غريغوار مرشو

باحِث وكاتب سوري

العولمة ومشروع قصفها للسيادات الوطنية للدول والشعوب

مع انطلاقة حرية السوق العالمية في الثمانيات مع الحقبة الريغانية -التاتشرية وبلوغ انتشارها في التسعينات من القرن الـ20 على يد الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بعد الإجهاز على الاتحاد السوفياتي، أصبحت حرية السوق المُعَولمة تميل إلى تفكيك حدود الدول القومية وبخاصة في بلدان الجنوب باعتبارها باتت تبدو بنظر السوق العالمية عقبات كأداء يقتضي خرق سياداتها وإعادة هيكلتها أو تعطيل ما تبقّى لها من حدود دنيا وطنية حمائية رسمية تمارسها مع شعوبها أو استباحتها وتقسيمها على خلفية دينية ومذهبية أوأقوامية.

يمكن القول بأن النظام العالمي الجديد المعولم هو امبريالية ما بعد الحداثة
يمكن القول بأن النظام العالمي الجديد المعولم هو امبريالية ما بعد الحداثة

فمقاربتنا تأتي لتحليل الأدوات المفاهيمية التي وظّفت لتعميم أيديولوجيتها بالتفكيك والاختلاف إلى حد تلغيم مقولة حق الاختلاف بكل أشكال الخلافات وترسيخها وجوهرتها، وكانت التربة التي وفَّرتها لهذه العولمة الزاحِفة هي إطروحات أساطين ما بعد الحداثة لكونها تناغمت تناغُماً شبه كامل مع الأدلجة الراهنة لرأس المال المُشترك وحرية السوق العولمية.


ما بعد الحداثة الواجهة الأيديولوجية للعولمة الكاسِحة

لقد تبدّى لأسياد ما بعد الحَداثة أن ظواهر زوال ما بعد الاستعمار القديم وتراجُع نفوذ الأمّة-الدولة تميل بالمُطلَق نحو العبور العام من النموذج السيادة الحداثية إلى نموذج السيادة الإمبرطورية. فمختلف النظريات ما بعد الحَداثة التي ظهرت منذ بداية عقد الثمانينات من القرن الـ20 جاءت لتعطينا صورة أولى عن هذا العبور. غير أن المنظور الذي تقدّمه لا يلبث أن يثبت أنه محدود تماماً ويعتوره الكثير من الثغرات ولو أن النظريات ما بعد الحداثة لا تكفّ من نقد أشكال الحُكم السابقة وما تركته للحاضرين من إرث، والسعي إلى الانعتاق والتحرّر منه. كما لا يكفّ أصحاب هذا الطرح  عن العودة إلى النفوذ المُتبقّي للتنوير على أنه السبب الكامِن وراء السيطرة. وإذا كانت الأشكال الحداثية للسيادة ظلّت ترى العالم مقسوماً إلى سلسلةٍ من التضادات الثنائية التي تحدّد الآخر أبيض/أسود، داخل/خارج، حاكِم/محكوم، سيّد/عبد فإن فكر ما بعد الحداثة يأتي ليطرح نفسه تحديداً نقيضاً لمنطق الحداثة الثنائي بمَدعاة أنه يوفّر على هذ الصعيد مصادر ذات أهمية بالنسبة لأولئك الذين يكافحون لتحدّي الأطروحات الحديثة القائمة على الأنظمة الأبوية والكلولونيالية والعنصرية. ثم أن الإصرار الما بعد حداثي على التفكيك والاختلاف والخصوصية يُراد منه أن يشكّل تحدياً صارخِاً لشمولية الأطروحات الشاملة للسلطة (الشمولية).

برأيها من شأن التأكيد على وجود هويات اجتماعية مُتشظّية أن يبدو كأسلوب من أساليب معارضة كل الذات الحداثية من جهة، والدولة القومية الحداثية من جهة ثانية، جنباً إلى جنب مع التراتبيات الهرمية التي تنطويان عليها. وتبدو هذه الحساسية النقدية لما بعد الحداثة ذات أهمية بالغة من هذه الناحية لكونها تطمح إلى تأسيس أطروحة مبنية على إحداث قطيعة في ما يخصّ مجمل تطوّر السيادة الحداثية في إطار الاستعمار القديم، ولقد استمدت أكثر أطروحاتها النقدية من فلاسفة التفكيك. من أمثال جان فرانسوا ليوتارد في نقده لأمّهات السرديات الحديثة الكبرى، ومن تأكيد جان بودريار على الصوَر الثقافية الزائِفة، ومن نقد جاك دريدا للميتافيزيقا (1).

كل هؤلاء ومن يدور في فلكهم لم يوفّروا في مهاجمتهم الشرسة لأسس الحضارة الأوروبية كالديمقراطية وحقوق الإنسان التي كانوا يرون أنها قد جلبت إلى الإنسانية المصائب والويلات، مستذكرين بذلك الحربين العالميتين والقنبلة الذرية على هيوروشيما ونكازاكي والأسلحة الكيماوية، مما قادهم على الصعيد الفلسفي إلى انتقاد المركزية الغربية بوجهها الإنسانوي  لاحتقارها للحضارات والثقافات الأخرى .كما كانوا يرون في التطوّر العلمي والتقني نوعاً من الهيمنة الاستبدادية  للعقل المفضية إلى فرض السيطرة والاستغلال  اللذين ارتبطا  بالعلم والمعرفة وتوظيفاتهما. فنظريات ما بعد الحداثة  بأكثر أشكال صوغها  تأسيساً واختزاً لا تتقاطع برأي  العديد من دُعاتها في هجومها العام والمعمّم على الدولة-الأمّة ومفرزات عصر التنوير .ومن خلال هذا المنظور يصبح شعار العمل المُتمثّل بأفكار فلاسفة عصر الأنوار هو المشكلة وما بعد الحداثة هي الحل. وبمزيدٍ من الدقّة يمكن القول إن مختلف المعارضات النظرية لا تلبث أن تتجمّع بقدر كبير من التماسك والتناغم والتصلّب لتصبّ جام حمولاتها النقدية على الجدلية بشقيها الهيجلي والماركسي بكونها البؤرة الأساسية لتوليد علاقات التحكّم والإقصاء والتسلّط الحديثة من جهة، والقاعدة الصلبة في ما يخصّ تنظيم كثرة الاختلافات في نظام أحادي من جهةٍ ثانية.

ما يتبدّى لنا في خطابات ما بعد حداثية من خلال هجومها على الشكل الجدلي للسيادة الحداثية لعصر التنوير إنها عازمة على أن تكون أكثر قدرة  على مشاهدة كيفية قيامها بمعارضة منظومات السيطرة والتحكّم. مثل العنصرية والتفريق ما بين الأجناس عن طريق تفكيك الحدود التي تحافظ  على التراتب الهرَمي بين الأبيض والزنجي، بين الذكر والأنثى إلخ... تلك هي الطريقة التي يطمح من خلالها أساطين ما بعد الحداثة إلى إدراك ممارستهم بوصفها وريثة طيف كامل من النضالات التحرّرية الحديثة والمعاصرة التي يجري على أساسها تفسير أشكال تحدّي الهيمنة السياسية  والاقتصادية الأوروبية وحُكمها الاستعماري. بموجب هذا الطرح ترى أن نجاحات حركات التحرّر الوطنية والحركات النسائية والنضالات المُعادية للعنصرية، والتيارات الإسلامية المُتشدِّدة على أنها نتائج السياسة ألما بعد حداثية. وهذا لكونها هي الأخرى تستهدف نسف نظام السيادة  الحداثية وثنائياتها. فإذا كان الحديث مثلاً هو ميدان سلطة الأبيض الذكر الأوروبي فإن ما بعد الحداثي سيكون بطريقة تناظرية تماماً ميدان تحرّر مَن ليس أبيض مَن ليس ذكراً، مَن ليس أوروبياً. نرى هنا مهما كانت السياسة بأفضل أشكال ممارستها ما بعد الحدثية الجذرية تجسّد برأي أصحابها قِيَم وأصوات المُهجّرين والمُهمّشين والمُستغّلين والمقهورين(2). "فالثنائيات الحديثة هنا تنحي لصالح قيام  ثنائيات جديدة . فسلطة الثنائيات قد أذيبت مثلما يتم قيام اختلافات لتلعب عبر الحدود"(3).

غير أن هذه المقاربة على الرغم من أنها تشي بأن الكثيرين من مُنظّري ما بعد الحداثة المختلفين صريحون في رفضهم المطلق لمنطق السيادة الحداثية نراهم عموماً شديدي الارتباك إزاء طبيعة تحرّرنا المحتمل منها. وهذا يعود على الأرجح وبالتحديد إلى أنهم لا يستطيعون أن يتعرّفوا  بوضوح على أشكال السلطة التي باتت اليوم قادِرة على أن تحلّ محلها. وهم حين يقدّمون نظرياتهم بوصفها جزءاً من مشروع تحرّر سياسي، ما زالوا مهجوسين بخوض النضال بمعنى ما ضد أشباح الأعداء القدامى ضد فلاسفة عصر التنوير، أو على الأرجح ضد الأشكال الحداثية للسيادة  واختزالاتها الثنائية للاختلاف والتعدّدية، إلى بديل وحيد بين الذات والآخر. كما أن تأكيد الهجنة والتحرّك الطليق لألوان التباين غير المحدود لا يكونان عاملي تحرير إلا في سياق توظّفه السطة لوضع التراتبية الهرَمية حصرياً عبر هويات جوهرانية وانقسامات ثنائية وتعارضات راسخة ومستقرّة ثابتة. بذلك تبقى السلطة وأشكال منطقها في العالم المعاصر شبه منيعة كلياً على الأسلحة التحرّرية لسياسة الاختلاف ما بعد الحداثية (4).

 


التوظيف السياسى المُعولَم لمقولتي التفكيك والاختلاف

ضمن هذا المنظور صار من مصلحة النزعة الامبراطورية المعولمة أن تلتف على أطروحات ما بعد حداثية وتميل هي الأخرى في الحقيقة إلى نسف تلك الأشكال الحديثة من السيادة وإلى تمكين أوجه الاختلاف من عبور الحدود الاقليمية بحريّة وتمكين أيضاً أشكال التدفّق الجارِف عبر عالم شاسع ومستوى منفلت من كل التجاعيد الجامِدة لخطوط الحدود الحمائية الفاصلة ما بين الدول مثل ما قامت به الولايات المتحدة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وبوتيرة أسرع بعد انفجار البرجين (11/9/2011) بغزوها أفغانستان والعراق بحجّة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، وتدخلها العسكري في ليبيا إبان الانتفاضات المُتحكّم بها عن بُعد تحت راية الربيع في البلدان العربية بداية عام2011, واختراقها لسيادات دول وشعوب عالم الجنوب سواء لوحدها أو عبر حلفائها في المركز أو كلائها في الجنوب.

كل ذلك بهدف تسليع ما لديها من رساميل معنوية ومادية وبشرية واستباحتها بغية إعادة تقسيمها لدويلات... وكل هذا يجعلنا ندرك إلى أي مدى النظام العالمي الاستهلاكي الجديد  للديمقراطية المُفخّخة لا يهدف إلى تمكين الجماهير من التحكّم في مصيرها، وإنما هي أداته في فتح  الحدود وإعطاب الدول القومية المركزية الصغيرة -صنيعة أسلافه – حتى يتسنّى لهذا النظام قولبة البشر وإزالة أية عوائق إنسانية وأخلاقية. وحتى تصبح كل الأمور مُتساوية ونسبية حتى التسيّب والعدمية. ويسود ما يتساوى معرفي كامل الذي ما هو في واقع الأمر إلا عملية  تسووية تمحي كل الثنائيات بحيث تمسي الأجساد سلعة، والعقول مجرّد آليات أحادية البُعد، والعالم عقارات والأوطان ملاه.

هذا ما يُراد ولكن على شكل أسوأ لبلدان كمصر ولبنان والأردن وسوريا وغيرها من البلدان العربية وغير العربية من خلال تجزئتها إلى كيانات  مُصغّرة ممصوصة القوى على شكل جزر مقطوعة الأوصال منهوبة متاحفها وكنوزها الأثرية وثرواتها الطبيعية كما حصل في العراق وليبيا ويحصل اليوم في سوريا. أو يراد أن تكون معروضة للمزاد لإقامة قواعد عسكرية وشركات للاسثمار منفلتة من القيود الضريبية الحمائية وتقليص لالتزامات الدولة الرعائية للشؤون الاجتماعية والصحية...

وأما ما ينفع الإنسان الطبيعي فهو الانخراط الجنيني (نسبة إلى الجنين) في المنظومة الآلية، بحيث يصبح الجميع سواسية مثل أسنان المشط الأميركي البلاستيكي. بذلك يريدون أن يخفّفوا من عبء الهوية والضمير والاختيارات الأخلاقية المركّبة .فتطرح سنغافورة مثالاً أعلى للاقتداء وهي بلد مُعقّم من التاريخ والذاكِرة. فهي شوارع أسفلتية عرضية وأبراج إسمنتية شاقولبة تشكّل مجموعة هائلة من المصانع (بلا شروط صحية) والمتاجر والملاهي. وهذا قد كان وما يراد حصوله اليوم لبلدان مثل مصر وقطر ولبنان والأردن وغيرها من البلدان العربية وغير العربية، (ولكن على شكل أسوأ). والهدف من ذلك تجزأتها إلى كيانات مُصغَّرة ممصوصة القوى على شكل جزر مقطوعة الأوصال، منهوبة متاحفها وكنوزها الأثرية وثرواتها الطبيعية كما حصل في العراق وليبيا ويحصل اليوم في سوريا.

بهذا المعنى يمكن القول بأن النظام العالمي الجديد المعولم هو امبريالية ما بعد الحداثة بحيث يراد للإنسان أن يكون في عالم حيث تنسدّ على الإنسان كل الآفاق ويستلب وتجهض كل نزعة للتسامي وذي بُعد واحد، وبهذه الرؤية تسنّى لاقتصاد السوق أن يشكّل العالم على النمط الذي يرتضيه، نمط الاستهلاك حيث تتفكّك فيه علاقة الدال بالمدلول، وينزلق فيه الإنسان من الخصوصية الإنسانية التاريخية إلى عالم الطبيعة: المادة والجسد والجنس، تحيط به امبريالية شرسة تأبى أن تسمّي نفسها امبريالية... وإنما النظام الدولي الجديد (5). وهكذا فإن سياسة التفكيك والاختلاف ما بعد حداثية، على الرغم من اللوحة التجميلية التي يرسمها لها أصحابها ليست فقط عاجزة أمام مهمات نزعة الحكم والتحكّم الإمبراطوري وممارساته المُجسّد اليوم بامتياز بالولايات المتحدة بل تتداخل معها وتدعمها أيضاً من حيث تدري أو لا تدري.

في الحقيقة تكمن المخاطر في معظم النظريات ما بعد الحداثية حينما تفضي باهتمامها وبمزيد من الإصرار لا إلى هدم نمط أشكال السلطة   فقط وإنما إلى تقليص مهمات الدولة تجاه المجتمع المدني التي يُخيَّل لها أنها هاربة منها لا تلبث أن تسقط في غفلة في أحضان وقبضة السلطة الجديدة المتمثلة اليوم بالليبراليين الجُدُد على اختلاف ألوان جلدتهم، من هذا المنظور يمكن لحملة التأكيدات التهليلية الاحتفالية لفرسان  ما بعد الحداثة النخبوية وظلالهم في عالم الجنوب، وبالتحديد في المشرق والمغرب العربيين أن تبدو في القسم الأعظم منها ساذجة في تفاؤليتها إن لم أقل مُضلّلة إلى حد خطير في دعواها. كيف ذلك؟ لقد تناسلت كثرة من المذاهب العزيزة على قلوب أساطين ما بعد الحداثة وتناغمت تناغماً كاملاً مع الإيديولوجية الراهنة لرأس المال المشترك وحرية السوق المعولمة. بدليل أن إيديولوجية إطلاق العنان لحرية السوق  العالمية ظلت باستمرار الخطاب المعادي للأسس والجواهر بالمطلق ولتدخلات الدولة الرعائية للمجتمع بحيث باتت شروط انتعاش إمكانيات  وجودها بالذات مرهونة بنزيف من التداول والدوران والحرية والاختلاف (6). إلى حد استثماره في تصنيع  سلسلة من الخلافات التضادية  الاحترابية على حساب الإغناء والائتلاف. بذلك صارت التجارة تحرص على الجمع بين أوجه الاختلاف وتدفع بموجب هذا الأخير إلى توليد أشكال متكاثرة من التباين بلا حدود على صعيد الكتل السكانية والثقافات.

فليس من قبيل المصادفة مع انطلاقة حرية السوق العالمية في الثمانيات إبان الحقبة الريغانية التاتشرية وبلوغ ذروة انتشارها في التسعينات من القرن الفائت على يد الولايات المتحدة ثم حلفائها. أن تصبح حرية السوق المعولمة تميل إلى تفكيك حدود الدول القومية وبخاصة في بلدان الجنوب باعتبارها باتت تبدو بنظر السوق العالمية عقبات كأداء يقتضي خرق سياداتها وإعادة هيكلتها أو تعطيل ما تبقّى لها من حدود دنيا وطنية  حمائية رسمية مثلما حلّ بالاتحاد السوفياتي ومن بعد روسيا الاتحادية، يوغسلافيا، الصومال، أفغانستان والعراق وفلسطين وباكستان  والسودان وليبيا واليمن وما يراد لسوريا اليوم وغيرها من البلدان. ضمن هذا المنظور انبرى وزير العمل الأميركي السابق روبرت رايش مُهلّلا  للتغلّب على الحدود القومية الإنتاج عدا العمل الإنتاج. -عدا العمل الوطني في السوق العالمية بدعوى أن فكرة الاقتصاد القومي بالذات تغدو  من دون معنى بمقدار ما تصبح جل عناصر الإنتاج، عدا العمل- المال والتكنولوجيا والمصانع والمعدات قومية وشركات قومية وصناعات- قادرة  على الانتقال من دون عناء عبر الحدود. وفي المستقبل لن تكون ثمة منتجات تكنولوجيا وطنية-قومية وشركات قومية وصناعات قومية(7).

في الواقع، إن إيديولوجية الاختلاف العالمية المجذّرة من قِبَل السوق العالمية لا تحرص جدياً على الحركة الحرّة والمساواة والتكافؤ بين الأمم  والشعوب،  بل على العكس تقوم على فرض تراتبيات محكومة بالتمييز القِيَمي حسب الأصول الثقافية الجوهرانية كي يسهل احتواء ومحاربة تنظيمات العمال النقابية ثم الامتداد إلى تكسير  التضامن والتعاضد والتواصل ما بين الأفراد أو الجماعات والشعوب. كل ذلك من أجل تحقيق  المزيد من الأرباح لأصحاب الشركات المُتعدّدة الجنسيات عابرة القارات والقوميات.

ضمن هذا السياق يمكن القول إن منظرّي ما بعد الحداثة يتمّ استثمارهم وتوظيفهم كحرّاس يشيرون إلى هذا المعبر، ما يتعذّر الاستغناء عنهم على هذا الصعيد. لعلّ هذا ما حدا بقسم كبير من  اليساريين الماركسيين والتروتسكيين السابقين الذين أجهدهم انتظار الفردوس الشيوعي المنشود إلى إيجاد ملاذ لهم في الليبرالية الجديدة يعوّض عن انحسار جمهورهم من حولهم (8). هكذا استبدلوا حتميّة سقوط الامبريالية بحتميّة  العولمة الواعِدة تحت راية توزيع الديمقراطية في العالم بتوجيهات القيادة الأميركية.

بناء على ما تقدَّم نرى أن سياسة التفكيك والاختلاف تؤدّي إلى عكس المآلات المُرتجى منها: التفاعل والإغناء والائتلاف كونها تنزلق إلى ركوب  قاطرة عولمة ملغومة متأهّبة إلى إعادة تقسيم المُقسَّم–السيسكس-بيكوي في المشرق العربي– بافتعال حروب استباقية مُدمِّرة من قِبَل مُستبديها واصطناع حروب اقليمية أو أهلية بالوكالة على قاعدة مذهبية أو دينية أو إثنية وجهوية وقبلية، وهذا ليس للحيلولة دون نجاح نهوض تحرّري لشعوب طامِحة لإطاحة قهاريها الذين كانت القوى العُظمى وراء تثبيتهم على صدورها فحسب، وإنما لوأد استحقاقاتها في العيش الكريم  عبر التدخّل في شؤون مصيرها عسكرياً لقولبتها وفق مصالحها باسم حرصهم على أصحاب المُنخرطين في مسار ما سمّي بالربيع العربي.  

 

  Jacques  Derrida « Writhing and difference »U.S.A .the university of Cgicago  press,1978 p.28-29                   -1

                     Bell hooks ,Yearming « Race gender ,and culturel politics »,Boston , sonth end peass,1990,Paris ,p.25       -2 2 -

                                              Flax Dispited,London Routledge ,1995,p.91  -3

voir Grégoire Marcho « De la subordination au despotisme  » Edilivre ,Paris ,2016,p.206-20  -4

              عبد الهاب المسيري "الحداثة  ما بعد الحداثة" - حوارات القرن الجديد ة دار الفكر ة2005,دمشق ,ص,175-176  -  5

 6 مايكل هاردت- وانطونيو نيغري "الامبراطورية والعولمة المضادة"  ترجمة فاضل جتكر ,مطبعة العبيكان السعودية ,       2006,ص,  262

 Robert Reich  « The work of nations  »,New York ,Radom louye ,1992,p 18-3                  -7

    Alain Toraine « Critique de la modernité » ,Fayard , Paris,p.16                                       -   8