروب أدبية جديدة" و"لا يتعلق بحوادث بل بمشاعر".

لقد صنعت سفيتلانا من طريقة سردها فناً، ومن طريقة ترتيب الشهادات صنعت لوحةً، ودقة اختيار الشهود منحت كتبها حيوية وتنوعاً، والتقاط اللحظات الإنسانية أعاد بناء الحادثة فى مستوى أعمق، وجعلنا نشعر حرفياً بوصف سفيتلانا لحادثة تشيرنوبل بأنها "لحظات توقف فيها الزمن ليفكر".

تؤكد سفيتلانا أليكسيفتش: "إن ما أكتبه ليس أدبًا، إنه وثيقة. ما هو الأدب اليوم؟ من بإمكانه أن يجيب على هذا السؤال؟ نعيش أسرع من أي وقت مضى. يمزق المحتوى الشكل، يكسره ويغيره. كل شيء يفيض متعديًا شواطئه، الموسيقى، الرسم –حتى الكلمات في الوثائق تهرب من حدود الوثيقة. لا حدود بين الحقيقة والتلفيق، أحدهما يتدفق نحو الآخر".

لدى "سفيتلانا" خمسة كتب، ولكنها تشعر أنها جميعاً كتاب واحد "كتاب عن تاريخ اليوتوبيا"، حيث انشغلت صاحبة سلسلة "أصوات اليوتوبيا"، بما يرويه الإنسان الصغير بنفسه عن الزمن وعن نفسه.

تمهّد أليكسيفيتش لكتابها "صلاة تشرنوبل" الصادر عن دار"مصر العربية للنشر والتوزيع" في القاهرة، بتثبيت بعض الوثائق التاريخية عن انفجار محطة تشيرنوبل النووية في أوكرانيا، الذي يعتبر أضخم كارثة تكنولوجية في القرن العشرين، وقعت يوم 26 نيسان/ أبريل 1986، وشملت آثارها الكارثية أكثر من مليوني مواطن. الوثائق جمعتها "سفيتلانا" على مدار عشرين عامًا، من العلماء، والأطباء، والجنود، والنازحين، والوافدين، والأطفال، والموظفين. ولكن جائزة نوبل لم تصغ تلك الشهادات في شكل صحافي/ وثائقي، وإنما صنعت منها رواية ضخمة متعددة الأصوات. وأنتجت لاحقاً مزيداً من المصابين بالأمراض السرطانية والتخلّف العقلي والاضطرابات النفسية العصبية والتغيرات الجينية المفاجئة.

في ذلك اليوم عام 1986، الساعة الواحدة، وثلاث وعشرون دقيقة، حينما دمرت سلسلة من الانفجارات. المفاعل في المبنى الذي يحوي وحدة الطاقة رقم 4 لمحطة تشيرنوبل الذرية. وبالنسبة لبيلاروسيا، اعتبر الحادث كارثة قومية، أدت لضياع أربعمائة وخمس وثمانين قرية ومستوطنة، بين هؤلاء 70% دفنوا تحت الأرض إلى الأبد.

واحد من بين كل خمسة بيلاروسيين يعيش على أرض ملوثة، يقدر عددهم بمليونين، ويأتي الإشعاع في مقدمة العوامل الديموغرافية المسؤولة عن نقص السكان في بيلاروسيا.

قسّمت الكاتبة سفيتلانا مؤلفها "صلاة تشرنوبل" إلى ثلاثة فصول، "أرض الموتى"، و"إكليل الأحياء"، و"استعذاب الحزن"، دشّنته وختمته بما عنونته بصوت إنساني يتيم، داخل كل فصل تتعدد الأصوات، لتؤدي بما يشبه المعزوفة الموسيقية الحزينة، يؤديها كورس الجنود وكورس الشعب، وكورس الأطفال.

صاغت سفيتلانا في كتابها كل شهادة من تلك الشهادات كوحدة سردية مستقلة تشبه إلى حد كبير قصة قصيرة قائمة على الحوار مع الذات (مونولوغ)، وسمّتها هي في عنونتها مونولوغات، وكل وحدة من تلك الوحدات مذيّلة باسم الشاهد الحقيقي ومهنته أو ما يمكن وصفه به، وكل الشهادات مكتوبة بصيغة (الراوي المتكلم)، لتختفي الكاتبة وتتنازل عن دورها بوصفها وسيطاً بين القارئ والشاهد. يتحدث أصحابها إلينا مباشرة، أطباء وجنود وأمهات وعلماء وأطفال، يحكون لحظات إنسانية فريدة، وكيف أثّرت في حيواتهم، وأصبح ما بعد الانفجار يختلف عما قبله اختلافاً جذرياً.

تؤكد الكاتبة على واجب التذكّر في مواجهة سلطة النسيان، وتؤرخ الشهادات لتكون وثائق للمستقبل. حتى عنوان الكتاب نفسه ساحر ومثير للتأمل «صلاة تشيرنوبل»، وكأن الأحياء يقدمون الصلاة على أرواحهم، مثلما يتذكرون أرواح أحبائهم.

أما أبطال الكتاب فهم يتحدثون على طبيعتهم، يتلون عباراتهم بلون الحزن والصدمة، يعتبرون كارثة تشيرنوبل أسوأ من كل الحروب، أسوأ من الحرب العالمية الثانية، ومن حرب أفغانستان. المكان والزمان أيضاً حاضران في الكتاب بقوة، زمان ما قبل الانفجار، وما بعده أيضاً، ولد بعد الانفجار ما يطلقون عليه "إنسان تشيرنوبل"، شخص يحمل الإشعاع فى جسده، يتفاداه الناس أينما حل. هناك حكاية عن رجل عاد إلى بيته، فلم يجد زوجته وطفله، هربت مع ابنها. حكاية أخرى عن فتاة تعثرت مشروعات زواجها لأنها تنتمي إلى تلك الفئة المسماة "إنسان تشيرنوبل".

فكرة سفيتلانا المحورية هي المراجعة، مراجعة كل الأفكار، وإعادة تأمل مفاهيمها: الأيديولوجيا، والحب، والموت، والأمان، وقوة الإنسان، والصداقة، والكراهية، والبطولة، والدولة، والحزب، والفرد، والجماعة، والماضي، والحاضر، والمستقبل.. يصبح حادث تشيرنوبل، الذي أصاب في آثاره المدمرة مواطني وقرى بيلاروسيا، عقدة مأساوية، تقود سفيتلانا وشهودها إلى لحظات اكتشاف وتنوير وتأمل، يبدو ظهور «إنسان تشيرنوبل» مقدمة لظهور إنسان جديد.

تتحدث الكاتبة عن أساليب السلطة السوفياتية في تضليل الناس، وإيهامهم أن النظام قوي لدرجة لا تستطيع أية كارثة أن تؤثر فيه، تقول إن البلاد لم تكن مستعدة للكارثة النووية، وإنهم كانوا أبناء زمنهم، ووثقوا بما علّموهم إياه بأن المحطات النووية السوفياتية هي أكثر أماناً في العالم، ويمكن بناؤها في الساحة الحمراء.

تكتب سفيتلانا عما تسمّيه بالتاريخ المُغْفل، تقول إنها شاهدة على تشيرنوبل، التي تصفها بكارثة الزمن، وتسأل نفسها عن ماذا تشهد، على الماضي أم المستقبل؟ تقول إنها تنظر إلى تشيرنوبل كبداية للتاريخ الجديد، وتعتقد أنه ليس معرفة فحسب، بل مقدمة المعرفة، لأن الإنسان دخل في جدال مع التصورات القديمة عن نفسه وعن العالم. وتلفت إلى أنها تكتب وتجمع الأحاسيس اليومية والأفكار والكلمات، وتحاول الارتقاء لتكون روحاً.

هل كان لا بد من الكارثة، هل كانت ضرورة للاستيقاظ من سبات القيم التي عاشها الإنسان السوفياتي وتملكت منه، كالتضحية، والإيمان بالاشتراكية، والبطولة؟

انتهى الحلم السوفياتي الطوباوي على الأرض إلى كابوس، ولذلك يربط الكتاب بين انفجار تشيرنوبل، وانهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه، بل يعتبر أحد الشهود أن الحادث الأول أدى إلى تسريع وقوع الحادث الثاني. كانت تلك بداية انهيار الإمبراطورية السوفياتية، كما كانت بداية انهيار الشيوعية والاشتراكية والمادية، حينما عجزت كل تلك النظريات والقيم عن استيعاب الكارثة، أوبالأحرى حينما تؤكد الكارثة زيف ما سبق الإيمان به.

تذكر الكاتبة أن الناس عادوا ليملأوا المعابد من جديد، من آمن ومن ألحد، الجميع.. إنهم يريدون الحصول على إجابات، عجزت عنها الفيزياء والرياضيات. وتختم بإشارة إلى مكتب سياحي في كييف يعلن عن تنظيم رحلات سياحية إلى تشيرنوبل، حيث يبدأ خط سير الرحلة من مدينة بريبيات الميتة، وتشير كذلك بمرارة إلى أن الدعاية السياحية تقول إن جوهر الرحلة، "متعتها"، يكمن في مشاهدة "المخبأ"، أو التابوت. وتؤكد أن ذلك ليس هذياناً، وأن السياحة النووية مزدهرة، تلك السياحة التي تكون نوعاً من زيارة الشواهد بطريقة غريبة.