جزء مؤلم من حكاية

تروي آخر روايات الروائي السوداني أمير تاج السر تداعيات السيرة الحياتية والسيكولوجية لقاتل باسم "مرحلي سواركي" بواقعية حيناً، وفانتازيا أحياناً أخرى.

"جزء مؤلم من حكاية" رواية للسوداني أمير تاج السر
"جزء مؤلم من حكاية" رواية للسوداني أمير تاج السر

مقدمة لا بدّ منها

"جزء مؤلم من حكاية"، آخر روايات الروائي السوداني أمير تاج السر، هي في الواقع تجميع أجزاء عديدة لحكاية غريبة، تتجزأ سردياً، ولكنها تكتمل في آخر الأمر ببساطة مفاجئة.

تروي هذه الـ"أكثر من جزء مؤلم من حكاية" تداعيات السيرة الحياتية والسيكولوجية لقاتل "مرحلي" بواقعية حيناً، وفانتازيا أحياناً أخرى.
تبتدئ الرواية، من دون أية مواربة، بتحذير: "هذا النص قد يبدو مؤلماً بعض الشي". حسناً، بالنظر إلى ما سنقرأ، قد يكون هذا التحذير ملطّفاً بعض الشيء.

تسير الرواية عبر ثلاث مراحل رئيسة، يمكن تجاهل تقسيماتها الفرعية، لصالح وحدتها الزمنية، بينما تنتقل أحداثها بين مملكتين متخيَّلتين هما "طير" و"قير".


سبتمبر 1750، مملكة طير

لا مناص من القول إن تحديد الزمان والمكان يضفي بعداً واقعياً على هذه الرواية الغريبة حتى ليوهمنا أنها حدثت فعلاً، وإن كان هذا في مكان لن نجد له مقابلاً على خارطة العالم.

كذلك، يتناسب هذا التاريخ العتيق واستخدام كلمة "مملكة" مع التفاصيل التي تقدمها الرواية لعهد موغل في القدم خالٍ من التكنولوجيا، ليتيح للكاتب أن يخترع بدائل لما سينقص من بنات مخيلته، (ركن الإخباريين بدل وسائط الإعلام، مثلاً).
من ابتكارات أمير تاج السر في هذا البلد المُختلق إطلاق لقب "شجرة" على النساء المعمرات ممن تجاوزن المئة، وامتلكن الحكمة، ليصبح من شأن كل ما تتفوهن به أن يصبح "مراسيمَ" ملكية ملزمة يمنع مخالفتها، ولو أنها جرّاء لحظات تخريف أخيرة لـِ"شجرة".

يمضي هذا الفصل بعيداً في سير الأحداث، مقدماً القليل من الإيضاحات عمّا يحدث، ومن ثم ينبتر فجأة ليعود الزمن إلى الوراء في الفصل التالي.
في هذه المرحلة نتعرف على البطل الرئيس في الرواية الذي يأتي زائراً إلى "مملكة طير" ويروي لنا، على مدى الرواية، ما سنتعرف عليه على أنه "السيرة الشخصية لــ"مرحلي سواركي". سنعرف أن هذا الأربعيني، الذي غادر بيته في سن السادسة عشر، في مهمة سرية هو نفسه لا يعرف فحواها الدقيق. وسريعاً سيرمي لنا الكاتب نوعاً من النبوءة "ينتمي مرحلي لعائلة يموت معظم أفرادها فجأة وبعللٍ باهتة".  

لا يمضي وقت طويل قبل أن يصرّح لنا المتحدث بمهنته ببساطة كما لو أنها مهنة عادية "أنا قاتل"، يقول؛ قاتل واثق، سارق أرواح، "بلا أي رغبة بالتوقف". لكننا لا نلبث أن ندرك أن هذه الثقة ليست بلا أثر على المستوى اللاواعي، فثمة كوابيس مستمرة ستنهمر على "بطلنا" بعد كل جريمة.

بالتوازي مع شخصية مرحلي، تظهر شخصية "ديباج الفارسي"، صانع التمائم، الذي كان وراء تحول مرحلي لقاتل بعد أن "هذّب الشر داخله وحوّله إلى وظيفة".
في المقابل، وباستثناء هاتين الشخصيتين، يبقى مرور باقي الشخصيات عرضياً وغير بالغ الأثر: عابرون في حياتهما، سكان المملكة مع غراباتهم، والكثير من الضحايا (فتيات ليل، رجال يعارضون السلطة، عرائس، أطفال..إلخ) يمرّون لبضع صفحات قبل أن يقتلهم مرحلي أو يتجاهلهم مسار السرد.

تتبدى شخصية هذا القاتل شخصية مركّبة غير ساذجة، تمرّر من حين لآخر أفكاراً فلسفية ذكية لا تتناسب مع منبته وتعليمه المتواضعين. على سبيل المثال، يتحدث مرحلي عن فكرة الجوع/الشبع باعتبارها عاملاً نفسياً يوحد بين الكائنات: "أعرف جيداً أصوات الجوع، أميّز بينها وبين أصوات الشبع. لطالما اعتبرت أن الأصوات في لحظات الشجن أو الانفعال واحدة عند كل الأرواح".

وسنرى أن هذه الفلسفة ستتجاوز القول إلى الفعل حين يؤجل قتل طفل صغير جائع، إلى أن يجعله يتمتع بإحساس الشبع.

ينتهي الفصل الأول من الحكاية بحدث مفاجئ: القاتل يُستدرج إلى شرك لا يتناسب وذكاءه؛ يتلقى ضربة على رأسه ويغرق في غيبوبة تمرّ فيها صور جميع الذين قتلهم، ليختلط القاتل بالقتيل في لحظات الضعف. بين الصحو والغياب يميّز مرحلي بضعة أشخاص غريبين يحيطون به (امرأة بجدائل بيضاء، رجل مسن بوشم قراصنة، فتاة صغيرة) يقدمون له اختزالاً مفاجئاً: "أنت من أبناء إبليس إذن".
بعد ذلك، نترك القاتل في غيبوبته، ونعود كما يخطط لنا أمير تاج السر عشرين سنة إلى الوراء لنسمع الحكاية من أولها.

 

سنوات سابقة، مملكة قير

يمتد هذا الجزء إلى معظم صفحات الرواية كما لو أنه بمثابة التأسيس للنهاية التي ابتدأنا بها. نتعرف هنا إلى بداية تعارف مرحلي وديباج في صدفة تجعل من شخصين غريبين "صديقين" فوراً، هذا إذا أمكن جزافاً إطلاق هذه الصفة على العلاقة بين قاتل ووسيط. وسيتجاوز ما فعله "ديباج" تحويل مرحلي إلى قاتل، فهو، أكثر من ذلك، يعيد خلقه بعد أن يكتشف "طاقة الشر فيه". يقول ديباج للرجل الذي لا يعرف معنىً لاسمه: "مرحلي، يعني أنك لا تزال في البداية، كن معي، فأصنع لك نهاية امبراطور".

بالعودة لمراهقة مرحلي، نجد أن مغادرته لبيت ذويه تنسجم مع فلسفته الغريبة تجاه الأشياء: "خرجتُ لأن دجاجة في البيت كانت غريبة الأطوار...لأن الصباحات كانت مثل المساءات فيه"، من دون أن ندرك أي معنى ملموس لذلك، حتى ليخطر لنا: لقد رحل لتكون هذه الرواية وحسب.

بعد هذا التغرب، ينتقل مرحلي إلى بيت يشبه طبيعة حياته: أغراض ململة من كل مكان وفوضى (عظام لحيوانات وبشر، أوراق مكتوب عليها شتائم وشعر غزل، صقر محنط سيحتضنه في وحدة لياليه مراراً). ثم، ولأجل تحويله قاتلاً، ينتقل بين مهن تعدّه نفسياً أو تقتل روحه بمعنى ما: صانع أقفاص "كتدريب لازدراء الحياة"، ثم غاسل أموات "لتفحّص الموت عن قرب" والتآلف معه.

كما يليق بقاتل، يدعي مرحلي أنه رجل "لا يبكي"، قبالة ديباج الذي يشارك بدموع غزيرة في عزاء كل الذين سيوصي بقتلهم. لكننا سرعان ما سنكذّبه حين نجده يبكي بعد كل جريمة "إيماناً بأن البكاء بهار إضافي للجريمة يمنحها طراوة ما".
بالإضافة إلى البكاء، تتبع كل جريمة ليلة مليئة بالكوابيس المتشابهة في ماهيتها وإن اختلف ساكنوها، باختلاف الضحية. يتكرر في الكوابيس الأسئلة ذاتها: "مرحلي ابن قاتل البقوليات؟ هل قتلتني؟/ نعم يا أخ/ لماذا؟/لا أعرف"، ليدلّ استمرار الكوابيس على كون القاتل لا يزال حياً إنسانياً في داخله، ولم يُتم تحوّله شراً مطلقاً.

مع الوقت، تصبح الكوابيس بمثابة ونيس لليالي هذا القاتل، وحين تمرّ ليلة خالية منها، يستيقظ مرحلي فزعاً "فزَعاً معكوساً" وفي غاية الملل والعزلة. يمكن أيضاً اعتبار الكوابيس بمثابة صلة بينه وبين القتلى، أو برزخ بينه وبين العالم الآخر؛ حين يزوره الميت في الحلم، يعني أنه مات فعلياً، ولم يتم إنقاذه مثلاً. كذلك، ينتقل أحياناً اتجاه الكوابيس من الماضي إلى المستقبل، حيت تمرّر له مرّة بعضاً من نبوءة "لقد قتلك ديباج".

في سردها لعمليات القتل تطرح الرواية سؤالاً جوهرياً "من يستحق سرقة روحه؟" وهل يجب على "قاتل ما" أن يسرق روح من يظنهم غير جديرين بالحياة كالمشوهين والأغبياء؟

بالعموم، يظهر القتل في هذه الرواية كوسيلة عقاب، سرقة روح من لا يستحق، أو طريقة لصنع نهايات لأنه وفقاً لديباج "لا شيء اسمه إلى ما لا نهاية".

من الأمكنة الهامة التي يتكرر ذكرها في الرواية المكان الذي أطلق عليه تاج السر اسم "ركن الإخباريين" وصوّره بديلاً عن وسائل الإعلام الحديثة: مكان مزدحم، يتردد إليه الناس ليستمعوا إلى أخبار المملكة، ينقلها لهم موظفون رسميون يتلاعبون بالأخبار، كما إعلام اليوم، تعتيماً أو تركيزاً. بالنسبة لمرحلي، تبرز أهمية ركن الإخباريين في كل يوم تالٍ للجريمة، حين يذهب إليه ليبحث فيه عن "معنىً لجريمته وإطار يكسبها ذيوعاً".

من الجدير بالذكر أنه، وبالرغم من اعتبار أمير تاج السر واحداً من أهم كتاب الواقعية السحرية في العالم العربي، إلا أن حضورها يتبدى طفيفاً، في هذه الرواية على الأقل: بعد بضعة جرائم، يظهر للقاتل رجل يقول له :"أنا أنت، وأنت الشر كله" ليستمر ظهور هذا الرجل على مدى الرواية مرة واقعياً ومرة شبحياً، ويتداخل مع شخصية رجل ميت باسم "سلاملي الكذاب". بالإضافة إلى ذلك، تشتغل الرواية على فكرة الأساطير باعتبارها رسالة أو تنبيهاً سماوياً؛ "سيأخذك الشبح معه "، "نحن مكشوفان للأساطير، ولن نستطيع أن نؤذي الناس مرة أخرى"، يقول ديباج لمرحلي، ليوقفا بسبب هذا عمليات القتل مؤقتاً ومن ثم بشكل نهائي.

تتخلل الرواية بعض الأفكار الثانوية، إنما الهامة، لا سيما فيما يخص ثيمة القتل واعتباراته ضمن المجتمعات. على سبيل المثال، تقول الرواية بطريقة غير مباشرة إن القاتل لن يبدو قاتلاً في أغلب الأحيان، ولا المغتصب مغتصباً، بل ويمكن أن يُعتبرا بطلين ويُمنحا أوسمة. في مواجهة بين مرحلي والمريد مرجان (مذيع في ركن الإخباريين) يسأله مرحلي:" هل هيئتي تشبه هيئة قاتل ليلي؟". بالإضافة إلى ذلك، تؤكد الحبكة أن هذه المجتمعات تُبعد اثنين عن الشبهات: شخص مغمور مثل مرحلي، وشخص لامع مثل المريد.

كذلك نرى أن مرحلي الذي يقبض عليه مرة بسبب قتل عنزة، يفلت من عواقب كل جرائمه، في سخرية واضحة من سذاجة الشرطة، وضياع هيبتها.

في مرحلة متقدمة من الرواية، تبرز شخصية "خفير"، الولد الصغير الذي سيحلّ محلّ مرحلي في حياة ديباج. يتحول خفير سريعاً من غجري متشرد إلى مساعد يوصل رسائل، خياط، خطيب يلقي عظات في السوق ثم قاتل، ليكون التطور الذي يمرّ به أسرع تطور في رواية قلما تتصاعد فيها الأحداث. ويمكن القول إن ظهور شخصية خفير، هام وضروري لتصعيد الأحداث. خفير لا يأخذ مكان مرحلي وحسب، بل يحرّك فيه كذلك غيرة صبي سُرِقَ "أبوه" منه، حتى أن كره مرحلي له يصل حدّ التفكير بقتله، ليتطور بهذا من "قاتل مأجور" إلى قاتل ذي قرار.

في آخر هذا الجزء، يتسلم مرحلي رسالة تحتوي المهمة التي ستكون الأخيرة في مسيرته، ولا يسمح له بفتحها إلا في مملكة طير، المكان الذي بدأت به الرواية. ينام مبكراً وحوله "أصدقاؤه الكوابيس" قبل رحلة ستكون أخيرة، كما أنبأنا الفصل الأول في الرواية.

 

سبتمبر 1750، مملكة طير، مرّة أخرى

نعود في آخر صفحات الرواية لنغلق الدائرة على نهاية القاتل الذي تركناه محتضراً بعد ضربة مباغتة على رأسه.  

تسهم هذه الطريقة السردية في إبقاء القارئ مقيداً بصفحات الرواية، وبين يديه نصف نهاية يريد إتمامها. فيما عدا ذلك، تبدو الرواية قليلة الأحداث نسبياً، من دون تطورات تُذكر ليكون كلّ ما نقرأه فيها أمثلة متكررة عن فعل واحد "القتل"، مع الحضور الطفيف لاختلاجات نفسية لقاتل "مرحلي" كما يشي اسمه.
تشكّل اللحظات التي يعيشها مرحلي في آخر حياته مزيجاً من الحالات التي مرّت بها ضحاياه كما لو أنه خزّنهم جميعاً داخله: "أنا الآن في الدرب الذي طالما وضعتُ عليه ضحاياي"؛ الرعب، الهذيان، والسؤال الأخير "لماذا أُذبح؟".
لكن، وعكس ضحاياه، سريعاً ما يحصل مرحلي على جوابه لنعرفه معه: "كنا نبحث عنك لنفتدي طائفتنا، واشتريناك بعد تأكدنا من أنك ابن الشيطان"، يُقال له.
مثل حكاية رأس المملوك جابر لسعد الله ونوس، نجد أن مرحلي كان قد حمل في قعر حقيبته رسالة تحمل نهايته. في هذه الرسالة يختزل له ديباج سيرة حياتهما معاً، مكانته عنده، السرّ وراء كل المهام، وكيف أنه قام بتسليمه لهذه المجموعة الغريبة من الوثنيين ليقتلوه "كفداء"، لاسيما بعد أن كشفته الأساطير.
في رسالته هذه، وبعد الكثير من الكشف، يطرح ديباج سؤالاً ربما لم يخطر لنا "هل أنا مجنون يا أخ؟" ليبقى سؤاله متروكاً دون جواب.
يقول ديباج في آخر كلماته لمرحلي: "أتظنها نهاية امبراطور كما وعدتك؟ أنا أظنها كذلك"، لكننا لن نعرف أبداً إجابة القاتل، المقتول بعد حين.
ربما يُترك السؤال لنا، وربما يكون هذا هو سؤال أمير تاج السرّ الأكثر إثارة للحيرة في حكاية امتدّ المؤلم فيها لأكثر من جزء واحد، على عكس ما يدّعي عنوانها.