الشرعية والسُّـلطة في العالم الإسلاميّ

يقدّم الكتاب نظرة متعدِّدة الزوايا إلى الوضع الراهن في العالم الإسلاميّ؛ ويفحص مسألة الهويّة الإسلاميّة المنوطِ بها الكثيرُ من التعـقيدات على أكثر من صعـيد وفي أكثر من بلد.

كتاب "الشرعية والسُّـلطة في العالم الإسلاميّ"
كتاب "الشرعية والسُّـلطة في العالم الإسلاميّ"

يوفّر كتاب "الشرعيّة والسُّـلطة في العالم الإسلاميّ"، الذي أعدّته الكاتبة جولين بوجوان؛ نظرةً متعدّدة الزوايا إلى الوضع الراهن في العالم الإسلاميّ عمومًا، في إطار شرعية المكوث في أرض بعيدة (للأفراد المسلمينَ) وشرعية السلطة المفروضة إقليميًّا (للدُوَل الإسلاميّة). فالتحدّي الإسلاميّ متعدّدُ المستويات ومنوطٌ بالهوية. وقد وجدت إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية مساحة حيويّة في "حيّز المكانة" بين دول الشرق الأوسط، لتعزيز نفوذها وتمرير أجندتها، بعد أحداث "الربيع العربيّ". كما أنّ دَفَقَ التوجّه "اللّاديني" الداعم للمرأة عاد ليواجه الشريعة الإسلامية في تونس، واليأسَ السياسيَّ الذي يعـيشه شباب المغـرب يحُوْل دون مشاركة غالبيتهم في الحياة السياسية.

كما يتحدّث الكتاب عن روسيا حيث يزداد تعدادُ المسلمين بصورة لافتة، في إطار نفوذ الكنيسة الأورثوذكسية وتأثيرِها على الحكومة الفيديرالية والثقافة الآيديولجية الروسية؛ وعن مدى تغلغل ثقافة الإنسانية الوَحدويّة بين مسلمي منطقة الأورال الروسية.

مثـلّث إسلاميّ يتنافس لاعتلاء "حيّز المكانة"

تطمح إيران وتركيا والسعودية إلى اعتلاء قيادة منطقة الشرق الأوسط. ويقول الكتاب إنّ النظرية "الواقعية النيو-كلاسيكية" هي إطار مجدٍ لفهم سلوك هذه الدول الثلاث الساعية لحجز مكانة القيادة. فهذه النظرية تعي هيمنة البنية المنهجية بوصفها شرطًا لخوض السياسة الدولية، وهي واعية للمتغيّرات على مستوى الدولة، التي تؤثر في النتائج الحاصلة في السياسة الخارجية.

و"المكانة" تعني مجموعة الاعتقادات السائدة حيال ترتيب دولة ما، في ما يخصّ مآثـرَها القـيّمة في المنظومة الدولية. فثمة أبعاد عدّة للـ"مكانة"؛ كالاستقلال الذاتي للدولة والديبلوماسية المتّبعة فيها وسكّانها وتاريخها والتنمية فيها وإقليمها ومستوى التكنولوجيا السائدة فيها، وغيرها...

والقادة يعتمدون خيارات حيال السياسات الدولية، في حيّز اجتماعيّ ينبغي عليهم فيه أن ينتبهوا إلى مواقعهم بالنسبة إلى بعضهم البعض. إلّا أنّ تقدير دولة ما لمكانتها ينبني، بجزء منه، على فهمها للسلوك والخطاب اللذَين تعـتمدُهما دوَل أخرى؛ وهذا يؤدّي إلى جعل هذه الدولة إمّا راضية أو غير راضية عن "مكانتها الراهنة".

أمّا "حيّز المكانة"، فهو إطار مرجعيّ للدوَل التي تجمع بعضها البعض ضمن "مجموعات صداقة". ففي هذه الحالة، "المكانة" تحكي مدى امتلاك دوَلة ما مِن مقدِّرات بالنسبة إلى الدوَل الصديقة المنافسة. والدوَل، ساعـتـئذٍ، ستكون غير راضية بالمكانة المنوطة بها، في حال اعتَـبَرت أنّها أعطِيَت مكانة أدنى من التي تستحقّها بإزاء "صديقاتها" من الدوَل ضمن "حيّز المكانة" الذي يجمع الجميع.

إنّ "عدم الرضا" حيال "المكانة" هو دليل على موقف دولة ما حيال مدى عدالة المكانة المنوطة بها بين جميع دوَل "حيّز المكانة". ومن خلال دراسة حالة "عدم الرضا"، يمكن رصد طموحات دولة ما في إطار المنظومة العامّة للدوَل، وماهية تفكيرها في كيفية عمل المنظومة ككلّ؛ أي إذا ما كانت الدولة موافقة على الوضع القائم دوليًّا أم أنها من الداعين إلى عملية مراجعة للوضع القائم.

إذن؛ كيف هو سلوك إيران وتركيا والسعودية، بين دوَل "حيّز المكانة" الشرق-أوسطيّ؟ وما مدى وشاية سلوك هذه الدوَل الثلاث، بعد أحداث "الربيع العربيّ" (منذ العام 2011)، بمساعٍ لديها لنيل مكانة قيادية أعلى في حيّزها الحيويّ-الشرق الأوسط؟

لقد أعطت الأحداث ما بعد "الربيع العربي" مجالًا واسعًا للمنافسة الإقليمية. فمن جهة؛ وجدت دوَل مثل السعودية أنّ احتمال استفحال حالات التمرّد الشعبيّ العارم الذي من شأنه الإطاحة بأنظمة حاكمة منذ أمد بعـيد، يشكّل تهديدًا خطيرًا لها، بوصفها دولةً تعـتمد على استقرار الوضع – الاستبداديّ – القائم. ومن جهة أخرى؛ وجدت إيران وتركيا في هـبّة الشعوب غير الراضية عن أداء حكوماتها (العربية)، فرصةً لإعلاء مكانتها القياديّة ضمن منطقة الشرق الأوسط.

ففي لحظة سياسية؛ أظهرت إيران وتركيا نفسَيهما على أنهما نموذج يُحتذى مِن قِبل المتظاهرين العَـرَب الغاضبين؛ فإيران تمثّـل حالة جمهورية ثورية إسلامية مقاوِمة وفاعلة، وتركيا تمثّـل النموذج الناجح للديمقراطية الإسلامية المُعَـلمَنَة.

اتّخذت تركيا منحًى داعمًا لأجندة التغيير، فانحازت إلى المعارضات وهدفت إلى تسخير الرأسمال الاجتماعي لهذه المعارضات، بُغية تزخيم تأثيرها في المنطقة. أمّا إيران، فكانت أكثر حَذَرًا، لكنّها كذلك حاولت خلقَ رابط بينها وبين الجماعات الإسلامية الحديثة النفوذ والقوّة. لكن السعودية كانت مهمومة وغاية في التشكيك في أن تفضي أحداث "الربيع العربي" إلى ما فيه مصلحة المملكة، فعمدت إلى مقاربة مضادّة للثورات الحاصلة محليًّا وخارجيًّا، درءًا لمخاطر القوى "المخرّبة" الحادثة.

وبدأت تركيا وإيران (اللّتانِ جَمعتهُما علاقة جيّدة نسبيًّا خلال عهد الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد والرئيس التركي رجب طيّب أردوغان) تتنافس في ما بينها، بشكل مباشر، في مصر وسوريا، إذ تصادمت مصالحُهما هناك. فَكِلا البلدين توقّعَ أن يزيد من تأثيره، في مصر، على حكومة "الإخوان المسلمين" المنتَخبة في العام 2012، وبدَت تركيا متقدّمة على إيران. لكن انقلبت الأمور ضدّ مصلحة تركيا عندما أطاح انقلابٌ عسكريّ بالرئيس المصري الأسبق – "الإخواني" - محمد مرسي، واستبدلَ مكانه قائدَ القوّات المسلّحة عبد الفتّاح السيسي المقرّب من السعودية. فباتت مصر، بسرعة، تحت وطأة التأثير الاقتصادي والسياسي للسعودية، ما خفّف من متانة علاقتها المستجدّة بتركيا وإيران.

ومن الضروري ملاحظة أنّ مصالح السعودية في مصر كانت تتعارض مع تلك الخاصة بتركيا وإيران. فقد كانت السعودية غير مرتاحة للبروز السياسي لحركة "الإخوان المسلمين"، وعملت جاهِـدةً لتشويه مؤهّلات هذه الحركة بوصفها حركة إسلامية، وهادفةً إلى تعزيز المكانة السعودية بوصفها قائدة "الإسلام السّـنّيّ المعتدِل". إذن، فكان الانقلاب العسكري في مصر خطوة مضادّة للثورة، ناجحة في تحقيق هدَف آل سعود في ترويض الاضطراب الشعبي الشرق-أوسطيّ المعادي للأنظمة الحاكمة منذ أمد بعيد.

وفي منطقة الخليج؛ لم تُرِد السعودية تمرير خطر أن يكون لها عدوٌّ في خاصرتها، فعمدت إلى اجتياح مملكة البحرين في العام 2011 للسيطرة على تمادي المظاهرات ضدّ النظام البحرينيّ، وشنّت حربًا على اليمن في العام 2015 ضدّ جماعة "الحوثـيّين" (المعروفة صِلَتُها بإيران). وصار اليمن المسرحَ الرئيس للمنافَسة السعودية-الإيرانية.

انحازت تركيا إلى السعودية في حربها في اليمن، داعمةً العملية العسكرية ومتّهمة إيران بالسعي للهيمنة على المنطقة. لكن في العام 2016، زار الرئيس التركي أردوغان العاصمةَ الإيرانية طهران، واقترح فيها، إلى جانب الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني، أن تتوسّط تركيا وإيران لإيجاد حلّ سِلميّ للحرب في اليمن.

وكان تردّد تركيا حيالَ موقفها من مناصرة السعودية أو إيران، دليلًا على أنّ أهدافها الإقليمية حتّمت عليها أن تظهر بمظهر المنافس الجـدّيّ على قيادة المنطقة، لا أن تكون لاعبًا ذا مستوى أدنى إقليميًّا. وهذا يبدو واضحًا لدى معاينة الحالة السورية. فمنذ بداية الأزمة السورية، دعمت إيران – ومعها روسيا – حكومة الرئيس السوري بشار الأسد (الحليف العربيّ الوحيد لإيران). وبخلاف إيران؛ كانت السعودية الدولة العربية الأولى التي تشجـب ما تعتبره "ممارسات غير مقبولة" للنظام السوري الحاكم، وتدعو علنًا إلى تسليح المعارضة السورية.

وكان سيُعتبر سقوط الحكومة السورية خسارة كبيرة للمشروع الإيراني في المنطقة، وبالتالي سيُعتبر نجاحًا للمشروع السعوديّ. إنّ مصالح تركيا المحلية والإقليمية، في الأزمة السورية، تزيد من تعقيد لعبة الصراع على النفوذ التي أصبحت تمثّـلها الساحة السورية. فمنذ البداية، دعمت تركيا "الجيشَ السوريّ الحرّ" (المعارض لحكومة الرئيس الأسد)، وطالبت بإسقاط الرئيس الأسد. وهذا ما أدى إلى تدهور العلاقات الإيرانية-التركية، وعزّز العلاقات التركية-السعودية.

ومنذ العام 2017؛ تبدو تركيا ساعية لدور أكثر تواضعًا بوصفها وسيط قوّة في سوريا. يبدو هذا واضحًا في مشاركتها في المؤتمر الثلاثيّ من أجل السلام، الذي يجمعها بإيران وروسيا—"قمّة أستانة". فالتـقارب السياسيّ والعسكريّ والاقتصاديّ الأخير هذا، بين تركيا وإيران وروسيا، هو تحـت شعار المحافظة على سيادة سوريا على كامل أراضيها، وتجنّب المسعى الانفصاليّ للأكراد. إلّا أنّ هذا التقارب هـشّ. ففي العام 2018؛ عملية "غصن الزيتون" التركية في شمال محافظة حلب السورية، جعلت إيران في وضع غير مرتاح. ومن المثير للاهتمام ملاحظة أنّ روسيا تعي أهمية السعودية في حلّ الأزمة السورية، وأنها سعت لكسب دعم السعودية لنتائج محادثات "قمّة الأستانة"، مع كون هذه المساعي لم تُؤتِ أُكُـلَها بعد.

وفي سياق آخر؛ برزت الأزمة القَطَرية التي بدأت في منتصف عام 2017 ، والمتمثّـلة في حلف خليجيّ تقوده السعودية، قطع العلاقات مع قَطَر بداعي تمويلِها للإرهاب وعلاقتِها غير المرغوب فيها مع إيران. ففي هذا السيناريو؛ دعمت إيران وتركيا دولةَ قَطَر، مؤكّدتَينِ أنّ مطالب السعودية لوقف المقاطعة، من قَبِيل إيقاف بثّ قناة "الجزيرة" الإخبارية القَطَرية، وإغلاق ممثِّـلِـيَّات قَطَر في إيران، هي مطالب فظيعة غير مقبولة. فبين إيران وقطر حقل كبير للغاز الطبيعي وعلاقات اقتصادية أساسية. كذلك رفضت تركيا بقوة إغلاق قاعدتها العسكرية في قطر. وفي عام 2017، وقّعت إيران وتركيا اتفاقًا لتعزيز مساعداتهما لقطر. وما زاد الأمر تعقيدًا إعلانُ "إسرائيل" دعمَها للحصار الذي فرضته السعودية ضدّ قطر، قائلةً إنها ستقفل مكتب قناة "الجزيرة" في القدس المحتلة في تمّوز/يوليو 2017.

أخيرًا؛ من الضروريّ التوقّف عند حالة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، المهيمنة على السياسة الخارجية السعودية منذ عام 2017. فهذا الأمير الشابّ هو واجهة التدخّل العسكري السعوديّ في اليمن، وواجهة المشروع الاقتصادي الجَسور "رؤية المملكة 2030" والإصلاحات الاجتماعية-السياسية المحلية. لقد كبح محمد بن سلمان الخطاب السعوديّ المعادي لإيران، وعزّز علاقات السعودية بكثير من الدوَل العربية (لا سيّما مصر)، وبات أكثر قُربًا من "إسرائيل"، وسافر إلى كثير من الدوَل الغربية (كالمملكة المتّحدة وفرنسا والولايات المتحدة)؛ سعيًا لإظهار السعودية على نحو كونها قائدة إقليمية، وشريكًا إسلاميًّا – معتدلًا - للغرب.

محـلّـيًّا؛ عمد محمد بن سلمان، وأبوه الملك سلمان، إلى تزخيم شعبيّتهما من خلال إجراء إصلاحات تخصّ حرّيّة المرأة، والاستثمار في التنوّع الاقتصاديّ للتقليل من الاعتماد السعودي على النفط، وإطلاق حملة سياسية كبيرة ضدّ "الفساد" (ومنها تطويق المعارَضة الداخلية للحُكم).

لقد سخّر "المثـلّث الإسلاميّ"، المتمثّـل في إيران والسعودية وتركيا، تاريخَه وثقافته لتعزيز خطابه القياديّ في المنطقة، واستغلّ أحداث "الربيع العربيّ" لتثبيت مكانته القيادية في "حيّز المكانة" ضمن الشرق الأوسط. فإيران اتخذت مواقف ’مُراجِعًا‘ منذ انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني، مُصرّة على أن تكون الصوت الموَجِّه لثورات إسلامية أخرى ضدّ الوضع الإقليميّ المتغرِّب القائم. لذا؛ يمكن اعتبار إيران جَذِلَةً بالثورات "الإسلامية" للربيع العربي. أمّا تركيا فركّزت على منطقة الشرق الأوسط، ولا سيّما المجتمع المسلِم في المنطقة، مع بروز نضال الأكراد الانفصاليّ. كما زعم الرئيس أردوغان أنّ تركيا لم تعد بيدقًا ساذجًا في يَد الغرْب في المنطقة. والسعودية، المعزَّزة بكون منطقة الخليج ترسّخت مَركزًا للاستقرار والقوة الاقتصادية في الشرق الأوسط منذ نهاية العقد الماضي؛ لا تزال آخذة في بسط تأثيرها الإقليميّ. فهي تتدخّل إقليميًّا لتبدوَ حامية للنظام القائم في الشرق الأوسط، وضامنة لسيادة "الآيديولوجيا السنّـيّة".

إلى كل ذلك؛ تؤسّس روسيا لدور عميق الجذور لها في الشرق الأوسط؛ إذ إنّ السعودية زارت موسكو في العام 2017 ممثَّـلة ديبلوماسيًّا، وتركيا لا تزال تعتمد اقتصاديًّا بشكل متزايد على روسيا، فهي تحتاج إلى الغاز الطبيعي الروسيّ والإيراني. كل هذا يعني أنّ نفوذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منطقة الشرق الأوسط سيؤثّر في الصراع القائم على قيادة المنطقة بين إيران وتركيا والسعودية. ويبقى أن تنتبه الدوَل الإقليمية الثلاث إلى الدور المتعاظِم للصين حديثًا في المنطقة، ولا سيّما على صعيد البُنى التحتية والاستثمارات العسكريّة، الأسياسيَّينِ لسيناريو ما بعد "الربيع العربيّ".

دَفَقٌ "لادينيّ" يواجِه الشريعة بتونس

منذ تأسيسه في عام 1956، لا يزال قانون الأحوال الشخصية يؤدّي دورًا هامًّا في مجال حقوق المرأة والمساواة بين المرأة والرجل في تونس. فقد ركّز مقترِح هذا القانون، الرئيس التونسيّ حينها حبيب بورقيبة، على إعطاء المرأة التونسية مكانة مميّزة في المجتمع. وقد حمل قانون الأحوال الشخصية معه تغييراتٍ تشمل إلغاء تعدّد الزوجات، واستحداث إجراء قانوني للطلاق، ووجوب ضمان موافقة الطرفَين (الرجل والمرأة) على إمضاء عقد القِـران ليكون العقد شرعيًّا ساريًا.

جميع هذه التغييرات اعتبِرت جديدة ومتحـدّية في الوسط الإسلاميّ؛ لأنّ معظمها خالف قواعد الشريعة الإسلامية. وعلى الرغم من المعارضة العارمة (المتوَقَّعة في بلد إسلاميّ) لهذا القانون، فإنه سرى في المجتمَع، ولا يزال يُعتبر رمزًا، ومحطّة مهمّة في تاريخ تونس عامّة، وفي مجال حقوق المرأة خاصّة.

وبعد الهبّة الشعبية التونسية (أحداث "الربيع العربيّ") في العام 2011، طرح بروز الحزبَين السياسيَّين القويَّين، حزب "نداء تونس" العلمانيّ وحزب "النهضة" الديمقراطي الإسلاميّ؛ تساؤلات حول الهوية الفردية والوطنية. وفاز حزب "نداء تونس" بأغلبية مقاعد البرلمان في العام 2014، وانتخِـب مؤسسُه، الباجي قايد السبسي، رئيسًا للبلاد في أوّل انتخابات ديمقراطية تُجرى بعد تظاهرات "الربيع العربي".

وبكونه من أتباع بورقيبة وسياساته؛ كان السبسي واضحًا في المضيّ في ما بدأه بورقيبة قَبله، فكانت إحدى أولويّاته تأمين حقوق المرأة، لكن، مرة أخرى، على حساب الشريعة الإسلامية في تونس ذات الأغلبية المسلمة من الشعب.

في آب/أغسطس 2017؛ في الاحتفال بالذكرى الحادية والستين لإطلاق قانون الأحوال الشخصية، والاحتفال بيوم المرأة الوطني، أعلن الرئيس السبسي نـيّته الصارمة بالمضيّ في مبادرة تغيير قوانين البلاد في ما يخصّ الزواج والميراث. وفي خطوة غير مسبوقة، هي الأولى من نوعها في العالم العربيّ والإسلاميّ، أعلن السبسي قانونًا يضمن تساوي حصّة المرأة والرجل من الميراث، ما يُعتـبَر مخالفًا للشريعة الإسلامية لدى غالبية مسلمي العالم.

هذا القانون الجديد، اللاإسلاميّ، لا يزال يثير جدالًا واسعًا في تونس وخارجَها. لكن بالرغم من المعارضة الشديدة لهذه الخطوة التشريعية، فإنها لاقت دعـمًا من أشخاص عمدوا إلى التظاهر والمسيرات من أجل سريان مفعولها في أقرب وقت ممكن.

 

سلطة "المَخازن" تُحبط اندفاعة شباب المغرب

في عام 2017؛ تحدّث الملك المغربيّ محمد السادس عن ضرورة تفعيل دمج الشباب في سياسات تنموية. وركّز على استثمار طاقات الشباب من خلال تأمين تدريبات لتحسين المهارات، وتأمين فرص العمل، مؤكّدًا أهمية هذا في تحقيق الازدهار في المستقبل. وأعلن بعدها أنّ جهود دولة المغرب غير كافية في هذا المجال، حاثًّا المسؤولينَ المنتخَبين والحكومة على استحداث برامجَ جديدة لخدمة الشباب المغربيّ بشكل أفضل.

إلّا أنّ الملك بالكاد تحدّث عن تشجيع المشاركة الشبابية في صنع القرار (السياسيّ). فبالفعل، أليس تحقيق طموحات الشباب يستدعي إشراكَهم الفعـليّ في العملية السياسية التي تفضي إلى سياساتٍ تخدم ازدهار البلاد؟... فـيُمكن مثلًا توسيع هامش حضور الشباب في الهيئات التشريعية وفي الحكومة، وتركيز اهتمام الأحزاب السياسية على قضايا الشباب، واستشارة جمعيّات شبابية على مستوى رسميّ.. كلّها خطوات تنتظر أن ترى النور.

لقد استمرّ الإحباط السياسيّ وعدم الثقة بالأحزاب السياسيّة ومؤسساتِ الدولة، اللذَينِ سادا ما قبل أحداث "الربيع العربي". فنسبة 1 بالمئة فقط هي التي تُمثّـل انخراطَ الشباب المغربيّ في النشاط الحزبيّ. كذلك؛ انخفضت نسبة المشاركة في الانتخابات، عامّة، بين عامَي 2011 و2016، من 45 بالمئة إلى 43 بالمئة؛ ومعها كانت نسبة مشاركة الشباب منخفضة جدًّا. فالشباب المغربي يشعر باستياء كبير، حتى المنضوُون منهم في حزب سياسيّ؛ بسبب ما يعتبرونه تهميشًا لهم وإبعادًا عن المشاركة في اتخاذ القرار السياسيّ. يرى الشباب المغربيّ عامّة أنّ الانخراط في العمل الحزبيّ عقيم لا فائدة منه؛ حتى أنّ كثيرًا من عموم المغربيّين يرَون أنّ اعترافات الملك حيال الغُبن اللاحق بفئة الشباب كان مجرّد كلام استرضائيّ للتهدئة من رَوع النقمة السائدة بسبب هذا الغُبن. والدستور الجديد يُنظر إليه في الشارع المغربي على أنه غامض، والتلاعب في الحيّز السياسيّ عاد ليطفو على السطح.

لا تزال دولة المغرب لا تُعتبر مَلَكية برلمانيّة لدى العديد من المواطنين الذين يجدون في الوضع القائم نظامًا سياسيًّا موازيًا ساري المفعول. فمع كون الأحزاب والبرلمان والحكومة موجودة، فإنّ السُّـلطة الفعلية والنفوذ هما في يَـد ما يُعرف بـ"المَخازن" (وهي النخبة الحاكمة؛ أي المَلِك وحاشيته). وهذا يزيد من عدم حماسة الشباب المغربي للانخراط في مؤسسات الدولة.

حتّى أنّ الأحزاب الطليعيّة بذاتها تُعتبر منحازة إلى نفوذ "المخازن" وأداة طيّعة لها، كما تُعتبر ضعيفة ومشوبة بالفساد ومفتقرة إلى الأهلية الديمقراطية وذاتَ قيادة نفعيّة لا تكترث بالصالح العامّ. يقول محامٍ متدرّب، منخرط في السياسة التي تمارَس في الجامعات، إنّه انضمّ إلى حزب أملًا في بناء ديمقراطية حقيقية من خلال العمل السياسيّ الفعليّ خارج الإطار الجامعيّ؛ لكنّه ترك الحزب بعدها لأنّه وجد أنّ زعيم الحزب "مَلَكيّ أكثر من المَلِك!.. فهذا الحزب فاشل".

ويقول آخر ذو خبرة في العمل على تشجيع الشباب على الانخراط في النشاط الحزبيّ، إنه عانى كثيرًا في إقناع الشباب بفعل النظرة المحـبَطة التي يحملونها على غرار المحامي الآنف الذِّكر.

ويبدو الشباب أكثر تشكيكًا في العمل السياسيّ ما بعـد أحداث "الربيع العربي"؛ ولقد عاصَروا وشارَكوا في تظاهرات العام 2011 مطالبينَ بحيّز أوسع من الديمقراطية المرومة وحرية التعبير. وكانوا قـد كوّنوا علاقات جديدة في ما بينهم، وأثاروا النقاشات الحياتية بين بعضهم البعض، واتخذوا قرارات بصورة جماعيّة منسجمة؛ إلى كونهم مطّلعين على مزايا الإنترنت وعلى الاخبار والآراء السائدة خارج المغرب.. كلّ ذلك عزّز لديهم، لبرهة، الإيمانَ بحياة سياسيّة ناجعة (لكن على خلاف ما كان عليه الواقع فعلًا).

يشجب الشباب المغربيّ باستمرار انعدامَ النقاشاتِ الداخلية، والديمقراطيةِ داخل معظم الأحزاب، حتّى أنّ الانتماء إلى حزب سياسيّ بات ملازمًا للسمعة السيئة.

ولقد اكتـشف كثير من الشباب في المغرب أنّ تأسيس أحزاب خاصّة بهم أمرٌ غير مقدور عليه. فيوجد في المغرب اليوم 35 حزبًا ما يجعـل من الصعب على أيّ حزب جديد أن يجد مكانه بينها. والرأي السائد في الأوساط الشبابية أنّ حزبًا يقوده الشباب قد ينجح في استقطاب مناصرين من هذه الفئة وغيرها، بفعل عدم الإيمان بجدوى الأحزاب السائدة حالـيًّا. إلّا أنّ مركزية سلطة "المَخازن" تضيّق هامش حرية التصرّف السياسيّ الذي قد يمارسه أفراد أيّ "حزب شبابيّ" جديد. كذلك؛ يقول أحد النشطاء السياسيّين إنّ العقبات البيروقراطية والمالية لدى تسجيل الحزب رسميًّا في الدولة، أدّت إلى فضّ مشروع تأسيس حزب جديد كان قـد بادر به مع أقرانه.

لكن رغم كل ما سلف؛ اختار بعض المغربيّين دخول معترَك السياسة، منذ عام 2011؛ مع علمهم بكل الصعاب التي تواجهها الأحزاب في الحركة السياسية المرومة، ضمن الإطار الحاليّ الحاكم. فهم يعتبرون أنّ التغيير الفعليّ يتـمّ من خلال الولوج التدريجيّ في قاعـدة الرأي العام، والانضمام على نحو أعضاء في الأحزاب الراهنة، لمحاولة الارتقاء في الصفوف الحزبية لتغيير وجهتها ونشاطها من الداخل. فمن الأفضل، في رأي هؤلاء، أن يكون الشباب يدفعون في اتجاه التغيير من داخل الأحزاب، لا أن يضغطوا من خارجها بُغية التغيير.

 

مسلمو الأورال.. خُـلُـقـيّات إنسانيّة وَحدويّة

يُقدَّر تعداد سكّان روسيا المسلمين حاليًّا بـ20 مليون نسمة، ما يعادل 14 بالمئة من مجمل السكّان فيها. ويُتوقّع أن يزداد هذا العدد في السنوات المقبلة، بحيث يصل إلى ما بين ثُـلُثِ ونِصفِ مجمل سكّان روسيا مع حلول العام 2050.

إنّ تغييرًا جذريًّا في مكوّنات المجتمع الروسيّ، إذن، على وشـك إحداث مفاعيل بعيد المدى؛ بالنسبة إلى دولة تعترف بالإسلام واليهودية والبوذية بوصفها ديانات تقليدية، لكن مع منح سلطةً قويّة للكنيسة الأورثوذكسية الروسية التي تؤثّر عميقًا على الحكومة والآيديولوجيا الرسمية للبلاد.

لا عجبَ إذن، في أن تكون الدولة الروسية في طور تحديد "وصف" مناسب للإسلام ضمن بيئتها المسيحية الأورثوذكسية. وتحاول إدارة البلاد أن تضع حدودَ ما هو مقبول بوصفه "ممارسات إسلاميّة سليمة وملائمة" لمواطني الدولة الفيديرالية الروسية، من جهة، وما هو مرفوض بوصفه "ثقافة إسلامية غريبة" قد تؤذي التعايشَ السلميّ بين مختلَف المجموعات الإثنيّة والدينية على الأرض الروسية، من جهة أخرى.

وباستحداث الدولة الروسية لما هو "إسلام تقليديّ"، ترمي إلى إزالة احتمال سيادة التفاسير السَّلَفية للديانة الإسلامية على الأرض الروسية. إلّا أنه، بالنسبة إلى كثير من ممثّـلي المؤسسات الإسلامية الروسية والعلماء الدينيّين والأكاديميّين العلمانيّينَ، لا يزال كثير من الغموض يكتنف ما هو مقصود من مصطلح "الإسلام التقليديّ". فتارة يعني هذا المصطلحُ ما قد يسمّى "الإسلام الشماليّ" المنوط بالحيثيات الاجتماعية والثقافية السائدة على الأرض الروسية، وبالممارسات الدينية التي باتـت مقبولة بالإجمال ضمن الحدود الروسية؛ وطورًا يتعلّق هذا المصطلح بالأقليّات الإثنية التي تَعتبر الإسلامَ جزءًا جوهريًّا من ثقافتها. ويبدو بالتالي أنّ مصطلح "الإسلام التقليدي" هو أكثر من مجرّد فبركة استحدثـتها الإدارة الروسية؛ إذ إنه يدلّ على ظواهرَ ثقافية حقيقية ذات تاريخ بعيد في المنطقة.

في منطقة الأورال المشهورة بتعدّد الإثنيات والديانات، في روسيا، تقع منطقة "بِيرْم كراي" حيث يسكن أناس منحدرون من أصول متنوّعة؛ وهي ليست معزولة عن النمط المفهوميّ الشائع محـلـيًّا حول الإسلام. فأئمة المساجد فيها والمؤمنون العامّة غالبًا ما يتنقّلون بين بلدات وقرى المنطقة، ويزورون المساجد والمدارس، بشكل دائم، في المراكز الشعبية للتعليم الدينيّ، حيث يتداولون ويناقشون قضايا دينية. ومن خلال الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي، عبر الإنترنت، يشارك هؤلاء في النقاشات السائدة.

إنّ المشكلة تكمُن في التفسير النّصّيّ البحت للإسلام، السائد لدى السلفيّينَ وغيرهم من المجموعات المحافِظة. هؤلاء المحافِظون ينحُون منحى الإبقاء على السير بالمأثور الديني المتوارَث، بحذافيره، واعتبار ما هو مقبول إسلاميًّا من خلال مواءمته للشريعة الإسلامية (بحسب الفهم الجامد لها). وهذا أدّى إلى سيادة فهمٍ "قانونيّ بحت" جامد، عن الإسلام بوصفه شـريعة إلزامية. إلّا أنه لا يمكن بتاتًا القبول بهذا التفسير (السلفيّ) للإسلام على نحوِ عُرف سائد في المجتمع.

إلّا أنّه مذهل أن نرى الشكل الذي به يتواصل هؤلاء المسلمون ويعبّرون عن لُحمة في ما بينهم، من دون تكلّف وفي أجواء حميميّة. نستطيع أن نلحظ عنصر "الجماعة الموحَّدة" السائد في اجتماعهم، ما يعكس قوّة جبّارة تكتنف هذه الأُلفة، وأن نفكّر بالتالي بالمدى الذي ينغمس فيه هذا العنصر بالمزاج الاعتقادي الدينيّ لديهم.

لقد أدّت الطريقة "الصوفية" دورًا في الحفاظ على "الوَحدة" البالغة الأهمية في الدوائر الاجتماعية الدينية. إنّ للإسلام التقليديّ الكثيرَ مما يقدّمه، في اللحاظ الديني، مما قد نتوقّع. وليس ينبغي أن تُعتبر ممارَساتُ الأُلفة جزءًا من الظاهرة الشاملة المسمّاة "إسلامًا"، فحسب، بل إنّ روح الأُلفة هذه تساهم في خلق إحساس باتّحاد الجماعة والتماسُـك الاجتماعيّ بين هؤلاء المسلمين.

لقد أدّت الوَحدة الإسلامية، تاريخيًّا، دورًا هامًّا في بناء المجتمعات؛ فهي تؤسّس للتواصل وتحفظ العلاقات. وهذا يشمل كلّ معنى أن تكون مسلمًا.

يتحدّث كتاب "إسلام برفاهية" (Leisurely Islam)، عن ثقافة ارتياد المقاهي في ضاحية بيروت الجنوبية (في لبنان). كثير من أهالي هذه المنطقة هم من مناصري "حزب الله". يعترف فضل وفيرناندو بأنّ الأفعال غير المنوطة بالتعاليم الأساسية للإسلام، والتي قد لا تُعتبر على نحوِ فِعلٍ دينيٍّ، قد تكون جزيلة الأهمية لكيفية فهم الأفراد المسلمين لأنفسهم من الناحية الأخلاقية. بل إنّ بعض الأكاديميين ذهب أبعد من ذلك، وأعلنوا أنّ الأنماط التقليدية للسلوك الاجتماعي هي أساسية في اتخاذ منحى الحياة الروحية المتديّنة.

فالحسّ الاجتماعيّ هو المقدرة على التفاعل مع الآخرين بالمواءمة مع معيار سلوكيّ معيّن يعبّر عن تصرّفات أخلاقيّة ويشمل أفكارًا تبادليّة اندماجيّة وقبولًا معنويًّا للآخر. هذا كلّه يمثّـل ما نجده فعلًا في المجتمعات الريفـيّة المسلمة في منطقة الأورال في روسيا.

فلأهالي منطقة الأورال المسلمين طريقة في التواصل والانسجام في ما بينهم، ليست مستقاة مباشرة من العقيدة الدينية، بحسب الكتاب، لكنّها جوهريّة للحفاظ على المجتمع المتديِّن؛ وبالتالي ليست، على الإطلاق، ثانوية مقارنة مع الصلاة وغيرها من أساسيّات المبادئ الدينية. فالذي هو "غير ديني" يكتنف في طيّاته قوّة روحيّة حيويّة، تعطي النظامَ الاجتماعيَّ رونقًا واستمراريّة.

إنّ مصطلح "الوَحدة الإسلامية" يتألّف من مروحة أفعال توظَّف لإظهار اللُّطف والعَطف للآخرين؛ وللتخفيف عنهم في مِحَنِهِم ولمساعدتِهم، ولفَهم ما يفكّرون فيه، وخلقِ روابطَ ومعارفَ مع الجميع. من الضروري إيضاحُ أنّ الوَحدة ليست إبداءَ توافق مع موقف سياسيّ معيّن، بل هي دليل على شعور بالاتّحاد الذي يُبقي الناسَ ملتـفّين حول بعضهم البعض. هذه الوَحدة ليست بالضرورة تمثّـل حالة قرابة بين الناس، بل ربّما شيئًا أعمقَ منها، ولا هي حالة تكوُّنِ دولةٍ بالمعنى الجافّ لمشتمَلات الدولة، من اجتماع أفراد في نطاق إقليم معيّن.

يشي الدليل الماثـل في "بِيرْم كراي" بمنطقة الأورال في روسيا، بأنّ ممارسات اجتماعية غير لصيقة بالدين ضرورة – بحسب الكتاب - تؤمّن الصداقة واللُّطف والإنسانية بين المسلمينَ. فمن خلال أقوالهم وأفعالهم، يخلق هؤلاء شعورًا بالوَحدة الإسلامية التي هي لون من ألوان التـقوى التي يتعاملون بها مع الآخرين.