كيف تكوّنت واقعة كربلاء؟

لم يهدف المؤلف من كتابه إعادة كتابة مقتل الحسين ولا إعادة كتابة التاريخ، بل يؤكد أن ما سعى إليه خلال تجميع الوثائق والأسانيد التاريخة، هو أن أعرف خلفية ما حصل في واقعة كربلاء في العاشر من محرم عام 61 للهجرة.

كتاب "بعد خمسين عاماً: تحقيق تاريخي في كيفية تكوين واقعة كربلاء"
كتاب "بعد خمسين عاماً: تحقيق تاريخي في كيفية تكوين واقعة كربلاء"

مؤلف كتاب "بعد خمسين عاماً: تحقيق تاريخي في كيفية تكوين واقعة كربلاء" هو الدكتور جعفر شهيدي وهو أحد أهم علماء الإجتماع الديني والأنتربولوجيا، وهو قامة علمية من الرعيل الأول بين كبار المؤرخين والباحثين في إيران والعالم، من طراز علي شريعتي وجلال اَل أحمد والشيخ مرتضى مطهري والدكتور محمد بهشتي. وقد وصفه مرشد الثورة آية الله السيد علي الخامنئي في بيان نعيه بأنه "مؤرخ فذ، وباحث كبير، ومن المفاخر العلمية والشخصيات الكبيرة المعاصرة".

تأتي أهمية الكتاب من أن المؤلف شهيدي يجمع بين الدراستين الحوزوية والجامعية. فقد درس في الحوزة العلمية في مدينة النجف الأشرف في العراق، ونال منها درجة الاجتهاد في الفقه والأحكام الشرعية. ومن بعد ذلك عاد الى إيران للتدريس في كلية الإلهيات في جامعة طهران، ثم نال درجة الدكتوراه في الأدب من جامعة طهران التي درس فيها على مدى أكثر من أربعين عاماً في كلية الآداب التابعة لها. فالكتاب قراءة تاريخية سوسيولوجية جديدة، يلتزم فيه المؤلف بشروط منهجية البحث الأكاديمية، بعيداً عن الجفاء، وبشكل تجعل القارئ يغرق بأسلوب شهيدي الذي استطاع أن يروي واقعة الطف بطريقة القاص أو الحكاء.

يقول شهيدي عن كتابه الذي قدّم له الشيخ حسين كوراني وترجمه إلى العربية الباحث الإيراني محمد صادق الحسيني: "كان في هواجس ضميري أن يكون الكتاب موضع إعجاب وتقدير لكل من يتقن الفارسية وله إلمام بتاريخ الإسلام في الصدر الأول، وجاوز طبعه عشر مرات في أقل من ثماني سنوات". ويضيف: "لعل سبب الإقبال على الكتاب أني حرصت على عدم التعرض للخلافات العقائدية أو الحزازات العنصرية".

يقول الشيخ كوراني: "بهذا الرصيد العلمي الوفير، والتجربة العملية في ميادين الجامعة والحوزة والمجتمع، وهذه الروح المتواضعة قارب الدكتور جعفر شهيدي نهضة الإمام الحسين فحالفه التوفيق لسد فراغ في المكتبة الحسينية في بعد علم الإجتماع، وفلسفة التاريخ، لا يستغني عنه أي معني بمعرفة "الإجابة الصحيحة" على السؤال المركزي الذي صاغه المؤلف بقوله: "ماذا جرى للبقية الباقية – غير الدائرين في الفلك النظام الأموي – من أفراد المجتمع الإسلامي في ذلك الزمان الذين واجهوا الفاجعة بكل هذا الفتور واللا مبالاة؟".

لقد درس المئات من المؤرخين والباحثين المسلمين من الشيعة والسنة واقعة كربلاء بالإضافة إلى العشرات من المسيحيين وأبناء الديانات الأخرى، كل حسب فهمه وانطلاقاً من الزاوية التي نظر منها. وعلى الرغم من أن الكثير منهم كان يبحث عن طريق الحق، لكن بعضهم كان يضع نفسه محل الواقعة والحدث، ثم يرسم صورة البطل من خلال أمانيه وأفكاره.

ويرفض الباحث شهيدي "بأن يكون من أولئك الشيعة المتيمين والأتقياء في عقيدتهم الشيعية الذين يعتقدون بأن الحسين ألقى بنفسه إلى القتل حتى يشفع للشيعة المذنبين يوم القيامة، ويضعون مقامه بذلك مع مقام المسيح، ولا أن يكون من أولئك الشرقيين من عشاق كتابة التاريخ الأوروبي في القرن التاسع عشر حتى أطلق عليه رجل المعارضة أو الفتنة والتمرد على نظام القومية العربية، ولا من رجال المعارضة المتاجرين بالأفكار السائدة، والذين يريدون تبرير أفكارهم فيجعلون من أعماله دليلاً لادعاءاتهم حتى صوّر بطل كربلاء من منظار الفكر التحرري الحديث، وأُطلق عليه بطل الإشتراكية والنضال ضد الدكتاتورية.

كل واحد من هؤلاء يستطيع أن يبرز الواقعة كما يريد هو- وليس كما حصلت – ولكن هذه الطريقة في تحليل التاريخ ودراسته قد تبيّن لنا كل شيئ ما عدا الحقيقة.

لم يهدف شهيدي من كتابه إعادة كتابة مقتل الحسين لا الدعاية الحسينية له ولا إعادة كتابة التاريخ، بل يؤكد "أن المهمة التي سعيتُ إليها خلال تجميع الوثائق والأسانيد التاريخة، وترتيبها حسب الأولوية هو أن أعرف خلفية ما حصل أو وقع؟.. لقد حاولت أن تأتي الإجابة على هذا السؤال من خلال قراءة الأحداث، ثم أعرض الإجابة - التي آمل أن أكون قد حصلت عليها - على القراء أنفسهم ليحكموا عليها. ولكي أجد الجواب الصحيح فقد وضعت (إنتمائي) جانباً جمعت الروايات والقصص التاريخية المتناقضة أثناء البحث والتحقيق، الواردة خلال ما يزيد على قرن من الزمان، من بينها تلك الروايات ذات الإسناد التاريخي الصحيح، التي تؤكد صحتها الظروف الإقليمية والدينية والإقتصادية والإجتماعية".

يعتبر شهيدي معركة الطف واحدة من الحوادث التي يجب البحث عن سببها أو أسبابها الرئيسية، ليس في ذلك العام أو في الأعوام القليلة التي سبقت وقوعها. فمن الجائز أن يتطلب منا أمر البحث والتدقيق في المسألة العودة إلى سنوات ما قبل "الخلافة الأولى"، وقبل ظهور الإسلام، بل وربما إلى سنوات ما قبل ولادة رسول الله صّلى الله عليه وآله وسلم، وذلك أن هذه الوقائع تشبه حلقات سلسلة مرتبطة إحداها بالأخرى، ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض.

يرى شهيدي أنه كلما كان المسلمون يبتعدون عن عصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكثر، كلما كانت الأخلاق والخصال الإسلامية تنحسر، وتأخذ مكانها في القبائل أخلاق العهود الجاهلية بالتدريج فيتم إحياء فكرة التمايز العرقي، واستعادة الأحساب والأنساب، والتنافس القبلي، والمواجهة بين الطوائف والعشائر والبطون أساس العرق والعدوات والأحقاد التاريخية.

وبعد أن يعرض المؤلف خطبة السيدة زينب بنت علي أمام يزيد وما نتج عنها من ردة فعله، حيث سيطر سكوت مميت على كل أطراف القصر ونواحيه، فالتفت يويد فرأى علائم الاستنكار وعدم الرضى قد سيطرت على الحاضرين، فقال فوراً: "قتل الله ابن مرجانة. قد كنت أرضى بطاعتكم من دون قتل الحسين. أما لو كنت صاحبه لعفوت عنه". ثم التفت إلى وضع السبايا ورأى أنه من غير المصلحة أن يبقيهن بهذه الحالة، فأمر بتهيئة مكان أفضل لهن، وأنه لا ما نع على نساء قريش ممن تريد زيارتهن أن تفعلن ذلك. وكان يدعو علي بن الحسين ظهراً وليلاً لتناول الطعام معه. ويتساءل شهيدي إن كانت ذرة من الندم قد دخلت قلب يزيد، ويرجح احتمالاً آخر وهو أن يزيد كان عليه أن يقوم بما قام به من احتواء ردة فعل النساء تجاه قتل الحسين وسبي نسائه، وإلا كانت الثورة ستنتقل من الكوفة إلى الشام وتصبح أمراً واقعاً أمام قصره، ولذلك أمر بالقضاء عليها وتصفية قادتها. على كل حال فمنذ ذلك اليوم وإنطلاقاً من خطبة السيدة زينب أمام يزيد في قصره، فهم عدد لا بأس به من أهل الشام بأن الإسلام الحقيقي ليس ذلك الذي عرفوه حتى الآن، والحاكم المسلم ليس هو الحاكم الفعلي المسلّط عليهم   .

ويختم شهيدي كتابه بالحديث عن مرحلة ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي للكوفة وكوالٍ للعراق، وكيق بدأت مرة ثانية أجهزة الرقابة الفكرية بالعمل وشاعت ممارسات التجسس على الناس  وانتشرت الاتهامات والاعتقالات والسجون والتعذيب والقتل. وبالتالي ساد جو من الاختناق والاستبداد المطلق. ويقول الكاتب: "نعم هذا جزاء من يكفر بنعمة الله ويقتل الصالحين من قومه وخير أصحابه" في إشارة إلى مشاركة أهل الكوفة في قتل الحسين وأهله وأصحابه.

يذكر أن الكاتب شهيدي قد ترك لنا العديد من الآثار والمؤلفات في مجالي الأدب الفارسي والتاريخ الإسلامي أشهرها ترجمة كتاب نهج البلاغة للفارسية الذي يضم خطباً ورسائل وكلمات الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام) الذي نال جائزة كتاب العام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومن المؤلفات الأخرى للدكتور شهيدي الكتب التالية: "شرح المثنوي المعنوي" لجلال الدين المولوي، المهدوية في الإسلام، أبو ذر الغفاري، بطلة كربلاء، وعدد كبير من المقالات في مختلف المجالات العلمية والفكرية، وجميعها باللغة الفارسية. وقد ترجمت إلى العربية مؤلفاته: حياة السيدة فاطمة الزهراء، نهضة الإمام الحسين، علي بن الحسين، جعفر الصادق، تاريخ الإسلام: دراسة تحليلية في جزئين.

الجدير بالذكر أن الدكتور جعفر شهيدي توفي في 13 كانون الثاني/ يناير 2008 عن عمر 89 عاماً