"الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل"

يقول محمد حسنين هيكل إن رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي أصر على أنه أبلغ عن خطط ومواقيت حرب تشرين الأول - أكتوبر 1973 وصلت إليه من مصدر مصري موثوق عن هجوم مصري ــ سوري، لكن رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية قد أصر في المقابل على التشكيك في مصدر المعلومات الذي أبلغ الموساد وقدَّر أن يكون عميلاً مدسوساً على إسرائيل، أو عميلا ًمزدوجاً.

رواية "الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل" للكاتب الإسرائيلي أوري بار جوزيف
رواية "الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل" للكاتب الإسرائيلي أوري بار جوزيف

الرواية الإسرائيلية المعنونة "الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل" The Angel: The Egyptian Spy Who Saved Israel للكاتب الإسرائيلي أوري بار جوزي قد تحولت أخيرًا إلى فيلم سينمائي. أقول "رواية" عن عمد لأن فيها كل مقومات العمل الخيالي لا الواقعي، والنسخة السينمائية تساعد على إبراز ذلك.

في مشهد افتتاح الفيلم "الملاك" The Angel في عام 2018، يسلّم أشرف مروان في إيطاليا صواريخ إلى منظمة فلسطينية، تخطط لإيقاع طائرة إسرائيلية بعد إقلاعها. المعدات يتم إدخالها بواسطة أشرف مروان في حقيبة دبلوماسية، وينتهي المشهد بشكل مفاجىء والفلسطينيون يستعدون لجذب الزناد والطائرة في الهواء، والركاب في الداخل متوترون ومرعوبون والطائرة ترتفع، حركة خبيثة الهدف منها أن تجعلك تشعر بالتوتر والخوف بدورك.

تشعر على الفور أن هناك شيئاً خاطئاً، لمَ ينتظر الجميع حتى اللحظات الأخيرة لتسليم الأسلحة لهذه المهمة، ولمَا يصل أشرف مروان إلى إيطاليا بالطائرة في اللحظات الأخيرة؟ ماذا لو تأخرت طائرته؟ ماذا لو تأخرت المجموعة الفلسطينية ذاتها؟ ماذا لو أقلعت الطائرة الإسرائيلية مبكرًا؟ ولماذا بحق السماء ينتظرون حتى تقلع الطائرة ولا يستهدفونها وهي ساكنة على الأرض؟ يبدو كل شيء خاطئًا كما قلت.

عندما تقرأ التاريخ الحقيقي لأشرف مروان، تكتشف أن هذا التسلسل للأحداث لم يحدث قط!

في الواقع، تم إلقاء القبض على المجموعة الفلسطينية في اليوم السابق في فندقهم في إيطاليا. علاوة على ذلك فإن أشرف مروان قد نفى هذا العرض السخيف للأحداث عندما نُشِرَت كتب تزعم أنه هو ـ صهر جمال عبد الناصر ـ كان جاسوساً للإسرائيليين. لكن التسريبات والوثائق الإسرائيلية قد أكدت عمالته لإسرائيل وهو ما أكده الصحافي المصري الراحل محمد حسنين هيكل في مقالة طويلة عن ذلك.

 

 فوضوية الأحداث الغير متسلسلة

فيلم ليس فقط "سيئًا" كفيلم، بل الأسوأ من ذلك أنه فيلم سخيف، وشهادة على مدى جهل الإسرائيليين بجيرانهم العرب.

إنه فيلم دعائي؛ يمكنك أن ترى هذا من التسلسل الافتتاحي عندما يتحدث البطل عن حرب 1967. يبدأ صوت أشرف مروان بالقول إن الحرب وقعت في "صيف الحب"، وهو تعبير لا يفهمه العرب أو حتى يسمعونه. (لماذا يقع أي شخص في الحب في فصل الصيف في الحرارة الحارقة في بلد عربي؟ هذا هو سبب تفضيل الخريف على الربيع). ويضيف، كما هو متوقع (إذا كنت تتحدث الإنجليزية): "لكن هل يمكن لفكرة الحب والسلام أن تحدث التغيير في عالم يعيش على شفير الحرب؟"

أشرف مروان كان تاجر أسلحة، ما علاقة هذا بالسلام؟ أشرف مروان كان هو أيضاً من أقنع عبد الناصر أن مصر يجب أن تمتلك صناعة سلاحها ولا تستورد كل شيء من الاتحاد السوفياتي.

إن الحديث اللانهائي عن السلام يقصد به إقناع الفلسطينيين بوضع أسلحتهم وقبول الاحتلال، لا أكثر ولا أقل.

المشهد التالي أيضًا هو حزمة من الأكاذيب، فهو يصوّر عبد الناصر في السفارة في لندن يناقش ما يجب فعله لهزيمة إسرائيل واستعادة سيناء. شخصية أشرف مروان يتحدث بشكلٍ نموذجي عن السلام والحلول الدبلوماسية والابتعاد عن الاتحاد السوفياتي. هذا الاجتماع من المفترض انه قد حدث قبل موت عبد الناصر، ولكنه لم يحدث قط. عبد الناصر كان في الأردن أثناء شهر أيلول - سبتمبر "الأسود" ومات بعد عودته إلى مصر بوقتٍ قصير.

هناك الكثير من الأخطاء الثقافية على طول الطريق أيضًا، تقول زوجة أشرف مروان في مشهد: "أنا إمرأة قوية يا أشرف، لكن لدي حدود."

لما تستخدم إمرأة مصرية هذه العبارة. المرأة القوية، في اللغة العربية المصرية، تعني المرأة المتسلّطة المتجبرة!.

في مشهد آخر يتحدث الرئيس المصري أنور السادات عن كيف أن تحرير سيناء هو هدف "هذه الفترة الرئاسية"، ويتحدث كما لو كان رئيساً للوزراء وله مدة محددة في المنصب. وليس الملك الأبدي الخالد الذي لا نظير له.

 

 الخيانة ومرآة النفس الاسرائيلية

مما قرأت عن حرب تشرين الأول – أكتوبر 1973 من المصادر الأميركية مثل "عشية التدمير" للكاتب هوارد بلوم (The Eve of Destruction)، كذب أشرف مروان على الإسرائيليين حول توقيت الحرب. قال إنها ستكون في الساعة السادسة مساء لكنها وقعت في الثانية بعد الظهر.

يقول محمد حسنين هيكل إن رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي «زائير» يصر على أنه أبلغ عن خطط ومواقيت وصلت إليه من مصدر مصري موثوق عن هجوم مصري ــ سوري، لكن رئيس المخابرات العسكرية ــ الجنرال «زائيرا» ــ يصر في المقابل على التشكيك في مصدر المعلومات الذي أبلغ الموساد وقدَّر أن يكون عميلاً مدسوساً على إسرائيل، أو عميلا ًمزدوجاً، وشاهده الرئيس أن ذلك المصدر المصري قد أبلغ إسرائيل بالساعة الخطأ فى موعد الهجوم، أي أن إبلاغه عن موعد الهجوم في السادسة مساءً، بينما وقع الهجوم فعلاً في الثانية بعد ظهر السبت 6 أكتوبر.

يرى هيكل من أبلغ "إسرائيل" بموعد الهجوم على أنه الساعة السادسة مساءً لم يقصد تضليلها، لأن هذا الموعد كان هو ساعة الصفر المقررة فعلاً في الخطة حتى يوم الثلاثاء الثاني من تشرين الأول - أكتوبر، ثم وقع خلاف بين الفريق وزير الدفاع المصري أحمد إسماعيل وبين قائد الجيش السوري اللواء يوسف شكور. وموضوع الخلاف أن القيادة المصرية كانت تفضل بدء العمليات في الساعة السادسة مساء مع آخر ضوء، لكي تستفيد من مجيء الليل كي يحمي عمليات المهندسين في بناء الجسور. أما القيادة السورية فقد كانت تفضل الساعة السادسة صباحاً مع أول ضوء، لكي تستعين بأشعة الشمس في مواجهة الدبابات الإسرائيلية على هضبة الجولان. وقد استحكم الخلاف بين القيادتين المصرية والسورية، وسافر الفريق أحمد إسماعيل إلى دمشق سراً صباح يوم الثلاثاء 2 تشرين الأول - أكتوبر لتسوية الأمر مباشرة مع القيادة السورية، ولم يتوصل الطرفان إلى حل، وتدخَّل الرئيس السوري حافظ الأسد وتوصَّل مع القائدين أحمد إسماعيل ويوسف شكور إلى حل وسط، وهو اختيار الساعة الثانية بعد الظهر موعداً للهجوم. وكان هذا الحل الوسط يعطي القيادة المصرية ست ساعات عمل قبل الظلام الذي تريده لحماية بناء الجسور، كما أنه يعطي القيادة السورية ست ساعات من ضوء الشمس تنجز فيه اندفاعها الرئيسي على الهضبة، والشمس وراءها وفي مواجهة مدرعات الجيش الإسرائيلي.

يوضح هيكل أن المسألة الحساسة أن الدكتور أشرف مروان سافر من مصر إلى ليبيا عن طريق أوروبا يوم 2 تشرين الأول - أكتوبر، لكي يبلغ الزعيم الليبي معمر القذافي بأن المعركة حلّت، وبساعة الصفر المقررة لها والموعد المعتمد لبدء العمليات هو السادسة مساء، أي أن أشرف مروان لم يكن في مصر عندما تغيرت ساعة الصفر من السادسة مساءً إلى الثانية بعد الظهر.

الإسرائيليون ـ والصهاينة قبلهم ـ يكرهون أنفسهم. فقد فضح الباحث المصري عبد الوهاب المسيري هذا في كتابه "اليهود في عقل هؤلاء"، فهم تعلموا ألا يكونوا متصلين أكثر من اللازم بأرض أو بأمة، حتى الأرض الموعودة نفسها. وقد تحدث غسان كنفاني عن عقدة اليهودي التائه وجميع تجلّياته في الأدب الغربي "تاجر البندقية" و"شيلوك".

أما بالنسبة إلى الفيلم، فقد قيل لنا إن أشرف مروان كان مستوحى من مثال عميل مزدوج إسباني خلال الحرب العالمية الثانية كذب على كل من إنجلترا وألمانيا، واختلق معلومات وهمية.

في المشهد الأخير في الفيلم، يعطيه عميل الموساد الذي هو صديق أشرف مروان هدية، وهو كتاب للأطفال عن الصبي الذي صاح الذئب (The Boy Who Cried Wolf) ؛ قصة عن صبي كذب، ثم جاء ذئب حقيقي، هذا يعني أن عميل الموساد فهم أن أشرف مروان كذب عليهم. إذن كيف هو "ملاك"؟

لاحظ أن الملائكة في اللاهوت اليهودي ليست مخلوقات بريئة لا يمكن أن يعصوا الله؛ هم كيانات خبيثة يمكن أن تؤذيك أو تساعدك وتجاوزك سيطرتك. ويكشف المسيري في كتابه أن بعض المفكرين الصهاينة الأوائل لم يكونوا من الموحدين؛ لم يكونوا فقط ملحدين ولكن كانوا مشركين!.

ميخا بيرديشفسكي (1865-1921)، على سبيل المثال، يتهم يوشع بن نون باختراع اليهودية الحديثة، وليس الرسول موسى عليه السلام، ويقول إنه أخفى اليهودية الأصلية القديمة التي كانت وثنية، وإن الملك داود حاول إحياءها بمحبته وعبادة الطبيعة. وهناك صهاينة آخرون متنصلون من الهوية اليهودية تماماً، وهناك أيديولوجيات دعت اليهود إلى أن يصبحوا حداثيين بالتحديد من خلال الانضمام إلى المشروع الاستعماري الاستيطاني الغربي؛ وترى هذا في الفيلم، عميل الموساد يعيش في إنكلترا وزوجته شقراء جداً.

أما بالنسبة إلى معظم الشخصيات العربية في الفيلم، فتجدر الإشارة إلى أن معظمهم يمتلكون أنوفاً كبيرة، على الصورة النمطية الغربية لليهود!.

 

 الجانب الخفي للتاريخ المعاصر

الفيلم مليء بالأكاذيب عن حرب 1967، مما يجعل الأمر يبدو كما لو أن العالم العربي قد اتحد ضد "إسرائيل"، وأن جميع الجيوش العربية كانت تحت سيطرة عبد الناصر مباشرة، كأنهم لم يسمعوا بعبارة 'ماكو أوامر'!.

وبينما نتحدث عن حرب 1967، ما هو بالضبط الذي حدث في تلك الحرب المصيرية؟  يرجى قراءة كتاب "جهاز الاستخبارات الإسرائيلي" (The Israeli Secret Service)   الذي كتبه ضابط الاستخبارات البريطانية ريتشارد ديكون  (Richard Deacon) . المؤلف عنصري واستعماري ولكنه في فصل معيّن حول هذه الحرب على وجه التحديد كشف أن هناك خطتين، مؤامرة سوفياتية تهدف إلى دفع مصر إلى حرب ـ لا يمكن أن تؤازرها فيها ـ مع "إسرائيل"، لإحداث انقلاب والاستيلاء على البلاد وإزالة عبد الناصر، وخطة أميركية - إسرائيلية موجهة أيضاً ضد مصر، استغلت هذه الفرصة الذهبية. المشكلة الوحيدة كانت الأردن وسوريا؛ كان الأردن حليفاً لأميركا وكانت سوريا حليفة للاتحاد السوفياتي، لذلك أصر الأميركيون على ألا تهاجم "إسرائيل" سوريا وألا تغزو أراضيها، خوفا من السوفيات؛ وكانوا يعارضون هجومًا على الأردن أيضًا، وتم إرسال سفينة التجسس الأميركية (USS Liberty) إلى المنطقة للتأكد من أن الإسرائيليين لن يقطعوا وعودهم. لكن كانت لدى الإسرائيليين خططهم الخاصة، وقصفوا السفينة الأميركية لإخفاء نواياهم. يرجى الاطلاع على كتب آلان هارت(Alan Hart) عن الصهيونية كذلك.

بالعودة إلى أشرف مروان، يؤكد هيكل أن مجمل المعلومات التي لا يشك فيها، ومن كل ما اطلع عليه تؤكد حقائق عدة هي:

1ـ كان لإسرائيل في مصر «شخص» جاسوس على مستوى يسمح له بأن يعرف.

2ــ إن هذا «الشخص» لم يقدم لها المعلومات فحسب، وإنما قدَّم لها صوراً من أسرار البلد في لحظة شديدة الحرج من تاريخه.

3ـ إن هذا «الشخص» أخطرها مسبقاً ضمن ما أخطرها به بموعد قيام حرب أكتوبر، وساعة الصفر المقررة لعملياتها.

4ــ إن هذا «الشخص» قدَّم نفسه لإسرائيل في لندن سنة 1972، وقد رتب له بعض من يعرفهم ويتصل بهم زيارة إلى عيادة الدكتور إيمانويل هربرت، وهي نفس العيادة ونفس الطبيب الذي قام بدور صلة الوصل بين الملك حسين (ملك الأردن) الراحل، وبين الإسرائيليين، وفي عيادة هذا الرجل وبمساعدة من سلطات إنجليزية نافذة، تمت لقاءات وجرت لقاءات ووقعت تفاهمات.

5ـ إن هذا «الشخص» عندما ذهب أول مرة إلى عيادة الدكتور «هربرت»، ورغم اتصالات مسبقة طلب موعده لطلب استشارة، وقد وصل معه ملف دخل به إلى سكرتيرة «هربرت»، وحمله معه حين دخل إلى حجرة الكشف الخاصة، وقدمه إلى الطبيب الذي فتحه ووجد بالفعل ورقة طبية على السطح، لكن الورقة التالية في الملف كانت محضر اجتماع سرى بين الرئيس السادات وبين القادة السوفيات، وهو اجتماع آذار - مارس 1976، والذي اختلف فيه الطرفان حول طائرة الردع التي كان السادات يطلبها من السوفيات وهم يترددون. وحين توقف الدكتور هربرت أمام هذه الورقة، وقال لزائره "هذه الورقة وُضعت خطأ فى الملف، وهي لا تتصل به". فإن هذا «الشخص» قال للطبيب: إن الورقة لم توضع خطأ، وإنما هي صميم الموضوع. وكانت تلك هي البداية، وبعدها جاء مدير الموساد الجنرال زامير بنفسه إلى لندن، وجرى تجنيد ذلك الشخص.