الجزائر تحت وقع الحراك

وما ميّز هذا الحراك هو الأسلوب السلمي في التعبير عن المطالب، ومشاركة أعداد كبيرة من الشباب فيه. لقد أتت مسيرة مظاهرات 22 شباط/فبراير 2019 في مناخ ساده الهدوء نسبياً، دون احتساب قمع بعض العناصر مثل علي بلحاج أحد قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ سابقا، ورشيد نكّاز أحد المترشحين للانتخابات الرئاسية عن حزبه العدالة والتغيير

بالنسبة للحالة الجزائرية، ترقّب الكثير من المحللين والمختصين أن تصل كراتُ الثلج (وهو تعبير عن تمدُّد وانتشار الظواهر في العلوم السياسية والعلاقات الدولية) إلى الجزائر بعد 2010، خاصة وأن الجارة تونس باتت أمام مرحلة جديدة من الانتقال الديمقراطي، والجارة ليبيا باتت تعرف تدهورا مستمرا في الأوضاع لم يتوقف عند تدخل الناتو ومقتل معمر القذافي، بل لا تزال تعيشه حتى يومنا هذا، كذلك شأنُ دول الحراك الأخرى، خاصة سوريا. وقد عرفت الجزائر خلال العقد الأخير احتجاجات ومظاهرات كثيرة، تنادي بإصلاحات في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كان نتيجتَها تجاهُلُ معظم المطالب الشعبية في مقابل القيام ببعض الإصلاحات السياسية التي لا تُفسَّرُ إلا من باب المسح على الذقون واستخدام لغة الخشب.

وفي قراءة لواقع الحياة في الجزائر على مستويات مختلفة، يمكن تسجيل الملاحظات التالية:

 


في الجانب الاقتصادي:

شهد الاقتصاد الجزائري تحولات عديدة في نمط تسييره منذ الاستقلال، وظلت مسألة تحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية رهانا أساسيا أمام الحكومات المتعاقبة في ظل الاعتماد على خيار تنموي واحد يقوم على قطاع المحروقات. وقد عاشت البلاد تداعيات الأزمة النفطية لعام 1986، ولا زالت تشهد انعكاسات الأزمة التي عرفتها خلال السنوات الأخيرة نتيجة انهيار أسعار النفط وتدهوُر مؤشرات الاقتصاد الوطني والسلم الاجتماعي. لقد عرفت البلاد جملة من الاختلالات الهيكلية، من ضمنها التركيز التام على قطاع المحروقات والتبعية للخارج في استيراد المنتجات. وكانت الأزمة النفطية لعام 1986 ذات انعكاسات سلبية على الاقتصاد الوطني ومؤشرات التنمية، فسعر برميل النفط انخفض إلى أقل من 13 دولارا، كما تراجع سعر الصرف وارتفع حجم المديونية. ثم أتت الأزمة النفطية سنة 2014 لتؤكد على أن الأزمات الدورية التي يعرفها الاقتصاد الوطني ناتجة عن سوء التسيير وشلل الرؤية الإستراتيجية.

إن المتابع لمسار العملية التنموية في الجزائر منذ الاستقلال يجد بأن التركيز على العائدات النفطية ظل صفة مميزة للاقتصاد الوطني، بحيث يفوق الاعتماد على قطاع المحروقات 95 بالمائة، وقد كان لارتفاع أسعار النفط منذ 1999 آثار إيجابية على واقع التنمية في الجزائر، بحيث زاد الإنفاق الحكومي والاستثمار في مجالات معينة من خلال الدفع بمخطط الإنعاش الاقتصادي (2001- 2004)، والبرنامج التكميلي لدعم النمو (2004- 2009)، والبرنامج الخماسي (2010 – 2014).

لقد تميزت العملية التنموية خلال الألفية "بعودة النمو الاقتصادي والآفاق المشجعة لتعزيزه، لاسيما مع المخطط الخماسي الطموح 2010- 2014 الذي اعتمد على تحديث المنشآت القاعدية وتحسين التشغيل والسكن والظروف الاجتماعية للسكان". وقد حقق مؤشر التنمية البشرية في الجزائر تحسنا في عام 2010 إذ بلغ 0,677، وهو معدل فاق المتوسط الذي يُحدد ب 0,624[i]. في المقابل فإن المورد النفطي "عمّق عجز الإنتاج الوطني، وبالتالي لم يقدر على إحداث تعويض لمنتجات أخرى غير المحروقات تُسهم في تنويع الصادرات الوطنية"[ii]. وكانت الأزمة النفطية لعام 2014 ذات أثر كبير على البلاد، خاصة مع ارتفاع الدولار خلال الفترة 2014- 2015، مما تسبب في انخفاض قيمة الدينار الوطني بحوالي 25 %. كما تراجعت نسبة الجباية البترولية إلى إجمالي الإيرادات العامة من 62 % في 2013 إلى 55 % في 2016[iii]، وزاد حجم المديونية، وتم تبني سياسات للتقشف وتقليص أو تجميد مناصب التوظيف في عدد من القطاعات، وشُلّت العديد من المشاريع التنموية، حتى أن سياسات التقشف وترشيد النفقات التي نادت بها الحكومة منذ نهاية 2014 تسببت في حالة من الغليان والسخط في الأوساط الاجتماعية، مما يقود إلى الحديث عن علاقة واقع التنمية الاقتصادية في الجزائر بالرضا والسلم الاجتماعي. وظلت البطالة بمعدلات تفوق 10 %، ففي أفريل 2018 قُدّرت ب 11,1 % حسب إحصائيات الديوان الوطني الجزائري للإحصائيات[iv]. وبحسب تقديرات البنك الدولي للتنمية فإن الناتج المحلي الإجمالي سيجد صعوبة في تجاوز نسبة 2 %خلال الفترة 2019 – 2020، "ليُشكل ذلك نموا هزيلا لبلد متوسط الدخل يغلب على شعبه نسبة عالية من الشباب"[v].

وتظل عملية تحقيق التنمية الاقتصادية في الجزائر محاطة بالعديد من التحديات الداخلية، التي ترتبط أساسا بهيكل الإنتاج وبنمط التخطيط والتسيير من جهة، وبمستوى الرضا الاجتماعي عن برنامج الحكومة، وانعكاسات الجهود المبذولة على التنمية الاجتماعية من جهة ثانية. والجزائر تتمتع بالعديد من المقومات لتفعيل بدائل تنموية كالزراعة والسياحة والاقتصاد الرقمي، وتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة، ومواجهة أزمات الاقتصاد الدورية الناجمة عن الاعتماد التام على مورد النفط، بالإضافة إلى سوء تسيير العملية الاقتصادية والتعديلات الحكومية المتكررة خلال فترات قصيرة.


في الجانب السياسي:

يتميز النظام السياسي الجزائري منذ الاستقلال بمركزة نظام الحكم، فهو يتمحور بشكل تام حول مؤسسة الرئاسة، بالتالي لم يختلف الأمر كثيرا عند قدوم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة سنة 1999، إذ إن مؤسسة الرئاسة تحظى بسلطات وصلاحيات واسعة سواءٌ على الصعيد الداخلي أو الخارجي (توجيه السياسة الخارجية). وقد تمكّن الرئيس بوتفليقة خلال العهدتين الرئاسيتين الأولى ومنتصف الثانية من احتواء حالة عدم الاستقرار الأمني التي عرفتها البلاد لأكثر من سبع سنوات (فترة التسعينيات وانتشار الإرهاب)، من خلال الدفع بمشروعي الوئام المدني ثم السلم والمصالحة الوطنية الذي شُرع في تنفيذه سنة 2006، وقد عبّر في بداية رئاسته للبلاد سنة 1999 بأنه أمام تحديّين أساسيين هما: استعادة السلم في الداخل، واسترجاع صورة ومكانة الجزائر على الساحة الدولية.

مع بداية موجة الحراك في المنطقة العربية، شهدت البلاد إصلاحات تعلّقت برفع حالة الطوارئ سنة 2012، التي عرفتها البلاد منذ عشرين سنة، وأخرى شملت نظام الانتخابات والنظام الحزبي، وقانون الإعلام بحيث تم فتح المجال أمام الخواصّ، بالإضافة إلى إشراك المرأة في الحياة السياسية، والقيام بتعديلات دستورية في مارس 2016، تميزت بترسيم اللغة الأمازيغية التي كانت في السابق لغة وطنية فقط بموجب التعديل الدستوري لسنة 2002. كما استمر مع ذلك الخطابُ السائد المتميز بتقديم وعود من أجل الإصلاح والتغيير، مع عدم تجسيد الوعود على أرض الواقع. ورأى المتابعون للمشهد الجزائري بأن الجزائر ظلت متأخرة عن موجة الحراك التي عرفتها دول الجوار، فحملاتُ الاحتجاجات المتكررة على ظروف المعيشة والسكن والحياة السياسية لم تكن كافية، بحيث تمكن الرئيس بوتفليقة من افتكاك عهدة رئاسية رابعة سنة 2014، بالرغم من انخفاض نسبة المصوّتين، فضلا عن مرضه الشديد الذي تفاقم منذ إصابته بجلطة دماغية سنة 2013 (قبلها أصيبَ بقرحة معدية سنة 2005)، وهو ما طرح تساؤلات كثيرة وردود أفعال سلبية.

إن حصيلة 20 سنة من حكم الرئيس بوتفليقة تكشف عن بعض الإنجازات والكثير من النقائص على الصعيد السياسي، مما يؤكد بأن العملية الديمقراطية في البلاد لا تزال متعثّرة، بحيث لا يقابلها تعددية سياسية في معناها الحقيقي، ولا عدالة انتقالية حقيقية، بحيث لا يزال النظام السياسي يجانب الكثير من الحقائق حول فترة التسعينيات، وأيضا حول الحكم في الجزائر وصناعة القرارات في ظل مرض الرئيس الشديد خلال السنوات الأخيرة.


في الجانب الاجتماعي:

صعدت المسيرات السلمية والاحتجاجات العارمة في مطالبها وأصبحت أكبر حجماً وأكثر تنظيماً مقارنة بالسنوات السابقة
صعدت المسيرات السلمية والاحتجاجات العارمة في مطالبها وأصبحت أكبر حجماً وأكثر تنظيماً مقارنة بالسنوات السابقة

في ظل انتشار البطالة والتهميش والإقصاء، وغياب تكافُئ الفرص، وغياب العدالة الاجتماعية والاقتصادية، أصبح الوضع الاجتماعي في الجزائر معرَّضا إلى المزيد من التأزُم والتدهور، خاصة وأن بعض التقديرات الاستشرافية ذكرت بأن الجزائر قد تكون في مواجهة أزمة اقتصادية تتزامن مع الانتخابات الرئاسية لسنة 2019[vi]. وتعرف الجزائر انتشار البطالة بشكل كبير في أوساط الشباب المتعلمين، حتى الحاصلين على مستويات جامعية عليا، وهو مشكل كبير يُطرح في ظل تجاهل المطالب واستمرار المحسوبية والرشوة. كما يعرف الأجر القاعدي انخفاضا ينعكس على القدرة الشرائية للمواطن البسيط، وهو ما يتم تجاهله أيضا مثلما عبّر عن ذلك أحد المسؤولين بقوله بأن الجزائريين يستهلكون بشكل كبير المياه المعدنية، معتبرا إياه مؤشرا على تحسن الحالة المعيشية للمواطن، وهذا بالتأكيد تصريح لا يعكس الواقع المرير. كما يعرف قطاع السكن العديد من المشاكل، من حيث التماطل في إنهاء المشاريع السكنية، والتماطل في توزيعها، وغياب العدالة في التوزيع والاستفادة. بالتالي، أصبح الحرمان النسبي والشعور بالاغتراب وضعف التمكين للفئات الشابة الحالة المميزة للواقع الاجتماعي والمعيشي في الجزائر، يقابلها انتشار كبير للإجرام وإدمان المخدرات وتزايُد في حالات الانتحار، تعبيرا عن اليأس والضياع.

وتعرف الجزائر اليوم، وهي مقبلة على انتخابات رئاسية جديدة بتاريخ 18 نيسان/ أبريل 2019، عدداً من المسيرات السلمية والاحتجاجات العارمة التي صعّدت في مطالبها وأصبحت أكبر حجماً وأكثر تنظيماً مقارنة بالسنوات السابقة، رافعةً شعارات تنادي بإحجام الرئيس بوتفليقة عن الترشح لعهدة خامسة وإسقاط النظام. وما ميّز هذا الحراك هو الأسلوب السلمي في التعبير عن المطالب، ومشاركة أعداد كبيرة من الشباب فيه. لقد أتت مسيرة مظاهرات 22 شباط/فبراير 2019 في مناخ ساده الهدوء نسبياً، دون احتساب قمع بعض العناصر مثل علي بلحاج أحد قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ سابقا، ورشيد نكّاز أحد المترشحين للانتخابات الرئاسية عن حزبه العدالة والتغيير. ثم أتت احتجاجات 26 فبراير التي شملت معظم الجامعات عبر الوطن، إذ خرج آلاف الطلبة رافعين نفس الشعارات، وهو ما عكس وعيا لدى هذه الفئة من المجتمع، واهتماما بمصيرهم المشترَك انطلاقا من واقع الحياة السياسية. ثم انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) دعوات إلى التظاهُر السلمي بتاريخ 01 آذار/ مارس، وأيضا تحذيرات من تصعيد ردود أفعال قوات الأمن، لكنها مرّت عموما بهدوء وسلام، في حين مُنعت قنوات أجنبية كثيرة من تغطية الأحداث.

وكان الرئيس بوتفليقة قد وجه رسالة يخاطب من خلالها الشعب الجزائري، وتم الإعلان الرسمي عن ترشُّحه لعهدة خامسة، مدعوماً من قبل أحزاب السلطة والمؤسسة العسكرية. كما تقدّم الوزير الأول أحمد أويحي بخطاب في مقر البرلمان، حذّر من خلاله من محاكاة الحالة السورية، محاولاً مخاطبة العاطفة بقوله بأن الحراك في سوريا أيضا بدأ بالورود (في إشارة إلى تقديم الورود لرجال الأمن خلال المظاهرات الأخيرة)، وبأن مصير الأنظمة الحاكمة هو إما الزوال أو التغيير في حين أن البقاء للأوطان والشعوب. وقد ثار نواب البرلمان ضد تصريحات كبار المسؤولين في الدولة، كتصريح أويحي الأخير، وتصريح معاذ بوشارب الرئيس الحالي للبرلمان، بعد أن قال بأن الرئيس بوتفليقة مبعوث من الله لخدمة الجزائر. وجميعُها في الحقيقة لا يُعبّر سوى عن تعنُّت النظام واستمرار بعض الأطراف في مناصرته بالرغم من أن كل المؤشرات الحالية تدل على استحالة استمراره. وكان قائد الأركان أحمد قايد صالح قد ذكر في بيان لوزارة الدفاع بأن الفئات التي خرجت للاحتجاج والتظاهر هي مجموعة أفراد مُغرَّر بهم، مما يعكس نفس الخطاب السائد خلال تسعينيات القرن الماضي، والهدف من ورائه هو محاولة التعتيم على الواقع.

وانطلاقاً من مؤشرات الواقع الجزائري، وتسارُع الأحداث خلال الأيام الأخيرة، يمكن استشراف تطورات الوضع في الجزائر من خلال بناء ثلاثة سيناريوهات كما يلي:

  • السيناريو الأول يفترض استمرار الرئيس بوتفليقة في قراره للترشح، مما سيزيد من موجات الغضب الشعبي، استخدام الأساليب العنيفة، التصعيد في المطالب وفي المقابل التصعيد في القمع، فتكون البلاد بالتالي أمام حرب أهلية.
  • السيناريو الثاني يفترض تراجع الرئيس بوتفليقة عن قرار الترشح، بالتالي انخفاض مستوى الحراك وبالتالي يمكن القول بأن الحياة ستعود إلى وتيرتها العادية.
  • السيناريو الثالث يفترض تراجع الرئيس بوتفليقة عن قرار الترشح، لكن مع التصعيد في المطالب الشعبية بحتمية التغيير وتطبيق إصلاحات في مختلف مجالات الحياة، مما قد تواكبه أعمال عنف فيضطر الجيش للخروج كما حدث خلال التسعينيات لفرض الحصار وتوظيف القمع.

ومن المعروف عبر التاريخ أن الفترات الانتقالية تشهد توترات وأعمال عنف، بالنظر إلى الطبيعة البشرية الباحثة عن التغيير، وبالنظر إلى استغلال بعض الأطراف (داخليا أو خارجيا) لسيرورة الأحداث فيما يخدم مصالحها. ويظل الجزم بطبيعة التطورات التي ستعرفها الأيام المقبلة نسبيا، لكنه لن يخرج عن السيناريوهات المقدَّمة في الغالب.

 

[i] "التنمية الاجتماعية والاقتصادية للجزائر: تقدُّم معتبر وتحديات يجب رفعها"، الموقع الإلكتروني: http://www.elmouwatin.dz/spip.php?page=imprimer&id_article=4830، تاريخ الزيارة: 25. 03. 2018.

[ii] الداوي الشيخ، "الإصلاحات الاقتصادية في الجزائر وإشكالية البحث عن كفاءة المؤسسات"، مجلة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، م. 25، ع. 02، 2009، ص. 258.

[iii] جمال سويح، وعطاء الله بن طيرش، "تقييم مدى فعالية البرامج التنموية في تنويع الاقتصاد الجزائري خارج قطاع المحروقات"، مجلة اقتصاديات المال والأعمال، مارس 2017، ص، ص. 215، 217.

[iv] "نسبة البطالة – أفريل 2018"، الموقع الإلكتروني: www.eco-algeria.com ، تاريخ الزيارة: 15. 12. 2018.

[v] "الجزائر: الآفاق الاقتصادية – أفريل 2018"، الموقع الإلكتروني: www.albankaldawli.org ، تاريخ الزيارة: 15. 12. 2018.

[vi] "الجزائر قد تواجه أزمة اقتصادية في 2019"، الموقع الإلكتروني: www.arabic.art.com ، تاريخ الزيارة: 02. 03. 2019.