"ثلاثيّة سوتشي": نقاش صعب في الوقت الضائع.

ينشط في سياق المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط اتجاهان متوازيان تقود كل واحدٍ منهما دولة عظمى. حيث تقود الولايات المتحدة الأميركية الاتجاه الأول، الذي كانت آخر تعبيراته "مؤتمر وارسو". فيما تقود روسيا الاتجاه الآخر، وقد تمثل في آخر محطاته بقمّة سوتشي الثلاثية مع إيران وتركيا. وتتعزّز قيمة الاتجاه الثاني مع النظر إلى إعلان الولايات المتحدة نيّتها الانسحاب من سوريا، قبل أن تتبع ذلك بالإعلان عن "مؤتمر وارسو"، واتجاهها نحو تشكيل تحالف واسع لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، هذا من جهةٍ أولى. أما من جهةٍ ثانية، فإن أهمية هذا الاتجاه الثاني تأتي من كونه بات الصيغة الوحيدة المأمولة لإيجاد حلٍ نهائي للأزمة السورية، بعد فشل كل الصِيَغ السابقة التي انخرطت فيها الدول الغربية والأمم المتحدة.

"ثلاثيّة سوتشي": نقاش صعب في الوقت الضائع.
"ثلاثيّة سوتشي": نقاش صعب في الوقت الضائع.

ولا بدّ من أن ذلك مردّه لكون صيغة آستانة والتي تعتبر المحطة الاخيرة في سوتشي امتداداً لها، تجمع حلفاء دمشق المنتصرين في الحرب السورية، مضافة إليها تركيا، اللاعب الأكثر تأثيراً في الأزمة السورية من بين الخاسرين في نهايتها.

لقد دلّت كلمات الزعماء بوتين وروحاني وأردوغان في ختام القمّة على أن النقاش لا يزال صعباً بين الشركاء الثلاثة. لكنها من ناحية مقابلة، دلّت على تصميم عندهم على التوصّل إلى صيغة مشتركة، لترجمة المصالح المشتركة المرتبطة بالأزمة السورية، والتي إن ظهرت في اجتماع آستانة المقبل في شهر نيسان، فإنها ستستتبع توسّعاً في التفاهم بين هذه الدول، الأمر الذي تنظر إليه روسيا تحديداً كهدفٍ يتجاوز المسألة السورية إلى الصراع على تقريب الدول الوازِنة مع واشنطن.


"ثلاثية سوتشي" محكومة بإيجاد الصيغة

لم تتوصّل القمّة إلى حلّ الخلافات القائمة، لكنها فتحت الباب على محطة جديدة في نيسان المقبل. مع التركيز على إيجابية المسار، واهتمام الأطراف الثلاثة باستمراره، وإيجابية القرار الأميركي بالانسحاب من سوريا. وهذا ما كانت الدول الثلاث – ولاتزال- تتوجّس من معانيه وتوقيته كما صرّح قادتها.

وفي الوقت نفسه، فإن القمّة هذه تمكّنت حتى الآن من تجنّب ما ينتظره الأميركيون كنتيجةٍ لانسحابهم المُعلَن من سوريا، وهو تضارب مصالح دول "الثلاثية"، على قاعدة أن الفراغ الذي سيحدثه الإنسحاب الأميركي سيكون مجالاً لطمع كل من الدول الثلاث بملئه. لكون تركيا مهتمة بتوسيع نفوذها في الشمال السوري، وترى في ذلك حاجة حيوية لأمنها، خصوصاً بعدما أظهرت سنوات الأزمة ان الكرد السوريين يمكن لهم أن يطوّروا قدراتٍ ميدانية فاعِلة، تحمل خطورة على تركيا فيما لو وجدت الحليف الإقليمي أو الدولي الداعِم.

وتنطلق كل من تركيا وإيران وروسيا في مُقاربتها للموضوع السوري من منطلقات مُتباينة، ومن أولويات مختلفة. ففي حين أن أولوية تركيا هي ضمان أمنها من الخطر الكردي أولاً، ثم الاستفادة من نفوذ سياسي في سوريا تالياً، تعتبر إيران ان المخرجات السياسية للأزمة السورية يجب أن تترجم نتيجة الحرب التي انتصرت فيها إلى جانب الحلفاء الآخرين، بينما ترى روسيا أنها صاحبة الدور الحاسِم في الانتصار، وأن إخراج الحل السياسي يفترض أن يُعيدها إلى الشرق الأوسط كشريكٍ فاعِلٍ لا يقلّ عن التواجد الأميركي في المنطقة.

وتشير نتائج الاجتماعات المتتالية من آستانة إلى سوتشي إلى أن الإطار العام لمستقبل سوريا قد بات واضحاً، وأن ما يتبقّى من المشهد يرتبط بالصورة الأكثر تفصيلاً، المتعلّقة ميدانياً بمستقبل إدلب ومنطقة شرق الفرات، وسياسياً بالهوامش السياسية التي ستكون مُتاحةً للمعارضين في النظام السياسي الذي سيحكم سوريا. مع تراجع الحديث عن أشخاص الحُكم، وخصوصاً الرئيس بشّار الأسد.

من هنا، وبغياب أية مبادرات أخرى جدية ومشتركة قابلة للحياة، فإن البحث عن الصيغة الرابحة بين ثلاثي سوتشي يبدو أكثر من ضرورة اليوم، خصوصاً أن أفق الصراع قد أقفل، وأن الأطراف المشاركة في حرب السنوات السبع استنفدوا خيارات الميدان واحتمالاتها.


الوضع في إدلب

لقد أدّت التطوّرات الأخيرة في إدلب وريف حلب، والتي سيطرت بموجبها هيئة تحرير الشام على المنطقة بمعظمها، إلى تقريب وجهات نظر الأطراف الثلاثة في سوتشي، من دون أن يعني ذلك تخلّي تركيا بصورةٍ حاسِمة عن رفض الحل العسكري في المحافظة السورية. فتركيا تحاول تثمين ورقة إدلب قبل بيعها للشريكين الروسي والإيراني في المرات المقبلة من المفاوضات، طمعاً بنتائج أخرى قد تحصل عليها في عناوين الخلاف الأخرى.

وعلى الأرض، تتحوّل عملية الفصل بين المعارضة المسلّحة والمجموعات الإرهابية في إدلب إلى ترفٍ نظري كلما مر المزيد من الوقت، حيث باتت جبهة النصرة تشكّل القوّة الحاسِمة التي لا يستطيع أي فصيل مواجهتها في منطقة خفض التصعيد المحتلة في إدلب، خصوصاً بعد استسلام المجموعات المسلّحة الأخرى بسهولة للجبهة. وبذلك فإن الوقت ينفد أمام تركيا التي تراهن على عوامل أخرى لتحسين شروطها، منها حاجة روسيا وإيران الواقعتين تحت ضغط أميركي شديد لإنتاج الحل بسرعة.

وهذه النقطة الأخيرة، تتعزّز بالتصريحات التي يدرج على إطلاقها المسؤولون الروس، والتي يؤكّدون فيها أن عودة إدلب إلى نطاق سيطرة الدولة السورية هي المسألة الأساس التي تتعلّق بمستقبل سوريا. لكن وجود حوالى 50 ألف مسلّح في المحافظة لا يزال يشكّل مُعضلة تُعيق توافق دول الثلاثية على صيغة حل.

إن وجود هؤلاء وتحوّل إدلب إلى ملجأ للإرهابيين كما وصفتها ماريا زاخاروفا المتحدّثة باسم الخارجية الروسية، تدفع موسكو وأنقرة إلى التمسّك أكثر بالاتفاق الموقّع بين الطرفين في منتصف أيلول الماضي. لكن التطبيق العملي لهذا الاتفاق لايزال يواجه صعوبات مرتبطة بأنقرة أكثر مما هي متعلّقة بموسكو أو طهران.

وفي موازاة ذلك، تتابع الحكومة السورية توجّهها المُصرّ على استعادة كامل التراب السوري، وهي تتقدّم بهذا المعنى نحو هدفها، مع تراجع الاندفاع عند الدول التي دعمت المجموعات المسلّحة طوال سنوات الحرب إلى حدود الدنيا. وبات بحُكم المتوقّع أن تستعيد دمشق إدلب وأن يكون ذلك مجرّد مسألة وقت، ومزيد من المشاورات لتجنّب استفزاز تركيا تحديداً.

لقد تمكّنت أنقرة حتى الساعة من تأخير العملية السورية المدعومة روسياً وإيرانياً في إدلب. وذلك لاهتمام هاتين الأخيرتين بالموافقة التركية كتعويضٍ عن مشاركة الأميركيين في صوغ الحل النهائي للمحافظة. فالمغامرة بالدخول إلى إدلب من دون موافقة الأميركيين قد تكون جائزة إذا تمّت بغطاء تركي، على أن ترتّب نتائجها بين الأميركيين والروس في وقتٍ لاحق. لكن غياب الأميركيين المُتلازِم مع رفض تركيا لتغطية العملية العسكرية سيكون ضرباً من المُخاطرة، فأنقرة لا تزال حاضرة وقادرة على التأثير وهي لم تعلن موقفاً واضحاً من سيطرة جبهة تحرير الشام على إدلب، وخصوصاً مع وجود عشرات الآلاف من السوريين على أرضها.

لذلك فإن موسكو ترى أنه من الأجدى تثمير اللقاءات الدورية التي تجري بين وزيري دفاع روسيا وتركيا، والتي تتقدّم ببطء في محاولة لإيجاد صِيَغ ميدانية للتخلّص من الإرهاب في إدلب، وتعتبر أن ذلك أكثر ضماناً من عملية عسكرية من طرفٍ واحدٍ. لكن ذلك يمكن ضمانه حتى اللحظة فقط، وليس في المستقبل، فكما أشرنا سابقاً إلى أن عامل الوقت يلعب دوراً سلبياً بالنسبة للروس والإيرانيين في ما يخصّ مسألة إدلب.


دلالات البيان الختامي وتصريحات الرؤساء

لقد دعا البيان الختامي للقمّة الثلاثية إلى ضرورة بذل الجهود لتطبيق اتفاق إدلب ومُضيّ الدول الثلاث نحو تحرير المحافظة من الإرهاب، فيما أبدى الرئيس الإيراني استعداد بلاده للتوسّط بين أنقرة ودمشق. هذا الاستعداد الإيراني العلَني يؤشّر إلى جهودٍ لم تتوقّف لإعادة وَصْل العلاقات السورية-التركية، تم تزخيمها بشكلٍ متصاعد منذ تحرير مدينة حلب، ولاتزال طهران تحاول حتى اليوم التوصّل إلى خواتيم سعيدة بشأنها.

روسيا من جانبها تركّز على عمل اللجنة الدستورية المرتبطة بمستقبل النظام السياسي السوري في مرحلة ما بعد تحرير الأرض. وهذا ما شدّد عليه الرئيس بوتين خلال المؤتمر وبعده.

لكن اللافت في كلام الرئيس الروسي كان قوله إنه في هذا المؤتمر تمّ تحديد الأولوية بالقضاء على ما تبقّى من الإرهابيين وعودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومناقشة كيفية خروج القوات الأميركية من سوريا تدريجياً، مشيراً إلى أنه لتحسين الأوضاع في سوريا بشكلٍ تام يجب إعادة الاقتصاد إلى وضعه الطبيعي، وعدم تقييد المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار بالاعتبارات السياسية. لكن الحَذَر من "مؤامرة" أميركية في شرق الفرات بقي حاضراً في ذهن الرئيس الروسي.

أما الجانب الإيراني، فقد صبّ تركيزه في المواجهة التي تخوضها واشنطن ضده، فالرئيس روحاني اتّهمها بمواصلة "دعم الإرهابيين في العراق وسوريا"، مُستفيضاً في الحديث عن ضرورة القضاء على ما تبقّى من الإرهابيين في سوريا، وربط بين الإرهاب وعودة اللاجئين، فشدّد على ضرورة القضاء على الإرهاب لإزالة مخاوف اللاجئين من العودة إلى ديارهم، داعياً المجتمع الدولي إلى خَلْقِ المناخ المناسب لعودة اللاجئين إلى سوريا.

وكانت لافتةً إشارة روحاني إلى الكرد كجزء من الشعب السوري يجب أن يعودوا إليه، وإلى الدولة السورية. وأن الطريقة التي دخلت فيها الولايات المتحدة إلى المنطقة هي طريقة خاطئة. وفي كلام الرئيس الإيراني تشديد على أنه لن يكون مقبولاً بقاء قوات أجنبية في سوريا، من الدول التي لم تدخل بصورةٍ شرعية عبر طلب من الحكومة السورية. وإشارته المهمّة أيضاً إلى وجوب أن يكون الجيش السوري على الحدود مع تركيا تدلّل على الأفق المُرتقَب للتوافقات الإيرانية التركية الروسية، والتي إذا ما أضيفت إلى مبادرة روحاني باتجاه التقريب بين دمشق وأنقرة، فإنها تعني أن محطة نيسان المقبل قد تكون حاسمة في سياق هذا المسار.

ونوّه إلى أن طهران تدعم مهمة المبعوث الأممي إلى سوريا وتدعو إلى الحفاظ على استقلال سوريا وسيادتها.

أما الرئيس التركي، فإن تشديده على الحفاظ على مبادىء آستانة يحمل معانٍ مهمة، خصوصاً لجهة وحدة الأراضي السورية التي تشدّد الأطراف الثلاثة على أهميتها.

وإلى جانب اهتمامه باللجنة الدستورية، فإن تركيز أردوغان على منطقة شرق الفرات مفهوم، وهو عندما يتحدّث عن الإرهاب فإن أول من يخطر بباله ليست جبهة تحرير الشام، بل الكرد. لذلك فإن تركيزه على منطقة نفوذهم أخذت حيّزاً مهماً من البحث في القمّة، ومن تصريحه اللاحق. ويمكن القول إن عدم التوافق على المسألة الكردية، دفع بأردوغان إلى التمهّل بخصوص اللجنة الدستورية، والتصريح بأن "التسرّع بشأن إطلاقها أمر مُضر". في وقتٍ تستعجل فيه موسكو وطهران إطلاق اللجنة لتسريع مسار الحل السياسي.

وحول ملف اللاجئين، تمسّكت تركيا بالعودة الطوعية، وربطت بين هذه العودة وإعداد البنية التحتية لها، التي أعرب أردوغان عن استعداد بلاده للمساعدة فيها. 

وفي الخلاصة إن هذه القمّة تشكّل خطوة جديدة في مسار الحل السياسي، وإن كانت لم تتوصّل إلى الصيغة النهائية التي تبحث عنها الدول الثلاث، والتي تنتظرها سوريا. وقد جاء كلام الرئيس التركي بعد يومٍ من القمّة ليوضح النتيجة التي حملتها هذه الجولة حين قال: "تركيا وروسيا وإيران قطعت شوطاً مهماً في سبيل إيجاد حل سياسي للأزمة السورية"، أما الشوط المقبل، فسيكون في أبريل- نيسان المقبل. لكن هل تُغيِّر تطوّرات المنطقة حتى ذلك الوقت من أولويات الشركاء الثلاثة؟