بريكست.. مأزق بريطانيا بين البقاء والمغادرة

فمن التصدّعات الحزبية الداخلية، إلى حال الهلع في الأسواق في خامس أكبر اقتصاد في العالم، وصولاً إلى موجةٍ محمومة من الشركات الكبرى للضغط باتجاه منع حدوث "بريكست"، أو على الأقل محاولة التوصّل إلى اتفاقٍ حوله. مؤشّراتٌ بمجملها توحي بأن الشهر المقبل سيكون صعباً على الجميع.

ماي ترى أن مساعي بلادها للخروج "لا يجب أن تُحبَط"
ماي ترى أن مساعي بلادها للخروج "لا يجب أن تُحبَط"

في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حذّرت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي نواب البرلمان من أنهم يواجهون احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق أو التخلّي عن "بريكست" في حال لم يدعموا مشروع اتفاقها مع بروكسل.

يومها كانت حكومة ماي تواجه أزمة داخلية تمثلت بخروج أربعة وزراء منها احتجاجاً على مشروع اتفاق مع الاتحاد الأوروبي حول خروج بريطانيا منه، لكن الأزمة اليوم لم تعد أزمة حكومة على ما يبدو، بل تجاوزتها إلى أزمة تهدّد وحدة بريطانيا من جهة، والاتحاد الأوروبي من جهةٍ ثانية. الأمر الذي يفسّر حجم الضغوط في كل الاتجاهات التي يشهدها هذا الملف.

فمن التصدّعات الحزبية الداخلية، إلى حال الهلع في الأسواق في خامس أكبر اقتصاد في العالم، وصولاً إلى موجةٍ محمومة من الشركات الكبرى للضغط باتجاه منع حدوث "بريكست"، أو على الأقل محاولة التوصّل إلى اتفاقٍ حوله. مؤشّراتٌ بمجملها توحي بأن الشهر المقبل سيكون صعباً على الجميع.

ماي التي ترى أن مساعي بلادها للخروج "لا يجب أن تُحبَط"، وأن على حكومتها التركيز من أجل تحقيقه، تحاول الاستفادة من الضغوطات الداخلية التي يواجهها معارضو الخروج، من أجل الحصول على اتفاق قبل طرحه لتصويت آخر في البرلمان البريطاني. فإذا تمكّنت من فعل ذلك، ستكون قد خرجت منتصرةً من أصعب معركة يواجهها رئيس وزراء بريطاني منذ سنواتٍ طويلة. أما في حال الإخفاق، فستكون مرغمةً على الخروج من دون اتفاق، مع كل الآثار المتأتيّة من ذلك، وبعض المراقبين يرون أن هذه الآثار قد تكون مدمّرةً على المستوى الاقتصادي في بريطانيا. أو على الأقل فإن عدم التوصّل إلى اتفاق سيدفعها إلى التفكير بتأجيل الخروج الرسمي، والمراهنة على تفاعلات الأشهر المقبلة، خصوصاً وأنها ليست الوحيدة التي تواجه مأزقاً داخلياً، بل إن حزب العمال يواجه أيضاً مشكلات جمّة وخلافات تعصف به من الداخل. ما يعني أن بريطانيا كلها تواجه مأزقاً وتقف على مفترق طرقٍ أساسٍ يتعلّق بمستقبلها وبرؤيتها الاستراتيجية لموقعها المستقبلي، مع ما يتضمّنه من مخاطر وفُرَص.


أزمة حزب المحافظين الداخلية

وفي الوقت الذي تحاول فيه ماي رفع معنويات مُحازبيها، بالقول: "يجب ألا، ولن نحبط ما كان أكبر ممارسة ديمقراطية في تاريخ هذه البلاد. في المراحل النهائية لهذه العملية أسوأ ما يمكن أن نفعله هو أن نفقد تركيزنا". فإن وزراء من حكومتها ألمحوا إلى أنهم سيؤيّدون خيار تأجيل الخروج من الاتحاد إذا رفض نواب البرلمان اتفاق ماي الجديد مع التكتل.

من جهتهّن، أعلنت ثلاث نائبات أخريات عن استقالتهن اعتراضاً على طريقة إدارة ماي لملف الخروج من التكتل الأوروبي. لكن الأسوأ قد يأتي بعد ذلك، إذا أن اتفاق المحافظين على ضرورة الخروج ومنح بريطانياً الفرص الجديدة للاستفادة من خصوصياتها السياسية والاقتصادية، ليس مبرراً للخروج من الاتحاد الأوروبي من طرفٍ واحدٍ ومن دون اتفاق، ذلك أن الخروج على عداء أو خلاف على الأقل، سيؤدّي إلى خسارة الأفضليات التي يمكن جنيها من العملية برمّتها. خصوصاً في المرحلة الأولى التي تلي نهاية آذار المقبل، وبالتالي فإن الخروج لن يكون نهاية المسار، ولا يجوز على هذا الأساس أن تضع بريطانيا كل أوراقها لتحقيقه، وأن الأجدى هو البحث عن طريقة للخروج باتفاق، أو انتظار وقتٍ مناسب أكثر، ما يعني التأجيل. وهو أمرٌ إن حصل، سيرفع من منسوب الضغوط التي تتعرّض لها ماي إلى أقصاها، ويهدّد مستقبلها السياسي بشدّة.

وقد لعب وزير الخارجية السابق بوريس جونسون دوراً فاعلاً في إحراج ماي خلال التصويت الأخير الذي جرى في مجلس العموم، حيث دفع باتجاه تصويت مجموعة الأبحاث الأوروبية ضد اقتراح الحكومة، إلى جانب وزيرين سابقين آخرين لشؤون "بريكست". ولهذه المجموعة علاقة أساسية باستقالة النائبات الثلاث اللواتي اعتبرن أن بقاءهن في الحكومة لم يعد ممكناً بسبب سيطرة هذه المجموعة على سياساتها، الأمر الذي يؤكد ما أثير مؤخراً حول وصول حدة الانقسام داخل المحافظين إلى نقطة اللاعودة، وأن جونسون يحاول الاستفادة من مأزق ماي ليطرح نفسه كبديلٍ قوي لها من الحزب نفسه، ويقود حرباً شرسة ضدها، قد تكون من منطلق الطموح السياسي أكثر مما هي مرتكزة إلى إخفاقٍ حقيقي لماي في إدارة ملف الخروج. خصوصاً وأن الانتخابات المحلية المقبلة باتت على الأبواب في الثاني من أيار. وتبدو حركة جونسون تنطوي على طموحٍ بالتحوّل إلى المرشّح المحافظ الوحيد لخلافة ماي، وهو أمر بات حقيقياً وفق ما يبدو.


وعند "العمال" أيضاَ

بالمقابل، ليست الحال على المقلب الآخر أفضل من الصورة التي هي عليها عند المحافظين، فحزب العمال يعاني هو الآخر من تصدّعات داخلية عميقة، احتجاجاً على سياسة زعيمه جيريمي كوربن بخصوص الملف نفسه، "بريكست".

وفي حين يقول معارضو ماي إنها تسيء إدارة الملف ولا تتمتع بالقوة الكافية للمضيّ قدماً بهذا الملف، يرى مناهضو كوربن أنه هو الآخر يقود معارضةً ضعيفة لخطط ماي وحكومتها.

وفي مقابل خروج ثلاث نائبات من حزب المحافظين من البرلمان، إنشق عن حزب العمال ثمانية نواب في مجلس العموم، وقد تتوالى سبّحة الانشقاقات، على الرغم من رد كوربن عبر موقع تويتر على هذه الخطوة، وتشديده على أن حزبه حقق تحت قادته شخصياً النتيجة الأفضل له منذ 75 عاماً.

ولكن تركيز المنشقين العماليين لم ينصبّ على قضيّة "بريكست" وحدها، بل أنهم أعلنوا عن أن جزءاً من موقفهم مرتبط بفشل كوربن في القضاء على موقف متحيّز ضد اليهود داخل الحزب، الأمر الذي يعطي إشاراتٍ إضافية على عمق الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد. وفي هذا السياق، يواجه كوربن منذ فترةٍ طويلة اتهامات بمعاداة السامية، على خلفية مواقفه المؤيّدة للقضية الفلسطينية، ومعارضته الحرب على العراق، وتعهّده بالاعتراف بالدولة الفلسطينية في حال وصوله إلى رئاسة الوزراء، وحظر بيع الأسلحة من بلاده إلى "إسرائيل"، فضلاً عن عدم اعتباره حركة "حماس" تنظيماً إرهابياً.

وفي داخل حزب العمال أيضاً، عاد لينشط رئيس الوزراء الأسبق توني بلير المتحمّس بشدة للبقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، كلاعبٍ ضمن التوازنات الداخلية التي تنطوي على معانٍ كبيرة للمرحلة المقبلة. ومن المعروف أن معارضة بلير لكوربن لا تقتصر على المنافسة السياسية البحتة، بل إنها تنطوي على خلافات في صلب الرؤية الاقتصادية، فبلير يعارض أفكار كوربن اليسارية التي يراها بعيدةً عن الواقع ويعتبرها متطرفة حتى داخل التباينات اليسارية نفسها، وغير قابلة للتطبيق، ولا تتناسب مع هوية الاقتصاد البريطاني.

ويعاني حزب العمال وفق المعترضين من أنصاره والمنضمين إليه، من حال من التوتر وعدم اليقين في ما يتعلق بالتعامل مع ملف "بريكست"، إذ أنه لم يقدّم بديلاً فعلياً عن طروحات المحافظين خصوصاً على المستوى الاقتصادي، هذا من ناحية. ومن ناحيةٌ أخرى، فهو لم يتمكّن حتى الآن من منع المحافظين من المضيّ قدماً نحو الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. ويتضمّن الخلاف بين الأجنحة المختلفة داخل الحزب خيارين، أولهما يمثله معارضو كوربن ويدعو إلى إبقاء مسألة البقاء في الاتحاد الأوروبي على الطاولة، وثانيهما يتمثل بموقف كوربن نفسه ومؤيّديه، وهو يدعو إلى الخروج من الاتحاد، لكن في الوقت نفسه الاتفاق مع أوروبا على تأسيس اتحاد جمركي والحفاظ على حقوق البريطانيين في العمل.


ضغوطات من الشركات الكبرى

ووسط هذه الضغوط التي يعاني منها الجميع داخل بريطانيا، ويعاني منها في الوقت نفسه سياسيو الاتحاد الأوروبي المكلّفون بإيجاد مخرجٍ للأزمة. ينبري إلى الواجهة المُعطى الاقتصادي الذي يعدّ السبب الأساس في نشأة ملف "بريكست" منذ أول الأمر.

وفي هذا السياق، تضاف إلى القلق الشديد الذي يعتري البريطانيين حو مستقبل بلادهم الاقتصادي، حملة واسعة من الإشارات السلبية التي دأبت شركات عاملية كبرى على بثها في الأشهر الأخيرة على وقع أخبار "بريكست". وانضمت إلى هذه الشركات، شركات أخرى محلية عبّرت عن حال من الهلع في التعاطي مع هذا الملف. فعلى سبيل المثال، بدأت في مطلع العام الجاري إحدى الشركات البريطانية ببيع ما سمّي بـ"صندوق بريكست" للطوارىء، وهو عبارة عن مجموعة من المواد الإغاثية، مواد إعاشية وأغذية ومعلّبات، ومنقّ للمياه، وبعض الوقود، تحضيراً لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق. وقد باعت الشركة مئات الصناديق من المنتج، في الوقت الذي يسعى فيه مؤسّسها إلى مواجهة قدوم الأسوأ.

فقد بدأت آلاف الشركات بتطبيق خطط الطوارئ التى وضعتها لمواجهة إمكانية خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، بحسب غرفة التجارة البريطانية التي أعلنت أنه خلال الأيام الأخيرة من شهر يناير-كانون الثاني المنصرم شهدت بدء 35 شركة خطط نقل عملياتها إلى خارج البلاد.

شركة "بورش" الألمانية للسيارات حذرت زبائنها في بريطانيا من أنهم سيدفعون زيادة بنسبة 10 في المئة إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، وطلبت من المشترين التوقيع على بند في العقد يلزمهم بدفع الزيادة المحتملة في سعر سياراتهم المستلمة بعد 29 مارس-آذار.

لكن التحذير الذي يحمل معانٍ أكبر أتى من جهة شركة صناعة الطائرات الأوروبية "إيرباص"، وهي ثاني أكبر مجموعة لصناعة الطيران في العالم، ويعمل بها 14 ألف شخصٍ في بريطانيا وحدها، حيث كررت مجدداً أنها ستتخذ قرارات صعبة بشأن استثماراتها في المستقبل حال انسحبت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق. مؤكدةً أنها أنفقت عشرات الملايين من اليوروهات في مجال تخزين المكوّنات وتأمين أنظمة تكنولوجيا المعلومات تحسباً لخروج بريطانيا.

يضاف ذلك، إلى إعلان شركة "هوندا" اليابانية العملاقة في قطاع صناعة السيارات عن إغلاق مصنعها في بريطانيا في العام 2021، في خطوة تهدّد 3500 وظيفة وتأتي بعد قرارات مماثلة اتخذتها شركات يابانية أخرى في إطار القلق المتعلق ببريكست. ومصنع الشركة في سويندون، في جنوب غرب بريطانيا، هو مصنعها الوحيد في الاتحاد الأوروبي وكان ينتج موديل "سيفيك" لأكثر من 24 سنة، بمعدل 150 ألف سيارة سنوياً تُصدّر الى أكثر من 70 دولة.

وبعيداً من التهويل والهلع، من المؤكّد أن خروج دولة بحجم بريطانيا سيكون له التداعيات الاقتصادية كبيرة، لكن مؤيّديه يأملون  بأن تتحوّل بلادهم إلى أن تكون ملاذاً ضريبياً وتخفض الضرائب على بعض الشركات. وأن خفض قيمة الجنية الإسترليني سيساعد لندن على زيادة التصدير.


التوتر في قمته

وتتأرجح الاحتمالات حتى نهاية آذار بين تفاؤلٍ تصرّ تيريزا ماي على الحديث عنه، وبين تشاؤمٍ تحدّث عنه قبل أيام رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، حول التوصّل إلى اتفاق. في حين يرى يانكر أن الفشل في التوصّل إلى اتفاق على خروج منظّم سيكون مكلفاً اقتصادياً، وستكون له تداعيات اقتصادية واجتماعية "مروّعة" في بريطانيا والقارة برمّتها.

حتى أن رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك يرى أن مناصري خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من السياسيين البريطانيين من دون برنامج لتنفيذ ذلك "يستحقون مكاناً خاصاً في جهنم،"، متسائلاً "كيف يكون سيشبه ذلك المكان في جهنم، المخصّص لاولئك الذين يطالبون بالبريكست من دون أن تكون لديهم أية خطة للخروج بسلام".

وفي مقابل كل ذلك، يبدو تمسّك ماي بموقفها لافتاً للانتباه خصوصاً وأنها في موقف صعب جداً، وأكثر منه يبدو حزمها حين تؤكّد أنها لن تسمح بعرقلة الخروج من الاتحاد الأوروبي، فكيف ستفعل ذلك؟

مغردةٌ روسية على مواقع التواصل الاجتماعي وجدَتها. فقد ابتكرت لماي مصطلحاً من اللغة الروسية وهو брекзить،  ويعني "To Brexit" ، أي أن تقول وداعاً، لكن من دون أن تغادر.