عز الدين المناصرة

من كبار مفكري وشعراء الثورة الفلسطينية

العودة إلى أي دولة في فلسطين؟

ليس أمام الشعب الفلسطيني العظيم سوى إعلان (العصيان المدني) ضد الاحتلال بعد تفكيك السلطة الحالية، وإعلان المقاومة الشعبية، والمسلحة بكافة أشكالها، لأن دولة الاحتلال الإسرائيلي، لن تفكّك نفسها بنفسها كما فعل (دوكليرك) – (نيلسون مانديلا) في جنوب أفريقيا.

أي نظام أو اقتراح يضع تعارضاً بين (فلسطين – العروبة) مصيره الفشل

يجمع الباحثون على أن فكرة الدولة الواحدة، أو الدولة ثنائية القومية، أو (الفدرالية الإسرائيلية – الفلسطينية)، أو غيرها من المُسمّيات، هي فكرة يهودية صهيونية إسرائيلية أصلاً، طُرِحت في عام 1925 من قِبَل جماعة "حلف السلام الصهيونية"، ومن الرموز الصهيونية الداعية إلى فكرة الدولة الواحدة: آرثر روبين، يهودا ماغنيس، مارتن بوبر، الياهو سابير، يتسحاق إبشتاين، يوسف لوريا، نسيم ملول، الحاخام بنيامين، يوسف أوسيشكين: وكان روبين أوّل من تكلّم بصراحة عن أرض إسرائيل دولة لقوميّتين، كما يقول أسعد غانم. أما صقر أبو فخر، فيقول: "تجاوبت بعض النخب الفلسطينية مع هذه الفكرة مبكّراً، ودعت إلى تقسيم فلسطين إلى ثلاث مقاطعات: يهودية وعربية ومختلطة، أو إلى مقاطعتين: عربية ويهودية: اقترح أحمد سامح الخالدي على الوكالة اليهودية عام 1933 تقسيم فلسطين إلى كانتونين، ووجّه رسالة بهذا المعنى إلى يهودا ماغنيس، بتاريخ 23/7/1934. وأرسل موسى العلمي في أيلول 1933 تقريراً إلى دائرة المُستعمرات في لندن يقترح تكوين مقاطعة يهودية في فلسطين تمتد من تل أبيب إلى عتليت. واقترح جورج أنطونيوس في رسالة إلى دافيد بن غوريون (نيسان/ أبريل 1936)، أن يهاجر اليهود إلى سوريا الكبرى بدلاً من فكرة الوطن القومي اليهودي، وأن يُعطى اليهود، مقاطعة في السهل الساحلي الفلسطيني تكون مشمولة في الاتحاد السوري، وتكون فلسطين مركزاً روحياً وسياسياً لليهود. وأسّس فوزي درويش الحسيني، "منظمة فلسطين الجديدة"، التي كانت على علاقة وطيدة ب"عصبة التفاهم العربي - اليهودي"، التي أسّسها رابي بنيامين. وفي 9/10/1937، أذاع ألبرت هايمسون، والجنرال نيوكمب، خطة تنصّ على ما يلي:

  1. قيام دولة فلسطينية ذات سيادة ومستقلة عن الانتداب.
  2. يتمتّع اليهود والعرب بالحُكم الذاتي في شؤونهم الخاصة، وبحقوق متساوية في الشؤون العامة.
  3. يجب ألا يتجاوز عدد اليهود في فلسطين وشرق الأردن (50%) من عدد السكان في أية حال من الأحوال.

أما المفتي الحاج أمين الحسيني، فقد قدّم في 12/1/1938، كذلك نوري السعيد، في 6/2/1938 – خطّة تُماثل تماماً خطة هايمسون – نيوكمب. ويُضيف صقر أبو فخر، بأن الدولة ثنائية القومية تختلف جوهرياً عن فكرة الدولة الديمقراطية، التي طرحتها حركة فتح عام 1968. فالدولة الثنائية القومية تعني وجود مجتمعين منفصلين إثنياً وثقافياً، لكن في إطار دولة واحدة. وفي هذه الدولة: إما أن تتولّى الأغلبية حُكم الدولة، على أن تتمتع الأقلية بحقوق الأقلية، أو أن يجنح حُكم الأكثرية إلى نوع من الدولة العنصرية، حيث لا تتمتّع الأقلية بحقوق متساوية لمواطنيها مع حقوق الأغلبية. لهذا لابد من قيام نظام سياسي توافقي – (صقر أبو فخر: جريدة القدس العربي، لندن، 21/8/2006). ويقول أسعد غانم، بأن النخبة اليهودية عام 1925 دعت إلى النظر إلى الأغلبية العربية، خصوصاً المسلمة، على أنها ليست معادية لليهود والصهيونية، على عكس الأقلية المسيحية، التي كانت معادية لليهود وللمشروع اليهودي. وبالتالي، فإن العرب مستعدّون للتفكير في ضمّ الجماعتين (اليهودية والعربية) في إطار سياسي واحد. وتجمّعت فكرة الدولة ثنائية القومية في عصبة السلام (بريت شالوم) التي أسّسها آرثر روبينعام 1925. وعالج دافيد بن غوريون، الموضوع في أوائل الثلاثينات، مُعلناً أن الدولة التي ستُقام تستلزم الحفاظ على توازن بين اليهود والعرب، بحيث لا يحكم العرب اليهود، ولا يحكم اليهود العرب. وقد تبنّى هذا الموقف حزب مباي، (1931). أما الحركة الوطنية الفلسطينية فقد رفضت فكرة الدولة ثنائية القومية من أساسها، لأنها كانت تشعر بالظلم حين تشاركها الحركة الصهيونية في وطنها.

حتى الآن، نحن أمام عناوين، وشعارات غائمة، فما يتعلّق بالتاريخ (جماعة بريت شالوم، 1925)، حيث نشير إلى أن هذه المجموعة، كانت غير مؤثرة، تمتلك طابعاً فردياً، لم يتحوّل إلى ظاهرة صهيونية كبرى، أو لم تصبح تياراً رئيساً في الحركة الصهيونية الصاعدة بأفكار وعد بلفور، الذي اعتبر السكان الأصليين، مجرّد أقليات، وهو ما كان يخالف الحقيقة والواقع. لقد كانت الحركة الصهيونية آنذاك (1925)، مرتبكة وخائفة من عدم تحقيق مشروعها وهو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، لهذا طرحت فكرة الدولة ثنائية القومية بشكل غائم وملتبس، وتجاهلت أنها حركة استيطانية استعمارية جاءت لتحتل أرض الغير. أما بن غوريون الثلاثينات، فهو غير بن غوريون عام 1948، مخطّط وراعي "الخطة دالِت الشهيرة" لارتكاب مذابح ضد الفلسطينيين من أجل تهجيرهم. وهكذا كانت الدعوة إلى التوازن بين العرب واليهود، التي يستشهد بها على أنها فكرة سلامية، لم تكن تحمل سوى معنى "التطهير العرقي والتهجير" من أجل إقامة هذا التوازن الوهمي.

إنَّ أي نظام أو اقتراح يضع تعارضاً بين فلسطين – العروبة، التي هي العنصر الطبيعي في الهوية الفلسطينية، بل هو أوضحها، ليقيم هوية جديدة وهمية للفلسطينيين هي: "فلسطين - التأسرل"، مصير هذا الاقتراح هو الفشل. لأنَّ الباحث عندئذ يستبدل عنصراً طبيعياً في الهوية، بعنصر افتراضي صناعي، لا مستقبل له. وهنا وقع الباحث تحت تأثير درجة "التأسرل" في فلسطين – 48، وقد اعترف عزمي بشارة، بتصاعد هذه "الأسرلة"، وحذَّر منها. لا انفكاك بين فلسطين والعروبة، ولا انفكاك بين فلسطين والجذر الكنعاني الفلسطيني. أما الانتماء لكيان جديد هو الدولة ثنائية القومية، فهو يفترض تفكيك دولة إسرائيل مع الاعتراف بواقعية وجود إسرائيليين كجزء من هذا الكيان الجديد، لكنّه، أي الباحث، يحذف تماماً الرغبة الحقيقية للشعب الفلسطيني في إقامة "دولة فلسطين الديمقراطية" على كامل التراب الفلسطيني، وهذا هو الحل العادل، وليست كما يرى الباحث، مجرّد رغبة لجبهة الرفض الفلسطينية.

 أي حلّ يتجاهل قضية لاجئي 48 و67 مصيره الفشل. أما القول بأن المسألة تقنية، فالرد واضح، هناك إمكانية واقعية لعودة اللاجئين حتى إلى منطقة – 48 التي تُسمّى حالياً "إسرائيل"، حسب أطروحة سلمان أبو ستة، وهي أطروحة مدروسة ومتقنة، لو أرادت إسرائيل.


حين تبحث الضحية عن حلول لمأزق الجلاَّد

(الحلُّ العادل كما هو معروف، أن تفكّك دولة الاحتلال نفسها حتى تستطيع حماية البشر الذين ينتمون إليها، أو يقوم أصحاب الأرض الأصليين بتفكيكها، بعيداً عن مفهوم الاستطاعة من عدمها. وفي حال العجز، يستطيع "الأصلي"، نبذ ومقاطعة وعزل دولة الاحتلال، بكل أشكال المقاومة حتى يرجّح ميزان القوى لصالحه في لحظة زمنية تاريخية قد تأتي في المدى المنظور أو المدى البعيد. عدم الاعتراف بشرعية دولة الاحتلال، هو ورقة المقاومة الممكنة في كل زمان، حتى في زمن الضعف، لأنَّ النقطة المركزية في ضعف دولة الاحتلال، هي في عدم حصولها على الشرعية من أبناء الأرض الأصليين.

لكن شريحة فلسطينية من المثقفين السياسيين، لم تشارك في الثورة الفلسطينية المعاصرة، (1964–1994)، أو كانت على هامشها تأثرت بالأفكار المتأسرلة والمتأمركة، أصبحت تؤمن أنَّ إسرائيل، حقيقة واقعية على الأرض، ولا بد من الاعتراف بها، والتحاور معها للوصول إلى ما يُسمّى "الحل الوسط"، بعيداً عن فكرة العدالة، والحل العادل. فبدأت هذه الشريحة المثقفة التي لا تمتلك رصيداً شعبياً، تبحث عن حلول لمأزق الجلاَّد، مُدّعية أنَّ هذه الحلول، ستكون لمصلحة الأصلي أيضاً. كما أن هناك شريحة مُتأسرلة في فلسطين – 48، ترى قوة إسرائيل الفعلية كل يوم على أنها حقيقة أبدية، وبالتالي طرحت ضرورة التكيّف التدريجي معها، انطلاقاً من حال التحوّل من مرحلة كره الجلّاد إلى حال عشق الجلّاد والإعجاب بقوّته. لكن الجلّاد يعترف في أعماق نفسه أن "الأصلي" يمتلك ورقة قوية هي عدم الاعتراف بشرعية الجلّاد، لا في "دولتين"، ولا في التشارك معه في "دولة واحدة". هناك منهجية، مارستها الحركة الوطنية الفلسطينية، أسمّيها: "منهجية التنازل التدريجي"، منذ عام 1974 في "برنامج النقاط، العشر"، ورغم أنَّ هذا البرنامج لم يعترف بشرعية دولة إسرائيل، ولم يعترف بالقرار 242، ولم يلغ ممارسة الكفاح المسلح، إلاَّ أنه أقرّ بفكرة "المرحلية"، التي كانت تعني "تحرير أي جزء من أرض فلسطين، وإقامة سلطة وطنية فلسطينية مقاتلة مسلحة على هذا الجزء"، ومعنى ذلك أنَّ تحرير الضفة وقطاع غزّة والقدس الشرقية، هو مرحلة من مراحل تحرير فلسطين التاريخية، بل لم يحدّد برنامج النقاط العشر جغرافياً هذه السلطة ولو نظرياً، لكن ما وراء النصّ أو "المسكوت عنه" في النصّ كان واضحاً.

ورغم ضجيج "جبهة الرفض"، آنذاك، إلا أنها وافقت عليه عام 1977. لكن الأمر ظلَّ موضوعاً نظرياً لصراع النصوص الفلسطينية، حتى جاء عام 1988 حين أقرّ المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، الاعتراف بالقرار 181: قرار التقسيم، والقرار 242: إزالة آثار عدوان 1967. وكانت هذه هي الخطوة الأولى العملية، التي ساهمت في دخول منظمة التحرير في مؤتمر مدريد، 1991، المشكلة هي الاعتراف بالقرار 242 من دون مقابل.

هذا الاستعجال غير المدروس، كان ثمنه رفع صفة الإرهاب عن المنظمة من قِبَل الولايات المتحدة، وهو ثمن بخس. فالقادة الإسرائيليون الذين فاوضوا في مؤتمر مدريد، هم قادة موصومون عالمياً بالإرهاب تاريخياً، بل كانت وما تزال دولة إسرائيل، هي منبع ونموذج للإرهاب. ثمَّ جاءت بعد (لجزائر، مدريد، خطوة "التنازل الاستراتيجي" في اتفاق أوسلو، التي كان ثمنها تأسيس سلطة تحت الاحتلال في الضفة وغزّة. أدّى اتفاق أوسلو إلى تجاهل فلسطين – 48، بل تجاهل الشعب الفلسطيني، الذي يعيش في مخيمات الشتات.

وهكذا استغلّت شريحة "التأسرل" الثقافية الفلسطينية في فلسطين 48، وفي الشتات، التي تلاقت مع أفكار أوسلو باعتباره حلاً مرحلياً، لتعمّم فكرة التأسرل على فلسطين التاريخية. ويجب أن نتذكر أنَّ "تيار التأسرل الفلسطيني"، هو نفسه الذي شجّع منظمة التحرير الفلسطينية على الدخول في مفاوضات مدريد، وهو نفسه الذي شارك في مفاوضات مدريد وأوسلو واتفاقاتها قبل إعلان المبادئ، وبعد الإعلان، وشاركوا عرفات في اقتسام الكعكة المسمومة (السلطة) في الضفة والقطاع.

ولكن عندما أدرك هذا التيار الانتهازي، أن فشل مفاوضات كامب ديفيد، واندلاع الانتفاضة الثانية المسلحة، (2000)، سيؤدّي حتماً إلى نهاية أوسلو العملية، وليست القانونية، بدأوا بالتفتيش عن لعبة سحرية استخرجوها من جراب الحاوي، وهي لعبة يهودية صهيونية قديمة (1952) تُدعى: "الدولة الإسرائيلية الفلسطينية الواحدة"، وقالوا بأن أوسلو هو الخطوة الأولى فيها، تقوم فكرتها الأساسية على الحل الديموغرافي، فهي فكرة "سماوية"!! ميتافيزيقية، تعتمد على ما أسمّيه: التلقائية الديموغرافية: حسب هؤلاء: لا داعي لمقاومة الاحتلال، لأنه أمر واقع لا مفر منه، والمطلوب هو التكيّف مع الاحتلال تدريجاً، والاندماج التدريجي في "التأسرل"، وذلك بالاعتراف الواقعي بشرعية وطبيعية دولة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين التاريخية، عندئذ، ستجدون أنّ عدد السكان المتكافئ يميل لصالح الفلسطينيين، وفجأة ستجدون أن إسرائيل شريك طبيعي في دولة واحدة ثنائية القومية، أو "ثلاثية الدين". هذا الحل السماوي الميتافيزيقي الطوباوي لا يحتاج إلى مقاومة ولا إلى حروب، حسب أنصاره ومروّجيه، وما علينا سوى مزيد من "الخطوات التطبيعية والتعايش" حسب إدوار سعيد، والابتعاد عن العروبة وأفكار الوحدة العربية، حسب أسعد غانم، والاعتراف بأن نصف الأرض للإسرائيليين، ونصفها الآخر للفلسطينيين، حسب محمود درويش. هكذا نعيش معاً عرباً ويهوداً على أرض فلسطين في ثبات ونبات، ونخلّف صبياناً وبنات!


(جدلية السيّد – العبد) رش السكَّر على الموت:

بدلاً من "الصراع حتى الموت"، كما هي الحال في "مشروع الدولة الفلسطينية الديمقراطية"، الذي اقترحته منظمة التحرير الفلسطينية 1968، يقترح علينا رائف زريق، الجدلية الهيغلية: "جدلية السيّد – العبد"، وهو كمن يرشّ على الموت سكَّراً، يُعدد لنا مزايا هذه الجدلية على النحو التالي: حلُّ الدولة الواحدة، هو السبيل "المُتاح" الأفضل لإبقاء المسألة الفلسطينية حيّة، ولأنه يركّز على الحقوق الفردية والمدنية، لا على تقرير المصير القومي. وتتمثّل جاذبية حل الدولة الواحدة في كونه يقلب الضعف الفلسطيني إلى قوّة، ويُقيّد القوّة الإسرائيلية. كما يتيح للفلسطينيين خطة وأجندة وأفق كفاح. وهذا ما يقرب الفلسطينيين من "جدلية السيّد – العبد". وتكمن قوّة "العبد" في أن استسلامه للسيّد يشكّل تقييداً لقوّة السيّد، لأن قوّة السيّد تقتضي مقاومة تواجهها كي تفعل نفسها.

أولاً: يستبدل رائف زريق، حق تقرير المصير الفلسطيني، بما أسماه "الحلّ المُتاح"، وهو الدولة الواحدة الإسرائيلية - الفلسطينية، فإذا كان (حل الدولتين مستحيلاً، فكيف يكون حل الدولة الواحدة واقعياً. والصحيح أننا سنصبح بين مستحيلين، بحُكم توسّع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية (فلسطين الوسطى). عملياً: هناك دولة إسرائيلية محتلة لكامل فلسطين الانتدابية، وشعب تحت الاحتلال، داخل الخط الأخضر وخارجه. فالوصول إلى "الدولة الواحدة يعني تفكيك دولة إسرائيل كدولة استعمارية استيطانية عنصرية، وليس تفكيك عنصريّتها فقط، أي أن الضرورة تقتضي العودة إلى مشروع "الدولة الفلسطينية الديمقراطية" الذي هو الحل العادل، الذي يعترف بشرعية الطائفة اليهودية الفلسطينية (7%)، لكنه لا يعترف بالغزاة القادمين من روسيا وأوروبا، وأميركا، لأنهم غُزاة. إذن، هدف مشروع "الدولة الواحدة" عند أنصارها، هو "عفى االله عما مضى"، لأنَّ "دولة إسرائيل" أصبحت أمراً واقعاً، وهذا المقتل الأساسي لحل الدولة الواحدة.

ثانياً: الدولة الواحدة، فكرة طوباوية غير واقعية، أداة تحقيقها السلمية "الإقناع والحوار، حركة الحقوق المدنية" هذه الأساليب غير قادرة على تحقيقها، بل تجعلها مستحيلة التحقّق، ما دامت هذه الأدوات "الكفاحية" لا ترقى حتى إلى تحرير مؤسّسة واحدة. وقد استخدمتها وما تزال جماعة أوسلو "حل الدولتين" من دون جدوى. ولم تستطع هذه الأساليب السلمية منع إسرائيل من قصف "تظاهرات سلمية" في قطاع غزّة. كما لم تمنعها من قتل نُشطاء عالميين في "أسطول الحرية". كما لم تمنعها تظاهرات نشطاء حق العودة على الحدود اللبنانية – السورية في (15/5/2011)، و(5/6/2011) من إطلاق النار على التظاهرات الرمزية السلمية، وقتل العشرات من الشباب غير المسلّحين. بل لم تستطع كل (التظاهرات العالمية) ضد الحرب على غزّة أنَّ تزحزح إسرائيل قيد أنملة عن قتل الأطفال وتدمير البيوت واغتيال المدنيين بواسطة الطائرات. فكيف يمكن (تحييد القوّة العسكرية الإسرائيلية) بالتظاهرات والنشاطات السلمية، والاحتجاجات، والبيانات، و"الأنجزة"، وحركات الحقوق المدنية على أهمية النضال السلمي في حركة النضال الشاملة.

ثالثاً: يعتمد أنصار "الدولة الواحدة" على فكرة موت أوسلو، وفكرة عدم جدوى "الصراع حتى الموت" في مشروع الدولة الديمقراطية الفلسطينية، أي أنهم يقيمون ذرائعهم لطرح نظرية الدولة الواحدة على الفشل، وهي النقطة المركزية في دفاعاتهم عن نظرية افتراضية نرى ملامح مقتلها في مشروع أوسلو نفسه، لأنهم يقرّون أن "التشابُك الواقعي" في الضفة الغربية، بل داخل الخط الأخضر بين العرب واليهود، أعلن فشله، أليس هذا "الفشل" هو النموذج المُصغّر للفشل الأكبر في دولة افتراضية: هو "هروب إلى الأمام، وتكيّف مع الاحتلال".

رابعاً: نظرياً لا يصون "فلسطين التاريخية" الموحّدة سوى تفكيك دولة إسرائيل، وليس الدولة الافتراضية "الإسرائيلية الفلسطينية". أما بقاء المسألة الفلسطينية حيّة، فلا يتم بمجرّد طرح حل افتراضي، يتسلّى به الفلسطينيون والإسرائيليون حتى لا تبقى سياسة الأمر الواقع في وضع "ستاتيكو". ما يُحرّك قضية فلسطين، ويُبقيها حيّة، هو القوى الفاعِلة المؤثّرة في مجتمع مقاومة شاملة: عسكرية، وسلمية معاً. وما يُحرّك القضية، هو اقتناع الإسرائيليين نظرياً وعملياً، أن الفلسطينيين لن يتحوّلوا إلى "هنود حمر" لا في الوطن، ولا في الشتات. وهذا ما يتناقض مع طلب الشراكة وتوسّلها أمام "السيّد". وإذا كنا سوف ننتقل من "وضعية الاستشهاد" إلى مرتبة "العبد"، من أجل التحرّر من "السيّد"، فهذا أمر لم يحدث في التاريخ، حتى العبيد، قاموا بحركات احتجاج وثورة وتمرّدات، حتى نالوا حريّتهم بالدم والسلاح والاحتجاج، وليس بالتوسّل والاحتجاج وحده. كم من الشهداء دفع السود في (جنوب أفريقيا) من أجل تحرّرهم. هنا ينبغي إعادة قراءة تجربة جنوب أفريقيا من جديد . لم تقم السلطة الفلسطينية، بسبب "براعة" المفاوضين الفلسطينيين في مدريد ونيويورك وباريس وأوسلو، بل العكس، لقد قامت بسبب الدفع التاريخي للثورة الفلسطينية المُعاصرة، وبسبب الانتفاضة الأولى، وآلاف الشهداء، والجرحى، والأسرى، أما مدى "شطارة المفاوضين"، فهي مثار سخرية كاريكاتورية "مفاوضات من أجل المفاوضات".

"الحل العادل"، هو العودة إلى مشروع "الدولة الفلسطينية الديمقراطية، 1968"، أي "تفكيك دولة إسرائيل الصهيونية"، وعودة اليهود إلى أوطانهم الأصلية في أوروبا وروسيا وأميركا"، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم الأصلي في "فلسطين الكنعانية". هذا مع الاعتراف بـ"الطائفة اليهودية الفلسطينية"، (7%من الشعب الفلسطيني)، ضمن الدولة الفلسطينية الديمقراطية. ولا مفرّ من ذلك.

- تفاعل مثقفين فلسطينيين: إدوارد سعيد – عزمي بشارة – محمود درويش مع شعار "الدولة ثنائية القومية" الافتراضية الطوباوية المستحيلة، كلٌّ بطريقته الخاصة. فنحن نجد أن إدوارد سعيد، يُطالب بدولة كونفدرالية إسرائيلية – فلسطينية، ونجد عزمي بشارة، يُطالب بدولة ثنائية القومية "الواحدة"، مع بعض الشروط. أما محمود درويش، فقد انتمى إلى عضوية جماعة إيلان هاليفي = إسراطين في باريس، منذ السبعينات، وأعلن حرفياً بالاشتراك مع الكاتب الإسرائيلي عاموس كينان تحت مظلّة اليونسكو في باريس (عام 1985): "تلك الأرض نصفها لي، ونصفها لك"، في حين كان "مثقف فلسطيني آخر" في التوقيت نفسه في باريس، يشارك في مؤتمر "الجمعية العالمية للأدب المُقارن" في جامعة السوربون، يجمع التواقيع على بيان يُدين الإرهاب الإسرائيلي في فلسطين، ويُدين إغلاق إسرائيل لبعض الجامعات الفلسطينية. وقد أخطأ "المجلس الوطني الفلسطيني"، عام 1988 خطأ استراتيجياً قاتِلاً، وهو الاعتراف بالقرار 242 من دون أي مقابل إسرائيلي. وعاد درويش إلى رام الله تحت مظلّة اتفاق أوسلو.

- هدف مشروع "الدولة الواحدة" هو حذف إسم فلسطين، ونفي عروبة فلسطين، وتعميم التأسرل على فلسطين وما جاورها، والهروب إلى الأمام بالتكيّف مع الاحتلال، وتوطين إسرائيل في فلسطين التاريخية، ودمجها في العالم العربي، بدلاً من اقتلاعها من جذورها بتفكيكها، فليست مهمة الضحية – البحث عن حلٍّ لِـ"الجلاد المُحتل".

- أفادت صحيفة هآرتس الإسرائيلية – 24/9/2017، بأن الرئيس الأميركي ترامب، يعكف مع طاقمه لشؤون الشرق الأوسط على بلورة خطة تسوية جديدة للحل. وقالت الصحيفة بأن ترامب طلب من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، التروّي والتحلّي بالصبر – (موقع فلسطين الآن).

- مساء الجمعة (9/3/2018)، أذاع التلفزيون الفلسطيني الرسمي فيلماً وثائقياً، بعنوان "الصبر" – (الحلقة الخامسة)، تحدّث فيه عباس عن صبره الطويل على الإسرائيليين، وعاتبهم بأنه في عام 1987، بعد أن انتخب عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد المجلس الوطني الفلسطيني الذي انعقد في الجزائر – قام بتشكيل (لجنة خاصة لمحاورة الإسرائيليين) في باريس، وأماكن أخرى، سرّاً وعلناً، برئاسته، تتكوّن من السادة: محمود عباس رئيساً – ياسر عبد ربه – الشاعر الكبير محمود درويش – عبدالله حوراني – سليمان النجّاب- عبدالرزاق اليحيى.

فكرة (الدولة الواحدة: إسرائيلية فلسطينية)، فكرة يهودية صهيونية قديمة، طرحتها جماعة "بريت شالوم" اليهودية الصهيونية، عام 1925، وهي جماعة هامشية لم تكن مؤثّرة في ظل ارتباك الحركة الصهيونية حول مستقبل فلسطين، حيث نادت هذه الجماعة بدولة ثنائية القومية على أرض فلسطين الانتدابية كلها. وتوقّفت هذه الفكرة عام 1947 بعد صدور قرار التقسيم 181. أعاد طرحها بعض المُثقفين الفلسطينيين فُرادى في مقالات منشورة لهم، منذ نهاية الثمانينات، وهم غالباً من أنصار التطبيع الثقافي والحوار مع المُثقفين الإسرائيليين، من دون شروط. ثم نشط بعض الباحثين الفلسطينيين حول الموضوع في الألفية الجديدة، بعد فشل المباحثات كامب ديفيد ياسر عرفات، وبعد حادثة 11 أيلول/ سبتمبر 2001، واندلاع الانتفاضة الثانية التي مارست "العسكرة"، أو الكفاح المسلّح عبر العمليات الاستشهادية، وبعد رحيل عرفات، وبروز حال الانقسام بين حركة فتح، وحركة حماس. ما أعطى انطباعاً قوياً بموت اتفاق أوسلو من الناحية العملية، وليس القانونية، واستنتج الباحثون بأن حلّ الدولتين بعد التوسّع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، أصبح مستحيلاً. ويعني حل الدولة ثلاثية الدين، أو ثنائية القومية: إسرائيلية – فلسطينية في ما يعنيه: استحالة حلّ الدولة الفلسطينية في الضفة وقطاع غزّة والقدس الشرقية إلى جانب دولة إسرائيل، ورأوا أن الواقع الحقيقي تحوّل إلى اشتباك العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين بسبب تطوّر المستوطنات والطُرق الالتفافية وجدار الفصل العنصري، وتبعيّة الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي تبعيّة شبه كاملة. وهذا حسب الباحثين، يُشكل نموذجاً مُصغّراً لمشروع الدولة ثنائية القومية الافتراضية المرغوبة من قِبَل هؤلاء الباحثين. وهم يرون أن الحل المنطقي، يكون بتعميم التأسرل، والتكيّف مع الاحتلال للوصول إلى دولة إسرائيلية فلسطينية) مشتركة على كل أرض فلسطين التاريخية. وهو كما نرى – حلّ طوباوي غير واقعي، افتراضي، مُعقّد، يتم تسويقه من أجل جسر الفجوة التي خلقتها المفاوضات الفاشلة، ومن أجل أن يظل "التيّار المتأسرل"، يقود الجدل حول مستقبل فلسطين، ممسك

منذ قرار التقسيم، عام 1947 – رقم 181، والقرار 194 الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، الذين لا وطن لهم سواه) – صدر عن الأمم المتحدة- 791 قرارا من بينها 86 قراراً عن مجلس الأمن الدولي- لم يُنفّذ أي قرار من هذه القرارات، والكلام ليس لي، بل لمهندسي أوسلو الفلسطينيين، وفي مقدمهم رئيس السلطة الفلسطينية، وبما أن المفاوضات من أجل المفاوضات، منذ عام 1993 – توقيع اتفاق أوسلو، وحتى اليوم، تدور حول مشروع دولة فلسطينية على 22% من أرض الضفة الفلسطينية إلى جانب دولة إسرائيلية، قد فشلت، فإن مشروع الدولة الواحدة، الطوباوي، مستحيل. ويبقى الحل، وهو المقاومة من أجل تحقيق الدولة الديمقراطية الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني، التي تقبل الطائفة اليهودية الفلسطينية – وهي 7% عام 1947، ولا يعني إسرائيل بالطبع. وبما أن إسرائيل لن تفكّك نفسها من تلقاء نفسها، فالمطلوب هو المقاومة من أجل تحقيق الدولة الفلسطينية الديمقراطية، بكل أشكال المقاومة.

وليست وظيفة الضحية، أن تبحث عن حلّ للجلاّد المحتل العنصري، فقبل عام 1948، لم يكن هناك دولة إسمها إسرائيل في خارطة العالم. أما مستقبل السلطة في فلسطين، فهو تناسل الرداءة: أسيادكم في الجاهلية، هم أسيادكم في الإسلام، أي أن السلطة سوف تُعيد إنتاج نفسها، لكي تبقى في السلطة تحت الأضواء، وذلك بانتقال ميكاني من مرحلة حل الدولتين الفاشلة – إلى وهم الدولة الواحدة، حتى تصل ربما إلى مرحلة تهويد نفسها بنفسها... واحسرتاه. وهذا ما يؤكّد أنه ليس أمام الشعب الفلسطيني العظيم سوى إعلان العصيان المدني ضد الاحتلال بعد تفكيك السلطة الحالية، وإعلان المقاومة الشعبية، والمسلحة بكافة أشكالها، لأن دولة الاحتلال الإسرائيلي، لن تفكّك نفسها بنفسها كما فعل دوكليرك – نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا: - "يا أهلي، لقد جرّبتم إسحق رابين، فاغتالوه علناً في وضح النهار".