أحلام بيضون

أستاذة جامعية وباحثة في القانون الدولي

أسئلة حول الاستفتاء في كردستان

تثير مسألة الاستفتاء من أجل الاستقلال في إقليم كردستان العراقي الكثير من الجدل السياسي والقانوني، ويواجه ذلك الاستفتاء إجماعاً على الرفض من قبل المعني بذلك والمقصود بالدرجة الأولى الحكوكة العراقية المركزية، ومن دول الجوار ومن الدول الكبرى. فما هو مفهوم الاستفتاء وفلسفته؟ وما هي مفاعيله الواقعية والقانونية؟

الاستفتاء وحقّ تقرير المصير

استفتاء الشعب لمعرفة رأيه في تقرير مصيره هو آلية تعتمدها الأمم المتحدة للحدّ من النزاعات المسلحة

يشكّل حقّ الشعوب بتقرير المصير قاعدة دولية ملزمة في القانون الدولي (بند 1، فقرة 2 من ميثاق الأمم المتحدة)، غير أن هذا الحقّ القانوني يتعلّق بشعب غير مكوّن في دولة. أيّ أن حقّ تقرير المصير يبقى قائماً إلى حين تتشكّل الدول، وبعد تشكّلها، لا يعود حق تقرير المصير مطروحاً على صعيد دولي إلا ضمن مفهوم سيادة الدولة المعنية بالأمّ، حيث يخضع بالدرجة الأولى لدستورها وقوانينها الوضعية، ضمن إطار القانون الدولي. يعني ذلك أن أيّ تقسيم لإقليم دولة أو شعبها يُعتبر انتهاكاً لسيادة تلك الدولة، إلا إذا حصل ذلك من قبل شعبها بأكمله، أو جزء منه برضى السلطة الشرعية المُمثّلة بشكل صحيح لتطلّعات الشعب. من هنا فإن أيّ تقسيم، أو استفتاء من أجل التقسيم، أو استقلال مجموعة من المواطنين بأحد أقاليم الدولة بشكل منفرد لا يُعتدّ به قانونياً، بل ويعتبر اعتداء على سيادة الدولة ووحدتها. غير أن ذلك يبقى نظرياً، نظراً للتمادي في انتهاك قواعد القانون الدولي من قبل الدول الأعضاء، خاصة الدول الكبرى المهيمنة على العالم، والتي بإمكانها أن تزكّي انفصالاً غير شرعي إذا رأت أن ذلك يخدم مصالحها الحيوية، هذا ما حصل حديثاً بالنسبة إلى جنوب السودان مثلاً؛ كما بإمكانها أن تعارض أو تعيق إقامة دولة وممارسة حق تقرير المصير لشعب يستحق قانونياً وواقعياً، وأفضل مثل على ذلك فلسطين. 

إن تبرير عدم جواز تطبيق تقرير المصير لمجموعات من شعب مكوّن لدولة قائمة، يعود إلى أن الأصل في نظام الدول الدستوري وفي القانون الدولي على حد سواء، إلى أن التعامل مع المواطنين داخل الدول لا يتم حسب مميّزاتهم الإثنية، أو العرقية، أو اللغوية، أو أيّ مميّز آخر بل حسب معيار المواطنة فقط، والذي يقضي بمساواة المواطنين أمام القانون في الحقوق والموجبات. من جانب آخر، إذا فتح المجال أمام أقليات الدول بأن تستعمل حقّ تقرير المصير متى أرادت، لأدّى ذلك إلى تشرذم الدول، وخلق كيانات هشّة، ليس لديها مقوّمات الاستقرار ما يهدّد الأمن والسلم الدوليين.
من هنا، وبغضّ النظر عما يستطيع أن يحتجّ به الكراد، في العراق أو غير العراق، أو غيرهم من أقليات تشكّل مكوّنات من شعوب دول ناشئة، معترف بها دولياً، ومنضوية في المنظمات الدولية، فإنه لا يحقّ لها بشكل منفرد، أيّ من دون التنسيق مع الحكومة الوطنية المركزية، أو من دون قرار دولي بذلك، لا يحقّ لها الإقدام على أية خطوة تهدف إلى الاستقلال بإقليم من أقاليم الدولة، وأيّ إجراء بهذا الخصوص لا يُعتّد به، ويُعتبر باطلأ. لقد أقدم الكراد رغم رفض الحكومة المركزية وصدور حكم من قبل المحكمة الدستورية العليا بالرفض.
إن ما حصل عليه الكراد من حكم ذاتي في إقليم كردستان، يعتبر بالمقاييس الدولية تنازلاً في غاية الأهمية من قبل الحكومة المركزية، أما السبب فهو أن أية مساحة من إقليم دولة قائمة مستقلّة وذات سيادة لا ينتمي إلى السكان الذين يعيشون عليه فقط بل لكل المواطنين الذين يتشاركون معهم الإقليم وثرواته، ويخضعون بالتساوي لنفس الحقوق والواجبات. ولتوضيح ذلك، فإن أيّ مواطن يحقّ له أن يتملّك ويسكن في أية بقعة يريد من أرض الوطن، كما يستفيد من مواردها مثله مثل أيّ فرد مقيم عليها.


الاستفتاء مفاعيله ومخاطره

استفتاء الشعب لمعرفة رأيه في تقرير مصيره هو آلية تعتمدها الأمم المتحدة للحدّ من النزاعات المسلحة، ولكن، وعلى افتراض أن الاستفتاء كان شرعياً بحيث أنه يجيب على شروط الاستفتاء، من حيث أن الفئة التي تطالب به هي مجموعة لم تكوّن دولة بعد، وأنها تمتلك كل العناصر اللازمة لذلك، من حيث عدد السكان، ومن حيث الإقليم الجغرافي الذي تمتلكه وحدها، ومن حيث تاريخ مميّز بتكوين كيان سياسي عبر التاريخ، وكيان اجتماعي له مشتراكاته اللغوية أو القومية، فإن الاستفتاء لا يكفي بحد ذاته لإقامة دولة جديدة مستقلّة. إن ذلك يحتاج إلى الاعتراف الدولي، والذي يتمّ من قبل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بالإضافة إلى منظمة الأمم المتحدة ذاتها، حيث أن هناك آلية موثّقة في ميثاق الأمم المتحدة، وهي تتم في الجمعية العامة ويفترض أن يتم التصويت على قبول دولة كعضو في الأمم المتحدة بأكثرية ثلثي الأصوات، لأن موضوع العضوية يعتبر من المسائل الهامة (بند 18 من، الفصل الخامس من الميثاق)، ولأن ذلك يترتّب عليه منح الدولة الناشئة شخصية دولية، وبالتالي حقوق ومسؤوليات دولية. إذاً لا يزال المشوار طويلاً أمام كردستان.
إن استفتاء كردستان-العراق من أجل الاستقلال واجه الرفض من قبل كامل المجتمع الدولي باستثناء إسرائيل. والرفض من قبل دول الجوار خاصة سوريا وإيران وتركيا، هو مفهوم وواضح، ويمكن تفسيره بالخشية من تشجيع الأقليات الكردية التي تشكّل جزءاً من مواطني تلك الدول على الاقتداء بما حصل في العراق. فالبنسبة إلى سوريا، يظهر أن استبسال الجبهة الديمقراطية الكردية في محاربة الميليشيات التكفيرية، هو بدافع أن يسفر انتصارها على تمكينها من الحصول على وضع خاص بالكراد في سوريا على منوال أكراد العراق.
أما بالنسبة إلى تركيا، فمشكلتها مع عشرين مليون كردي من سكانها معروفة، فالنظام التركي لن يسمح بذلك. أما بالنسبة إلى إيران، فإن افتراض امتداد تقرير المصير إلى أكرادها في إقليمها الشمالي، فإن ذلك لا يفقدها فقط الإقليم الذي يُقيم عليه الكراد، بل أيضاً يفصل عنها ما يُعرف بعربستان ذات الأكثرية السنّية الناطقة بالعربية. من هنا يظهر واضحاً كم أن محاولة استقلال كردستان العراق هي خطوة رئيسة في تحقيق مشروع تقسيم المنطقة على أساس عرقي ومذهبي.
أما بالنسبة إلى كل دول الجوار مجتمعة فإن إقامة دولة كردية على حدودها الشمالية تمتد من الخليج الفارسي إلى البحر المتوسّط، ستؤدي إلى فصلها عن بعضها البعض، وستكون مضطرة إلى العبور من خلال الأرض الكردية التي ستشكّل حاجزاً سياسياً وجغرافياّ. إن هذا الأمر يصبح خطراً جداً إذا اعتبرنا أن الكيان الكردي الذي سيُقام يكون متحالفاً مع الكيان الإسرائيلي المعادي لشعوب المنطقة. وهذا الأمر ليس غريباً إذا عرفنا أن مشروع تقسيم المنطقة على أساس عرقي ومذهي هو مشروع إسرائيلي-أميركي، وما الحروب القائمة في المنطقة إلا نتيجة لمحاولة تنفيذ ذلك المشروع الذي يستهدف تحقيق أهداف سياسية واستراتيجية واقتصادية كبرى في المنطقة.
إن المضيّ بإجراء الاستفتاء من قِبَل مسعود برزاني، رئيس السلطة المحلية في كردستان، رغم تحذير دول الجوار وأكثرية الدول الفاعلة على الصعيد الدولي والأمم المتحدة، يظهر بشكل واضح أن برزاني يعتمد في ذلك على عنصر قوة خفيّ يتمثّل بدعم وتشجيع من الإدارة الأميركية وإسرائيل، وهو لا يتردّد أن يظهر جانباً منه، حيث تسير السيارات في أربيل وهي ترفع العلم الإسرائيلي علناً إلى جانب العلم الكردي. أما القادة الصهاينه فيدعمون أيضاً علناً الخطوة الكردية نحو الاستقلال ويباركونها، ويطالبون بإقامة الدولة الكردية المستقلّة. أما في ما يتعلّق بالولايات المتحدة فإنها تخفي نواياها مسايرة للحكومة المركزية في العراق، وتتكلّم بشكل مبهم عن دعمها لذلك، فهي طلبت من برزاني أن يؤجّل الاستفتاء ولم تطلب منه إلغاءه.
إن إقدام برزاني على إجراء الاستفتاء حول استقلال الإقليم في هذه الظروف بالذات، حيث أن العراق لا زال في عزّ معركته لتطهير أرضه من داعش وغيرها من عصابات إرهابية، يُعدّ خذلاناً وطعناً في الظهر، واستغلالاً لوقت تكون فيه القوات العراقية مشغولة بأمور مصيرية أخرى.
إن السلطة المحلية قد كانت تتهيّأ لمثل تلك الخطوة، فسياسياً، وربما عسكرياً، بنت علاقات مع إسرائيل ومتّنت علاقاتها مع دول اعتبرت أنها ستساعدها في غرضها، واستندت إلى دعم الولايات المتحدة، المتأكّدة منه، والذي يظهر للعيان سواء في العراق أو في سوريا. أما اقتصادياً فإن هيمنتها على آبار النفط العراقي في الشمال والقيام بالتحكّم بحركة التصدير والتفرّد بجني الأرباح من جهة، واستغلالها لغزو داعش، وهيمنتها على آبار نفط كركوك، ومحاولة وضع اليد على ما يُسمّى المناطق المُتنازع عليها أو المختلف عليها مع الحكومة المركزية، لخير دليل على النوايا المُبيّتة لدى الأكراد.
إن مسألة الكراد هي في الحقيقة مشابهة لحال كثير من الشعوب أو مكوّنات منطقة الشرق الأوسط، أوغيرها من مناطق العالم التي جرى تشكيلها في دول، بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، من قبل أميركا والدول الأوروبية الكبرى، وقد كانت هذه التشكيلات ضدّ إرادتها، أو على الأقل لم تستشر لتقرّر مصيرها. غير أن هذه المكوّنات، قد اجتمعت في كيانات سياسية، سُميّت دول معترف بها دولياً، وتتمتّع بسيادة، وتقوم مبدئياً على المواطنة، أي مساواة جميع المواطنين أمام القانون. المفترض المطالبة بهذه المساواة والعدالة الاجتماعية، والنظر لجميع الناس من ناحية إنسانية وليس من ناحية عرقية أو مذهبية أو لغوية أو غيرها، وبالتالي التجاوز على مسألة الاستقلال لما فيها من تشرذم وإضعاف للدول. إن المكوّنات المتمايزة اجتماعياً بحكم تجمّعها البشري الأولي ليست سبباً في تأخّرها أو عدم وصولها لتحقيق العدالة. فسويسرا مثلاً تتكوّن من جماعات لا تجمعها لغة واحدة، ومع ذلك الجميع يعيشون في وئام ورخاء وسلام. إن منطقة الشرق الأوسط، مقارنة مع مناطق العالم، هي من أكثر المناطق التي تتعايش فيها المكوّنات البشرية أو تتقارب في التاريخ والتطلّعات الإنسانية والمصير المشترك، لذلك فإن السعي إلى التوحّد والتنسيق بين مختلف المكوّنات هو أفضل من التقسيم الذي يؤدّي إلى الإضعاف والتنازع. إن أقصى ما يمكن أن تسعى إليه المكوّنات هو نوع من اللامركزية الإدارية، في ظلّ حكم ديمقراطي عادل.