عن نصر الجرود والعقوبات الأميركية

كان صيف العام 2017 حاسماً بالنسبة للبنانيين الذين عاشوا عذابات الحرب السورية بتفاصيلها الأليمة خلال السنوات الماضية، حتى جاء ذلك الصيف ليشهد انتصارهم على الإرهاب الواقف على حدودهم، والممتد إلى قراهم ومدنهم وصولاً إلى عاصمتهم، من خلال التهديدات المتكررة والتفجيرات المتتالية التي أودت بحياة العشرات منهم.

  • عن نصر الجرود والعقوبات الأميركية

لكن الوصول إلى تحرير الجرود الحدودية بين لبنان وسوريا لم يكن سهلاً على الإطلاق، بل كان وليداً لتضحياتٍ كبرى قدمها اللبنانيون شعباً وجيشاً ومقاومة. لقد مثّل سياق الحرب السورية المتصاعد منذ العام 2012 وحتى معركة صيف 2017 فرصةً كبيرة للجماعات الإرهابية التي أرادت ضمن مشروعها الواسع للتمدد في المنطقة فتح مسارٍ لها من الأراضي السورية إلى داخل الأراضي اللبنانية، طمعاً بالحصول على منفذ بحري واسع، رأوا أن تحققه ممكن في منطقة الشمال اللبناني، بالإضافة إلى الهدف الآخر الأكثر أهمية، وهو دخول مناطق تواجد المقاومة اللبنانية وإجبارها على التراجع إلى الداخل اللبناني للدفاع عن هذه المناطق، ومحاولة خلق حالة من البلبلة بين المقاومة وبيئتها الشعبية نتيجة الضغوط الأمنية والخسائر بالأرواح من جراء العمليات الانتحارية في مناطقها.


وما من شكٍ بأن هذا المشروع الإرهابي الذي اجتاح سوريا والعراق ووصل إلى لبنان بعملياته لاقى دعماً استخباراتياً ومالياً وسياسياً استمر لسنواتٍ عديدة من قوى إقليمية ودولية فاعلة، كانت ترى فيه فرصةً للقضاء على مكامن قوة محور المقاومة بدوله وحركاته وامتداداته الشعبية. وهذا ما ظهر للعيان في معركة الجرود اللبنانية بمرحلتيها: معركة تحرير القلمون التي قادها حزب الله اللبناني مدعوماً بصورةٍ أساسية بعمليات الجيش السوري، ومعركة جرود عرسال التي قادها الجيش اللبناني، مستفيداً من نتائج المرحلة الأولى التي قلّصت مساحات تواجد الجماعات المسلحة وأضعف قواها وحشرها في مساحةٍ محددة، الأمر الذي مكّن ضربات الجيش اللبناني من مزيدٍ من الفاعلية والنجاح.
لكن اللافت في معركة الجرود هذه كان مواقف القوى الدولية ورهاناتها خلالها، ومحاولاتها اللعب على مجموعة من النقاط التي كانت في عمقها تخدم أهدافاً مختلفة عن أهداف الدولة اللبنانية بقيادتها وبجيشها وبشعبها.


لقد شكّل انتصار المقاومة في المرحلة الأولى من معركة الجرود هاجساً للأميركيين الذي لمسوا فيه خطر تزايد شعبية المقاومة في لبنان وسوريا، ومراكمتها لمحطةٍ جديدة من محطات الانتصار التي اعتاد جمهورها على تكرارها. فكان الموقف الأميركي يقول الشيء ونقيضه في الوقت نفسه. وقد بدا محرجاً في تأكيده ضرورة مواجهة الإرهاب في الجرود من جهة، وضد العمليات التي نفذتها المقاومة ضد المجموعات الإرهابية نفسه في المرحلة الأولى، فضلاً عن معارضة الأميركيين للضربات التي كان الجيش السوري يوجهها لهذه المجموعات ذاتها في مختلف المناطق السورية.
لذلك، فقد حاولت واشنطن الفصل بين موقفها من محاربة هذه المجموعات في سوريا، وبين موقفها منها في لبنان. فأعلنت دعمها لعمليات الجيش اللبناني ضد الإرهاب في عرسال، وركزت كثيراً على تعميم أخبار متتابعة عن دعمها اللوجستي للجيش، بالكميات وبالمواعيد وبالزيارات التي يقوم بها المسؤولون الأميركيون إلى لبنان، وتلك التي يقوم بها ضباط الجيش اللبناني إلى واشنطن.


لكن أحداث المعركة وتفاعلاتها السياسية والشعبية أتت على عكس ما أراده الأميركيون. فقد دعمت غالبية اللبنانيين المعارك، ووقفت خلق الجيش والمقاومة في سابقة قلّما تحدث في لبنان المنقسم على نفسه، والمنقسمة أحزابه حتى حول الاستحقاقات الكبرى المماثلة في فتراتٍ سابقة. وربما يعود ذلك إلى معايشة جزءٍ كبير من الشعب اللبناني لمخاطر الإرهاب بصورةٍ ملموسة. إن من خلال التفجيرات التي طالت المناطق اللبنانية، أو لناحية الأحداث الأمنية الأخرى التي كانت أخبارها تتوالى من المناطق اللبنانية المختلفة.


وكان الموقف المهم في هذا السياق، إصرار قيادة الجلس اللبناني على خوض المعركة، على الرغم من محاولة الأميركيين ثني قيادته عن إطلاق المعركة في توقيتها الذي جرت فيه، كما محاولتهم السابقة للحؤول دون تقديم الجيش أي نوعٍ من الدعم لمقاتلي المقاومة في معركة جرود القلمون. وهو أمر جرى على عكس الإرادة الأميركية، حيث كانت صليات الصواريخ وقذائف المدفعية لافتة بغزارتها وهي تستهدف تجمعات وأرتال الإرهابيين في الوقت الذي كان فيه مقاتلو المقاومة يتقدمون باتجاه مواقع الإرهابين لتحريرها. هذا القرار الحاسم الذي اتخذه الجيش اللبناني بالانخراط في المعركة، اعتبره السيد حسن نصرالله في خطاب النصر "تطور بالغ الأهمية والدلالة وشكل من أشكال القرار السياسي السيادي".
انتقلت المحاولات الأميركية بعد ذلك إلى التحريض بين المقاومة والجيش، وإيجاد تنابذٍ في الأدوار، وصولاً إلى الإشاعة بأن المقاومة تأخذ دور الجيش في حماية الحدود، أو أنها تمنعه من التقدم باتجاه مواقع الإرهابيين، وأمر أمر أثبتت أحداث الميدان أنه تضليلٌ موصوف، حتى ساد إيمانٌ عند سكان القرى الحدودية بأن الجيش والمقاومة يخوضون معركةً واحدة وفي توقيت واحد، على الرغم من وجود فاصل زمني لأسابيع عديدة بين المعركتين.
وتكامل الدوران من خلال الاحتضان السياسي من الرئاستين الأولى والثانية في لبنان له، لتتقدم المقاومة في المعركة الأولى، والسبب أنها أكثر راحةً في الحركة ضمن معركةٍ كانت تحتاج إلى القوات المهاجمة من الناحية اللبنانية فيها إلى التناغم التام مع تحركات الجيش السوري في المقلب الآخر، وبالتالي فإن الدور الذي قامت به المقاومة خلال هذه المرحلة كان ليكون أكثر تعقيداً بالنسبة للجيش اللبناني نظراً للمعطيات السياسية البنانية التي قد تضع بوجه التعاون بين الجيشين السوري واللبناني عوائق سياسية لحسابات عديدة معروفة في وقتها.


أما معركة عرسال، فقد دعمت القيادة السياسية المذكورة -وإلى جانبها قيادتا الجيش والمقاومة- تقدم الجيش اللبناني فيها، نظراً للطبيعة الديموغرافية لعرسال التي اتخذ الإرهابيون من جرودها وتخومها مركزاً أساسياً لتواجدهم، وتعبئتهم الناس طائفياً ضد المقاومة، وهي التعبئة التي أثبتت الأيام اللاحقة فشلها في إيجاد شرخ بين أهالي عرسال والمقاومة، وهو الأمر الذي أثبتته أيضاً أعمال النصرة وداعش الإرهابية في عرسال نفسها، وضد أهلها الذين ادعت هذه التنظيمات انتماءهم لها في مواجهة المقاومة.


بعد هذه التطورات، وإصرار القرار السيادي اللبناني على دخول الجيش في المعركة حتى آخرها من ناحية، وتنسيقه المستمر مع المقاومة وإسنادها والاستناد إليها في الميدان، وجدت قيادة القوات الأميركية العاملة في الشرق الأوسط نفسها أمام حتمية انتصار لبنان في المعركة، فسارعت إلى التنسيق مع الجانب اللبناني من أجل حصر المعارك بيد الجيش اللبناني وحده، ومع عدم التنسيق مع الجيش السوري، واستبعاد المقاومة نهائياً منها. لكن في الميدان، ساند استمر الجيش اللبناني في مساندة المقاومة بمدفعيته وتحركه الميدان على وقع حركتها من ناحية الانتشار والانحسار، وتحركها هي بما يتناسب مع انتشاره، والتكامل في توزيع الأدوار، الأمر الذي أدى إلى الانتصار في المعركتين بصورةٍ تامة وواضحة، وبخسائر محدودة. وهذا ما جعل القيادة الأميركية في المنطقة تسأل عن سبب إطلاق الجيش اللبناني كمية كبيرة من القذائف خلال دعم معركة المقاومة في المرحلة الأولى، وتهديدها إياه بقطع المساعدات العسكرية التي تقدمها، وهي بالمناسبة مساعدات تقتصر على حشوات المدفعية وذخائر الأسلحة الفردية وبعض قطع الغيار، إلى حدٍ لا يؤدي إلى تعزيز قوة الجيش اللبناني في مواجهة الجيش الإسرائيلي على سبيل المثال.


ولكن الجانب الأكثر أهمية بعد تحقق الانتصار، كان الالتفاف الشعبي الواسع حول الجيش والمقاومة، واستعادة التلاحم بين القرى القريبة من الحدود بين بعضها البعض. وهو تلاحم عملت القوى الإرهابية والدول الداعمة لها على فكّه بإصرار لسنوات طويلة. وبالتالي فشلت عملية التخويف من المقاومة، وإظهارها على انها قوة معادية للقرى ذات الأغلبية الطائفية المختلفة عن تركيبتها. فضلاً عن فشل ذريع في الفصل بين الجيش والمقاوم، اللذان يستمران حتى اليوم في حماية الحدود من أعداء الخارج، وفي حماية حدود المجتمع من الفتن الطائفية والفئوية التي تطل في كل مناسبة. وهذا ما قد يشكل سبباً أساسياً من أسباب استهداف المقاومة بأسلوب جديد وهو الحصار المالي والاقتصادي والسياسي الذي تحاول الإدارة الأميركية فرضه اليوم من خلال العقوبات، بعد أن فشلت عملية الحصار بالإرهاب.