احتجاجات لبنان ببُعديها المطلبي والسياسي

احتاجات شعبية استثنائية مُتأصّلة يشهدها لبنان منذ شهر، بدأت بمطالب إصلاحية ثم تشعّبت في ظلّ التعقيدات الفريدة التي فرضها الواقع اللبناني. أين بدأ الحراك وإلى أين يتّجه؟ ما هي أهدافه ومَن يقف خلف محاولة حَرْف وجهته؟ وما مدى ارتباطه بإرادات القوى الخارجية وبالأحداث الأخرى التي تجري في المنطقة ومشاريع ضرب المقاومة في المنطقة؟

احتجاجات لبنان ببُعديها المطلبي والسياسي

يشهد لبنان منذ 17 تشرين الأول/ أكتوبر حراكاً شعبياً لافتاً بالنظر إلى تاريخ هذه الدولة دائمة التوتّر في قلب الشرق الأوسط وعلى حدود فلسطين المحتلة. كان الحراك مختلفاً بحجمه عن المحطّات السابقة التي تظاهرت فيها قوى حزبية أو مجتمعية بأهدافٍ مختلفة. هذه المرة رفع الجميع العَلم اللبناني حصراً، وبدت مطالبهم مُحقّة ونقيّة، ما دفع بالأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله إلى الخروج في خطابٍ عَلَني والتشديد على أحقيّة المطالب، وضرورة تنفيذها.

شملت التحرّكات الأولى على الأرض قوى متنوّعة على مسطرة الموزاييك السياسي اللبناني المعروف بتعقيداته الكثيرة. وكان الصوت المُرتَفع من الساحات والطرقات واحداً وواضحاً في مطالبته بمُكافحة الفساد، واستعادة "أموال اللبنانيين المنهوبة" ومحاكمة الفاسدين، وإصلاح النظام السياسي. لكنها سُرعان ما اتّخذت أبعاداً سياسية من خلال ارتفاع شعارات من داخل الساحات تحمل معها شتائم وعباراتٍ مُسيئة لبعض الوجوه السياسية من دون غيرها، والتركيز على إسقاط جزءٍ من القوى الحاكِمة من دون حاكمين آخرين كان لهم دور أكبر في الحُكم طوال العقود الثلاثة التي تلت اتفاق الطائف، وهو الاتفاق الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية وأسَّس لنظامٍ سياسي لا يزال يسير الحُكم على قواعده حتى اليوم.

وكان لافتاً أيضاً في تفسير أسباب الحراك وهويّته وأهدافه، أن يُسارِع رئيس حزب "القوات اللبنانية" (حليف للغرب) إلى إعلان استقالة وزرائه من الحكومة الائتلافية والمطالبة بحكومة تنكوقراط مستقلّة عن القوى السياسية، ولحاق رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط إلى التمايز عن الحكومة وإعلان تأييده للحراك، ثم استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري نفسه (حليف السعودية)، وبالتالي استقالة الحكومة كلها بحسب الدستور. وهذه القوى الثلاث هي أساس "قوى 14 آذار" التي خاضت في السنوات السابقة معركة مواجهة مع قوى محور المقاومة في لبنان، وأدّى تحرّكها المدعوم من الغرب إلى إخراج الجيش السوري من لبنان في العام 2005، حيث تحوّلت إلى الفريق المقابل لطروحات قوى المقاومة في لبنان طوال السنوات التي تلت تلك المحطة.

تعثّر النظام السياسي

بعد سنواتٍ طويلة من الصراع السياسي بين عامي 2005 و2015، توصّل معظم الأفرقاء اللبنانيين إلى تفاهمٍ قضى بانتخاب العماد ميشال عون (رئيس التيار الوطني الحر وحليف حزب الله) رئيساً للجمهورية اللبنانية عام 2016، وبتسمية سعد الحريري رئيساً للحكومة.

وشكّل حُكم عون المستمر منذ ثلاث سنوات محطة أملٍ للبنانيين الذين أملوا أن تهدأ الخلافات السياسية التي أدّت في ما أدّت إليه إلى استفحال الأزمتين الاقتصادية والمالية اللتين عانت منهما البلاد. لكن الخلافات استمرت، وانتقلت المواجهات من مرحلة الفراغ في الحكم إلى داخل الحكومتين الائتلافيتين. خصوصاً في الحكومة الثانية خلال العهد الرئاسي، وهي التي تشكّلت عقب الانتخابات النيابية التي حصد فيها "حزب الله" وحلفاؤه أغلبية برلمانية، أفضت إلى أغلبية وزارية أيضاً، مع إبقاء هذه القوى على الحريري رئيساً للحكومة.

أدّت هذه التطوّرات بالتوازي مع ارتفاع مديونية الدولة واختناق اقتصادها إلى تظهير حال الاختناق التي يعاني منها النظام السياسي اللبناني الذي أصبح ولّاداً للأزمات بصورة أكثر تسارُعاً من السابق. ويعبّر عن هذه الحال تضاؤل العُمر الزمني للحكومات (حكومتان خلال ثلاث سنوات، بينهما ثمانية أشهر من الفراغ الحكومي).

إن قوى الأقلية البرلمانية التي كانت طوال مرحلة ما بعد 2005 أغلبية تشكّل الحكومات وتقود البلاد، وجدت نفسها في موقفٍ ضعيف أمام تصاعُد قوّة ونفوذ الفريق الآخر المؤيّد للمقاومة. وترافق ذلك مع زيادة في الضغوط على حزب الله وكوادره ومصادره المالية، مارستها الولايات المتحدة والقوى الخليجية الحليفة لها، والتي تمتلك مصالح في لبنان على المستويين الاقتصادي والسياسي، والتي لطالما اعتمد عليها الاقتصاد اللبناني المُدار من قِبَل الفريق السياسي الحليف لهذه القوى.

لقد تعطّلت في السنوات الأخيرة الصيغة التوافقية والتحاصُصية التي كان النظام اللبناني يُدار من خلالها، وتحوّل كل بندٍ على جدول أعمال مجلس الوزراء إلى بندٍ خلافي، خصوصاً مع سعي الفريق المؤيّد للمقاومة إلى إحداث إصلاحات تطال النظام الاقتصادي ومكافحة الفساد المُستشري في مختلف مجالات نشاط الدولة.

اختناق النظام الاقتصادي

وفي موازاة ذلك، زادت المديونية العامة من الضغط على اقتصاد البلاد، مع وصول العقوبات الأميركية إلى درجة مرتفعة من التأثير على الاقتصاد والمالية العامة. فحجم الدين العام وصل في عام 2018 إلى حوالى 87 مليار دولار، بكلفة خدمة للدَين تفوق 6 مليارات دولار سنوياً، في ظلّ عجزٍ حاد في الميزان التجاري، حيث يستورد لبنان بما يُقارِب 19 مليار دولار، فيما يُصدّر إلى الخارج بما قيمته 2 مليار دولار تقريباً.

وزاد من تأثير هذا العجز وتلك المديونية، حجم الاقتصاد الصغير من جهة، وبنيته المعتمدة أساساً على قطاع الخدمات الذي يتأثّر بسهولةٍ بالاهتزازات السياسية والأمنية، وهي كثيرةٌ في لبنان، وتسارعت في المرحلة الأخيرة مع انفجار الأزمة السورية التي فاضت على لبنان بانفجاراتٍ أمنية، واجهها كل من الجيش اللبناني والمقاومة لسنواتٍ عديدة، وبكلفةٍ عالية من الشهداء في صفوفهما، وفي صفوف المدنيين اللبنانيين الذين تعرّضوا للتفجيرات الانتحارية والأعمال الإرهابية التي نفّذتها المجموعات الإرهابية التي كانت تعمل على الأراضي السورية، بالإضافة إلى اليد الإسرائيلية التي لم توفّر فرصة لضرب الأمن اللبناني، والاعتداء على ثروات لبنان وأراضية مئات المرات كل سنة.

وبين هذا وذاك، تدفّق ملايين السوريين كلاجئين إلى الداخل اللبناني، حتى وصل عددهم إلى ما يقارب مليوناً وستمئة ألف نازح وفق تقديرات الأمم المتحدة، ليتحوّل لبنان إلى الدولة الأولى في العالم التي تستقبل لاجئين نسبةً إلى عدد سكانها الذي يقارب الخمسة ملايين نسمة.

سياق الحصار والضغوط القصوى

في هذا السياق، ومع اختناق النظامين السياسي والاقتصادي، انفجر الشارع اللبناني على خلفية حدثين مُفجّرين، تمثّلا بنقمةٍ شعبية واسعة على أداء الدولة في مواجهة موجة حرائق الغابات والأشجار التي طالت كل الأراضي اللبنانية تقريباً في الأسبوع الذي نزل فيه الناس إلى الشارع (136 حريقاً متزامناً)، وكان لافتاً حجم الانتشار الواسع لهذه الحرائق وارتفاع عددها وحجمها عما تشهده البلاد عادةً في هذا الوقت من كل عام (لا تتعدّى 20 حريقاً) والتي كانت السلطات تتمكّن من معالجتها بسرعة معقولة.

أما الحدث المُفجّر الثاني، فكان بند فرض رسمٍ على استخدام تطبيق "واتس آب" اقترحه وزير الاتصالات محمّد شقير (أحد وزراء تيار المستقبل الذي يرأسه رئيس الحكومة سعد الحريري)، الذي اعتبره اللبنانيون مستفزّاً ومعبّراً عن نهج الحكومة المستمر بفرض الضرائب على المواطنين، من دون معالجة ملف الفساد والهدر في الأموال العمومية.

لكن هذين الحدثين المُفجّرين ترافقا مع سياق مستمر سابق لهذه التطوّرات، شمل هذا السياق استهدافاً أميركياً واضحاً للمصارف التي تشتبه واشنطن بتسهيلها فتح حسابات أو تداول مالي لشخصيات مُقرّبة من المقاومة. الأمر الذي أدّى إلى إقفال مصارف في السنوات السابقة، وإلى مزيدٍ من الضغوط على الاقتصاد اللبناني، وسط حديثٍ مستمر في الصحف اللبنانية عن محاولة مصارف أخرى تهريب أموالٍ إلى الخارج، الأمر الذي يقود إلى استنتاج وجود حركة مالية مُفتَعلة هدفها إفشال الإدارة الاقتصادية في البلاد، وإيصالها إلى مرحلة من الاختناق التام، يُصرف لاحقاً في السياسة، ليحدث تغييراً في القوى الحاكمة، ويستهدف بالدرجة الأولى قوى المقاومة وحلفائها في السلطة.

الحراك كاستهداف.. وموقف المقاومة

لقد تعاملت المقاومة مع هذا السياق بهدوء، محاولةً استيعاب التطوّرات من جهة، والحفاظ على العنوانين العريضين لممارستها في السلطة، وهما حماية المقاومة ومكافحة الفساد.

في البداية، حاولت التعامُل مع مطالب المتظاهرين بتجاوب سريع، فسارعت إلى الضغط على الحكومة لفرض بنودٍ إصلاحية عرفت بـ"لائحة البنود الإصلاحية" التي اتخذتها الحكومة المستقيلة في اجتماعها الأخير قبل استقالتها، والتي تضمّنت تراجعاً عن كل الرسوم المُقترَحة في الجلسات السابقة، وإقرار الموازنة العامة للسنة المقبلة بنسبة عجزٍ 0.6% (نصائح البنك الدولي كانت خفض العجز إلى ما دون 9%)، وإقرار قانون للعفو العام عن جرائم عادية لا تشمل ملفات الفساد واستهداف الجيش اللبناني وقضايا الإرهاب. وأطلق رئيس مجلس النواب نبيه بري (حليف حزب الله) ما وصفه بـ"الثورة التشريعية" وضع من خلالها على جدول أعمال البرلمان في أول جلسة دعا إليها مشروعات قوانين تتضمّن: إنشاء محكمة للجرائم المالية، قانون العفو العام، قانون ضمان الشيخوخة والنظام التقاعدي، وقوانين مكافحة الفساد.

وكان متوقّعاً أن تشكّل هذه الخطوات إجابةً مقبولة على مطالب المتظاهرين، كونها تلاقي وتغطي معظم تلك المطالب. لكن اللافت كان استمرار التظاهرات، وبروز قوى حزبية أساسية مشاركة في السلطة بين المتظاهرين، تحوّلت في ما بعد إلى عَصَب الحراك عملياً على الأرض.

ومما زاد من توجّس اللبنانيين من الأهداف البعيدة للحراك، رفض المتظاهرين لهذه الخطوات، وتصعيد مطالباتهم لتشمل استقالة رئيس الجمهورية، وإخراج قوى المقاومة وحلفائها من السلطة، وتشكيل حكومة مستقلة بصلاحياتٍ تشريعية، غير واضحة المعالم في مشروعها للسياسة الخارجية ولتعاملها مع المقاومة. بل المطالبة العلنية من جماهير الأحزاب الموالية للغرب بتسليم سلاح المقاومة، وخروجها من السلطة مع حلفائها.

وإن كانت المقاومة لاتزال حتى اللحظة تفرّق بين المطالب المشروعة للحراك، وللقوى الصادقة فيه، وبين المطالب المشبوهة لقسم من المتظاهرين، فإنها لا تغفل حقائق دامغةٍ على الأرض، أهمها قيام مناصري "تيار المستقبل" (حليف السعودية) والقوات اللبنانية (حليفة أميركا) وغيرها من القوى بقطع الطرقات، والضغط على المقاومة للخروج من السلطة وتسليمها لشخصياتٍ مستقلة تستكمل مشروعها السياسي المُتعثّر في الانتخابات النيابية الأخيرة.

وزاد من مأزق هذه القوى المُعادية للمقاومة الضعف الملحوظ الذي يقارب الانعدام للمتظاهرين في بيئة المقاومة المباشرة، لتقوم هذه القوى بالتركيز على تفجير الساحة ذات الأغلبية المسيحية التي تشكّل مساحة نفوذ رئيس الجمهورية الحليف للمقاومة.

وإذا ما تم ربط هذا السياق بتزامُنه مع التظاهرات التي يشهدها العراق، فإن الاستنتاج المنطقي يقود إلى التفكير بجدية في المصلحة الأميركية من محاصرة الدول التي حازت فيها قوى المقاومة على أغلبية في الحُكم، لمحاولة إفشال حكمها وإظهارها في صورة العاجز عن الحُكم، والمُتسبّب بالأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، في حين أن الاستراتيجية الأميركية في عنوانها الواضح "الضغوط القصوى" على إيران وحلفائها لا تخفي أهدافها، ولا تخفي وسائلها. وقد عبّر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قبل أيام عن ذلك بقوله إن بلاده "تدعم المتظاهرين في لبنان والعراق للتحرّر من النفوذ الإيراني".

وفي مواجهة ذلك، تتمسّك قوى المقاومة اليوم في لبنان بترشيح سعد الحريري لرئاسة الحكومة من منطلقين أساسيين هما: المسؤولية التاريخية عن مصالح المواطنين والحاجة إلى مشاركة جميع القوى التي أوصلت البلاد إلى هذا الواقع في تحمّل مسؤولياتها؛ وعدم إرادتها التفرّد بالسلطة وتوسيع المواجهة التي يريدها أخصامها، والحفاظ على الصيغة التوافقية للحُكم، التي تناسب التنوّع الاجتماعي والسياسي في لبنان.

وملخّص ذلك أن هذه القوى تقول: لنحكم جميعاً، لكن بمسؤولية، نحو دولةٍ تسود فيها العدالة، ولا تبتزّ فيها القوى السياسية بعضها لتتابع تقديم مكتسباتها الذاتية على حساب حقوق المواطنين.