التنافس على الذهب

يناقش ماثيو هارت دور الذهب وعلاقة الإنسان به على مر العصور والجوانب الاقتصادية والجيولوجية والسياسية التي ارتبطت بأهم منعطفاته التاريخية.

كتاب "الذهب: التنافس على أكثر معادن العالم إغراء"للباحث ماثيو هارت
كتاب "الذهب: التنافس على أكثر معادن العالم إغراء"للباحث ماثيو هارت

في بداية كتابه، "الذهب: التنافس على أكثر معادن العالم"، يطرح المؤلف ماثيو هارت، سؤالاً مثيراً للاهتمام، وهو ذلك الذي يتعلق بسبب الخصوصية الفريدة لمعدن الذهب، تلك التي ميّزته عن جميع المعادن الأخرى عبر التاريخ البشري.

يرى المؤلف أن علاقة الإنسان بالذهب، قد مرت بتحولات درامية خلال مسيرة الحضارة البشرية، وكانت أولى محطات تلك التحولات قد وقعت في المجتمعات القديمة، على أسس غير مادية، "إذ كان الذهب رمزاً للحياة الأبدية، لما تميز به من خصائص فريدة، لعل من أهمها ديمومته وقدرته على الصمود في وجه الزمن"، فمن المرجح أن الإنسان البدائي الذي كان لا يزال يستكشف الطبيعة ومفردات الوجود، قد ربط بين الموت من جهة وتغيّر حالة المعادن من جهة أخرى، ومن ثم فقد فسّر ثبات حالة الذهب بكونه نوعاً من أنواع التعبير عن مقاومة الروح البشرية للموت.

تلك الحالة السحرية للذهب، تحولت في العصر الحديث لتأخذ صورة أخرى، ففي وسط التقلبات الهائلة التي تتعرض لها العملات النقدية العالمية في كل لحظة، نظر معظم الناس إلى الذهب على كونه الشيء الوحيد الذي يستطيع الحفاظ على القيمة، وأنه الملجأ الآمن، الذي يدعم الإحساس بالطمأنينة والاستقرار في ظل كل التقلبات المتلاحقة.

 

مبونينغ: رحلة إلى المنجم الأكبر في العالم

في رحلته الممتعة للبحث عن الذهب، سافر المؤلف إلى جنوب إفريقيا، والتي تُعرف بكونها أحد أهم دول العالم في عملية إنتاج المعدن النفيس.

في جنوب إفريقيا، يوجد منجم مبونينغ، والذي يقع في إقليم جوتينغ، ويمتد نحو أربعة كيلومترات تحت سطح الأرض، وهو أعمق المناجم في العالم، ويعمل فيه الآلاف من الرجال المدربين الذين اعتادوا على تفتيت الصخور بحثاً عن حبيبات الذهب.

المؤلف زار ذلك المنجم، ووصف بعضاً من أدق تفاصيله، حيث يذكر على سبيل المثال التجهيزات التكنولوجية الضخمة المتوافرة داخل المنجم، والتي تستهلك من الكهرباء ما يعادل استهلاك مدينة سكنية يصل عدد سكانها إلى 400 ألف نسمة.

هارت، الذي نزل إلى المنجم، وشاهد العمال وهو يعملون في داخله، وصف المخاطر التي تحدق بأولئك الآلاف من العمالة المدربة، والتي اعتادوا أن يعملوا في ظروف صعبة جداً، منها الانفجارات الصخرية الهائلة التي تنتج بفعل النشاط الزلزالي، حيث تتناثر الشظايا المدببة القاتلة في الكثير من الأحيان، مهددة حياة المنقبين والعاملين داخل المنجم.

الانفجار الصخري ليس الخطر الوحيد، بل إن درجات الحرارة المرتفعة جداً، تعتبر أحد أهم المشكلات التي تواجه الحفارين. فوفقاً لقاعدة التدرج الجيولوجي، فإن درجة حرارة الأرض تبدأ في الازدياد مع التوغل إلى مستويات أعمق، ويذكر هارت أن درجة الحرارة التي صادفت وقت نزوله إلى المنجم قد وصلت إلى 140 درجة فهرنهايت (60 درجة سلسيوس)، كما أن مستوى الرطوبة قد وصل إلى نسبة 95 في المائة، وهو الأمر الذي تسبب في أن غمره العرق، وصار من الصعب مواصلة السير، كما كان من العسير التنفس بصورة طبيعية.

ووفقاً لهارت، فإن إدارة المنجم تعمل على حل مشكلة الحرارة، عن طريق إنتاج ما يقرب من ستة آلاف طن من الماء المجمد يومياً، وضخها إلى خزانات في أسفل المنجم، وهناك تستخدم مراوح ضخمة لتوجيه الهواء عبر جهاز التبريد، ثم يدفع الهواء المبرد إلى الأسفل عند درجة حرارة قدرها سبع وثلاثون، ويعود وقد سخنته الصخور إلى درجة حرارة قدرها ست وثمانون، هذا بالإضافة إلى أن إدارة المنجم تُجري اختبارات معينة قبل السماح للعامل بالنزول إلى باطن المنجم. ويكون غرض تلك الاختبارات هو التأكد من قدرة العامل الجديد على تحمّل الظروف الصعبة التي تحيط بممارسته لمهمته الشاقة.

ويذكر المؤلف أن نوعاً من التجارة غير الشرعية للذهب قد انتشرت بالقرب من المنجم، فمع ارتفاع سعر الذهب والحالة البائسة للفقراء، احتل المنقبون غير القانونيين مناجم الذهب المهجورة والأجزاء الخاوية من المناجم العاملة، وخلقوا عرضاً من الذهب غير القانوني.

أغلب هؤلاء المنقبين من البلاد الأفريقية الفقيرة المتناثرة حول جنوب إفريقيا، مثل زيمبابوي وليسوتو وموزمبيق ومالاوي وناميبيا، وهم في أغلب الوقت يصطدمون بالطبقة الفقيرة في جنوب إفريقيا، وفي الكثير من الأحيان تؤدي تلك التصادمات إلى وقوع أحداث عنف دموية.

 

بيزارو والأنكا: معركة الذهب الأكثر إثارة للدهشة

بعد أن وصف هارت رحلته الشاقة في جنوب إفريقيا، يفرد مساحة واسعة لواحدة من المعارك الحربية الغريبة التي كانت لها صلة وثيقة بمعدن الذهب.

يعود المؤلف إلى القرن السادس عشر الميلادي، وهو القرن الذي تواكب مع بدء حركة الاستكشاف الجغرافي، والذي اكتشف فيه الأوروبيون العالم الجديد في أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية.

الإسبان والبرتغاليون في تلك المرحلة، اندفعوا إلى القارات الجديدة، وكان الغرض من ذلك هو دعوة أهلها إلى الدين المسيحي من جهة، والاستفادة بثرواتها وموادها الخام النفيسة من جهة أخرى.

يذكر المؤلف أن البحث عن الذهب في العالم الجديد، كان الهدف الأكثر جدية لكريستوفر كولومبوس وخلفائه، ففي الرسالة التي بعث بها كولومبوس إلى العاهلين الإسبانيين الملك فرديناند والملكة إيزابيلا، إبان رحلة عودته الظافرة إلى إسبانيا، يذكر المستكشف العظيم أنه سيسعى إلى "أن تعتنق شعوب كثيرة ديانتنا المقدسة"، لكنه في الوقت ذاته لم يغفل عن ذكر الذهب، فقد أشار إليه 114 مرة في مقابل الإشارة إلى الرب 26 مرة فقط.

أخبار الذهب في أميركا الجنوبية، سال لها لعاب المغامرين الأوروبيين الطامحين للمجد والشهرة والثروة، وكان من هؤلاء قاطع طريق لا يعرف القراءة والكتابة، يُدعى فرانسيسكو بيزارو، وكان قد قدم بعض الخدمات للملك الإسباني فحصل على حكم مدينة بنما مكافأة لصنيعه.

في عام 1524 تحديداً، انطلق بيزارو في حملته نحو الجنوب، وبعدها بسنتين انطلق في حملة أخرى أكثر شهرة ونجاحاً، وهي تلك التي استهدف فيها شعب الأنكا، وهو الشعب الذي كان يسكن في إمبراطورية البيرو القديمة.

في ذلك الوقت كانت إمبراطورية الأنكا، مملكة عظيمة بالغة القوة، وكان إمبراطورها يُدعى أتاوالبا، وقد بلغ من قوته وسطوته أن قوام جيشه قد تعدى حدود 100 ألف مقاتل.

في الوقت الذي رست فيه قوات بيزارو على سواحل البيرو، كان أتاوالبا قد دخل في حرب طاحنة ضد أخيه هوسكار، وهو الأمر الذي مكّن القوات الإسبانية القليلة العدد من اختراق مسافات واسعة في الإنديز من دون أن يتعرض لهم أحد بسوء.

قوات بيزارو واصلت مسيرها حتى عسكرت بالقرب من معسكر أتاوالبا الذي احتشد فيه ما يزيد عن 80 ألف مقاتل، ولما كان الإمبراطور لا يعرف نية بيزارو، فقد سارع بإرسال الهدايا إليه، ولم يدر في باله ما قد تمثله تلك العصبة من المغامرين الأجانب من خطورة عليه وعلى شعبه.

بيزارو، أرسل إلى الإمبراطور بوفد يترأسه أخوه هيرناردو، وتبادل هذا الوفد مع الإمبراطور التحية والمجاملة، وطلب هيرناردو من أتاوالبا أن يزور أخاه في معسكره، وهو الأمر الذي وافق عليه ملك الأنكا، وحدد ميعاد الزيارة في اليوم التالي.

الإمبراطور الواثق من نفسه ومن قدرات جيشه الهائلة، إكتفى باصطحاب قطعة صغيرة من الجيش، فأخذ معه نحو خمسة آلاف محارب بأسلحتهم الخفيفة إلى معسكر بيزارو، بينما ترك بقية الجيش في المعسكر الرئيس، ومع وصول الإمبراطور المحمول على محفة من الذهب الخالص إلى معسكر الإسبان، استقبله أحد رجال الدين المسيحي المرافقين للحملة، وطلب من الإمبراطور أن يترجل ويدخل على بيزارو، وهو الأمر الذي رفضه الإمبراطور بشكل قاطع.

بحسب ما يذكر المؤلف، فإن هذا الرفض كان هو الإشارة التي انتظرها بيزارو ورجاله، حيث قاموا بإطلاق المدافع المتوارية على الحشود الضخمة المصاحبة للإمبراطور، وفي الوقت ذاته، انطلق خيالة الإسبان ليهاجموا حاملي المحفة، وكانوا في ذلك مدعومين من قِبل دروعهم الثقيلة التي كانوا يلبسونها على صدورهم، تلك التي كانت مصنوعة من فولاذ طليطلة القوي، والتي أصبحوا معها في المعركة مثل "المدرعات المصفحة" بحسب ما يذكر هارت.

ووفقاً للمؤلف، فإن المصادر الإسبانية تذكر مقتل نحو ستة آلاف من قوات الأنكا في تلك المعركة السريعة، والتي انتهت بسقوط الإمبراطور في يد بيزارو، ووقوعه في الأسر.

يؤكد هارت أن بيزارو قد عامل أسيره بشكل طيب، حيث كانت خطة قاطع الطريق الإسباني، تتركز على استعمال هذا الأسير في استنزاف الذهب البيروفي ونقله إلى القارة الأوروبية، وهو ما تحقق فعلاً، لأنه بوقوع الإمبراطور في يد الإسبان، سقطت دولته كلها، وعرض الأسير على بيزارو أن يعطيه كل ما يطلب، ظناً منه أن ذلك سوف يضمن له رجوع هؤلاء الغزاة إلى بلادهم البعيدة وتركهم لبلاده.

بحسب ما ينقل هارت عن بعض المصادر الإسبانية، فإن بيزارو قد استطاع في شهر واحد أن يجمع ما يعادل 1326539 بيزو ذهبياً، أي نحو 340 مليون دولار في عملة هذا الزمان، بينما احتفظ ببعض المشغولات والتحف الذهبية وأرسلها إلى البلاط الملكي، كنوع من الاستعراض والإبهار.

الاحتفاظ بالإمبراطور، مكّن الإسبان من نهب جميع المعابد والقرى التي مروا بها، فرغم أن جيوش الأنكا المؤلفة من عشرات الآلاف من المقاتلين الأشداء كانت تستطيع أن تقضي على تلك الحفنة من الإسبان بضربة واحدة إذا ما احتشدت جميعها ضدهم في معركة واحدة فاصلة، إلا أن ذلك لم يحدث أبداً بسبب وقوع الإمبراطور -الذي يُنظر له على كونه إله-في الأسر.

المعادلة سرعان ما لحق بها التغير عندما قام أحد القادة البيروفيين ويدعى رومينافي بحشد ما يقرب من 200 ألف مقاتل واستعد للهجوم على بيزارو والقوات الإسبانية، فقد أدرك الحاكم الإسباني أن التقنيات العسكرية التي يمتلكها والدروع الفولاذية الطليطيلية التي يرتديها رجاله، لن تستطيع الانتصار في تلك المرة، ومن هنا فقد إتخذ قراره بإعدام الإمبراطور أتاوالبا، خصوصاً بعدما شك في أنه هو الذي أرسل إلى رومينافي وشجّعه على الهجوم.

وبالفعل فقد تم إصدار الحكم بالإعدام على الإمبراطور، ولم يُلتفت إلى توسّلاته وصراخه، وقُبيل تنفيذ الحكم عليه، عرض عليه أحد القساوسة أن يعتنق الدين المسيحي في مقابل أن يتم تنفيذ حكم الإعدام عليه بالخنق، بدلاً من أن يتم اعدامه حرقاً، وهو الأمر الذي وافق عليه الإمبراطور البائس، وبعد ذلك انسحب بيزارو وجنوده، وغادروا تلك السواحل عائدين إلى بنما، ليدخلوا في صراعات فيما بينهم اقتتالاً على غنائمهم الذهبية. وفي إحدى تلك المعارك قُتل بيزارو نفسه، ويعلق هارت على قصة هذه المعركة الدرامية بشكل ختامي واصفاً محصلتها بكونها قد شهدت تحول حضارة الأنكا الذهبية التي شيّدوها على مدار مئات الأعوام، إلى عملات ذهبية مجرّدة تسكّها المسابك الأوروبية، وكأن تلك الحضارة العظيمة قد ذابت وضاعت في غمضة عين.

 

مصير الذهب: الكمبيالات والبنكنوت

تمكن الأوروبيون من استغلال الذهب الذي أخرجوه من أميركا الجنوبية في فترة الاستكشاف الجغرافي على أحسن وجه، حيث كان هذا الذهب سبباً من الأسباب المهمة في حدوث الرواج التجاري والاقتصادي، ومن ثم فقد كان من أهم الركائز التي انبنت عليها حركة النهضة الأوروبية الحديثة.

الأساطيل الأوروبية نقلت كميات هائلة من الكنوز الذهبية عبر البحر نحو مدينة إشبيلية، ففي عام 1564 وحده، نزلت نحو 154 سفينة محملة بالذهب في موانىء تلك المدينة الأندلسية الساحرة، وارتفع عرض الذهب في أوروبا في مائة عام، لما يقترب من الخمسة أضعاف، وتدفقت الأموال إلى القارة الأوروبية.

يلاحظ المؤلف أن توقيت تدفق الذهب من المكسيك والبيرو إلى إسبانيا، كان متزامناً مع طرد المسلمين واليهود من شبه الجزيرة الأيبيرية، ولما كان القوام الأساس لطبقة الصيارفة في شبه الجزيرة الأيبيرية، يتكون من المسلمين واليهود، فقد ظهرت الحاجة الملحة إلى أن تتكون طبقة أخرى لتحل محلهم، فتشكلت الطبقة الجديدة من التجار والصيارفة الهولنديين والإيطاليين. ومن هنا فإن الذهب قد اتجه إلى وسط أوروبا وشمالها، بدلاً من أن يتركز في جنوبها.

خطورة نقل تلك الكميات الضخمة من الذهب، استدعت ظهور طريقة جديدة من طرق التعبير عن الأموال، حيث توسع التجار في استخدام الكمبيالات، وهو النظام الذي انبثق عنه نظام الشيكات الحديث. وفي أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، أصبح هذا النظام سهل الاستخدام عندما بدأ صيارفة لندن من صاغة الذهب بقبول الكمبيالات الصادرة من بعضهم البعض من باب المنافسة على اجتذاب الزبائن. وشيئاً فشيئاً أخذت تلك المعاملة الطابع الرسمي، حيث امتد استخدام الكمبيالات من التجارة الخاصة إلى المالية العامة حين أصدرت الدول نقوداً ورقية مُغطاة بالذهب أو الفضة "وتضاءل تداول العملات الذهبية إلى أن انحصر التبادل الفعلي للمعدن بالصفقات الكبرى فقط... وكان معيار الذهب يقوم على اتفاقية صارمة ملزمة للدول، وهي أن يقابل عرض العملة الوطنية احتياطي السبائك الذهبية، وفقاً لنسبة محددة مشروطة، فالأجنبي يقبل الأوراق النقدية الصادرة في دولة خاضعة لمعيار الذهب، لثقته بإمكانية استرداد قيمتها ذهباً، وكان مخزون الذهب يحدد بدقة عرض النقد المتداول في دولة ما، ولن تستطيع تلك الدولة طباعة المزيد من الأوراق النقدية ما لم تحصل على المزيد من الذهب".

اندلاع الحروب الأوروبية تضافر مع انخفاض المعروض من الذهب، إلى زيادة الطلب على هذا المعدن النفيس، وفي عام 1797، تسببت الأنباء الواردة عن رسو الأسطول الفرنسي في ويلز، في حالة من نزف ودائع الذهب في بنك إنجلترا، حيث اندفع سكان لندن لتسليم أوراق البنكنوت التي يمتلكونها وليستبدلوها بالنسب المقابلة لها من العملات الذهبية. وهنا، وللحيلولة دون نزف الاحتياطي الوطني الإنجليزي من الذهب، فإن البرلمان البريطاني قد أقر قانوناً جديداً يعتبر أن الأوراق النقدية بمنزلة الدفع نقداً.

 

صدمة نيكسون: الدولار الأميركي يفك ارتباطه بالذهب

عندما تبوأ الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون منصبه في عام 1970، كان النقد الأميركي يتدفق خارج حدود الولايات المتحدة الأميركية، لتمويل الحرب في فيتنام، ولدفع أثمان البضائع الأجنبية التي كان الأميركيون يفضلونها على البضائع المحلية، مثل السيارات والأجهزة الإلكترونية اليابانية والألمانية.

تلك المشكلة تسببت في حدوث حالة من التضخم ومن غلاء الأسعار، وكان خروج كل تلك الكميات من الدولارات خارج الولايات المتحدة، يضع الحكومة الأميركية في مأزق في حال تم طلب تحويل تلك الدولارات إلى ذهب، حيث كان ذلك سوف يتسبب بكل تأكيد في إفراغ جميع خزائن الذهب في فورت نوكس.

الحل الأول الذي كان مطروحاً أمام حكومة نيكسون، هو أن يتم تعويم الدولار، بحيث تتحدد قيمته وفق معايير العرض والطلب في مقابل العملات الأخرى، ولكن هذا الخيار كانت له تبعات كارثية في حال استمر الإقبال على المنتجات الأجنبية، فقد تهبط قيمة الدولار وقتها إلى حد يعصف بمكانة ورقة النقد الأميركي في السوق العالمية.

الحل الثاني الذي كان أمام نيكسون، والذي استقر عليه مع وزير الخزانة جون بي كونالي، هو أنه إذا تقدم حملة الدولار الأجانب لصرف ما لديهم عبر نافذة الذهب، فإنه سوف يتم الرفض، ولن يكون الدولار قابلاً للتحويل إلى ذهب، وتم إعلان ذلك في خطاب ألقاه الرئيس الأميركي في ربيع عام 1971، وهو ما عُرف على الصعيد العالمي باسم "صدمة نيكسون".

 

الصين والذهب: من رفض التعامل بالذهب إلى لمركز الأول عالمياً في إنتاجه

من المواضيع المهمة، التي عرض لها هارت في كتابه، هو التغيير الكبير الذي لحق بنظرة الصينيين إلى الذهب، والذي تواكب مع تحولاتهم الأيديولوجية والفكرية في العصر الحديث.

يذكر المؤلف أن الصين تمتلك عدداً مهولاً من المناجم التي لا يستطيع أي شخص أن يقدرها بشكل دقيق، ومن بين جميع تلك المناجم، يأتي منجم لينغلونغ في المقدمة.

يقع هذا المنجم ضمن الطبقة الغرانيتية غير المنتظمة في شبه جزيرة شاندونغ، وتقول الأسطورة الصينية القديمة إن مكان المنجم في القديم كان نهراً توجد فيه أسماك ذهبية، وربما يفسّر ذلك أن الصينيين القدامى قد نقبوا في هذا المنجم منذ العام 1300 قبل الميلاد.

في مطلع الألفية الأولى للميلاد كان لدى حكام الصين احتياطيات من الذهب قدرها مائتا طن، أي ما يعادل احتياطيات الذهب لدى الإمبراطورية الرومانية حينذاك. وفي عصر المغول، تم إنعاش صناعة التنقيب عن الذهب عندما أمر أحد الأباطرة بتهجير أربعة آلاف عائلة إلى منطقة شاندونغ في سبيل البحث عن الذهب بطريقة الشطف بالأوعية المعدنية.

نظرة الدولة الصينية القديمة إلى الذهب تغيرت في عصر حكم أسرة المانشو، فحكام تلك الأسرة كانوا يخشون اندلاع الشغب والثورة بين الشعوب التي احتلها الصينيون، ولذلك منعوا التنقيب عن الذهب، لأن المال الذي كان سيعود من وراء تجارته، كان سيصبح وسيلة فعالة لانتفاض تلك الشعوب، التي يعمل الكثير من أبنائها في حرفة التنقيب. ومن هنا فقد أصدر حكام المانشو مرسوماً يحظر التنقيب عن الذهب، وأعدموا كل من قُبض عليه متلبساً بمخالفة هذا المرسوم.

في عام 1842، انتهى المخزون الذهبي في الخزائن الصينية، واضطرت الإمبراطورة الحاكمة لنقض مرسوم حظر التنقيب على الذهب حيث عاد الإنتاج السنوي من الذهب إلى الارتفاع مرة أخرى، وبحلول عام 1888، باتت الصين تنتج 700 ألف أوقية من الذهب، مما جعلها تحتل المركز الخامس عالمياً في إنتاج الذهب.

هذا التغير في نظرة السلطة الصينية إلى الذهب، تكرر في العصر الحديث، فالصين إبان المرحلة الشيوعية رفضت حيازة مواطنيها للذهب، وذلك تأثراً بمبادئ الشيوعية التي تتجاهل الملكيات الفردية وتميل إلى تأييد الملكيات العامة،. ثم تغيرت تلك النظرة بعد استعادة منجم لينغلونغ من اليابان في الحرب العالمية الثانية، وبعد وفاة الزعيم الشيوعي التاريخي ماوتسي تونغ في عام 1976، حيث تم رد الاعتبار للمعدن النفيس، ونُظر إليه على أنه وسيلة للحدّ من التعطش للعملات الأجنبية، وتم تأسيس ما يُعرف باسم "جيش الذهب"، والذي كان قوامه يقترب من 20 ألف من المنقبين على الذهب في جميع أنحاء الأراضي الصينية، وأسفرت كل تلك المجهودات في أن تتربع الصين على عرش إنتاج الذهب عالمياً، حيث تفوقت على جنوب إفريقيا للمرة الأولى في هذا المضمار في عام 2007.