العوامل المؤثّرة في السياسة الخارجية الأميركية الحالية

مع وصول دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة، شهدت الديناميات الفاعِلة في صنع السياسة الخارجية تحوّلات مُرتبطة بشخصية الرئيس نفسه "الإستثنائية" بميوله للتفرّد باتّخاذ القرار وإزاحة كل مَن لا يوافقه الرأي من محيطه. وتصاعد حضور بعض العوامل المؤثّرة في بناء السياسة الخارجية الأميركية على حساب عوامل أخرى كانت أشدّ حضوراً تقليدياً مع الرؤساء السابقين.

اعتاد المُحلّلون على تقديم عامل جماعات الضغط على ما سواها عند تحليل العوامل المؤثّرة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية.

ولطالما طغت "لوبيات" الصناعتين العسكرية والنفطية كما اللوبي الإسرائيلي على الاعتبارات التي يضعها المُحلّلون عند مُقاربة السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

مع وصول دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة، شهدت الديناميات الفاعِلة في صنع السياسة الخارجية تحوّلات مُرتبطة بشخصية الرئيس نفسه "الإستثنائية" بميوله للتفرّد باتّخاذ القرار وإزاحة كل مَن لا يوافقه الرأي من محيطه. وتصاعد حضور بعض العوامل المؤثّرة في بناء السياسة الخارجية الأميركية على حساب عوامل أخرى كانت أشدّ حضوراً تقليدياً مع الرؤساء السابقين.

التدقيق في سياقات السياسة الخارجية لواشنطن إزاء أكثر من قضية يكشف عن العوامل المؤثّرة التالية:

1-الجغرافيا: تعتبر الولايات المتحدة أقوى قوّة بحرية في العالم بعد أن بنت هذا السلاح بعد تقويم طبيعة موقعها الجغرافي. ينسحب تأثير هذا العامِل على قطاعاتها العسكرية والاستخبارية والإقتصادية والزراعية والصناعية. إن المنافذ البحرية العديدة التي تمتلكها الولايات المتحدة عند الساحلين الشرقي والغربي تجعل من موقعها الجغرافي ورقة قوّة أساسية في رسم سياساتها الإقتصادية كما سياساتها الخارجية.

قد يبدو هذا العامِل ثابتًا بما أن جغرافية الولايات المتحدة لا تخضع للتغيير، لكن الأمر ليس كذلك، ففي الوقت الراهِن تلعب مسألتان رئيسيتان دوراً في بناء حضور هذا العامل: القواعد العسكرية الأميركية في الخارج والتغيّر المناخي!.

في ما يخصّ القواعد العسكرية، فإن الولايات المتحدة تستخدم هذه القواعد كأماكن إنطلاق لحماية استثماراتها ومصالحها عبر العالم، وبالتالي فهذا العامِل هو عامِل مُتحرّك تبعاً لمُعطيات خارجة عن الحسابات الأميركية. أمّا في ما يخصّ التغيّر المناخي، فإن المؤسّستين العسكرية والأمنية تتعاملان منذ عشرة أعوام على الأقل مع هذه الظاهرة على أنها مسألة تخصّ الأمن القومي، لِما لها من تداعيات على مناطق واسعة داخل الولايات المتحدة كما على سواحلها وحركة مطاراتها.

2-الأحداث التاريخية: على الرغم من أن هذا العامِل لا يخضع لثوابت، فإنه يجري استحضاره عند الضرورة، كما في حال الصراع مع إيران فيدفع الدبلوماسيون الأميركيون بقضية الرهائن في السفارة الأميركية إبّان الثورة الإيرانية إلى الواجهة لتبرير العداء ضدّ طهران. بطبيعة الحال يسقط اعتبار الأحداث التاريخية مع دولٍ أخرى تبعاً للمصلحة، لكن هذا العامل يبقى أحد العناصر المؤثّرة في صناعة السياسة الخارجية لواشنطن وإن بنسبة مُتدنية.

في زمن ترامب، يكاد هذا العامِل ينحصر في الصراع مع إيران، ذلك أن الرئيس الحالي لا يمتلك ثقافة تاريخية واسعة بحسب ما يظهر من زلاّته ومُفرداته، بل إن ملفه يزخر بكثير من المُغالطات التاريخية التي تحوّلت إلى مادة للسُخرية على شبكات التواصل.

3-الأيديولوجيا: كما حال الأحداث التاريخية، يُعتبر هذا العامِل مُتحرّكاً أيضاً، فنرى واشنطن تستحضره لدى مُقاربة العلاقات مع روسيا (الشيوعية سابقاً)، وإيران (الثورية)، والصين وكوبا، في حين أن  هذا العامل نفسه لا يحضر بنفس القوّة عند التعامُل مع السعودية على سبيل المثال. يحضر هذا العامِل بقوّة في خطاب الإدارة الحالية، بما أنه يستكمل لغة التخويف التي استخدمها ترامب لتجييش الأصوات لصالحه قبل الانتخابات.

4-المصالح الإقتصادية: مع أن المنطق يفترض تقدّم هذا العامل على ما سواه، فإنه لا يظهر دوماً مباشرة بسبب التفاف واشنطن بطُرُقٍ ملتوية لتأمين مصالحها. كما في حال إيران على سبيل المثال، إذ أنه من المؤكّد أن الشركات الأميركية تمتلك مصلحة في الاستثمار والتواجد داخل إيران، لكن العقوبات الأميركية تمنع ذلك ضمن منظومة أوسع تؤثّر على أسعار النفط عالمياً وإمدادات الطاقة، بما يسمح لواشنطن بتعويض خسائرها المُفترضة من إقامة علاقات طبيعية مع إيران، من خلال تأمين مداخيل مُوازية من خصوم إيران الإقليميين بعد إقناعهم بأنها تحميهم من نفوذ طهران.

مع الإدارة الأميركية الحالية، يكاد ترامب يحقّق رقماً قياسياً في تأمين العقود المالية المُنعِشة للإقتصاد الأميركي، عِلماً أن السوق الأميركي يشهد حالياً بحبوحة إقتصادية وتصاعداً في فُرَص العمل كما ارتفاعاً في أسعار العقارات.

على أن العامل الإقتصادي يبرز في السياسة الأميركية بشكلٍ أوضح عند التعامل مع الدول النامية، فتخضع هذه الدول الضعيفة عادة للـ"بَرَكة" الأميركية تبعاً لفتحها مجال الاستثمار في بنيتها التحتية ومواردها الطبيعية. هذا العامل يتحوّل أيضًا إلى سبب خلاف رئيسي مع الدول التي ترفض الخضوع للمصالح الأميركية، فتُبنى السياسات الأميركية على أساس هذا الرفض ويتمّ تجيير بقيّة العناصر المؤثّرة في تشكيل السياسة الخارجية لمصلحة العامل الإقتصادي. وهكذا يكاد لا يمرّ يومٌ من دون أن يذكّر ترامب الشعب الأميركي والكونغرس بأن السعودية أحد الزبائن المُهمّين للولايات المتحدة.

5-الأحزاب ومجموعات الضغط: يتنافس الحزبان الديموقراطي والجمهوري تاريخياً على الملفات الداخلية أكثر منها على الملفات الخارجية، لكن التسليط الإعلامي الدولي يهتم بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة بطبيعة الحال أكثر من اهتمامه بقضاياها المحلية. غالباً ما يتركّز الخلاف بين الحزبين إزاء السياسة الخارجية في مُقاربة الأسلوب لا المصلحة. توجّه جماعات الضغط نشاطاتها بحسب ارتباطها بالملف الخارجي (إقتصادي، عسكري، سياسي،..).

من اللافت عند تدخّل جماعات الضغط أن حدود الخلاف بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري تذوب تماماً، فنرى أعضاء من الطرفين يدعمون مشروعاً معيناً وتتحوّل المسألة إلى "قناعة" شخصية أكثر منها التزام حزبي. رأينا هذه الحال في ما يخصّ الملف النووي الإيراني، والموقف من كوريا الشمالية، كما في السياسة المُعتمَدة مع الصين وروسيا، وفي ما يرتبط بقضايا التغيّر المناخي وانسحاب الولايات المتحدة من المعاهدات الدولية في هذا الملف.

6-التحوّلات العالمية: تتولّى مراكز الدراسات والمؤسّسات البحثية في الولايات المتحدة مُتابعة هذه التحوّلات و رَفْع التوصيات على مدار الساعة، بغضّ النظر عن الحزب الحاكِم وتركيبة الإدارة القائمة. ما يجعل هذا العامل مُتحرّكاً هو السمات الشخصية لكبار موظفي البيت الأبيض، فترى أحياناً أنه يتم الدفع بالتوصيات حتى الحد الأقصى، في حين يُهمِل البعض نصائح الخبراء لمصلحة حلقة أضيق تتولّى صناعة القرار المباشر، كما هي الحال حاليا في إدارة ترامب، وكما كانت الحال إلى حدٍ ما في إدارة جورج بوش الإبن.

7-الرأي العام: على الرغم من أن "الديموقراطية" الأميركية هي واجهة الحُكم والنظام، فإن مشاركة الأميركيين في القضايا الخارجية ضئيلة للغاية مُقارنة بالشعوب الأخرى. يلعب نمط الحياة الأميركي دوره في تحييد الرأي العام وتوجيه اهتماماته إلى بضعة عناوين داخلية محدّدة (التأمين الصحي، الضرائب،..).

هذا العامل هو ورقة قوّة لترامب، في ظلّ نجاحه في تحسين الإقتصاد الأميركي وحملاته المستمرّة لإقناع الأميركيين بآرائه بأسلوبٍ شعبوي بسيط لا يحمل تعقيدات لا يألفها المواطن الأميركي عند التفكير بقضايا أبعد من اهتماماته.

في الخُلاصة، تجتمع هذه العوامل لبناء استراتيجيات مُتعدّدة المديات. الأكثر تأثراً من بين هذه الإستراتيجيات في عهد ترامب هي الإستراتيجيات البعيدة المدى التي ضعفت لصالح المُكتسبات القريبة، إذ أن الرئيس الحالي يولي أهمية للأرباح السريعة ولا يُحبّذ الإنتظار.

وبالتالي سيحتاج الأميركيون إلى فترةٍ من الزمن لإصلاح الضَرَر اللاحِق بمصالحهم الإستراتيجية البعيدة المدى، بعد انتهاء ولاية ترامب، وهو فعلٌ مقدور عليه بسهولةٍ في بعض الملفات كالعودة إلى معاهدات التغيّر المناخي على سبيل المثال نظراً لحاجة العالم إلى القيادة الأميركية في هذا الملف، ولكنّه صعبٌ في ملفات أخرى كجولةٍ جديدةٍ من المفاوضات مع إيران أو الصين لأن بناء الثقة مع هذه الدول قد يحتاج إلى عقود من الزمن، بعد الضَرَر الذي ألحقته سياسة البيت الأبيض الحالية بهاتين الدولتين.

أهمية تحديد العوامِل المؤثِرة في السياسة الخارجية لإدارة ترامب، كما لغيره من الرؤساء الأميركيين، تكمن في أنها أول الطريق لوضع استراتيجيات المواجهة الذكيّة بخطاب وأفعال قادرة على التأثير عكسياً على العوامل التي تبني معالم السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

تحديد استراتيجيات المواجهة الذكيّة ليس أمراً صعباً، لكن العِبرة تكمُن في أدوات التنفيذ وحُسن إدارتها والتخطيط لها.