عن رسائل فدوى طوقان مع ثريا حداد

استمرت المراسلات بين فدوى طوقان وثريا حداد من عام 1961 حتى عام 1996 تاريخ وفاة ثريا، حيث وصلت إلى ثلاثين رسالة.

«رسائل فدوى طوقان مع ثريا حداد: أضواء جديدة على حياتها وشعرها»
«رسائل فدوى طوقان مع ثريا حداد: أضواء جديدة على حياتها وشعرها»

يعتبر أدب المراسلات أحد ألوان الأدب العربي، وهو قديم أرجعه البعض كناصر الدين الأسد وشوقي ضيف إلى أيام الجاهلية. وإذا كان الشعر ديوان العرب، فلم لا يكون النثر ديوانهم -حالياً على الأقل -كونهم تفوقوا في الشعر حينها، والآن يوجد شعر ونثر عربي في الوقت نفسه.

تنبع أهمية المراسلات بين الشخصيات العامة من كونها تلقي الضوء على جوانب مهمة من ظروف وانطباعات الشخصيات التي تكتبها، لذلك يزخر الأدب العربي المعاصر بمراسلات شعراء وأدباء كرسائل شاكر السياب، ومراسلات محمود درويش وسميح القاسم، و«رسائل الحب والحياة» لخليل حاوي و«سيرة شعرية» لغازي القصيبي وغيرهم؛ هذه المراسلات ذكرها الشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري في تقديمه لكتاب «رسائل فدوى طوقان مع ثريا حداد -أضواء جديدة على حياتها وشعرها» الذي أعده سمير حداد للنشر، والذي نحن بصدد مراجعته.

 صدر الكتاب عن دار طِباق للنشر والتوزيع في مدينة البيرة بفلسطين العام 2018، وجاء في 156 صفحة من القطع المتوسط، حيث يلقي الكتاب الضوء على جوانب لم تكن معروفة في حياة الشاعرة فدوى طوقان؛ هذا المرة تتكلم فدوى بلسانها وبما يدور بخلدها ومن زاوية نظرها ورؤيتها لمختلف مجالات الحياة، بل إن بعض الرسائل قد ظهرت بخط يدها هي إضافة إلى صور لها في مناسبات عدة.

بدأت المراسلات بين فدوى وثريا حينما بعثت ثريا لفدوى في 1/10/1961-بصفتها رئيسة رابطة راهبات الوردية-لحضور أمسية شعرية في عمان. كتبت فدوى رسالة لثريا بعد ذلك بستة عشر عاماً في 2/9/1977. أما عن سبب انتظار فدوى كل هذه المدة حتى تراسل ثريا وما الذي أخرج فدوى عن صمتها ورغبتها في العيش لوحدها ولنفسها كما عُرف عنها من خلال رسائلها، وهل أرادت فدوى أن تراسل سامي حداد من خلال شقيقته ثريا-وهو الذي تذمرت من فتور علاقتهما في تلك الفترة-فهذا ما لم يتضح من خلال الكتاب.

استمرت المراسلات بين فدوى وثريا حتى عام 1996 تاريخ وفاة ثريا، إذ وصلت إلى ثلاثين رسالة وورد في الكتاب صور لنماذج منها بلغ عددها إحدى عشرة رسالة هي الرسائل من الأولى إلى العاشرة، إضافة إلى الرسالة الرابعة عشرة. كانت الرسائل باتجاه واحد، فلا توجد رسائل من ثريا إلى فدوى، وكلمة «مع» في عنوان الكتاب «رسائل فدوى طوقان مع ثريا حداد» التي تعني المصاحبة لم يصاحبها رسائل من الاتجاه الآخر.

تبدأ قصة الكتاب بمبادرة الأستاذ سمير حداد، شقيق ثريا حداد، بالاتصال بمقدم السيرة المهتم بالأدب الشخصي والسير الذاتية والحديث معه عن أن أخته الأديبة ثريا كانت لها مراسلات مع شعراء وأدباء عدة منهم الشاعرة فدوى طوقان، وقد قررا أن يبدأا برسائلها لمناسبة مئوية مولدها مما سمح لفكرة الكتاب أن تخرج إلى النور.

من ناحية موضوع الرسائل فقد تناولت أموراً عدة حيث اختلط فيها الخاص بالعام، والسياسي بالثقافي، وخلجات النفس بحركات الجوارح؛ فهي تناول الوضع الثقافي في فلسطين ومحاصرتها ثقافياً عن طريق منع الكتب والمجلات العربية من الدخول إليها باستثناء المجلات الهزيلة، أو إرسال مجلات من فلسطين إلى ثريا. تحدثت فدوى في مواضيع سياسية كما في الرسالة الثامنة التي تتحدث فيها عن سياسة «إسرائيل» التوسعية ومصادرة المياه والأراضي. أما الرسالة السابعة عشرة فتتحدث فيها عن الدول العربية الواقعة تحت وصاية دول وصفتها بالشيطانية، والرسالة التاسعة عشرة التي تتحدث فيها عن الرئيس الأميركي حينها رونالد ريغان كمتصهين هو وزمرته.

تناولت الرسائل كذلك مواضيع أدبية وشعرية كتأثر فدوى بكتاب "الغربال" لميخائيل نعيمة أو الحديث عن مجلة «الجديد» التي تصدر في المناطق المحتلة عام 1948 في رسالتها التاسعة. كما تناولت أموراً عائلية كظلم ذوي القربى وزوج أختها الذي أغرق العائلة في الديون، ومواضيع وجدانية عن الحب والشيخوخة والمرض والعجز والانحطاط الجسدي.

جدير بالذكر أن الرسالة الحادية عشرة لفدوى كانت عبارة عن قصيدة شعرية.

تحتاج الصداقة إلى تشابه ما يمكن أن يطلق عليه كيمياء الشخصيتين، وتشابه كيمياء فدوى وثريا تبدى في الاهتمام بالشأن الثقافي، وفقدان أعضاء من أسرة كل واحدة منهن حيث توفي أحمد وإبراهيم ونمر وحنان أخوة فدوى، وتوفي والد ثريا حيث تعزّيها فدوى به في الرسالة الرابعة والعشرون وعزّتها بوالدتها في الرسالة الثلاثين؛ لم تتزوج فدوى ويبدو أن ثريا لم تتزوج كذلك. جرّبت فدوى الحب الذي انتهى إلى الفشل وكذلك الحال مع ثريا، هناك تشابه آخر هو الابتلاء بالمرض في عائلة الشخصيتين، فإبنة أخت فدوى مصابة بالسرطان، وكذلك الحال مع ثريا نفسها وبشار ابن أخ ثريا أصيب بالمرض.


السيرة الذاتية لفدوى طوقان

الشاعرة الفلسطينية الراحلة فدوى طوقان
الشاعرة الفلسطينية الراحلة فدوى طوقان

الشاعرة فدوى طوقان التي يعتقد أنها ولدت في عام 1917 في مدينة نابلس، تركت مقاعد الدراسة في المرحلة الابتدائية، ونشر لها دواوين شعرية عدة هي: «وحدي مع الأيام»، «وجدتها»، «الليل والفرسان»، «اللحن الأخير»، «على قمة الدنيا وحيداً»، «تموز والشيء الآخر». وقد تركت فدوى مؤلفات نثرية هي: «أخي إبراهيم»، «رحلة جبلية رحلة صعبة»، «الرحلة الأصعب»، كما كتب عنها وعن أدبها دراسات عدة.

 تم تكريم فدوى في العام 1990 من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، وحصلت على جائزة سلطان العويس في العام نفسه، وتوفيت فدوى في عام 2003.

تظهر رسائل فدوى طوقان كشاعرة مرهفة الحس والمشاعر تعترف بضعفها والنقص الكامن لديها، ظهرت إنسانية وإيثار فدوى في موقفها تجاه أزمة أختها حنان المالية حين تبرعت لها بأكثر من نصف جائزة سلطان العويس البالغ قيمتها مئة ألف دولار لإخراجها من ضائقتها المالية كما في الرسالة الخامسة والعشرون. تحب فدوى الهدوء إلى درجة رفض تركيب هاتف في منزلها، شخصية فدوى منطوية على ذاتها وتحب الوحدة. تكره بعض ذويها وتشعر بكرههم لها، صداقاتها غير عميقة بسبب فشل الكثير من تلك الصداقات. تذكر فدوى سبب عدم زواجها في الرسالة السادسة عشرة ويكمن في مسؤوليات الزواج وقيوده ومشاكله الحياتية وعدم توافر قدرتها على ذلك. تبدو فدوى متشككة من ناحية الإيمان بالله وبالأديان كما ورد في الرسائل الرابعة والرابعة عشرة الخامسة عشرة والعشرون.

كان للحب والعاطفة مكانة كبيرة في قلب فدوى؛ تبدى ذلك في موقفها من سامي وحديثها عنه في أكثر من رسالة، وحديثها عن الفتى الذي أهداها زهرة الفل، وحديث معد الكتاب عن حب بين فدوى وأنور المعداوي. لم تسكن جذوة العشق داخل فدوى حتى بعد أن تجاوزت الستين من العمر، لكن قلبها المسكون بالحب والعشق لم يمنع من إظهار نزعة تشاؤمية سوداوية في رسائل فدوى، وتوجس من المستقبل وخوف من الألم ومحاولة الهروب منه.

كانت الشاعرة غير منسجمة مع الواقع المعاش في وطنها، وقد كانت ترفضه على المستوى السياسي والاجتماعي والأدبي. رفضت فدوى الاحتلال على المستوى السياسي في شعرها وفي مشاركتها في النشاطات الشعبية وندواتها، وعلى المستوى الاجتماعي كانت تتبرم من الأعمال المنزلية ونمط العلاقات الاجتماعية السائدة وما أسمته قيود الزيارات الرسمية الخانقة. وعلى المستوى الأدبي تحررت فدوى من الديباجة والجزالة ومتانة تركيب اللغة الشعرية بعد اطلاعها على أدب أدباء المهجر الذين ذكرت أنها اهتدت بفضلهم إلى أصالتها الشعرية.

وردت بعض الأخطاء في نصوص الكتاب يبدو أنها أخطاء طباعية؛ فهناك كلام مكرر تقريباً بحرفيته في الرسالة الثانية المؤرخة في 12/10/1977 والمرسلة من نابلس صفحة 39-43 مع الرسالة الثالثة والعشرون المؤرخة في 7/9/1985 والمرسلة من عمان في صفحات 104-107، لدى قراءة وتمحيص الرسالتين يبدو أن التاريخ الصحيح للرسالة هو 12/10/1977، حيث تتكلم فدوى عن الفاصل الزمني الذي يبلغ ستة عشر عاماً بين اللقاء والرسالة، وحيث أن اللقاء الأول هو عام 1961، فمن المنطقي أنها كتبت عام 1977، وقد يكون المعد قد أخطأ في تكرار أوراق معينة وردت في الرسالة الثانية وكررها مع الرسالة الثالثة والعشرون.

ورد في الرسالة الخامسة فقرة تقول في بدايتها «ما كان يجد ربّي أن ألقي هذه الغلالة ...» يتضح أن المقصود يجدر بي، وهذا هو النص الموجود في الرسالة الموجودة بخط اليد. ورد خطأ في كتابة التاريخ في الرسالة الخامسة عشرة حيث ورد بصيغة (25/1981/3) والصحيح (25/3/1981).

وردت كلمة «الوية» والتي يبدو أن المقصود بها «الطوية» في الرسالة العشرون حين تقول «...أما الفئة الذكية فهي خبيثة الوية وغير مؤتمنة ...». في الرسالة الثانية والعشرون ترد كلمة «ولكن» والمقصود بها «ولكي» حين تقول «... لتقبل العزاء، ولكن أجنبك الشعور بالحرج». كلمة «انسنان» في عبارة «هناك انسنان في دولة الشارقة» والمقصود بها إنسان في الرسالة الخامسة والعشرون، كما أن الشارقة إمارة ضمن دولة وليست دولة مستقلة. يرد في الرسالة الخامسة والعشرون «ابن أخي إبراهيم جعفر» وهي تقصد جعفر ابن أخيها الشاعر إبراهيم، وكان الأصح أن يقال جعفر ابن أخي إبراهيم، او أن تضع كلمة جعفر بين فاصلتين أو شرطة لتفادي اللبس.

الكتاب مثير للاهتمام حيث يلقي الضوء على حياة شاعرة استثنائية، استثنائية في ريادتها للشعر حيث كانت أول صوت شعري أنثوي فلسطيني في القرن العشرين. فدوى طوقان مهمة كونها ممن خرجوا وساعدوا في الخروج من قوقعة المحظورات الاجتماعية التي ليس لها أساس ديني أو أخلاقي أو قانوني، وتجرعها مرارة القهر سواء من الاحتلال أو العائلة والمجتمع.