صاروخ كوري يفرض معادلة جديدة هل يهرب ترامب "للأمام" بافتعال مواجهة؟

ينتشر بين المُراقبين "خيار" لجوء الرئيس دونالد ترامب لتوتير الأوضاع مع كوريا الشمالية وافتعال مواجهة قد تفضي إلى اندلاع حرب عسكرية معها، اتساقاً مع سعيه للهروب من استحقاقات المرحلة بصرفه الأنظار عن تفاقم الأزمات التي تقترب من شخصه خلال ملاحقة كبار مساعديه قضائياً. في هذا السياق ليس مستبعداً اللجوء من قِبَله لتوتير الأوضاع العالمية، مع عدم ترجيح توجيه ضربة عسكرية "استباقية" لبيونغ يانغ، أو تصعيد نهج التخريب في منشآتها كما حدث للبرنامج النووي الإيراني.

صاروخ كوري يفرض معادلة جديدة هل يهرب ترامب "للأمام" بافتعال مواجهة؟

أثناء كتابة هذا التقرير، انتشر بين المُراقبين "خيار" لجوء الرئيس دونالد ترامب لتوتير الأوضاع وافتعال مواجهة قد تفضي إلى اندلاع حرب عسكرية مع كوريا الشمالية، اتساقاً مع سعيه للهروب من استحقاقات المرحلة بصرفه الأنظار عن تفاقم الأزمات التي تقترب من شخصه خلال ملاحقة كبار مساعديه قضائياً. في هذا السياق ليس مستبعداً اللجوء من قِبَله لتوتير الأوضاع العالمية، مع عدم ترجيح توجيه ضربة عسكرية "استباقية" لبيونغ يانغ، أو تصعيد نهج التخريب في منشآتها كما حدث للبرنامج النووي الإيراني.

حافظت الولايات المتحدة على سرديّتها المشهورة منذ 75 عاماً بأن سلاحها وترسانتها النووية "ضرورية للحفاظ على أمنها ومصالحها". وعلى الرغم من محاولات متعدّدة لعقد تفاهمات بين بيونغ يانغ وواشنطن تفضي للقضاء على لغة التهديد بين البلدين، إلاّ أن الأخيرة التزمت فقط بانتهاك تعهّدات قطعتها كلما لاحت لها الفرصة: الاتفاقيات الطويلة مع السكان الأصليين؛ التعهّدات مع الزعيم الليبي معمّر القذافي ..إلخ.

مضت فترة "هدوء نسبي" شارفت على نحو 60 يوماً بين التجربة الأخيرة لكوريا الشمالية وسابقتها، ما أنعش آمالاً بنجاح الجهود الدبلوماسية بين البلدين. بيْدَ أنها سرعان ما تبخّرت وأطلقت كوريا الشمالية تجربة على صاروخ باليستي متطوّر.

في الحسابات العسكرية الأميركية، حلّق الصاروخ الكوري الباليستي "هواسونغ-15"، على ارتفاع شاهق لنحو 4,475 كلم، بما يُعادل عشرة أضعاف مدار محطة الفضاء الدولية؛ قاطعاً مسافة 950 كلم طولية؛ وتم حسب مسافة مساره بنحو 13,000 كلم (8،100 ميل)، تكفي لاستهداف العاصمة واشنطن، ومنها إلى باقي المدن الأميركية الرئيسة. ووفق بيانات "اتحاد العلماء المعنيين"  الأميركي الرصين فإن المدى الجديد للتقنية الكورية يغطي معظم الكرة الأرضية وهي محمّلة برؤوس نووية "باستثناء أميركا الجنوبية والقطب المتجمّد الجنوبي". 

وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، وافق على سرديّة بيونغ يانغ لناحية قوّة ومدى الصاروخ قائلاً "بصراحة كان (مداه) أعلى من الصواريخ التي سبقته .. كوريا الشمالية تمثّل تهديداً عالمياً". 

عنصر المفاجأة لم يغب عن المؤسّسة العسكرية والسياسية الأميركية لناحية فشل عدد من التجارب الكورية السابقة، جلّها متوسّطة المدى – بضع مئات من الكيلومترات، أسفرت عن تشكّل شبه إجماع بأن الولايات المتحدة "نجحت في تخريب تلك التجارب" بوسائل متعدّدة أبرزها تشويش الكتروني وتزويد البرنامج بمعدّات مستوردة أقل جودة وفاعلية من المطلوب.

ردود أفعال الولايات المتحدة وحلفائها في منطقة بحر اليابان سلّطت على إظهار القوّة العسكرية الصرفة، بالقرب من سواحل كوريا الشمالية؛ مناورات عسكرية عاجلة أجرتها كوريا الجنوبية. بيد أن الإقرار بنجاح إطلاق الصاروخ وتحليقه لأكثر من 50 دقيقة له دلالاته أيضاً، منها أن النموذج الجديد "هواسونغ – تيّمناً بكوكب المرّيخ" كان متطوّراً عن أسلافه  وبوسعه "حمْل رؤوس حربية ثقيلة".  بل وصفته يومية ديفينس وان، Defense One، بأنه "مُذهل وجدير بالإعجاب" من الناحية التقنية الصرفة.

الجناح الواقعي في المؤسسة الأميركية الحاكِمة ممثلاً بوزارة الخارجية شدّد على "بقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة، حتى الآن"،  جسّدها توجّه واشنطن للأمم المتحدة لاستصدار قرارات أممية بالمقاطعة التدريجية والشاملة للمؤسّسات والهيئات التي تتعامل مع بيونغ يانغ. بالمقابل شهد العالم تصريحات عنترية هدّدت بأن "كافة الخيارات مطروحة، بما فيها السبل العسكرية" ترجمة لنوايا واشنطن المُعلنة بضرورة تخلّي كوريا الشمالية عن برنامجها الصاروخي والنووي طوعياً.


هل تخطّت كوريا عتبة النووي

الخبراء والأخصائيون في الجانبين، الأميركي والكوري الشمالي، يمضون في مسارات متوازية لحسم الجدل حول القدرة على تحميل الصاروخ الباليستي رؤوساً نووية ونموذجها المتطوّر بالنووي الحراري.
 
الأخصائيون الأميركيون لفتوا النظر إلى إطلاق بيونغ يانغ صاروخها الجديد في ساعات متأخّرة من الليل "لمُحاكاة الظروف العملياتية التي سوف تستخدمها كوريا الشمالية فعلياً في سيناريوهات حربية .. وربما استخدمت منصّة إطلاق متحرّكة ليصبح استهدافها شبه مستحيل من قِبَل الولايات المتحدة أو التهديد بقصف موقع الإطلاق." وأضافوا أن بيونغ يانغ أثبتت قدرتها على "إجراء تجارب مفاجئة ومستقلّة عن الظروف الجوية".
 
التحدّي الآخر أمام جهود التثبّت الأميركية هو الوقود السائل الذي شغّل محرّكات الصاروخ، والأقل فاعلية، ما يعني بلغة العِلْم أن الوقود تم تحريكه من مخزونه إلى منصّة الإطلاق وتزويد المحرّكات بالطاقة اللازمة. استخدام الوقود السائل، نظرياً، يوفّر للولايات المتحدة فرصة زمنية قصيرة لاستشعار الإطلاق واستهداف المنصّة على الفور – كلٌّ وفق السرديّة الأميركية.
 
المصادر العسكرية الأميركية أكّدت تحليق "طائرات أميركية" للتجسّس في الأجواء القريبة خلال إطلاق الصاروخ الكوري، من طراز RC-135S Cobra Ball، والتزمت الحذر قبل الإفراج عن معلومات مفيدة، كما جاء في نشرة مختّصة بشؤون الطيران ذي آفياشينست The Aviationist، 28 نوفمبر.
 
واكتفى البنتاغون بالقول "رصدنا إطلاقاً مُحتمَلاً لصاروخ من كوريا الشمالية. نحن منخرطون في تقييم الوضع وسنقدّم مزيداً من التفاصيل حين توافرها".
 
في الجانب المُعتم من المعلومات التقنية الموثّقة، بالنسبة لواشنطن، عدم التيقّن الصارِم من المدى الذي بلغته كوريا الشمالية عقب تجربتها الناجحة في تفجير قنبلة هيدروجينية إن أضحى بمتناولها تطويع التقنية ونصبها على الصاروخ الباليستي، هواسونغ-15. فضلاً عن شحّ البيانات المُتداولة للتأكّد من نجاح كوريا في التغلّب على المعوقات الفيزيائية ودرجات الحرارة العالية التي ترافق جسم الصاروخ في طريق عودته إلى الغلاف الجوّي للكرة الأرضية.
 
وعلى ذات المستوى من الأهمية امتلاك التقنية المتطوّرة لأجهزة توجيه باستطاعتها التحكّم الدقيق بالرأس الحربي وإيصاله إلى هدفة على مسافات بعيدة تصل لبضع آلاف الأكيلومترات. قرار كوريا الشمالية إسقاط الصاروخ الباليستي في مياه المحيط الهاديء يُعقّد جهود الجانب الأميركي وحلفائه للتعرّف على مكوّناته وقياس مدى دقّته، ومن ثم البناء على ذلك من استنتاجات ثابتة بقدرة الصاروخ "المقبل على استهداف المدن الأميركية".
 
الرسالة الكورية الحقيقية لم تغب عن بال المؤسّسة الحاكِمة الأميركية، بأنها ستنقل الحرب إلى الأراضي الأميركية في حال شعورها بحتميّة التهديد الأميركي. صنّاع القرار السياسي الأميركي تملّكهم الحرص الشديد على خوض المعارك والحروب في مناطق بعيدة عن السواحل الأميركية. والآن هي أمام مواجهة حقيقية جديدة في المعادلات الدولية: أصبحت كوريا الشمالية دولة نووية بصرف النظر عن التهديدات والرغبات الأميركية.
 
 الزعيم الكوري علّق مبتهجاً لما توصّلت إليه بلاده بالقول ".. أخيراً حقّقنا حلمنا التاريخي بامتلاك القدرة النووية"، لردع الولايات المتحدة والحيلولة دون إقدامها على الإطاحة وتغيير النظام. وعليه، امتلكت بلاده سلاحاً متطوّراً لن يكون بوسع واشنطن تجاهله بعد الآن، كما يعتقد التيار الواقعي في السياسة الأميركية. وأضافت ديفينس وان  أن نجاح التجربة الأخيرة سيحفّز بيونغ يانغ على الاستمرار في تطوير برنامجها الصاروخي والنووي "لبلوغ مرحلة متقدّمة تستطيع تهديد الولايات المتحدة،" مستطردة أن ذلك "لا يعود لرغبة كوريا الشمالية افتعال حرب نووية، بل لحرصها على امتلاك قدرة ردع الولايات المتحدة".


الخيارات المتوافرة

منذ الأيام الأولى لتوليّ الرئيس ترامب مهام منصبه وهو يكثر من خطاب التهديد بأنه سيقضي على "برامج كوريا الشمالية وينزع سلاحها بالكامل." وتداول مستشاروه السُبل المُتاحة لتحقيق ذلك بالتشديد على "عدم تمكين كوريا الشمالية من اقتناء سلاح نووي تهدّد به الولايات المتحدة ". بعض أركان الإدارة كان على قناعة ثابتة بأن بيونغ يانغ ستلجأ لنزع سلاحها طواعية، يقابله إفراط بنيّة استخدام القوّة العسكرية بما فيها السلاح النووي لتحقيق ذلك.

نُعيد إلى الأذهان التهديد الشهير للرئيس ترامب، 20 آب الماضي، بأنه مُقدِم على قصف كوريا الشمالية "كردّ على مجرّد الشعور بتهديدها" بلاده، ومحوها عن الخريطة بعد إحراقها "بالغضب واللّهب."

على جانب كوريا الشمالية، يُشار إلى أن منصّاتها ومنشآتها النووية وبنيتها التحتية منتشرة على رقعة واسعة من أراضيها، ما يتيح لها الرّد بالمثل إن تعرّضت للعدوان حتى ولو خرج بعض مواقعها من الخدمة بفعل القصف.

الخيار الأميركي المتداول أيضاً هو باستهداف هرم القيادة الكورية وعلى رأسها شخص الرئيس كيم جونغ إيل. من المعروف أن الأخير دائم الحركة للحد من فعالية محاولات اغتياله.

قد تلجأ واشنطن للمراهنة على شقّ صفوف القوات العسكرية ودفعها لتنفيذ انقلاب على السلطة المركزية. بيد أن الأمر لا يغب عن بال الزعيم الكوري الذي لجأ "لاعتقال وإعدام بعض الجنرالات المُتورّطين،" تربطه ببعضهم قرابة عائلية.

نُعيد إلى الأذهان بعضاً مما جاء في شهادة المرشّح لتوليّ منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، مايك بومبيو، أمام الكونغرس في تموز الماضي، إذ قال في سياق تغيير النظام ".. شعب كوريا الشمالية، أنا على يقين أنه يتطلّع بشوق لرؤية غيابه أيضاً " وأضاف ".. في ما يخصّ مستقبل النظام، يحدوني الأمل بأننا سنجد طريقة للفصل بين الحُكم والنظام".

أما الخيار "الاستباقي" باستهداف وإسقاط صاروخ كوري شمالي خلال مرحلة التحليق فقد أدركته القيادة الكورية مبكراً ، وحرصت على إطلاقه من ساحلها الغربي للحفاظ على مسار تحليقه فوق الأراضي والمياه الكورية، تفادياً لمحاولة اعتراض وإسقاط أميركية فوق الأجواء الاقليمية والذي سيُعتبر استفزازاً متعمّداً من قِبَل واشنطن ومن أعمال الحروب العدوانية، ويستدعي الرد.

في الجانب العمليّاتي الصرف، تتوارد تصريحات خبراء وأخصائيين أميركيين في المجال الصاروخي والنووي ، محذّرة من الإفراط في تهديد الساسة بقدرة التقنية المتوافرة على التصدّي وإسقاط تقنية باليستية، مشدّدين على أن التجارب الميدانية لم تأتِ بنتائج مُطمئنة في هذا المجال؛ واستمرار المراهنة عليها ينطوي على قدر كبير من التبسيط والفشل وما سينجم عنه من تهديد الهيبة الأميركية على المدى الطويل.

أمام هذا المشهد بالغ الحساسية يعتقد المراقبون الأميركيون أن التهديد الأميركي الثابت بشنّ حرب على كوريا الشمالية ، يرمي إلى "تعزيز الفرص لإقدام الزعيم الكوري على ارتكاب خطأً في الحسابات والبدء بالحرب"..  وأضاف أولئك لنشرة ديفينس وان أن المراهنة الأميركية على منع كوريا من امتلاك التقنية النووية بكافة مراحلها "قد عفى عنها الزمن منذ سنوات بعيدة".

التيار السياسي الواقعي في الداخل الأميركي، مرة أخرى، يرى مخاطر وأهوال حرب قادِمة، ليس في البُعد الإنساني وضحاياه فحسب، بل لتداعياته على الاقتصاد الأميركي ومن ثم ما قد يتعرّض له حلفاء واشنطن من تدمير في البنية الصناعية الهائلة في كل من اليابان وكوريا الجنوبية.

أما الحل الأمثل، بنظر هؤلاء، فيتمثّل بتنّبي "الرئيس ترامب استراتيجية خاصة بكوريا الشمالية تعترف فيها بقدرة الأخيرة على تهديد الأراضي الأميركية، والبناء عليها لاحتوائها وردع تجلّياتها المدمّرة." واستطرد هؤلاء أن من شأن سياسة بهذا الاتجاه "إعادة الطمأنينة لحلفاء أميركا في الاقليم، والحدّ من انتشار التسلّح، طمعاً في الوصول لمرحلة تسيّد العامل الدبلوماسي للحدّ من برامج كوريا الشمالية".

مراهنة الولايات المتحدة على دقّ إسفين بين الصين وروسيا من ناحية، وبينهما وبين كوريا الشمالية، في سياق تجسيد "سياسة فرِّق تسُد" أنعشت آمالاً غير حقيقية في واشنطن لمُفاضلة الصين وإيلاء بعض المهام الدبلوماسية لها.

أما الصين فلها رأي مُغاير أفصحت عنه عبر يوميّتها باللغة الإنكليزية غلوبال تايمز، 30 نوفمبر، بالقول "ينبغي الإقرار بأن السياسة الخارجية الأميركية نحو كوريا الشمالية لم يسفر عنها سوى فشل ذريع".