محمد منصور

كاتب مصري وباحث فى الشؤون العسكرية. بدأ العمل الصحافي منذ عام 2008. ليسانس في الأدب الأنجليزي ودبلوم في الترجمة. إنضم لفريق الميادين نت فى أبريل 2016.

هل تضع كوريا الشمالية واشنطن أمام تحدّ جديد؟

يترقّب العالم ما يمكن أن يكون في جعبة بيونغ يانغ من مُفاجآت عسكرية، قد تكون جيلاً جديداً من أجيال الصواريخ العابرة للقارات، أو ربما كإطلاق جديد للبرنامج الفضائي الكوري الشمالي، لكن الأكيد أن بيونغ يانغ تقصد فعلاً ما قاله زعيمها مؤخراً، وأن الولايات المتحدة ستجد نفسها في أقرب فرصة أمام تحدٍ عسكري جديد، يُضاف إلى التحديات الأخيرة التي فرضتها عليها دول مثل إيران.

  • كوريا الشمالية ستعلن قريباً للعالم عن سلاحها الإستراتيجي الجديد

أثارت التصريحات التي أطلقها الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، أمام عدد من كبار المسؤولين في حزبه الحاكم أوائل الشهر الجاري، والتي أكَّد فيها  أن بلاده ستعلن قريباً للعالم عن سلاحها الإستراتيجي الجديد، جدلاً واسعاً في الأوساط العسكرية والإستراتيجية، حول مدى جدية بيونغ يانغ في هذا الصَدَد، وعن ماهية السلاح الجديد ومدى تأثيره على توازن القوى الحالي في العالم، وما إذا كان الإعلان عن هذا السلاح الجديد قد يدفع العالم أكثر إلى صراع تسلّح، بدأت بوادره في الظهور تدريجاً منذ أواخر 2018.

تصريحات زعيم كوريا الشمالية لم تكن فقط مُتعلّقة بالكشف عن سلاح جديد، بل أيضاً تتعلّق بإعلانه إنهاء بلاده للتعليق الاختياري لتجاربها النووية والصاروخية، والذي استمر منذ أوائل عام 2018 وحتى أواخر العام الماضي، مع العِلم أنه خلال عام 2019، أجرت كوريا الشمالية عدداً من التجارب الصاروخية، على عكس عام 2018 الذي لم يشهد أية تجارب صاروخية.

 تاريخ طويل من التجارب الصاروخية

تاريخياً، كان عدد ومستوى التجارب الصاروخية لكوريا الشمالية، يتناسب مع تحسّن أو تدهور العلاقات بينها وبين الولايات المتحدة. بدأت هذه التجارب في مطلع عام 1984، وقد تم إجراء ست تجارب مُتتالية على صواريخ (سكود - بي) السوفياتية، التي كانت كوريا الشمالية قد بدأت في إجراء بعض التعديلات المحلية عليها بهدف زيادة مداها ليتجاوز حاجز 300 كيلومتر.

  • تمّت في شهر أيار/مايو من هذا العام التجربة الأولى للصاروخ الباليستي الكوري الشمالي متوسّط المدى (نو دونغ -1)

توقّفت التجارب لفترة، إلى أن جاء عام 1990، حيث تمّت في شهر أيار/مايو من هذا العام التجربة الأولى للصاروخ الباليستي الكوري الشمالي متوسّط المدى (نو دونغ -1) المعروف أيضاً بإسم (هواسونج-7)، والذي يُعدّ النسخة الكورية الشمالية من الصاروخ السوفياتي (سكود- بي)، لكن كانت النسخة الكورية الشمالية أكبر من حيث المدى، حيث تراوح مدى هذا الصاروخ العامل بالوقود السائل، في نسختيه (نو دونغ - 1) و(نو دونغ - 2)، ما بين 1200 و1500 كيلومتر.

في الشهر التالي أجرت كوريا الشمالية تجربة لإطلاق الصاروخ الباليستي السوفياتي الأصل (سكود - سي)، بعد أن حصلت على مُخطّطات خاصة به من الصين، وقامت بإنتاجه محلياً. تلت هذه التجارب تجارب أخرى الأولى عام 1991 على صاروخ (سكود - سي)، والثانية عام 1992 على صاروخ (نو دونغ -1). بجانب ما بين ثلاث إلى أربع تجارب خلال عام 1993 على النوعين معاً.

  • تمكَّنت كوريا الشمالية من تجربة الصاروخ الباليستي ذي المراحل الثلاث (تايبو دونغ - 1) المعروف أيضاً بإسم (أونها-1)

في آب/أغسطس 1998 حقّقت كوريا الشمالية واحداً من أهم إنجازاتها في ما يتعلّق بالصواريخ الباليستية طويلة المدى، حيث تمكَّنت من تجربة الصاروخ الباليستي ذي المراحل الثلاث (تايبو دونغ - 1) المعروف أيضاً بإسم (أونها-1)، وقد جرى تحميل هذا الصاروخ بقمر اصطناعي كوري شمالي. وعلى الرغم من فشل الصاروخ في تفعيل المرحلة الثانية من مراحله الثلاث وسقوطه في البحر، إلا أن التجربة أثبتت أنه وحسب وزن الحمولة التي سينقلها، سيتراوح مداه الأقصى بين 2000 و6000 كيلومتر.

أحدثت هذه التجربة حينها ضجّة كبيرة، نظراً إلى تحليق الصاروخ فوق الأراضي اليابانية انطلاقاً من قاعدة انطلاقه شمال شرق كوريا الشمالية. وعلى الرغم من وصول السلطات الأميركية إلى قناعة عام 2003 بأنه لا توجد نيّة لدى السلطات الكورية الشمالية لتحويل هذا الصاروخ إلى أن يكون صاروخ أرض - أرض للاستخدام العسكري، إلا أن هذه الاحتماليّة تبقى قائمة حتى الآن. 

أوقفت كوريا الشمالية أوائل عام 1999 تجاربها الصاروخية على خلفيّة بدء مُباحثات سرية بينها وبين عدد من الدول منها اليابان والولايات المتحدة والصين من أجل تخفيف التوتّر الذي نجم عن تجربة عام 1998، واستمر هذا التعليق حتى آذار/مارس 2005، حين أجرت بيونغ يانغ تجربة واحدة على صاروخ قصير المدى.

  • عاد النشاط بقوَّة عام 2006 للتجارب الصاروخية الكورية الشمالية حيث أجرت خلال هذا العام سبع تجارب صاروخية

عاد النشاط بقوَّة عام 2006 للتجارب الصاروخية الكورية الشمالية، حيث أجرت خلال هذا العام سبع تجارب صاروخية على مرحلتين، تمّت جميعها في شهر واحد وهو شهر تموز/يوليو. التجربة الأبرز ضمن هذه التجارب كانت تجربة فاشلة لإطلاق نسخة أحدث من صاروخ (تايبو دونغ - 1) ، تمَّت تسميتها (تايبو دونغ - 2)، وهذه النسخة تم تصميمها على أساس أن يتعدَّى مداها الأقصى عشرة آلاف كيلومتر، إلا أنه انفجر بعد نحو دقيقة من إطلاقه. تم في هذه التجارب أيضاً اختبار أربعة صواريخ من نوع (نو دونغ - 1) وصاروخين من نوع (سكود - سي). كان لهذه السلسلة من التجارب الصدى الضخم على المستوى الدولي، لأنها جاءت بعد سنوات من توقّف التجارب الصاروخية الكورية، وهو ما أدّى الى تصاعُد الإحتقان بين بيونغ يانغ وعدد من الدول على رأسها اليابان والولايات المتحدة.

التجربة التي أثارت انتباه أميركا

عام 2009 شهد أيضاً موجتين من موجات التجارب الصاروخية الكورية الشمالية، حيث أجرت بيونغ يانغ ثماني تجارب صاروخية، منها تجربتان لإطلاق صواريخ (نو دونج - 1)، وخمس تجارب على صواريخ (سكود - سي)، بجانب تجربة فاشلة لإطلاق صاروخ (تايبو دونغ -1)، كان فيها مُحمّلاً أيضاً بقمر اصطناعي محلي الصنع، لكن برغم فشل هذه التجربة إلا أن أداء الصاروخ فيها كان أفضل بمراحل من تجربة عام 1998، لأن مرحلتيه الأولى والثانية تم تفعيلهما بشكل ناجح، والخلل كان في المرحلة الثالثة من مراحل تحليق الصاروخ. 

تمكَّن الصاروخ  من التحليق لمسافة تجاوزت ثلاثة آلاف كيلو متر، أي أكثر من ضعف المسافة التي حلَّقها عام 1998، وهو ما أثار انتباه الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص، لأن هذه التجربة وضعت كوريا الشمالية على بُعد خطوة واحدة من إرسال صواريخ إلى خارج المجال الجوي للأرض.

أوقفت كوريا الشمالية تجاربها الصاروخية بعد عام 2009 لعدّة سنوات، إلى أن عادت إليها مرة أخرى عام 2012، بتجربتين مهمتين على نسخة أحدث من صواريخ (تايبو دونغ)، وهو الصاروخ (تايبو دونغ - 3). التجربة الأولى تمّت في شهر نيسان/أبريل والثانية تمّت في شهر كانون الأول/ديسمبر. التجربة الأولى لم تكن ناجحة، على عكس تجربة ديسمبر، التي نجحت نجاحاً باهراً، وتمكّن الصاروخ من التحليق وإتمام مراحله الثلاث، ووضع قمراً اصطناعياً محلي الصنع في مداره حول الأرض.

الانتقال إلى مستوى جديد

  • أجرت كوريا الشمالية عام 2013 ست تجارب على صاروخ الكروز (كي أن - 01) قصير المدى

انتقلت التجارب الصاروخية الكورية الشمالية عقب هذا النجاح إلى مستوى جديد، حيث أجرت عام 2013 ست تجارب على صاروخ الكروز (كي أن - 01) قصير المدى، والذي يصل مداه الأقصى إلى 150 كيلومتراً، ويُعدّ تطويراً محلياً للصاروخ السوفياتي البحري (بي-15).

في العام التالي، أجرت كوريا الشمالية 19 تجربة صاروخية، 13 تجربة منها على صواريخ (سكود - بي) و(سكود - سي)، وتجربتين على صاروخ (نو دونغ -1)، بجانب أربع تجارب على صاروخ تتم تجربته للمرة الأولى، وهو الصاروخ (كي أن - 02)، وهو النسخة محلية الصنع من الصاروخ السوفياتي قصير المدى (توشكا)، ويصل مداه إلى 170 كيلومتراً، ويعمل بالوقود الصلب.

  • عام 2015، أجرت كوريا الشمالية مزيداً من التجارب على صاروخ (كي أن - 02) بواقع عشر تجارب

عام 2015، أجرت كوريا الشمالية مزيداً من التجارب على صاروخ (كي أن - 02) بواقع عشر تجارب، يضاف إليها تجربتان على صواريخ (سكود - سي)، وثلاثة إختبارات إحداها كان فاشلاً للصاروخ الكوري الشمالي الأول الذي يتم إطلاقه من على متن الغوّاصات، وهو الصاروخ (كي أن -11)، الذي يتراوح مداه الأقصى بين 900 إلى 1200 كيلو متر. في العام التالي نفّذت كوريا الشمالية 24 اختباراً صاروخياً متنوّعاً، بواقع سبعة اختبارات لصواريخ سكود، وخمسة اختبارات لصواريخ (نو دونغ -1)، واختبار واحد لصواريخ (تايبو دونغ - 3)، وثلاثة اختبارات لصواريخ  (كي أن - 02)، بجانب ثمانية اختبارات لأحد أهم الصواريخ الكورية الشمالية، وهو الصاروخ الباليستي العابر للقارات (موسودان)، ويبلغ مداه الأقصى 4000 كيلومتر.

عام مفصلي

عام 2017 كان عاماً مفصلياً في التجارب الصاروخية الكورية الشمالية، ففيه تم اختبار معظم الصواريخ الباليستية متوسّطة وبعيدة المدى الموجودة في الترسانة الكورية، حيث تم إجراء نحو 19 تجربة صاروخية، من أهمها تجربتان لإطلاق الصاروخ الباليستي العابر للقارات (هواسونج - 12)، وهو تحديث للصاروخ الباليستي (موسودان) المعروف أيضاً بإسم (هواسونج-10)، وبلغ المدى الأقصى لهذه النسخة أيضاً أربعة الآف كيلومتر، وهي تعمل بالوقود السائل، وتحمل إمكانيات تؤهّلها لحمل رأس نووية. وقد وصل صاروخ هذه النسخة خلال التجارب إلى مسافة 3700 كيلومتر.

أيضاً تمت خلال هذا العام تجربتان لإطلاق الصاروخ الباليستي العابر للقارات ذي المرحلتين (هواسونج - 14)، والذي يتعدى مداه الأقصى عشرة آلاف كيلومتر، ويحمل رأساً حربية تقليدية أو نووية تبلغ زنتها نصف طن، وتجربة واحدة لإطلاق الصاروخ الأهم على الإطلاق في الترسانة الكورية الشمالية، وهو الصاروخ الباليستي العابر للقارات ثنائي المراحل (هواسونج-15)، والذي يصل مداه الأقصى إلى 13.000 كيلومتر، ومزوّد برأس حربية تقليدية أو نووية تبلغ زنتها طن واحد.

 

لم يشهد العام 2018 أية تجارب صاروخية بعد قرار بيونج يانج وقف هذه التجارب على خليفة بدء مباحثات عالية المستوى بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن هذه التجارب عادت بكثافة بداية من شهر آذار/مارس 2019، حيث تم إجراء 22 تجربة صاروخية في هذا العام، أهمها عدة تجارب على صواريخ باليستية قصيرة المدى، مثل الصاروخ (كي أن -23)، الذي يبلغ مداه 700 كيلومتر، وزنة رأسه الحربية نصف طن، كما أجرت تجربة إطلاق للصاروخ الباليستي المتوسّط المدى (بولاريس-3)، الذي يبلغ مداه الأقصى 1900 كيلومتر، وقد حلّق لمسافة تبلغ 450 كيلومتراً خلال هذا الاختبار الذي اعتبرته السلطات الكورية الشمالية اختباراً ناجحاً.

يترقّب العالم ما يمكن أن يكون في جعبة بيونغ يانغ من مفاجآت عسكرية، قد تكون جيلاً جديداً من أجيال الصواريخ العابرة للقارات، أو ربما هي إطلاق جديد للبرنامج الفضائي الكوري الشمالي، لكن الأكيد أن بيونغ يانغ تقصد فعلاً ما قاله زعيمها مؤخّراً، وأن الولايات المتحدة ستجد نفسها في أقرب فرصة أمام تحدٍ عسكري جديد، يضاف إلى التحديات الأخيرة التي فرضتها عليها دول مثل إيران.