"قره باغ الجبلية: التاريخ في ضوء المصادر"

تاريخ جنوب القوقاز ينطوي على أهمية جيو - ستراتيجية وحضارية تنتمي إلى كبريات الأحداث في تاريخ العالم.

كتاب جديد حول قضية "قره باغ الجبلية – التاريخ في ضوء المصادر"

صدر مؤخراً عن مركز دلتا للأبحاث المعمقة في بيروت، كتاب للباحث رامز مهدييف بعنوان: "قره باغ الجبلية – التاريخ في ضوء المصادر". نقلها إلى العربية الباحث الجزائري زعيم خنشلاوي، حيث ساهمت معرفته بالقضية المدروسة إلى تظهير مشكلة قره باغ على الصورة التي تمكن قارئ العربية من فهمها بأسلوب واضح البيان.

يضيء هذا الكتاب على قضية تاريخية شكلت أساس نزاع عميق بين آذربيجان وأرمينيا، لم تتبين معالم نهايته السعيدة بعد. شاء مؤلف الكتاب مهدييف، وهو أحد الاعضاء البارزين في اكاديمية العلوم الوطنية لأذربيجان، ان يقدم وثيقة شاملة تؤرخ لهذه القضية، وترسم لها استراتيجية معرفية تكشف الكثير من الغموض والتعقيد اللذين لازماها.

يكشف هذا الكتاب استناداً إلى المصادر التي ترجع للحقب التاريخية القديمة، وإلى العصور الوسطى والتاريخ الحديث والمعاصر، أسباب ظهور هذا الصراع، ثم يبيِّن بالوثائق والمستندات ملكية أراضي قره باغ الجبلية طيلة الأحقاب المتعاقبة من تاريخ آذربيجان. كما يدرس التحولات الديموغرافية، ونشوء المقاومة المسلحة لتحرير قره باغ الجبلية، هذا فضلاً عن استقراء مسار الحوار الحالي برعاية مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ناهيك عن مواقف المنظمات الدولية حيال الوضع القائم في هذا الإقليم، كما تظهر عبر تصريحاتها وقراراتها.

يتيح هذا الكتاب للقارئ الولوج إلى قلب مسألة إقليم "قره باغ" واستكشاف أسباب وآثار الصراع. كما يساعد كل من يصبو إلى قراءة موضوعية للإشكالية التي سماها التاريخ وعلم السياسة المعاصر بـ "صراع قره باغ الجبلية بين أرمينيا وأذربيجان". وبالطبع فإن الصياغة الرشيقة للحكاية التاريخية لإقليم قره باغ تجعله أقرب الى الرواية التسجيلية منه إلى النصوص الجافة التي غالباً ما تتسم به المدونات والوثائق التاريخية. ولذلك فإن نقله إلى العربية سوف يساعد القارئ العربي على فهم الكثير من الحقائق حول قضية الإقليم.

مما جاء في مقدمة الكتاب، أن تاريخ جنوب القوقاز ينطوي على أهمية جيو -ستراتيجية وحضارية تنتمي إلى كبريات الأحداث في تاريخ العالم. وعلى ما هو معلوم فإن إمبراطوريات الرومان والبارثيين والبيزنطيين والساسانيين، وكذلك الخلافة العربية، ناهيك عن الصفويين والعثمانيين، بذلوا كل المحاولات من أجل السيطرة على منطقة القوقاز. وكان توقيع معاهدة كوراكتشاي يوم 14أيار/ مايو 1805 القاضي بوضع خانات قره باغ بسكانها الأصليين الأذربيجانيين تحت الوصاية الروسية منعرجاً رئيسياً في مصير القوقاز. كما جعلت معاهدة غلستان الموقعة بعد الحرب الروسية ـ الفارسية الأولى من أراضي داغستان، جورجيا، أبخازيا وكذلك خانات باكو، كنجه، شرفان، دربند، قوبا وطاليش، تابعة للسيادة الروسية. ووقتئذ، كانت هذه الأراضي في معظمها مسكونة من طرف أعراق مسلمة، قسم كبير منها من عنصر تركي أذربيجاني. أما الأرمن فقد كانوا قلة قليلة، ولم يظهروا بشكل بارز إلا بعد خمسة عشر سنة أي عقب الحرب الروسية ـ الفارسية الثانية التي وقعت ما بين عامي 1826 و1828.

تشير المقدمة إلى أن الصراع على قره باغ الجبلية القائم بين أرمينيا وأذربيجان عولج في الأدبيات العلمية والجامعية. فضلاً عن الكثير من الأبحاث التي كرست له تعبر عن وجهات نظر متباينة جداً، بل وحتى متناقضة تماماً بالنظر إلى الظروف التي أدت إلى اندلاع صراع عسكري طويل الأمد بين الدولتين.

هذا الكتاب الحاضر بين أيدينا يعود إلى مصادر مختلفة. ويمكن للقارئ استخلاص النتائج بنفسه وتكوين رأي انطلاقاً من تفكيره الخاص. لقد قام المؤلف مهدييف بجهد استثنائي لتظهير بحثه القيم. فقد أخذ بنظر الاعتبار أهمية مراعاة قواعد البحث العلمي في التحليل والعرض وبيان أوجه القضية من قبل أن يحدد موقفه الوطني الداعي إلى استعادة الأقليم كحق تاريخي للشعب الآذربيجاني. وعليه فقد ركز المؤلف على المصادر الأرمينية والأجنبية لأجل إبراز بطلان الأفكار المتداولة حالياً في الأوساط العلمية، التي بمقتضاها دأب العديد من المراجع القديمة، وكذا باحثون أوروبيون وروس مختصصون في هذه المنطقة، يؤكدون الطرح الأرميني للتاريخ ويبررون المطالب الأرمينية حيال الأراضي التابعة لأذربيجان.

يشار إلى أن هذا الكتاب المهم ترجم إلى عدد من اللغات أبرزها الفرنسية والإنكليزية والتركية والروسية، بالإضافة إلى العربية والآذرية.