العرب: 3000 عام من التاريخ

يقدم الكتاب سرداً تفصيلياً غنياً للغة والثقافة العربيتين ويعرض أوجه تشابه بين الماضي والحاضر.

 "العرب: 3000 عام من تاريخ الشعوب والقبائل والإمبراطوريات"
"العرب: 3000 عام من تاريخ الشعوب والقبائل والإمبراطوريات"

كتب إيان بلاك مراجعة لكتاب "العرب: 3000 عام من تاريخ الشعوب والقبائل والإمبراطوريات" للباحث تيم ماكنتوش سميث نشرها في صحيفة الغارديان البريطانية، ونقلها إلى العربية إبراهيم عبد الله العلو. والآتي ترجمة نص المراجعة:

تتراءى خارج نافذة منزل تيم ماكنتوش سميث في صنعاء العاصمة اليمنية بقايا نطاق طويل من التاريخ العربي- مقاتلون أطفال يبكون شهداءهم في الحرب المستعرة في البلاد وصليات الصواريخ والإقتتال الطائفي والشعارات التنويمية ومسجد يعود تاريخه إلى القرن السابع وإرتقاء الإسلام في شبه الجزيرة العربية.

يبدو المشهد غنياً ومبهماً ومحفزاً على التفكير: على مدى ثلاثة آلاف عام حضرت سلالات وغابت أخرى من السبئيين والحميريين إلى الأمويين من دمشق والعباسيين من بغداد ثم جاءت أسرة آل سعود التي منحت إسمها للمملكة القوية.

فالتفاعل بين البدو والحضر والقبائل شبه البدوية والشعوب المستقرة والرجال الأقوياء والمؤسسات الواهنة يبقى مسألة مستمرة وتبرز اللغة والإيمان والإخلاص سوياً في تواشجات معقدة وعرى لا تنفصم.  

يعيد كتاب "العرب" قص حكاية مألوفة بطرق جديدة. يركز أولاً على التغيّرات الإجتماعية والإقتصادية (حيث كان تدجين الجمل شيئاً أساسياً) التي شكّلت عالم ما قبل الإسلام قبل التحول الذي بدأ في مكة عام 622 للميلاد.

سبقت العطور والجواهر سابقاً النفط والغاز في العصر الحديث. وبقيت في الخلفية تحديات الآشوريين والفرس والرومان والمغول والتي سردتها وحاربتها ثلة متعددة الألوان من الخطباء والقادة لمقاتلين يركبون على صهوات جياد رثة التجهيز.

يبدو ماكنتوش سميث رجلاً إنجليزياً استثنائياً في الخارج: كاتب يعيش في أرض ليست مكتبة بل يجرّب التاريخ في موطنه ويدمج التعلّم العميق بتبصرات ثاقبة عبر تحولات مذهلة للجُمل ومقارنات مضيئة.

برز كتاب سميث "رحلات في أرض القاموس" (رحلة المتيم المهووس في أرض القاموس) وكان مفتاحاً لإنبهاره ببلده بالتبني(اليمن) واللغة العربية –الخيط الذهبي الذي يسري عبر هذا الكتاب الرائع. ويقول: "من بين الفتوحات الكبرى في التاريخ العربي-الأسلحة والإسلام واللغة العربية – كان النصر الأول والأكثر إستمرارية انتصار اللغة التي تحمل إسمهم. كان تاريخ النحو العربي نشطاً لا يمكن إيقافه ولم يكسبوا حرفاً أعلى بل مقالاً كاملاً".

يعود أول نقش للغة العربية إلى عام 853 قبل الميلاد أي قبل 1400 عام من بعثة الرسول محمد عليه السلام. وفي الفتح الذي تلا ذلك توحدت قبائل وشعوب متفاوتة من الخليج إلى شمال أفريقيا بفعل النص العربي والأكثر تردداً للصلوات الإسلامية "لا إله إلا الله" . لم يكن الكتاب العربي الأول "القرآن" مجرد "كتاب الإسلام المقدس ولكن الكتاب المؤسس للعربية ..مع ذلك الثقل التاريخي للتوراة والميثاق الأعظم وإعلان إستقلال". ويضيف أن التاريخ العربي والإسلامي مرتبطان بالقلب لا بالوسط فحسب".

يرى الترابط والتواصل على مدى الزمن والمسافة مذهلاً. وفي إحدى زياراته لموريتانيا –وهي أبعد نطاق العالم العربي – يسمع المؤلف الألحان المألوفة للهجة اليمنية وصلة حية بالهجرة التي حدثت قبل 500 عام. وما مفردات إسبانيا ال4000 التي استعارتها من اللغة العربية إلا شاهد على سبعة قرون من الحكم. ويرى أن الصرخة الإنجليزية "تالي-هو" مرتبطة بالأمر العربي باللهجة الشامية "تعا لهون".

يمتلك ماكنتوش سميث مقدرة يحسد عليها في إغناء الصورة الكاملة بتفاصيل رائعة ومقارنات فصيحة. وصلت القوة العربية ذروة عظمتها في القرن التاسع الميلادي عندما وصل الدينار العباسي إلى ما يوازي الدولار الأميركي وعندما كانت الإبداعية الفكرية في أوجها كما يظهر من المفردات العربية مثل الكحول والخوارزمية. وتسارع انتشار "اللاتينية الجديدة" بفضل توفر الورق الرخيص في الوقت الذي اعتمدت فيه أوروبا على ورق البرشمان.

تخلفت اللغة العربية الجميلة المظهر بسبب صعوبة طباعتها خلال عصر النهضة ولكن الفجوة تقلصت في القرن التاسع عشر وفي العصر الرقمي ذي تقانة "المعلومات المضللة". ولا تزال حروب التويتر جزءاً من المشهد العربي حالها حال الخربشات التي نقشت على شواهد القبور في عصر ما قبل الإسلام.

كان التفاعل مع الإمبراطوريات الأخرى على الدوام مفتاحاً للتاريخ العربي "الذي خلد على صخوره بين القوى المتطاحنة"، وفق تعبير سميث.

جلب وصول نابليون إلى مصر عام 1798 التقانات والأزياء الحديثة وعصراً من القومية شجعه بعض المسيحين من أمثال اللبناني إبراهيم اليازجي. وخلف دور بريطانيا في الحرب العالمية الأولى وما بعدها أثراً مسستديماً من اتفاقية سايكس- بيكو إلى وعد بلفور الذي وعد بوطن قومي لليهود في فلسطين.

ويضيف ماكنتوش سميث: "يقوم الإمبرياليون بالتقسيم والحكم ولكنهم غالباً ما يعمقون الجراح في شقوق قديمة".

كان ما يسميه "عصر الأمل العربي" قصير الأجل ومخيباً للأمال. إذ تمثل بالزعيم الكارزمي المصري جمال عبد الناصر الذي قام بإذلال بريطانيا خلال أزمة قناة السويس وكانت الأيقونة الكبرى أم كلثوم أكثر أهمية ربما من زعيمها القومي. كانت إذاعة القاهرة يومها فعلياً صوت العرب.

توافرت في القرن الحادي والعشرين إستمرارية لذلك: كان تغيير النظام بالإكراه من قبل أميركا في العراق أحد الأشياء ولكن "التغيير القاموسي" - أي ما تعنيه الحرية بالمعنى الحرفي-  كان شيئاً آخر حيث لا تزال روح صدام حسين تشغل "عرافي السوق ومنجمي القصبة" وفي الرقة في شمال سوريا أعُيد تطبيق ضريبة على المسيحيين في عام 640 للميلاد من قبل "داعش" عام 2014.

حلّت شاحنات التويوتا المجهزة بالرشاشات الآلية محل البدو الرحل الممتطين للإبل-ولكن الإهتياج الذي قام به المخلصون للنظام على متن الجمال في ميدان التحرير في القاهرة في عام 2011 كان صورة قاتلة رسمت رابطة بائسة بين الماضي والحاضر.

وإذا أعدنا القصة إلى الحاضر نجد أن تونس المتموضعة شمالاً نحو المتوسط وأوروبا هي القصة الوحيدة الناجحة(نسبياً) لما يمكن تسميته "الربيع العربي" المفرط في التفاؤل. يُعتقد أن مصر اليوم أكثر استبدادية مما كانت عليه في عصر الرئيس المخلوع حسني مبارك وأصبح شيوخ الخليج وبناؤهم لناطحات السحاب ومجمعات التسوق الكبرى ملوكاً مطلقين مثلهم مثل غيرهم من الملوك في التاريخ الإنساني وفق ما يستنتجه ماكنتوش سميث. لا تزال سوريا تقبع في الخراب ولا يرى الكثيرون سوى شتاءً طويلاً قي الأفق.

ورغم رؤيته النابعة من صنعاء لم يكن الفقد كلياً. لا يزال الأمل متقداً بفضل كاتب يرتقي بالأرواح ويشعل الخيال عبر مقارنة الشعر الجاهلي بمهرجانات البوب ويقتطف من التأملات الخالدة عبر الزمن للعربي في القرن السادس الميلادي الذي فقد إبنه الصغير زيد- ويذكره عند مغيب الشمس وفي الصباح عندما نتذكر أيضاً أحباءنا. وبالفعل لا تزال الكلمات أقوى الأسلحة.