سليمان الجائع عن الضحك والبكاء في فلسطين

تقدم الرواية صورة للواقع الاجتماعي الذي ساد فلسطين في أواخر الحكم العثماني وإلى ما بعد الاحتلال الإسرائيلي لكامل فلسطين التاريخية عام 1967، ونلقي الضوء على جوانب حياة عائلة فلسطينية تقليدية.

"سليمان الجائع" عن الضحك والبكاء في فلسطين
"سليمان الجائع" عن الضحك والبكاء في فلسطين

في مقهى في مدينة جنين تبدأ الرواية فصولها التسعة عام 1973. هناك يدور حوار بين الأب سليمان والإبن حسن حيث يذّكر حسن والده بالنصائح التي زوده بها عندما سافر إلى ألمانيا عام 1958، ويتناول الحوار أموراً عدة تتعلق بحياة حسن في ألمانيا وأمور حياتية مختلفة.

وقعت أحداث رواية "سليمان الجائع عن الضحك والبكاء في فلسطين"للكاتب حكم عبد الهادي بشكل عام في فلسطين، وتحديداً في مناطق جنين وحيفا وعكا بشكل أساسي، وأحداث هامشية قليلة في عمان والكويت ودمشق وألمانيا. وصدرت الرواية عن دار طِباق للنشر والتوزيع في مدينة البيرة بفلسطين عام 2019.

الكاتب حكم عبد الهادي نشأ في جنين، وسافر عام 1958 لإكمال دراسته في ألمانيا حيث عمل في الإعلام في محطة (دويتشه فيله). أما الرواية فقد نشرت باللغة الألمانية عام 2010.

 الرواية التي وقعت في 270 صفحة من القطع المتوسط، تناولت أحوال فلسطين التي جسّدها ورواها سليمان آل عطوان. كانت رواية واقعية؛ فهي تسرد قصة أناس حقيقيين جرى التمويه قليلاً في أسمائهم، بحيث أن أي مطلع على التاريخ الفلسطيني يعرف من هو فهمي وغيره من شخوص الرواية. كما أن الرواية قد تم فيها خلط الواقع بالخيال كما ذكر الراوي في المقدمة لأسباب قد يكون منها السبب الأدبي والجمالي والحفاظ على خصوصية شخوص الرواية.

الحبكة في الرواية متماسكة حيث تقوم على حوادث مترابطة بعضها ببعض، وتسير في خط مستقيم من البداية إلى النهاية، مع استثناء الفصل الأول الذي بدأ بمشهد مقتطع من عام 1973. كما تتصف الحبكة هنا بأنها مركبة من أكثر من قصة، لكنها كانت روافد لمجرى نهر القصة الرئيس وهو حياة سليمان وسيرته.

تقدم الرواية صورة للواقع الاجتماعي الذي ساد فلسطين في أواخر الحكم العثماني وإلى ما بعد الاحتلال الإسرائيلي لكامل فلسطين التاريخية عام 1967، ألقت الرواية الضوء على جوانب من حياة عائلة فلسطينية تقليدية. فالزواج يكون أساسا بين الأقارب مثل سليمان التي تزوج عطاف إبنة قريبه طالب، وفهمي الذي تزوج سميرة إبنة عمه عطا، وشوقي الذي تزوج نجلاء إبنة خاله سليمان. الإبن الأكبر يتحمل أعباء مساعدة الأسرة، كما حدث مع عطا إبن سليمان، الأم عاقر وإن أنجبت بنات ولم تنجب الأولاد. احترام الأب في جميع الأحوال مهما كانت صورته وأخلاقه وتعامله مع أهل بيته وغيرهم.

تطرقت الرواية كذلك إلى الصراع العائلي بين العائلات كما هو الحال بين آل شرّار وآل عطوان، وهناك صراع داخل عائلة عطوان نفسها على الزعامة والوجاهة كما حصل في التنافس على الانتخابات البرلمانية في العهد الأردني، ووجد صراع عائلي أدى إلى القتل كقتل فهمي على يد شخص من عائلته عام 1943 لخلاف عائلي، وقتل عطا الذي دارت الشبهات في قتله حول طالب.

عكست الرواية صورة ما يسمى «شرف العائلة» كما ظهر في الحديث عن هجرة الفلسطينيين خلال النكبة بسبب الخوف على «العرض»، وقصة نازك إبنة سليمان التي جاءت تشكو لأبيها أن محسن ابن الجيران لمس يدها فخرج أبوها شاهراً سكينه كي يقتله.

المرأة مهمشة حيث أن سامية زوجة عطا لم تكن تملك رفض زواج إبنتها سميرة من فهمي الفلاح الغليظ، وعطاف لم تكن لترفض الزواج من سليمان، كما هو حال لمياء التي زُوجت من طالب الذي يزيد عنها 30 عاماً، زواج بدل حيث لا مهر لعطاف أو لمياء. فهمي كان يضرب سميرة بقسوة ويسيء معاملتها قبل أن يطلقها. يقول الراوي إن الرجال يكتبون التاريخ في الشرق الأوسط، والنساء لم يساهمن في حرب 1967، لكن بالطبع دفعن ثمناً مأساوياً لها.

تقدم الرواية صورة عن الحياة السياسية للفلسطينيين في تلك الفترة من مقارعة الحكم الإنجليزي والعصابات الصهيونية. فسليمان واجه الإنجليز والاحتلال الإسرائيلي، وفهمي الذي حارب مع الحاج أمين الحسيني ثم انقلب عليه وتحالف مع الإنجليز، وضاح ابن سليمان سجن لمدة عامين بتهمة توزيع مناشير ضد الاحتلال.

هناك نوعان من الشخصيات في الرواية وهم: بطل الرواية سليمان كشخصية رئيسة ومحورية، وشخصيات تختلف أهميتها بدرجة أو أخرى مثل عطا والد سليمان وسامية والدته، وعطاف زوجة سليمان، وفهمي زوج سميرة أخت سليمان، وسميرة أخت سليمان، وصفية أخت سليمان، ووضاح وهاني وحسن أبناء سليمان.

تتمحور الرواية حول شخصية سليمان عطوان الذي ولد في بلدة عرابة قرب جنين عام 1910 بعد ولادة أختين ليكون بكر أمه وانتظار الأب ثلاثة عشر عاماً ليرزق بإبن بكر. عاش في جنين أربعين عاماً، وتوفي في عمان نهاية سبعينيات القرن الماضي، وترك ستة أبناء وأربع بنات وأكثر من ثلاثين حفيداً وحفيدة حين توفي.

ولد سليمان بوزن استثنائي يبلغ سبعة كيلوغرامات مما جعل الناس يطلقون على عام ولادته سنة ولادة سليمان الكبير، وبرزت أسنان الحليب في فمه بعد أسبوعين من ولادته، تأخر مشيه حتى السنة الثالثة من عمره. كان وزنه وهو في الثانية عشرة من عمره يقارب التسعين كيلوغراماً وبملامح رجل بالغ الرجولة وذو بنية قوية.

نهمه للطعام والشراب كان استثنائياً؛ فقد كان يشرب يومياً 24 زجاجة حليب في أيامه السبعة الأولى ليقلع عنه مدى حياته بعد أكله سبع كوسايات. أحب الكنافة النابلسية خلال دراسته في مدرسة النجاح (أصبحت جامعة فيما بعد)، واظب حينها على التدخين وتعاطي الكحول، كان أداؤه الدراسي متدنياً وكان يترك المدرسة إذا شعر بالجوع أو العطش، تزوج وهو في الخامسة عشر من عمره بسبب غريزته الطبيعية الاستثنائية أيضاً.

عرف سليمان السجون في حياته حيث سجن بسبب ديونه خلال الحكم الأردني، كما سجن بسبب إصراره على سماع إذاعة «صوت العرب» في مقهى برغم منع السلطات الأردنية ذلك، كما لم يوفق في طموحاته السياسية حين ترشح للبرلمان الأردني ولم ينجح في هذا المجال.

أصيب سليمان بالسكري في أواخر أيامه. ترمل ورفض أبناؤه زواجه من امرأة أخرى حتى لا يتكفلوا بمصاريف زوجته وأي أبناء قد ينجبهم. ولد سليمان وفي فمه ملعقة من ذهب، ورحل عن الدنيا بعد مكابدة صنوف المتاعب التي كان منها الفقر والاحتلال وخيبات أمل لخطط لم يكن مهيئاً لتحقيق أي منها.

كانت الأبعاد النفسية في شخصية سليمان تمثّل الولد المدلل الذي يجب تلبية طلباته، وأي رفض لطلباته الكثيرة يواجهه بغضب سريع بحيث يكسر كل ما يعترض طريقه، كان هجومياً يعتدي على كل من يقف في طريقه، يثور ويقلب صينية الطعام للعمال الجائعين بسبب عدم وجود فليفلة خضراء فيها، يدوس العنب بقدميه لمجرد ملاحظة من زوجته أن هذا إسراف كون الأسرة لديها بطيخ في البيت وظروفهم لا تحتمل مصاريف بهذا الحجم. كان العنف الحل الوحيد لكل مشكلة تعترضه مهما كانت النتائج، هذا الشخصي الهجومي تبخرت شجاعته عندما صفعه نعمان الذي كان يلعب معه البوكر صفعة بسبب الغش في اللعب. كان سليمان شخصية قوية –في رأي إبنه حسن- لكنه كان يضعف أمام الكحول والميسر. كان يكتب الشعر ويتردد على الشاعر إبراهيم طوقان.

 سليمان الذي تعود على الكسل وتلبية شهواته على اختلافها وتبذيره كان يعتبر أن ما حدث معه من فقر بسبب ذلك عبارة عن سوء حظ لا أكثر. ترك المدرسة مبكراً، ومن ناحية نضجه الفكري فقد كان مستواه يدفعه للإيمان بالطالع بحيث تفاءل بأن إبنه هاني سيجلب له الحظ ليتبين له عدم صحة ذلك، كما كان يحترم كتاب "تفسير الأحلام" وكأن ما به من معلومات حقائق لا تقبل الجدال.

تغيرت شخصية سليمان ببطء بعد أن أصبح إبنه عطا الموجود في الكويت يحوّل له المال بشكل شهري وكبر أبناؤه، حيث لم يعد ينفجر كالبركان من دون سابق إنذار. بسبب تغيّر شخصية سليمان، قال الراوي عنه إن لديهم سليمان واحداً وثلاثة آباء، فالزمن يصنع من الشخص أشخاصاً.

كانت لغة الرواية هي اللغة الفصحى مع استعمال كلمات عامية قليلة باللهجة الفلسطينية مثل:«سرسبة» التي تعني الشخص المهووس بالنظافة والترتيب، و«كحيان» التي تعني الفقر الشديد.

قامت الرواية على السرد أساساً، والحوار بشكل قليل، والمناجاة بشكل نادر، مع تعليقات الراوي على بعض الأحداث والمواقف.

كان الضحك هو المعادل الموضوعي للشبع، حيث أن عطاف تذكر نكتة وتضحك عليها، وهي أن عائلة أم أحمد تصحو في رمضان عند السحور وعندما لا تجد شيئاً يتسحرون عليه يضحكون على حالهم المبكي حتى يشبعوا من الضحك ويناموا نوماً هنيئاً. وهذا ما يوحي به عنوان الكتاب «سليمان الجائع عن الضحك والبكاء في فلسطين» ؛ فالراوي قد لا يقصد الضحك والبكاء بالمعنى الحقيقي وإنما الظروف الجيدة والسيئة.

وتنبع أهمية الرواية من كونها تتناول فترة عصيبة ومتقلبة من حياة الشعب الفلسطيني؛ فهي تتناول فترة حربين عالميتين، وضياع وطنهم، وبضعة حروب شنتها إسرائيل ضد العرب والفلسطينيين.

 

أخطاء وردت في الرواية:

عندما يؤرخ لصدور الرواية يقول إنه ربيع 1212 في الصفحة الثامنة والتاريخ طبعاً غير معقول، «السجادة الإيراينة» والمقصود السجادة الإيرانية» صفحة 49، «ما فىء يقض مضجعه» والصحيح «ما فتىء يقض مضجعه» صفحة 60، «خطوة إلى الأما،م» والصحيح « خطوة إلى الأمام» صفحة 148،«أرض تزي قيمتها» والصحيح «أرض تزيد قيمتها» صفحة 153، «كنتض تراه» والصحيح «كنت تراه» صفحة 175. «النا،س» صفحة 183 والصحيح «الناس»، أحرف «أم.ز» لا يعرف ما المقصود بها صفحة 212. «شايف حالك يا أباوحسني» والصحيح «شايف حالك أبو حسني» صفحة 226. في المقدمة يقول إن سليمان توفي عام 1977 وفي النهاية صفحة 267 يقول إنه توفي في ديسمبر 1978.