مبادرة ماكرون... فرصة فرنسية وأوروبية

تضمَّن المؤتمر الصحفي للرئيسين الأميركي دونالد ترامب والفرنسي فرنسوا ماكرون في مدينة بياريتس الفرنسية إشارات لافتة بمضامينها، وبالغة الدلالة على النقطة التي وصل إليها مسار الأزمة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها.

مبادرة ماكرون... فرصة فرنسية وأوروبية
مبادرة ماكرون... فرصة فرنسية وأوروبية

بعد أشهر من التوتّر في منطقة الخليج، بين الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة وإيران من جهةٍ أخرى، بارِقة أمل لافتة لاحت من مدينة بياريتس إثر وصول وزير الخارجية الإيراني محمّد جواد ظريف إلى المدينة، وما رافقها من مضامين حملها المؤتمر الصحفي المشترك بين ترامب وماكرون على هامش قمّة G7، ما فتح المجال للحديث عن لقاءٍ مُحتَملٍ بين ترامب ونظيره الإيراني حسن روحاني.

تضمَّن المؤتمر الصحفي للرئيسين الأميركي دونالد ترامب والفرنسي فرنسوا ماكرون في مدينة بياريتس الفرنسية إشارات لافتة بمضامينها، وبالغة الدلالة على النقطة التي وصل إليها مسار الأزمة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها، خصوصاً وأن الإدارة الأميركية تشهد انقساماً حول خيارات التعامل مع إيران، وتواجه ضغوطاً داخلية مرتبطة بقرب استحقاق الانتخابات الرئاسية في خريف العام المقبل.

ومع أن ترامب حافظ على نغمة التشدّد في مخاطبة إيران، إلا أنه مرَّر رسائل تعبِّر عن استعداده لتغيير الأجواء معها، والانتقال إلى التركيز على الفُرَص المأمولة من الحوار المُرتَقب مع روحاني في ما لو حصل. فنزول الرئيس الأميركي عن شجرة التصعيد المدفوع بتحشيد بولتون ومع صقور الإدارة، يحتاج إلى حديثٍ عن تغيِّرٍ حقيقي أحدثه الموقف الأميركي في وضع إيران ونفوذها في المنطقة، وهو ما عبَّر عنه ترامب عندما قال: "إن إيران لم تعد تلك الدولة التي كانت في بداية عهده في البيت الأبيض مطلع 2017، إذ كانت حينها الدولة الراعية للإرهاب في العالم"، وبالتالي فإنه يقول للمُتحمّسين للحرب إن إدارته تمكَّنت بالفعل من تغيير موقف إيران، وأنها لم تعد "دولة رعاية إرهاب"، وعليه فإن الحوار معها بات مُمكناً.

وعزَّز الرئيس الأميركي في المؤتمر الصحفي نفسه منطقه هذا بالقول "إن طهران كانت مُنخرِطة في 18 موقعاً يشهد نزاعاً حول العالم، وكانت السبب فيه"، وفي هذه العبارة أيضاً إشارة إلى الموقف الأميركي من إيران في الماضي تحديداً، وليس اليوم.

لكن الإشارة الأبرز ربما تكون تشديد ترامب على أنه لا يسعى إلى تغيير النظام في إيران، وأن ما يريده فقط هو "ألا تمتلك طهران السلاح النووي أو الصواريخ البالستية لوقتٍ أطول". الأمر الذي يضع السقف الأعلى للموقف الأميركي في المفاوضات، أي أن ما يأتي نتيجة تلك المفاوضات سيكون حُكماً تحت هذا السقف، الأمر الذي قد يُشير إلى فرصةٍ للحل السلمي، كون إيران تشدِّد على لسان أكبر مسؤوليها، وعلى رأسهم السيِّد علي خامنئي، إنها لا ترغب ولم ترغب يوماً بامتلاك سلاحٍ نووي، وهو ما أعلنت طهران مراراً أنه مُحرَّم لديها بحسب العقيدة الدينية التي تشكِّل الأساس الأخلاقي والديني للعمل السياسي للنظام الإيراني الحالي.

ويمكن القول إن مسألة عدم النيّة الأميركية بالسعي إلى تغيير النظام الإيراني تُريح روسيا في ما لو اقترنت بالأفعال التي تؤكّد صدقيّتها. فلا مصلحة لروسيا بتغيير النظام الإيراني، لحقيقة أن أيّ حُكم إيراني حليف للغرب سيشكِّل تحوّلاً جيوسياسياً كبيراً في المنطقة المُحاذية للحدود الجنوبية لروسيا، الأمر الذي يُحكِم الطوق عليها بعد اقتراب حلف شمال الأطلسي من حدودها الغربية، وتزايد التوتّرات الأمنية والعسكرية في شبه الجزيرة الهندية، ونشاط الدور الأميركي في دول آسيا الوسطى التي يدفع الأميركيون فيها نحو سيناريوهات شبيهة بشرق أوروبا، وسحب الدول فيها نحو خيارات غربية مُعادية للروس، بالإضافة إلى التهديدات للأمن الروسي والصيني التي يُحدثها النشاط الأميركي في المنطقة المُحيطة بالصين، وتحضير أزماتٍ جديدة للانفجار على خلفيّاتٍ عرقيةٍ ودينيةٍ وتنافُسيةٍ اقتصاديةٍ، كما هي الحال في مسائل ميانمار وبحر الصين الجنوبي وكوريا الشمالية.

وفي اللقاء الذي أعرب فيه ترامب عن استعداده للقاء روحاني "بالتأكيد"، في ظروفٍ "مناسبة" قد تكون بعد أسابيع، وعن رغبته بأن يكون الاتفاق النووي الجديد مع طهران "أطول من سابقه"، كان لافتاً الدور الذي لعبه الرئيس الفرنسي ماكرون ومحاولة التقاطه للعصا من نقطةٍ تسمح بتوازن أطرافها خلال المفاوضات، حيث أن موقفه لا يدلّ حتى الساعة على مَسْكِ العصا من الوسط، كونه تحدَّث عن وجود بعض الثغرات في الاتفاق النووي، وشدَّد على وجوب احترام إيران لالتزاماتها النووية، وتأكيده أن بلاده تسعى إلى عقد اتفاقٍ جديدٍ مع إيران لضمان عدم حصولها على السلاح النووي، وإشارته إلى أن مفاوضاته مع الإيرانيين لم تحقِّق حتى الآن سوى بعض التقدّم في الجانب الفني. وبالتالي فإن الموقف الفرنسي لايزال حتى الساعة أقرب إلى الموقف الأميركي، لكنه يظهر فرصة لدى فرنسا لدورٍ جديدٍ ضروري لها ولرئيسها خلال المرحلة الحالية.

ولكن تصريحات ترامب وماكرون التي جاءت في المؤتمر الصحفي في مدينة بياريتس الفرنسية المُطلّة على المحيط الأطلسي، التي احتضنت على مدار الأيام الثلاثة الأخيرة  قمّة مجموعة الدول السبع "جي 7" والدور الفرنسي الناشِط على خط فتح قنوات التواصُل، لا تشير إلى فرصة إيرانية بل إلى فرصةٍ للفرنسيين بالدرجة الأولى، وفرصة لترامب تحديداً قبل انتخاباته التي سيواجه فيها منافسةً شرِسة من الديمقراطيين الذي لم يتقبّلوا وصوله إلى الرئاسة حتى اليوم، وعلى مقربة من انتهاء الولاية الرئاسية المُثيرة للجَدَل بكل تفاصيلها وقراراتها والأزمات التي ولَّدتها حول العالم.

وتتمثّل الفرصة الفرنسية، والتي هي في الوقت نفسه فرصةٌ للأوروبيين المُتعطّشين لدورٍ مُتمايزٍ عن أميركا، في أن أيّ نجاح للوساطة الفرنسية بين طهران وواشنطن سيشكِّل نقطة العودة الفرنسية إلى لعب دورٍ فاعلٍ في الفضاء العالمي، وهو دورٌ فقدته فرنسا منذ عقود، وهي حاولت مراراً في العقود الماضية استعادة شيء من بريق سياستها الخارجية الباهِتة منذ عهد شارل ديغول.

وهي في الوقت نفسه فرصة لماكرون الذي يعاني من أزماتٍ داخليةٍ شديدةٍ على المستويين السياسي والاقتصادي ليحقِّق إنجازاً خارجياً يكون قابلاً للاستثمار الداخلي، ويُنجي سفينته الرئاسية من أمواج الحراك الشعبي الذي تضجّ به باريس منذ أشهر، والذي اكتسب امتداداً مجتمعياً يتمّ التعبير عنه في الحوار الاجتماعي الذي أطلقه ماكرون، والذي تعمل على تفعيله مؤسّسات رسمية فرنسية.

كما أنها فرصة لإنقاذ الاتفاق النووي الذي وقَّعته الدول الغربية مع طهران في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، على الرغم من أن سقف المواقف الغربية اليوم يشير إلى نيّة بأن يُفضي الحوار مع طهران إلى اتفاقٍ نوويٍ جديٍد يُرضي نَهَم ترامب إلى عنوان صفقة ناجحة جديدة تحمل إسمه، قابلة لاستثمارها في الانتحابات المقبلة التي يرغب في الفوز فيها.

وبالنسبة إلى ترامب نفسه، فهي فرصةٌ للتراجُع عن السقف العالي الذي اندفع إليه، والذي ساهم الصقور الآخرون في الإدارة إلى الدّفع باتجاهه، والذي عرَّض الجنود الأميركيين في الخليج للخطر، ودور أميركا وصورتها في الخليج للاهتزاز عقب الخطوات الإيرانية الجريئة في المنطفة. وبالتالي فإن المبادرة الفرنسية تضع ترامب أمام إمكانية العودة إلى العقلانية في العلاقات الدولية وتحديداً في هذا الملف الشديد الخطورة.

وللدلالة على هذه الفرصة، يمكن الإشارة إلى التوتّر الإسرائيلي في التعاطي مع إيران وحلفائها في المنطقة. فقد تزامنت الأجواء الإيجابية الصادرة من بياريتس مع محاولاتٍ إسرائيليةٍ لتخريبها من خلال أعمالٍ أمنيةٍ في العراق وسوريا ولبنان، واستفزازٍ واضح لإيران وحزب الله من أجل دفعهما إلى ردَّة فعلٍ تستفزّ الأميركيين وتمنعهم من الذهاب بعيداً في المسار الدبلوماسي، وتُعيد تعويم الحلول العسكرية في المنطقة.

ويُضاف إلى دواعي التوتّر الإسرائيلي هذه، فشل المساعي التي كانت تقودها الولايات المتحدة لتشكيل تحالفٍ دولي أمني في الخليج، وهو تحالف كانت تُراهِن عليه إسرائيل، خصوصاً وأنها حاولت في الأشهر الماضية تظهير علاقاتها مع الخليجيين بصورةٍ علنية، وتُفاخِر بتمكّنها من تحقيق خروقات أفضت إلى مسارٍ مُتطوّرٍ ومُتسارِع من التطبيع مع دول بعض الخليج العربية.

وعلى الرغم من ذلك كله، فإن الإيرانيين لم يبدوا أيّ استعجال في تلقّف الخطوة الفرنسية، لكونها لا تتضمَّن حتى الآن -ووفق ما هو مُعلَن على الأقل- ما تريده إيران من المبادرة. وهو الأمر الذي سيكون مجالاً للحوار الداخلي في طهران لبحث إيجابياته وسلبياته، وهي مهمةٌ قد لا تكون سهلة بالنسبة إلى الرئيس الإيراني ووزير خارجيته، لاعتبار أن طهران تمتلك من أوراق القوّة ما يمكِّنها من تحسين الكثير من الشروط قبل الموافقة على لقاءٍ مباشرٍ مع ترامب. وهذا يعني أن على الفرنسيين والأميركيين بذل المزيد من الجهود وتأكيد مصداقيتهم قبل الوصول إلى هذا اللقاء المُحتَمل.

وبصرف النظر عن تحقّق اللقاء أو عدمه. فهي تبقى فرصة لتبريد الأجواء، والتفكير بعقلانية، وبما يناسب تهدئة الأجواء لترامب قبل الانتخابات. وهي في الوقت نفسه تعبير عن نجاح إيران في الصمود ودفع الأمور باتجاه الحوار، الذي لم ترفضه إيران يوماً، بل لطالما أرادته مقروناً باحترام سيادتها وعدم استدعائها إلى مفاوضاتٍ تحت الضغط.

وقبل هذا وذاك، هي مناسبةٌ لتأكيد الأوروبيين لأنفسهم مدى قدرتهم على انتهاج سياسةٍ خارجية تحقِّق مصالحهم بالدرجة الأولى، تُخرجهم من إطار التبعية للأميركيين الذي طبع صورتهم على مدى عقود.