عن حكايا التشرّد

يغيّر الأدب عالم القراء والكتاب ولكنه لا يغيّر العالم إلى أن يتحرك الناس ويفعلوا أي شيء لتغيير الظروف.

حكايا التشرّد
حكايا التشرّد

كتبت لورا هاوجين مراجعة لكتابين عن التشرد نقلها إلى العربية إبراهيم عبد الله العلو كما يلي:

 تقول روان هيسايو بوكانان في فصلها الأول من كتاب "عودوا إلى أوطانكم" الذي يتكون من مجموعة من المقالات التي قامت بتنسيقها ونشرها في وقت مبكر من هذا العام أن مفهومها "للوطن هو فعل".

وتقصد بذلك الفعل الياباني الذي يعني السفر إلى الوطن(كايرو) وهو شعور يتردد عبر القصص والقصائد والمقالات التي تلي ذلك: الهروب من الوطن، العثور على وطن، الحنين إلى الوطن، الإحساس بالوطن.

أشعر وأنا اتصفح هذه الكتابات أنني أسافر إلى الوطن أيضاً وأتفكر كيف نعرف، مواطنين ودولة، الوطن من خلال أفعالنا.

أفكر بذلك بينما تقوم بلادي بتزعم ضربات عسكرية في سوريا قد تؤدي إلى قتل المزيد من المدنيين الأبرياء. يبدو للبعض أن معاناة السوريين تبرر مثل ذلك العمل ولكنها لا تكفي للترحيب بلاجئي الصراع بين ظهرانيننا.

ووفق إحصائيات وزارة الخارجية الأميركية فقد قبلت الولايات المتحدة 11 لاجئاً سورياً لإعادة التوطين على أراضيها هذا العام (2018) وهو تراجع حاد عن 3000 لاجئ في عام 2017 وأكثر من 15000 في عام 2016.

وتستمر الإدارة الأميركية في منع السفر من البلدان المسلمة إلى الولايات المتحدة وتتابع العمل الحثيث على إنشاء الجدار الحدودي وتفشل في تحقيق وعد الأمة للحالمين وتفاقم الشعارات العنصرية والمناوئة للهجرة. إذا كان الوطن يتكون من الأفعال فلم أعد أشعر بالمواطنة في الولايات المتحدة بعد الآن.

قرأت أولاً كتاب "المشردون: لاجئون وحياة اللجوء" هذا الشهر وإكتشفت أنه يعرض رؤى تغيب عن النقاش المحتدم حالياً حول سياسة الهجرة وسلامة الحدود التي تحابي أصوات الأميركيين البيض غير اللاجئين.

ومثل "عودوا إلى أوطانكم"، هذه المجموعة دعوة للعمل موجهة خصوصاً للزملاء الكتاب، بحسب تعبير المحرر فيت ثان، الذين يمتلكون القدرة على التحدث بصوت من لا صوت لهم وتقدم "ذكرى إنسانيتنا وتوحشنا".

ويشرح فيت: "لا يشعر كثير من الكتاب وربما كلهم بالمواطنة التامة ومن هذا التشرد يحققون ذواتهم. ولهذا السبب يشعر الكثير منهم بالتعاطف والشفقة نحو المشردين والمهجرين بطريقة أو بأخرى".

تدعو بوكانان ونجوين والكتاب المشاركين في مجموعاتهم القراء للتبصر في مفهوم الوطن الأكثر تعقيداً.

تتشارك القصص المنثورة على هذه الصفحات بالترابط الإيجابي بين الطعام والتقاليد بالإضافة إلى مشاق وتحديات التشريد الحميمة بما فيها المحن والهوية المتضادة والإحساس بالإنسلاخ من ثقافة الفرد ذاته.

يكتب اميتافا كومار في المجموعة المعنونة، "قصائد حب لحرس الحدود"، ضمن "عودوا إلى أوطانكم": "هناك درجات للاغتراب".

وتشير تشانغ راي لي في المقالة الأخيرة من هذه المجموعة الرائعة "أرق أصداء لغتنا" إلى هذه الاغترابات عبر قصة لحظات والدتها الأخيرة وذكريات حياتها في كوريا وكيف تفرق الكلمات التي يتشاركناها ما بينهما.

لا تتحدث القصص في "المشردون" عن غربة اللغة والأحبة والأوطان فحسب، ولكنها تستشعر ألم الوجود في مكان جديد لا تشعر فيه بالترحيب في معظم الأحيان.

تكتب ليف جولينكين: "تعتبر عملية التحول إلى لاجئ عملية تدريجية. تبييض. إنتقال إلى وجود شبحي".

ويكتب جوزيف عزام في مفتتح مقالته عن هروب عائلته من أفغانستان إلى نيويورك: "أتخفى معظم الأيام عن الأنظار".

وتقول دينا نايري إن إضطرار اللاجئ لإظهار الإمتنان الدائم يصبح فخاً.

وتتحدى نوفيو روزا تشوما مفهوم أن يتفوق اللاجئون كي يستحقوا مكاناً في أوطانهم الجديدة.

أرى في كلتي المجموعتين دليلاً وافراً على إنسانيتنا ووحشيتنا وتؤكد بالنسبة لي ما هو على المحك في بلادنا اليوم. وأشدد على وصول هذه الكتب لمتناول أيادي-إضافة إلى كتب أخرى مثل كتاب محسن حامد "المخرج نحو الغرب" –أي فرد لا يرى حاجة إلى فتح حدودنا أمام المهجرين وكل من لا يرى صراعنا المشترك. وقد تساعد قراءة مثل تلك الكتب في بناء التعاطف وتبعد فكرة المهجر كفرد "آخر" بعيد عنا.

وكما تحذر نيجوين فإن ذلك لا يكفي: "يغيّر الأدب عالم القراء والكتاب ولكنه لا يغيّر العالم إلى أن يتحرك الناس من مقاعدهم ويخرجوا على الملأ ويفعلوا أي شيء لتغيير الظروف التي تحدث عنها".

حان الوقت الآن للنهوض من مقاعدنا والخروج وفعل أي شيء. وهذه السبيل لبلوغ أوطاننا.