روسيا "البوتينية" أكثر ثقة هذا العام

حمل المؤتمر الصحفي السنوي للرئيس الروسي دلالات هامة، وعكس ثقة روسيا في مواجهة التحديات التي تُحدِق بها، في وقت يتطلّع الروس إلى تنفيذ وعد رئيسهم بأنهم سيشعرون بتحسّن في الكثير من نواحي الحياة، فهل يقدر بوتين على ترجمة ذلك؟

  • روسيا "البوتينية" أكثر ثقة هذا العام

كثيرةٌ هي الدلالات التي حملتها كلمات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مؤتمره الصحفي السنوي الـ15، الذي عقده في موسكو بحضور نحو 2000 صحافي يوم الخميس 19 كانون الأول/ديمسبر 2019. 

مروحة الموضوعات الواسعة لم تختلف هذه المرة عن السنوات السابقة، تماشياً مع طبيعة المؤتمر الصحفي الذي تحوّل إلى محطّة سنوية يحكي فيها الرئيس الروسي عن حال البلاد، وتطوّرها، ومشكلاتها، وعلاقاتها مع الخارج، وأدائها في مختلف الميادين، بالإضافة إلى موقفها من القضايا الدوليّة المفتوحة، حيث تحوّلت روسيا معه في العقدين الأخيرين إلى قوةٍ عاملية مجدّداً، وبالتالي فهي مُطالَبةٌ بموقفٍ من كل ما يجري في العالم.

 

دعم لترامب ويد ممدودة لأميركا

لعلّ تركيز المتابعين في اللحظة الراهنة ينجذب إلى ملف العلاقات الأميركية-الروسية من جهة، وموقف بوتين تحديداً من ملف محاولات عزل نظيره الأميركي دونالد ترامب. في هذا السياق عبّر جواب بوتين عن تعاطفٍ واضح مع الرئيس الأميركي حين صحّح سؤال الصحافي الذي تحدّث عن "عزل ترامب"، فأجابه بوتين إن ترامب لم يُعزَل بعد، وأن التصويت في مجلس النواب الأميركي لا يعني العزل، إنما مُجرّد إحالة إلى مجلس الشيوخ حيث يمتلك الجمهوريون أغلبيةً، هي برأي بوتين قد ترفض عزل الرئيس الذي يمثلها في البيت الأبيض.

ولكن الأكثر دلالة، كان اعتبار بوتين بصورةٍ مباشرة أن "الاتهامات التي وجّهها النواب الأميركيون لترامب مختلقة" برأيه، الأمر الذي يشكلُ تأييدًا صريحًا للرئيس الأميركي في مواجهة المأزق الذي يهدّد مستقبله السياسي. ويمكن عطف هذا الموقف على السياق السابق من المواقف التي لطالما تغازل فيها الرئيسان الروسي والأميركي في أوقاتٍ سابقة، والتي عزّزت قناعاتٍ عند معارضي ترامب في الولايات المتحدة تتّهمه بالضعف أمام نظيره الروسي، وصولاً إلى حد اتهام روسيا بالتدخّل لمصلحته في الانتخابات الرئاسية عام 2016. 

لكن هذا التأييد والتناغُم الواضحين بين الرجلين لم يمنعا بوتين من تأكيد مصلحة بلاده في تمديد معاهدة "ستارت 3"، وإشارته إلى مخاطر انتهائها من دون بديل، حيث "لن يبقى في العالم أيّ كابح لسباق التسلّح" على حد تعبيره.

 

أوروبا شيء وأوكرانيا شيء آخر

لم يمتد الموقف الإيجابي لبوتين من ترامب إلى دول أوروبا الغربية. فضمّن مواقفه تجاهها انتقادات بدأت من بريطانيا ورئيس وزرائها بوريس جونسون، لم تنتهِ عند انتقاد أداء ألمانيا لرفضها الطلب الروسي بتسليم "إرهابي" شيشاني قال إن يديه مُلطّختان بدماء 98 شخصاً، وإضافته اللافتة إلى تنقّل إرهابيين في عواصم أوروبية بحريّةٍ تامّة.

ومن هذا المنطلق، بدا بوتين إيجابياً خلال أجوبته على أسئلة الصحافيين بخصوص تطوّرات الحل السياسي للحرب في أوكرانيا، حين أكّد أن طريق الحل لتلك الأزمة يمرّ عبر الحوار، داعيًا السلطات الأوكرانية للتخلّي عن محاولات استدام القوّة. وتعزّزت إيجابية مُقاربة بوتين للمسألة الأوكرانية عندما أشار إلى إرادته بحل قضية الغاز مع كييف واستعداده للحفاظ على تدفّق الغاز الروسي عبرها. 

هذه النقطة الأخيرة بالغة الأهمية إذا ما أعدناها إلى سياق حرب الغاز التي غيّرت فيها موسكو خارطة أنابيب الغاز الممتدة منها إلى أوروبا الغربية، فأنشأت "السيل الشمالي" و"السيل الجنوبي" و"السيل التركي"، متجنّبةً تمريرها في أراضي الدول المختلفة سياسياً مع مصالح موسكو. وبالتالي فإن التلويح بإعادة تمرير إمدادات الغاز الروسي عبر أوكرانيا إذا ما تحقّق، فإنه يعبّر عن نهاية للحرب بين شرق أوكرانيا وكييف. 

وبخصوص هذه الحرب، أكّد بوتين مرةً جديدة أنه لا توجد قوات أجنبية في دونباس بل قوات مُشكّلة من السكان المحليين هناك، مع تعبيره عن قلق بلاده من محاولات كييف إدخال تعديلات على "اتفاقات مينسك" وإضافته اللافتة بأن اتفاقية باريس لم تحمل أي جديد عن "اتفاقات مينسك"، وهذا معناه أن موسكو تمد اليد لأوكرانيا بمغريات الغاز والأمن من جهة، وتحتفظ لنفسها بالقدر الآمن من الحذر من خطوات كييف الآتية.

 

التغيّر المناخي.. تشكيك بالأسباب

على جانب آخر، لم تخلُ تصريحات بوتين في المؤتمر الصحفي من مواقف مهمة حول التغيّر المناخي، حيث كان موقفه جديداً تماماً بخصوص المعالجات الدولية لتلك المشكلة الكبرى، حين قال ألا أحد في العالم يعرف إلى الآن السبب الحقيقي العميق للتغييرات المناخية على كوكب الأرض. 

الدلالة البارزة لهذا الموقف تستبطن تشكيكاً في الأسباب التي تربط بين انبعاثات الغازات الدفيئة من الدول الصناعية الكبرى وبين ارتفاع درجة حرارة الأرض. وبما أن روسيا واحدةٌ من كُبريات الدول الصناعية، فيمكن عزو هذا الموقف إلى المصلحة الروسية التي تريد الاستفادة من صعودها الصناعي. لكن سبباً آخر يمكن عبره تفسير تشكيك بوتين هذا، وهو أن القدر الأكبر من الاتهامات بالتسبّب بانبعاثات الدفيئة يوجّه عادة من قِبَل الناشطين البيئيين العالمين إلى الصين، وهي الدولة التي تراهن روسيا على علاقات سياسية واقتصادية متطوّرة بسرعةٍ فائقة، الأمر الذي يريد بوتين من خلاله تطمين حليفه الصيني لناحية عدم تأييده المنطق البيئي الذي يضع اللوم على المصنّعين الكبار بتسريع عملية التغيّر المناخي. 

هذا كان في الشق السياسي من هذه الموقف، أما في الشق التقني، فإن روسيا سبق لها أن شكّكت تقنياً بالدراسات الغربية التي تنشر أرقاماً مخيفة عن أسباب التغيّر المناخي، والتي تستشفّ روسيا منها محاولاتٍ حكومية غربية لإعاقة الصعود الاقتصادي للقوى الشرقية.

هذه العلاقة مع الصين كانت لها حصةٌ مهمة من أجوبة بوتين الذي ثمّن مستواها "غير المسبوق" المبني على الثقة المتبادلة، والذي يشكّل أساساً لتحقيق إنجازات في مختلف المجالات، لأن التعاون الروسي-الصيني مهمٌ جداً -وفق رؤية بوتين- بالنسبة إلى النظام العالمي، الذي رأى أن مَن يتوهّم بإمكانية قيام عالمٍ أحادي الأقطاب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي هو مُخطئ.

 

على المستوى الوطني

أما على المستوى الوطني، فقد استفاض الرئيس الروسي في الحديث عن الإنجازات التي تحقّقت في عهده، كاشفاً عن أنه منذ العام 2000 وحتى اليوم تم إنشاء حوالى 75% من الصناعات التحويلية الموجودة اليوم في روسيا. وعدّد مجموعة كبيرة من المشروعات التي بنيت خلال العقدين الأخيرين، كالمطارات ومحطات القطار والطرق الفيدرالية التي زادت من 39 إلى 80 ألف كيلومتر. بالإضافة إلى بناء مجمّعات الغاز وإنعاش صناعات الطاقة في المرحلة التالية لسقوط الاتحاد السوفياتي، الذي كان يستورد القمح، فيما تصدّره روسيا اليوم بكميّة أكبر من تلك التي تصدّرها الولايات المتحدة أو كندا. 

وكما في كل إطلالة مطوّلة، لم تغب الشؤون الوطنية عن بال بوتين الذي تحدّث بعاطفةٍ مرة جديدة عن الانتصار الذي حقّقته بلاده في الحرب الوطنية العظمى ضد الفاشية، والتي كشف أنه سيكتب مقالاً حولها وحول مجريات الحرب العالمية الثانية.

الإشارة هذه تدلّل على حضور الشعور الوطني في رؤية الرئيس الروسي الثقافية للمرحلة المقبلة، وليس لإحياء المناسبات واسترجاعها كتقليدٍ منفصل عن المستقبل. وهو إذ يؤكّد أن موسكو لا تعيش على تركة الاتحاد السوفياتي، خصوصاً على المستوى الاقتصادي، فإنه يصرّ على الافتخار بما أنجزه الاتحاد السوفياتي السابق، وخصوصاً في الحرب وعلوم الفضاء.

لكن هذا الافتخار، وذلك الإحياء، وتلك الموروثات الثقافية والوطنية من المرحلة السوفياتية، لم تأخذ بوتين إلى تقويم الزعماء السابقين أو الحاليين المعاصرين، حيث رفض تقديم ما وصفه بـ"شهادة سلوك" لهؤلاء القادة.

 

لقب "بطل روسيا" لا يُمنح هباءً

وتترجم رؤية بوتين لاستمرارية هذا النفس الوطني من خلال تقديره لحلفائه في الجمهوريات المنضوية في روسيا الاتحادية، حيث أكّد أن منحه لقب "بطل روسيا" لرمضان قديروف رئيس جمهورية الشيشان "لم يكن هباءً". ويمكن أن يفسّر هذا التكريم الكبير لقديروف على أنه إخراجٌ لنموذجٍ للجمهوريات المستقلة وللدول السوفياتية السابقة على أن روسيا تقدّر مَن ينضوي ضمن فضائها السياسي ضمن وحدة سياسية اتحادية، متجاوزاً أعباء المراحل السابقة التي حملت دماءً وتوترات وصراعات إثنية وقومية وسياسية. فالعارف بالتاريخ الشيشاني داخل روسيا، وبعلاقاتها المتوترة في المرحلة السابقة مع موسكو، يمكن له أن يقدّر قيمة هذا اللقب، وتطلّع الرئيس الروسي لتعميم نموذج قديروف كرئيسٍ لجمهورية داخل روسيا الاتحادية، كبطل روسيا، كل روسيا. وبالتالي فإن هذه الخطوة تقول ليس لرؤساء الجمهوريات والمقاطعات الروسية، بل لقادة الدول السوفياتية السابقة، ولمحيط روسيا بصورةٍ عامة، إن روسيا مستعدةٌ لاحترام كل الأعراق والقوميات واللغات والثقافات ليس في داخلها فحسب، إنما في جوارها، وأنها في المرحلة المقبلة تفتح ذراعيها لاستعادة اللحمة بين الأصدقاء القدامى.

 

مستقبل بوتين السياسي

أما على مستوى السلطة في الداخل، فقد أكّد بوتين ألا داعي لتبنّي دستور جديد في روسيا، لكنه أعرب عن فَهْمِه لمبرّرات دعوة بعض الأحزاب لزيادة دور البرلمان في الحياة الدستورية والسياسية في البلاد. 

وتعود أهمية هذه القضية إلى التساؤلات التي تُطرَح حول بقاء بوتين في السلطة بعد انتهاء فترته الرئاسية الحالية عام 2024 التي هي الفترة الرابعة في مسيرته، والثانية على التوالي بعد خدمته في ولايتين متتاليتين سابقتين، حيث ينصّ الدستور على عدم إمكانية ترشّح الرئيس لأكثر من ولايتين رئاسيتين متتاليتين، بما يعنيه مستقبل بوتين السياسي من أهمية على المستويين الداخلي والخارجي.

وحول هذه المسألة لم يكن الرئيس الروسي واضحاً كفاية هذه المرة، كما كان في أيار/ مايو الماضي حين قال إنه سيحترم الدستور بشكلٍ صارمٍ ملّوحاً بعدم ترشّحه لولاية جديدة. أما المختلف بين الموقفين، فهو قول بوتين الخميس إنه منفتح على فكره إجراء تغييرات دستورية عندما يتعلّق الأمر بالسلطات البرلمانية ومؤسّسات الرئاسة ورئيس الوزراء، لكنه استدرك قائلاً إن روسيا يجب أن تخطو بحذر في هذا الموضوع.

بالمُحصّلة، شكّل المؤتمر الصحفي هذه السنة مناسبة أخرى لتواصل مسيرة الرؤية البوتينية للدولة الروسية وللعالم. وهي رؤية لم تختلف كثيراً عمّا تضمّنته مقابلته السنوية في السنة الماضية، لكنها بدت أكثر هدوءاً في مضمونها، وفي مُقاربتها للقضايا الدولية، وشهدت منسوباً أعلى من الراحة في التعاطي مع الأزمة الأوكرانية، فيما يبدو أنه تطورٌ إيجابي بخصوص هذه المسألة الشائِكة والمهمة للأمن القومي الروسي من جهة، وللأمن الأوروبي من جهةٍ أخرى. 

كما أن إطلالة بوتين هذه واصلت مُسايرتها لولاية ترامب الرئاسية في ظلِّ ظروف داخلية دقيقة يحاول الرئيس الأميركي تجاوزها حالياً في الداخل، في مطلع السنة الأخيرة من ولايته، ووسط طموحاتٍ لديه بالترشّح لولاية جديدة إذا نجا من محاولات عزله. 

وفي هذه السنة، تقف روسيا أكثر ثقة في مواجهة التحديات التي تُحدِق بها، وتشبك أكثر فأكثر علاقاتها مع الصين والدول الصاعدة، فيما يتحسّن واقعها الاقتصادي على الرغم من استمرار العقوبات في التأثير على أدائها، لكن الروس اليوم يتطلّعون إلى وعد بوتين الذي أطلقه اليوم ومعناه: سيشعر المواطنون الروس بتحسّن ملحوظ في الكثير من نواحي الحياة.