عن فقدان "السيادة الغذائية" وهواجس التنمية الزراعية في الوطن العربي

تفسّر الكاتبة العلاقة بين سياسات الغذاء المتبعة في الدول العربية وبين موجة الاحتجاجات ذات الطبيعة الثورية التي شهدها الإقليم العربي منذ عام 2011، حيث تسببت أزمة الغذاء العالمية التي بدأت في عام 2007، في ارتفاع أسعار الغذاء بشكل مقلق خصوصاً في غالبية الدول العربية التي تستورد أكثر من 50% من حاجاتها الغذائية

"الاقتصاد السياسي للسيادة الغذائية في الدول العربية"
"الاقتصاد السياسي للسيادة الغذائية في الدول العربية"

فتح الظرف السياسي الذي دخلته المنطقة العربية منذ مطلع العشرية الجارية الباب على مصراعيه أمام طرح العديد من القضايا، بدءاً من مشكلات الأمن والانتقال الديمقراطي والمسألة الدينية والطائفية، وصولاً إلى تفاصيل السياسات العمومية والثقافة والتقاليد ذوي الصلة بالمؤسسات الدولتية. وكل ذلك فضلاً عن المساءلة الصارخة لعديد الخيارات الاستراتيجية التي تبنتها الدول العربية منذ نجاح حركات الاستقلالات عن الاستعمار الأوروبي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

ولعله في مقدمة تلك الخيارات ما يندرج ضمن مستويات التصنيع أو الاهتمام بنمط الإنتاج الزراعي أو التوجه نحو الاقتصاد الخدمي، خصوصاً حينما يتعلق الأمر بمصادر تحقيق السيادة لدى الدول العربية، وضمان قدر من الاستقلال الوطني الكفيل بتجنيب تلك الدول مخاطر الوقوع في فخ "الابتزاز" الاقتصادي والسياسي، وهو ما يظهر جلياً في انجراف القرار السياسي العربي وراء توجهات مراكز الثقل في السياسة الدولية، خصوصا لجهة خدمة المصالح اللاعربية حيال أهم القضايا الوطنية ممثلة في الاستقلال الوطني والتنمية المستدامة والانتقال الديمقراطي، بما يصب في خدمة الاستقرار الترابي وفض النزاعات الداخلية والإقليمية.

وفي هذا الصدد ذهبت الباحثة البريطانية جين هاريغان في كتابها الذي حمل عنوان "الاقتصاد السياسي للسيادة الغذائية في الدول العربية"، إلى أن عدم تمكن الدول العربية من تحقيق مطلب السيادة الغذائية كان هو السبب وراء الاهتزازات الاجتماعية والسياسية التي شهدها هذا الإقليم منذ نهايات العام 2010 ومطلع العام 2011، بحيث أن تلك الأزمة بحسب الأستاذة في كلية "سواس" في جامعة لندن كانت قد مست الأمن الغذائي العربي في الفترة الواقعة ما بين سنوات 2007 - 2011، تزامنا مع العلائم والآثار التي خلفتها الأزمة المالية العالمية على الجوانب ذات الصلة بالتنمية في معظم دول العالم، ومن جملتها مسائل الأمن الغذائي، بحيث شهد العالم خلال العامين 2007 و2008 ارتفاعاً كبيراً في أسعار الغذاء، بما يقارب 130 في المائة خلال آذار - مارس 2007 لتكتمل الأزمة الثلاثية (أزمة الغذاء والوقود والمالية( على الصعيد العالمي.

والباحثة في كتابها الذي ترجمه أشرف سليمان وصدر عن سلسلة عالم المعرفة نهاية العام 2018، تهتم بتحليل موضوع السيادة الغذائية للدول العربية باعتباره الهدف الذي تطمح إليه هذه الدول من أجل مضاعفة سلطاتها ورقابتها على العمليات التي تفضي إلى الحصول على الواردات الغذائية الوطنية، وفي الطريق إلى تحقيق ذلك الهدف تجد نفسها قد وقعت في حيز التجاهل التام لمقتضيات علم الاقتصاد السياسي، خصوصاً في الجوانب التي تنعكس على قوى السوق واستراتيجيات الأمن الغذائي الخاضعة لكم من الاعتبارات السياسية والاجتماعية. وهو ما يجعل الدول العربية في المجمل لا تصل إلى تحقيق سيادتها على صعيد الأمن الغذائي لأن البحث لا يبدأ من مراجعة أساسيات السياسة الزراعية المتبعة، وأولويات السوق الوطني لجهة الطلب الداخلي على المنتجات الزراعية.

ولدى تشريحها للسياسات الغذائية المتبعة في العالم العربي، ترصد الكاتبة توجهين كبيرين مختلفين عن بعضهما البعض، ذلك أن قسماً من الدول العربية يعمل لتكريس الجهود داخلياً من أجل إنتاج المزيد من الغذاء، كما هو الشأن بالنسبة للخطة الخمسية التي انتهجها الأردن للسنوات (2014 - 2019)، بحيث سعى الساسة في هذا البلد العربي إلى زيادة الإنتاج في المجال الغذائي من خلال تشجيع الإنتاج الزراعي المحلي ودعم التسويق الداخلي للسلع الزراعية. وهو توجه يجعل السيادة الغذائية لصيقة إلى حد بعيد بمفهوم الإنتاج الزراعي الوطني المكتفي ذاتياً.

أما التوجه الثاني الذي ترصده الكاتبة في بحثها فيتعلق ببعض دول الخليج العربية، وهو التوجه الذي يظهر في النزوع نحو خيار شراء الأراضي الزراعية في بلدان أخرى من أجل إنتاج المواد الغذائية الأولية التي يكون مصيرها الشحن إلى الدول الخليجية، تفادياً لإكراهات الاستيراد من الأسواق العالمية للإنتاج الزراعي، ولعل "مشروع الملك عبد العزيز" الخاص بالاستثمارات الزراعية السعودية في الخارج الذي أطلق في عام 2008، خير مثال على هذا التوجه.

لقد أصبح هاجس السيادة الغذائية حاضراً بقوة في الأجندات الحكومية للدول العربية موازاة مع المخاوف من الأزمات الدورية التي تحدث بين حين وآخر، والتي يكون من آثارها المباشرة تضرر القدرة الشرائية للمواطنين، وهي القدرة المنهكة أصلاً بفعل عوامل عديدة، ما يزيد من مخاطر الانزلاق الاجتماعي نحو اتساع رقعة الاحتجاجات وما لها من أثمان سياسية تدفعها الحكومات والبلدان نتيجة تأثير مناخات عدم الاستقرار السياسي على استقرار الاستثمارات، ذلك أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية غالباً ما يكون سبباً مباشراً لدفع الطبقات الفقيرة إلى الاحتجاج.

وفي هذا الصدد تفسّر الكاتبة العلاقة بين سياسات الغذاء المتبعة في الدول العربي وبين موجة الاحتجاجات ذات الطبيعة الثورية التي شهدها الإقليم العربي منذ عام 2011، حيث تسببت أزمة الغذاء العالمية التي بدأت في عام 2007، في ارتفاع أسعار الغذاء بشكل مقلق خصوصاً في الدول التي تعتمد على الاستيراد الزراعي، وضمنها غالبية الدول العربية التي تستورد أكثر من 50% من حاجاتها الغذائية، ما يعني عجز الإنتاج الزراعي المحلي عن تلبية متطلبات السوق الداخلية، وهو الأمر الذي أدى إلى تضخم في الأسعار عاشته السوق العربية في عامي 2007 و2008، ودفع لاحقاً إلى حدوث ما حدث بحسب تقديرات هاريغان.

في كثير من الأحيان ما تصطدم التوجهات الاستراتيجية للدول النامية وضمنها الدول العربية ببعضها البعض، ففي الخمسينيات من القرن الماضي كان التوجه ماشياً رأساً نحو الإصلاح الزراعي الذي يبدأ من إصلاح نظام الملكية الزراعية، وذلك بنفس اشتراكي طغى على معظم حركات التحرر التي استلمت السلطة السياسية بعد الاستقلالات التي شهدتها البلدان المستعمرة آنذاك، وكان ذلك التوجه متلازماً إلى حد بعيد مع إطلاق سياسات التصنيع بدءاً من الحديد والصلب والنسيج وصولاً إلى التصنيع الثقيل والتقني. فوجدت الدول العربية نفسها وقد قضت على جوانب من "الاقتصاد التضامني" الذي كان كامناً في الإقطاع أو بقاياه، والتهم التصنيع الكثير من الأراضي الصالحة للزارعة، فضلاً عن تسبب ذلك كله في طفرات ديموغرافية أدت على مدار عقود قليلة إلى توسع سكاني هائل التهم ما تبقى من أراضي زراعية.

وفي هذا المضمار ترى الكاتبة أيضاً أن مشكلات جمة قد اعترضت تطبيق السيادة الغذائية التامة في الدول العربية، ما أتى بنتائج عكسية مسّت مجالات اجتماعية أخرى لا تقل أهمية عن تأمين الغذاء الرخيص والصحي. ومن جملة تلك المشاكل الاصطدام الناتج بين ضرورات إنتاج المزيد من الغذاء محلياً وبين القلة التي تشوب الموارد المائية المحدودة وكذلك الاصطدام مع عامل ضيق مساحة الأراضي الزراعية التي التهمها التوسع في التصنيع والانفجار الديموغرافي كما تمت الإشارة. هذا فضلاً عن أن خيارات من قبيل شراء الأراضي الزراعية في الخارج، تؤدي مباشرة إلى "تشريد" السكان المحليين في البلد المضيف، مع ما ينجم عن ذلك من مسّ بالسيادة الغذائية للبلدان المضيفة في إفريقيا وآسيا ويعرّض الأمن الغذائي فيها للخطر، ما يتسبب في مشاكل إنسانية خطيرة تشير الكاتبة إلى بعضها في بلدان مثل إثيوبيا والسودان.

وفي غمرة صراع الدول العربية من أجل اكتساب "السيادة الغذائية" تعمل دول أخرى في الشرق الأوسط أو في أوروبا والأميركيتين على تطوير ذاتها في مناحٍ أخرى من قبيل تطوير "الصناعات الزراعية" و"الصناعات الغذائية" على نحو ما تباشره "إسرائيل" من تحويل نفسها لكي تكون مرجعاً زراعياً في إنتاج البذور وتهجينها وتطوير إنتاج الشتائل، وهي المنتجات التي تتطلب بنية صناعية وعلمية وتقنية متطورة لا تتوفر عليها معظم الدول العربية. وفي الوقت نفسه هذا ما يجعل أثمان البذور والشتائل باهظة الثمن، ما يعود على الدول المصنعة بعائدات مالية ضخمة، وصولاً إلى وقوع معظم الدول العربية في معادلة صعبة يشكل البحث عن استقلالية القرار السياسي أحد طرفيها، وتأمين الغذاء الموجود في أيدي الغير طرفها الثاني.

لقد وقعت الكثير من الدول العربية أسيرة وضع "منتصف الطريق"، فلا هي استكملت خيار التصنيع والتطوير التقني بما يعود على الزراعة من حيث مكننتها وتطويرها على النحو المذكور ضماناً للسيادة الغذائية، ولا هي تركت الأبعاد التضامنية التي كانت كامنة في الاقتصاد الزراعي الإقطاعي أو في بقاياه على حالها، في حين مضت الآلة الاقتصادية العالمية نحو نهاية الشوط على سبيل لجم الطموحات السيادية للدول النامية وضمنها العربية، ما انتهى في نهاية المطاف إلى تحويل الدول الطامحة إلى تحصين مكتسبات السيادة الغذائية لكي تصبح مجموع قراراتها في هذا الصدد واقعة في حيز "الهوامش"، وأبعد ما يكون عن أن تكون قرارات كبرى تجعل السياسة الزراعية متطابقة مع السياسة الصناعية وكلاهما متطابقان مع الاحتياجات الوطنية.

وتتصل مشكلة السيادة الغذائية في جانب آخر منها برؤية المستثمرين الوطنيين والمستثمرين الأجانب في القطاع الزراعي، بحيث تظهر المفارقة كبيرة وبادية للعيان حينما تخصص هذه النخب ضيعات كبيرة على مساحات تبلغ آلاف الهكتارات لإنتاج فواكه وخضروات باهظة الثمن وبجودة عالية من أجل إغراق الأسواق العالمية بها، بينما الزراعات الأساسية التي يحتاجها المواطن العربي والمتمثلة أساساً في القمح والأرز والخضراوات الأساسية، من حيث وقوعها ضمن أساسيات الثقافة الغذائية اليومية للمواطن العربي، تبقى مهملة في جزء كبير منها، فقط لأن التوجه الاستثماري الوطني والأجنبي لا ينظر إلى أولويات سلة غذاء المواطن العربي، فيما فقدت الزراعة المعيشية جميع فرصها للبقاء بسبب قلة الأمطار وزحف لوبيات العقار على الأراضي الزراعية، ونضوب خزَّانات الأملاك العمومية من الأراضي الصالحة للزراعة.

ومن المشاكل العميقة التي تقف حجرة عثرة أمام الاهتمام العربي بمسألة السيادة الغذائية، وإعادة النظر في المسألة الزراعية برمّتها، هناك مشكل التمثل الثقافي المجتمعي للزراعة والمزارع وما يرتبط بهما من حيث وقوعهما ضرورة في المجتمعات العربية ضمن الحيز الثقافي الاجتماعي البدوي/القروي. فإذا كان تكدس الكثير من المزارعين في ضواحي المدن إثر سنوات الجفاف التي شهدتها العديد من البلدان العربية خلال العقود الماضية، أو نتيجة خيارات "التصنيع" و"الإصلاحات الزراعية" غير المحسوبة العواقب، إذا كان ذلك التكدس قد خلق حالة من "التمدن الهائج" لبنيات اجتماعية أساسية في تشكيلة المجتمع العربي باعتبار أصله البدوي البين الذي لا يزال لم يغادره على صعيد الذهنيات الثقافية، فإنه تسبب أيضاً في توطين نظرة هجينة وسطحية إلى المجال البدوي/القروي وسكانه ونشاطهم الزراعي وعاداتهم الاجتماعية وسلوكهم اليومي.

إن تلك النظرة التي تفصح عنها بشكل بشع النكت والأمثلة الشعبية والقوالب الدرامية المختلفة الأوجه تشي بكم كبير من التناقضات بين البنيات المتمدنة تمدناً مصطنعاً لم يتخلص تمام التخلص من جذوره البدوية التقليدية، بقدر كمون وهيمنة معيقات التحديث في الوعي الشعبي العربي، وبين النسيج الاجتماعي البدوي/الزراعي المتصالح مع ذاته ومع حقيقة أن البدو هو أصل الحضر بحسب المنطوق الخلدوني، فضلاً عن نجاح الحداثة في المجتمعات الأوروأميريكية في أن يخدم التمدن المجتمعات الزراعية بقدر حاجته إليها، باعتبار الحاجة إلى ذلك النسيج الاجتماعي الذي يرتبط وظيفياً بخدمة الأرض والزراعة الآيلة إلى ملء فراغات البطون باضطراد. هذا فيما يعبر التباس النظر إلى المجتمع الزراعي في واقعنا العربي عن التباس في الفلسفة القابعة خلف صياغة الدولة والمجتمع ونظْم العلاقة بينهما، فضلاً عن فلسفة ترتيب الأولويات ومصادر السيادة التي تدور وجوداً وعدماً في أي مجتمع حول "السيادة الغذائية".