ثلاثية ميرجكوفسكي: المسيح ضد المسيح الدجال

يكشف ميرجكوفسكي عن الصراع الداخلي لهؤلاء الباحثين عن الله في أحلامهم ورؤاهم الوهمية، فبسبب حرمانهم من القناعة بفكرة واحدة، بدت شخصيات ميرجكوفسكي في الثلاثية وكأنها مستحضرة من التاريخ.

ثلاثية دي. ميرجكوفسكي "المسيح وضد المسيح"
ثلاثية دي. ميرجكوفسكي "المسيح وضد المسيح"

تنويه: يشير مصطلح "ضد المسيح" في تسمية الثلاثية إلى المسيح الدجال، وقد ورد ذلك في الترجمة الفارسية للثلاثية، مثال ذلك، التشابه الرمزي بينه وما أشار إليه إنجيل يوحنا: "لأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ إِلَى الْعَالَمِ مُضِلُّونَ كَثِيرُونَ، لاَ يَعْتَرِفُونَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ آتِيًا فِي الْجَسَدِ. هذَا هُوَ الْمُضِلُّ، وَالضِّدُّ لِلْمَسِيحِ." (2 يو 1: 7).

ضمن إطار آخر، وجب التنويه بأنه لم تتم ترجمة أي عمل للمؤلِّف إلى اللغة العربية، وسرد الثلاثية أدناه مأخوذ عن قراءة في الترجمة الفارسية.

ابتداًء من أواخر القرن التاسع عشر، وحتى أوائل القرن العشرين، شاعت شهرة ميرجكوفسكي (ديْميتري سرغييفيتش ميرجكوفسكي أو: ميرشكوفسكي 1865 ـ 1941) كشاعر وروائي روسي، بسبب ثلاثيته "المسيح وضد المسيح"، التي تتألف من روايات ثلاث (موت الآلهة- جوليان المرتد 1895)، (إحياء الآلهة- ليوناردو دا فينشي 1900)، (ضد المسيح، أو: المسيح الدجال، بيتر وأليكسي 1904).

سعى ميرجكوفسكي إلى تفهيم وجهة نظر دينية فلسفية جديدة، تشكلت لديه من خلال تأثره الواضح بفلسفة نيتشه، حيث اعتبر الآخر أن تاريخ العالم أشبه ما يكون بساحة حرب بين أصلين، دين وروح (في الحالة المسيحية)، ودين وجسد (في الحالة الوثنية التي تجسّد ثقافة الحياة الدنيوية. أو: البدائية).

جميع أجزاء الثلاثية، وفقًا لميرجكوفسكي، تسلّط الضوء على أعلى نقاط التصادم بين المسيح وتاريخ العالم (العصور القديمة المتأخرة، عصر النهضة، عصر بطرس الأكبر)، ولكن من دون أن يكون هنالك أي ترابط تاريخي حقيقي بين الروايات الثلاث، التي نتواجه دومًا، وبشكل متكرر، في مقدمة كل واحدة منها مع شخصية تاريخية كبيرة، تخضع بحركتها لمخطط مفتعل من قبل ميرجكوفسكي.

 

موت الآلهة:

الشخصية الرئيسية في الرواية الأولى: "الإمبراطور الروماني جوليان المرتد (332-363)" الذي حاول استعادة العبادة الوثنية القديمة، في الوقت الذي أصبحت فيه المسيحية بالفعل دين الدولة المعترف به رسمياً في روما. إن استعادة جوليان الثاني لعبادة الآلهة الأولمبية خلال فترة حكمه (361-363)، جلبت له لقب "أبوستاس" (أو "أبوستات": المرتد).

في "موت الآلهة" تتجلى المسيحية في أعلى مظاهرها، حيث يتم الكشف عنها في الرواية كدين الخير المطلق على الأرض، وأن المسيحيين يرفضون العالم الدنيوي، فهم زاهدون بالمطلق، وعليه ووفقًا لميرجكوفسكي فإنه لا يمكن التوفيق بين المسيحية والحياة الدنيا، فالأخيرة هي معقل الشرور. لكن في وقت لاحق، تبين أن فكر جوليان كان متسقًا إلى حد كبير مع الأفكار التي كان يعتقدها ميرجكوفسكي في مطلع الثمانينات من القرن التاسع عشر.

ضمن إطار آخر، فإن الشخصية الرئيسية التي اختارها ميرجكوفسكي في "موت الآلهة"، خاصة في النسخة الأولى من الرواية، مشابهة تمامًا لمواصفات الرجل الخارق (أو: الإنسان الأعلى) الذي انشغل وطالب به فريدريك نيتشه. من الجدير بالذكر أن رواية "جوليان المرتد" أعيد طبعها 23 مرة في فرنسا، على مدى 10 سنوات، وفي كل مرة كان يحذف منها شيء.

 

إحياء الآلهة:

تبدو الرواية الثانية من ثلاثية ميرجكوفسكي كفرشاة عريضة ترسم واقع عصر النهضة وما احتوى من تناقض قاسٍ لوقوعه بين العصور الوسطى الرهبانية، وبين النظرة الإنسانية الجديدة التي أدت إلى إطلاق الفنانين والمفكرين والفلاسفة.

ترد بداية الرواية الثانية كخاتمة للرواية الأولى "جوليان المرتد"، ذلك عبر الكلمات "النبوية" لأرسينوي حول أحفاد المستقبل البعيد "الإخوة غير المعروفين" الذين "يكتشفون عظام هيلاس المقدسة، وشظايا من الرخام الإلهي، ضمن واحد من المشاهد الأولى التي يظهر فيها "ليوناردو دافنشي" الذي يعمل لدى "دوق مورو" حاكم فلورنسا، حيث يستخدمه في بناء الكاتدرائيات والقنوات. يعيش دافنشي في حالة من التشعب، ويقوم بتخويف تلاميذه من المسيح الدجال الذي يظهر في الرواية الثالثة للثلاثية. وبالتالي، يحول ميرجكوفسكي انتباه القارئ من الغرب إلى الشرق، من حيث ينطلق المسيح الدجال.

وقد تم تخصيص الجزء الثاني من الثلاثية لـ"رجل خارق" آخر، هو ليوناردو دافنشي، الذي يرتبط بشكل مصطنع بفكرة الرواية الأولى، ناحية إدخال الحس الديني البحت من قبل الإنسانيين في اهتمامهم بآثار العصور القديمة الكلاسيكية.

 

ضد المسيح ( أو: المسيح الدجال)

في الجزء الأخير من الثلاثية، يتم تسليط الضوء على أسطورة بطرس الأكبر، حيث تصدر شائعات حول نهاية العالم، فيدعي الوعاظ أن الإمبراطور بطرس (أو: بيتر ألكسيفيتش) هو المسيح الدجال بنفسه، هذه الشائعة تصبح أقوى لتتحول إلى اعتقاد يخترق قلوب عامة الناس.

الربط في ثلاثية ميرجكوفسكي عبارة عن صور وحلقات متقاطعة منفصلة، مثال ذلك "تمثال فينوس" فعندما صلى الإمبراطور جوليان أمامه، رمز ذلك بالنسبة إلى المتعصبين في العصور القديمة على أنه "الشيطان الأبيض" وهو وثن. بينما رمز بالنسبة للإنسانيين على أنه موضوع عبادة دينية. وعليه، فإن الرمزية الدينية والفلسفية تخضع للبنية الفنية الكاملة للثلاثية التي جعلت من جميع شخصياتها الرئيسية غامضة بالنسبة لمعاصريها، وتطرح سؤالًا واحدًا - مغزاه: مع المسيح أم ضده؟

ضمن منحى آخر، فإنه في الروايات الثلاث، وإلى جانب الشخصية التاريخية الرئيسية، يُربى بطل أدبي خيالي، يتميز بشكوكه وانتقاله من دين إلى آخر. ففي الجزء الأول، هذا هو أرسينوي، وثني، ثم يتحول إلى راهب مسيحي. في الرواية الثانية، بيلترافيو، يؤمن ثم ينتحر لاعتقاده بأن المسيح والمسيح الدجال هما شخص واحد.

على خلاف تيخون، في الرواية الثالثة، الذي يغادر جماعة المتعصبين، ويصبح مسيحيًا متنورًا.

يكشف ميرجكوفسكي عن الصراع الداخلي لهؤلاء الباحثين عن الله في أحلامهم ورؤاهم الوهمية، فجميعهم أصيبوا بالذعر ورُعبوا أمام الأسفل والأعلى، الجسد والروح. وبسبب حرمانهم من القناعة بفكرة واحدة، بدت شخصيات ميرجكوفسكي في الثلاثية وكأنها مستحضرة من التاريخ من أجل أن تلقي خطبًا أشبه ما تكون باقتباسات المصادر التاريخية.

بعد الثلاثية، ألف ميرجكوفسكي عددًا من الأعمال التاريخية الجديدة. فكانت رواية "ألكساندر الأول (1911)" ذات أهمية خاصة، أظهر فيها ميرجكوفسكي مرة أخرى جاذبيةً فريدة في استخدام التفاصيل التاريخية على نطاق واسع، حيث عاد إلى تفسير التاريخ بروح آرائه الدينية والفلسفية الخاصة، إلى أن أصبح "التاريخ" لدى ميرجكوفسكي بمثابة أداة تعبير عن مواقفه الشخصية.

تعرض ميرجكوفسكي لتقييم قاسٍ في النقد القديم، ولم يعترف بميرجكوفسكي ككاتب ومؤرخ، لأنه لم يقدم ثورته الفلسفية كمحاولة لتحرير فكر العالم المسيحي الزاهد، بل كنداء جديد لإعادة النظر بالوثنية، أو دين الجسد.

حتى اليوم، ظلت أعمال الخيال التاريخي متمثلة في "أدب القلة"، كما بقيت معروفة ضمن دائرة ضيقة من القراء، وهذا ما يفسّر ضيق مساحة ترجمة أعمال ميرجكوفسكي إلى اللغة العربية، مع أنه تمكن من الجمع بين اثنين من الأدوار النادرة للغاية في شخصية الكاتب الإبداعية، فكان سيد مدرسة النخبة إلى جانب شهرته الواسعة في روسيا وفرنسا، الشهرة التي حظي بها كواحد من رواد الرمزية الروسية.