كيف يتم قمع الإبداع

يركز الكاتب على القيود أو الحدود التي تعمل بها الإبداعية في هذه الأيام فيجد أن الإمكانيات قد تحددت وتقيدت إلى حد كبير بأهداف ورؤى الرأسمالية الليبرالية الجديدة.

كتاب "ضد الإبداع" للباحث أولي مودي
كتاب "ضد الإبداع" للباحث أولي مودي

هذه مرتجعة لكتاب "ضد الإبداع" من تأليف الدكتور أولي مولد المحاضر في جامعة لندن، راجعه  الدكتور ديفيد بير أستاذ علم الإجتماع في جامعة يورك وترجم المراجعة إبراهيم عبدالله العلو:

بما أنني أكتب الآن عن الإبداع من الملائم إستحضار بداية رائعة تشد القارئ لمتابعة فحوى هذا المقال ولكنني لا أشعر بالقلق حيال ذلك.

يقترح مؤلف "ضد الإبداع" الدكتور أولي مولد أننا نتعرض لضغط مستمر لنكون أكثر أصالة وإبداعية، ومثل تلك المتطلبات هي جزء لا يتجزأ من البنى الرأسمالية التي نشغلها. وتكون النتيجة بالتالي أن يخضع الإبداع  لعملية تطفر(تبديل) في قدر الرأسمالية المضغوط.

ينتقي مولد من الإقتصاد السياسي الأعرض ويبني أطروحته على أن الدعوات المستمرة التي تحفزنا على مزيد من الإبداعية هي نتيجة أكثر شيوعاً لدفعة تزداد ترسخاً نحو الإنتاجية والريادة والمبادرة.

وهذا  الإختيار المشترك للإبداعية ضمن الرأسمالية ليس جديداً في حد ذاته ويمكن لنا معارضة مثل ذلك التخصيص.

لذا لماذا نبحث عن مشكلة في شأن يتمنى جميعنا على الأغلب إمتلاك المزيد منه؟

يعترف مولد في بواكير كتابه أن الإبداع مفهوم "زلق" و"ضبابي" وكما يتبين لاحقاً إنه لا يعارض الإبداعية في هذا الإطار. ولكنه يعترض على بعض أنواع العمليات الإبداعية التي تتمحور حول الكسب المادي المحض. لذا لا يعارض الكتاب الإبداع ولكنه يعارض النوع الخاطئ من الدفق الإبداعي وآثاره السلبية. وبدلاً من نفي الإبداع يريد مولد إعادة تقييم منهجنا لرؤيته وإستخدامه.

ويكتب قائلاً: "تعني الإبداعية اليوم أن ترى العالم من حولك كمصدر يغذّي روح المبادرة الداخلية فيك. والإبداعية خاصية نيوليبرالية مميّزة لأنها تتغذى على إمكانية الكسب المادي من العالم وكل ما يحتويه. لقد صنفت لغة الإبداع بالرأسمالية".

وتبدو تلك نقطة محقة. لقد تواشجت الإبداعية بالرأسمالية بشكل ظاهر في الإقتصاد الإبداعي وفي الشحذ الأعرض للذات الريادية.

تندرج لغة الإبداعية في البنى الرأسمالية وتقود الضغط لإظهار مزيد من البراعة في الأطر كافة.

يركز مولد على القيود أو الحدود التي تعمل بها الإبداعية في هذه الأيام متأثراً بالمنظرين النقديين ثيودور ادورنو وماكس هوركيمر وجدالهما الشهير في الأربعينات من القرن الماضي حول بزوع "صناعة الثقافة" وإنطباع حافز الربح في الإنتاج الثقافي. ويجد أن الإمكانيات قد تحددت وتقيدت إلى حد كبير بأهداف ورؤى الرأسمالية الليبرالية الجديدة: "لا تصبح الإبداعية في ظل الرأسمالية إبداعاً بالمطلق لأنها تنتج أشكالاً أكثر من المجتمع نفسه وتستنسخ ببساطة السجلات الرأسمالية الراهنة في تجاويف أعمق للحياة الإقتصادية الإجتماعية...وأدرجت الرأسمالية الإبداعية لنموها الذاتي."

وعملية الإدراج تلك هي ما يستكشفه هذا الكتاب من خلال التركيز على العمل والناس والسياسة والتقنية والمدينة. ويصعب معارضة الصورة التي يرسمها لكدح الإبداعية.

والفصل الذي يناقش العمل قوي الحجة ويرسم صورة للدافع المستمر للملائكة المبدعين تحت ظروف متزعزعة بشكل متزايد.

يشكّل التوزيع غير العادل للكلف والمنافع التي تتدفق من هذه الرؤية المختزلة لأنماط الإبداع مبحثاً قوياً عبر الكتاب بأكمله.

وبتعبير مولد "فإن سياسات الإبداعية حاسمة"، بما أن الإبداعية في هذا الإطار الضيق تكون ناجحة بالنسبة لبعض الأشخاص بينما تكون ذات آثار ماحقة أو إقصائية للبعض الآخر.

وفي بعض الأحيان يستأثر مفهوم الليبرالية الجديدة بقدر أكبر من العبء التوضيحي في محاولة للإمساك بسياسة الإبداع تلك. وتُستخدم أحياناً كجواب بدلاً من الإنفتاح لإستكشاف القوة الحقيقة العاملة. والليبرالية الجديدة هي هاجس مسكون في هذا الكتاب وحضور ماكر يؤثر بقوة طاغية من دون أن يصبح جسداً. ومع ذلك أنتج مولد جدالاً موجهاً يصنع روابط عديدة وشارحة بين الإبداع وعدم المساواة الإجتماعية.

ويصل الكاتب مولد إلى هذه الروابط عبر تأثير التقشف. لقد ولّد التداعي المتنامي للتقشف طلباً جديداً لا مفر منه على التعبير الإبداعي وأضاف القلق والإرتياب مزيداً من الضرر. وهذه إحدى الطرق التي يطوّر من خلالها مولد جوهر حجته. وينظر كتابه في مناحي أخرى لأداء الأنماط كعقبات كأداء أمام التفكير الإبداعي تطوقنا بتوقعات لطريقة تفكيرنا وأدائنا.

ويرافق ذلك باستكشاف ما آلت إليه أفقية ولا مركزية البنى الإعلامية وكيف حجمت بدلاً من أن تعزز فضاءات التفكير.

وبالنسبة لمن قد يتخيل أن الذكاء الإصطناعي سوف يتغلب على النواقص البشرية يقدم مولد نقاشاً حول تغيير الخوارزميات وتعلّم الآلة لشروط التفكير الإبداعي الإنساني بدلاً من تحسين فرصه.

ومن ثم نأتي لبزوغ مستثمر وسائل التواصل الإجتماعي الذي يهدف إلى استخدام عقله الإبداعي للحصول على الشهرة (والتي يربطها بظهور نوع ثقافة برامج المواهب التي تسعى للربح بأي ثمن).

وعبر هذه الأفكار يؤرق مولد تفهمنا للإبداعية ويتساءل عن الدور الذي قد تلعبه في إنجاز نتائج أكثر تقدمية. ويستنتج من كل ذلك:

" إذا كانت الإبداعية تعني القدرة على خلق شيء من لا شيء عندها يكون الإيمان بالأشياء المستحيلة هو المكوّن الأكثر إشكالية. نحتاج للاعتقاد بأنه يمكن الوصول إلى العوالم المستحيلة إذا أدركنا هذه المستحيلات في يوم ما وأصبحت تجارب معاشة."

وثمة إتساع محفز في هذا الإقتراح عن إزالة قيود ما هو ممكن كي تأخذ الإبداعية أشكالاً أقل ضرراً وتزدهر بالفعل. ولكن هل الحالة هي كذلك في واقع الأمر؟

في أواسط عام 2000 كنت أقوم بمشروع صغير يستكشف آثار التقنيات الرقمية على الموسيقى وكجزء من المشروع كنت أتحدث إلى مهندس صوت حول عملهم.

تأملنا بالتقنيات المتغيرة للإنتاج الموسيقي وتأثير الأعداد التي لا تحصى من التسجيلات في أستديوهات التسجيل والإمكانات اللامحدودة لما بعد الإنتاج. وتناقشنا ما إذا كانت الإبداعية ستكبح بهذه الخيارات اللامنتهية بما أن الأمر يتعلق بتجاوز الحدود ولا يتعلق دائماً كما يقترح مولد بخلق شيء من لا شيء. وفي مشروع أكبر لاحقاً بعد سنوات عدة تبيّن لنا أن مهندس الصوت يرى أن دوره يكمن في العثور على طرق لإدراك الرؤية الصوتية للفنان المسجّل حتى وإن تعارضت مع القيود المادية للأستديو. تكون القيود هنا جزءاً نشطاً من الطريقة التي تصبح فيها مثل تلك الإبداعات الفنية حقيقية.

عندما نفكر بالخوف الذي يعتري الكاتب من الصفحة الفارغة والتي لا تكون فضاءً مفتوحاً بالكامل للخيال نحتاجه بل التحام كامل ملئ بالحيوية مع الحدود التي تقيّد التفكير الإبداعي والتنظيم والعمل.

وكما قال مهندس الصوت لي: قد نستخدم الحدود التي نواجهها لتحفيز العمل الإبداعي ومساعدتنا على تخيّل البدائل. وللإبداعية مجموعة معقدة من العلاقات مع مثل تلك الحدود.

 وبالرغم من النقاشات الحذرة في كتاب مولد تبقى هذه العلاقات بلا حل. يسعى مولد لإزالة عوائق الإمكانية. ولكن قد نتساءل إن كان ذلك سيتركنا من دون شيء نرجع إليه أو نحله او نحتال عليه.

والسؤال الثاني الذي يتركه كتاب مولد من دون إجابة هو كيفية تمييز الأنماط المرضية من الإبداع عن أقرانها الأكثر تقدمية أو تحويلية. لا شك أن المستنقعات السياسية اليوم تستحث تفكيراً أكثر تخيلية تكون سياسات الإبداع في مركزه. يدعو الإنعتاق من قيود السياسات أو الإقتصاديات المعتادة إلى أفكار ومؤسسات جوهرية جديدة.

وأمام هذه الحاجة الملحة-تحذير مولد –وهو تحذير مفيد- الذي يقرر أنه إذا رغبنا بالتغيير يتوجب علينا آئنذاك الحذر من الإرتباط بنوع من الإبداع متجذر بمصالح إقتصادية ليبيرالية جديدة. وإذا سقطنا في هذا الفخ قد نستطيع تأبيد القيم والحدود التي تجلبها معها الأنماط المتأصلة للحكم والإنتاج.

والإبداع ليس مشكلة بحد ذاته كما يوضح كتاب مولد بكل جلاء ولكن المشكلة تكمن في القيود التي تفرض على المستقبل عبر أفكار مرسخة لما هو ممكن وجدير بالإهتمام.