الحفر والتفكيك عند أحمد أشقر

يربط الباحث أحمد أشقر ما بين التراث اليهودي الديني المعادي لنا العرب بوصفنا (غوييم) وما يحدث اليوم. فـ71% من المتدينين الإسرائيليين يؤيدون طرد الفلسطينيين، إذ يعتبرونهم "غوييم" (goyem). وهذا ما يعطي تفسيراً جزئياً عن سبب ازدياد منسوب القمع والعدوان الذي تمارسه إسرائيل" ضد الفلسطينيين. عز الدين المناصرة

الحفر والتفكيك عند أحمد أشقر
الحفر والتفكيك عند أحمد أشقر

عندما كلّفني الصديق أحمد أشقر (مشكوراً) بمراجعة وتقديم مخطوطة كتابه القيّم (الصراع على الهوية في اللاهوت اليهودي)، تذكرت حواري مع جاك ديريدا في باريس عام 1997، حيث تمحور حول التفكيك والحفر وتأجيل حسم الدلالة، لأنَّ الظاهر ليس هو المعنى الحقيقي للأشياء. فالبحث العلمي يبدأ بالشك، واللاتمركز، والاعتراف بالاختلاف، بحثاً عن المعنى اللانهائي.

ويُعرّف (ديريدا) عام 1996- (التفكيك) بأنه: (شيء مثل علم الأنساب، بمعنى نيتشي معين، أي حركة أنسابية، (جينالوجية)، لتركيب جديد، أو فكّ التركيب بالصعود صوب الأصل والمصدر)- (المناصرة 2007؛ 551).

وما أريد أن أقرره هو أن أحمد أشقر (خبير مقارنة الأديان)، خصوصاً (اليَهْمسلامّية)- حفّار ومفكّك ماهر، بسبب معرفته العميقة باللاهوت اليهودي، واللغة العبرية الأصلية. فهو يعتمد كتاب (التناخ)، الذي يختلف عن كتاب التوراه (العهد القديم)، بترجمته المسيحية، العربية. لأن (التناخ) على الأرجح يعتمد على بقايا "كنعانية" قديمة مندثرة. وقد اكتملت نصوصه في القرن العاشر الميلادي (القلم الطبراني). وربما كانت اللغة الكنعانية، هي اللغة المجهولة التي أطلق عليها المستشرقون لقب (اللغة السامية- الأم).

ويبدو لي أن أحمد أشقر قد بدأ من مشكلة الترجمة، حين لاحظ الفوارق الجوهرية في ترجمة النصوص من اللغة الأصلية إلى العربية وتأويلاتها. فعلى سبيل المثال: كنت شخصياً أعرف أن ترجمة مصطلح الـ"غوي" goy بأنه (الآخر)، أو (الغريب)، ولاحظت أن المؤلف ظل يستخدم مصطلح "غوي" (goy)، كما هو حرفياً، حيث يقول: (أبقيت على استخدام مصطلح الـ"غوي" goy، ولم أعمل على ترجمته أو استخدام ترجمته العربية إلى- آخر، وغريب، لأن الـ goy، ليس آخراً ولا غريباً في المفاهيم المتعارف عليها في العلاقات الإنسانية) – ولأن الـ"غوي" goy، (تحدده منظومة كاملة من المفاهيم والشرائع والقوانين اليهودية فقط).

وهذا مثال واحد في مشكلة الترجمة من بين عشرات الأمثلة، التي أشار لها المؤلف وشرحها، فهو يبدأ بالشك، ثم التفكيك ثم الحفر مع بعض التركيب الذي يخدم الفكرة التي يبحث بها، دون الحسم في تعريف الدلالة والمعنى النهائي. فكتاب أحمد أشقر هو صراع مع الترجمة؛ التي قال في تعريفها السيمائي الإيطالي أمبرتو إيكو بأنها: (نقل النص نفسه كما هو إلى لغة أخرى)، ولكن بطبيعة الحال، يبقى التعريف ناقصاً، ما لم نذكر (كيف)!!.

المسألة الأخرى في هذا الكتاب، هي قدرة المؤلف الفائقة على "ضبط أعصابه العلمية"، سيّما أنه فلسطينيّ من أصل كنعانيّ، حين يقرأ النصوص التناخية قراءة باردة الأعصاب إلى درجة الجفاف العلمي. لكنه بحياده هذا يصل إلى نتائج منطقية، كما هو الحال في تحليله لعدد من قصص (التناخ)، فهو يرى أن "غالبية القصص لا تخصُّ الجماعات اليهودية وحدها، بل تنتمي إلى جماعات ثقافية وعرقية؛ استملكها النص التناخي، ليحتكرها فيما بعد". ومن هذه القصص:

1- استخدام الجنس لعداء (الغوييم) كما هو الحال في قصتي (ءبرم وسَرى- فرْعُه)- و(ءبرهم وسَره- ءبيميلك) التناخيين.

2-  قصة يفتاح الجلعادي، وسيرة عنترة بن شداد.

3-  قصة اغتصاب (دينه): هل اغتصب حمور، دينه!!.

4-  قصة (رحاب) في يريحو: صاحبة فندق أم (زونة/ بغي).

5-  الصراع بين (بني يسرءيل)، والكنعانيين الموءابيين، على الهوية.

 

وهنا نجد أن (المؤلف يبتعد أثناء التحليل عن منهجية (الإسقاط) الحديث على النص التناخي القديم. وهذه هي إحدى ميزات الكتاب الإيجابية. وهنا يتذكر المؤلف (مخطوطات البحر الميت)، التي اغتصبتها (دولة إسرائيل) الاحتلالية، ويطالب بفك أسرها، لكي تساعد الباحثين في (علم مقارنة الأديان) في التـأويل الحداثي، انطلاقاً من محاولات تطوير فهم النصوص التناخية القديمة.

فالمؤلف هنا بسبب منهجه في التحليل الموضوعي يصل بعد التفكيك والحفر العميق إلى نتائج مغايرة لظواهرية النص، مثل:

1- اللاهوت اليهودي: غالبا ما يشوّه صورة (الغوييم)، ويجعلها صورة سلبية، بل يصل في موقفه منها إلى حالة العداء المسبق. كما هو الحال في قصة (ءبرم وسرى وفرعه)، وقصة (روت وعرفه).

2- يقارن الباحث بين صورة (عنترة العبسي) المشرقة في الموروث العربي، وبين صورة (يفتاح الجلعادي في اللاهوت اليهودي، الذي يضطهد لأن ( أمه- ضرّة غير يهودية).

3- يصل الباحث إلى نتيجة معاكسة لقصة اغتصاب دينه، فهي لم تغتصب، بل تمت العلاقة الجنسية برضاها.

4- أما (رَحَاب)، فهي صاحبة فندق، وليست (زونه/ بغياً)، وربما قدّيسة.

5- يترجم الباحث نص (حجر مؤاب)، ترجمة دقيقة منقولة عن ( التناخ الأصلي)، بلغته (الآرامية الكنعانية المنقرضة)، الذي يتحدث عن الصراع على الهوية بين ( بني يسرءل)، والمؤابيين.

وفي كل، الأحوال، يجد الباحث أن اللاهوت اليهودي يقف ضدّ (الغوييم)، وضد المرأة، ويوظف (الجنس) لتحسين نسل (بني يَسرءل)، وتمييزهم عرقياً بربطهم غالباً بقرارات (يهوه)، التي لا يجوز أن تناقش لأنها (مقدسة!!). أما (المرأة) في الفكر التناخي، فهي: (أقل منزلة من الرجل، لكنه غالباً ما يلقي عليها مهمات نقل الرسائل المعقدة والمشفرة إلى حيز العلن). وفي (سفر الخروج) يحشر (يهوه)، المرأة مع الدواب والخدم والأشياء. والمرأة في اللاهوت اليهودي هي المسؤولة عن (الخطيئة الأولى).

وقدم لنا أحمد أشقر ترجمة (نص حجر مؤاب/ ميشع) وهي ترجمة ربما تكون أكثر من سابقاتها دقة واحترافية، لكن الخبراء من أهل الاختصاص شككوا في تكرار كلمة (يسرءل) في النص، لأن (عمري) ليس ملك (يسرءل)، بل هو ملك إحدى الممالك الآرامية الكنعانية في شمال فلسطين. وكثيرون هم من ينسبون كلمة (يسرءل) إلى ترميم الحطام، الذي قام به كليرمون غانو، الذي نقل الحجر إلى باريس (اللوفر). وهناك من يرى أن الكلمة الحقيقية هي (يزرع إيل) التي وردتْ في النقوش المصرية، وليست (يسرءل).

وفي الخلاصة، يربط الباحث أحمد أشقر ما بين التراث اليهودي الديني المعادي لنا العرب بوصفنا (غوييم) وما يحدث اليوم. فنجد أن تقرير معهد فيو الأميركي (2016) يقول بأن 48% من اليهود في (فلسطين 48) يؤيدون طرد العرب الفلسطينيين من (فلسطين- 48). أما المتدينون الإسرائيليون، فإن 71% منهم، يؤيدون طرد الفلسطينيين، وهم السكان الأصليون، وهؤلاء جميعاً يعتبرون العرب الفلسطينيين "غوييم" (goyem). وهذا ما يعطي تفسيراً جزئياً- يقول المؤلف- عن سبب ازدياد منسوب القمع والعدوان الذي تمارسه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، بأشكاله المتنوعة ومن بينها الإعدامات الميدانية، واعتقال الأطفال في السجون وتدمير البيوت، والعقوبات الجماعية، وتصدر كل يوم فتاوى عنصرية إسرائيلية، هي أبشع فتاوى من أي احتلال في العالم.

ويصل الباحث إلى النتيجة التالية: (احتلال فلسطين واستعمارها، وممارسة العنف ضد السكان الأصليين، هو جوهر اللاهوت والعقيدة والتربية اليهودية).

كتاب أحمد أشقر (الصراع على الهوية في اللاهوت اليهودي)، كتاب يستحق القراءة، لمنهجه الموضوعية، ومتعة السرد النقدي فيه، وجرأته في كشف طبقات النصوص المغبرة.