محمد لطفي المرايحي - مرشح حزب الاتحاد الشعبي الجمهوري للرئاسة التونسية

الانتخابات الرئاسية التونسية.

 

عماد شطارة: مشاهدينا الكرام مرحباً أهلاً وسهلاً بكم. ضيفنا وضيفكم في التونسية الرئاسية 2019 هو السيّد محمد لطفي المرايحي، مرشّح حزب الإتّحاد الشعبي الجمهوري للإنتخابات الرئاسية السابقة لأوانها في تونس.

سيّدي مرحباً وأهلاً وسهلاً بكم.

 

 

محمد لطفي المرايحي: أهلاً وسهلًا بم وبالسادة المشاهدين.

 

 

عماد شطارة: الدكتور محمد لطفي المرايحي هو سياسي وكاتب وطبيب، أسس حزب الإتّحاد الشعبي الجمهوري منذ ثماني سنوات، ترأّس جمعية الإبداع الموسيقي كما أشرف على إدارة العديد من المهرجانات الثقافية وأنتج العديد من البرامج الإذاعية. له إصدارات عدة آخرها كتاب "تونس التي في خاطري".

سيّدي الكريم يوم قدّمتم ترشّحكم الى الانتخابات الرئاسية قلتم في تصريحاتكم للإعلاميين "قررت الترشّح لأنني أؤمن أن البلاد يجب أن تتغيّر"، كيف يرى السيّد محمد لطفي المرايحي الوضع اليوم في البلاد، كيف يوصّفه وما الذي يريد أن يغيّره؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: واضح للعيان ولا مجال للشك أن الإنتظارات التي خرجت من أجلها الناس من 14 يناير، بذلك الحشود، لم تتحقق، هناك آمال وأحلام عُلّقَت على هذه الثورة والواضح أن هذه الثورة زاغت عن طريقها، وكانت ملامح الزيغ هذه بادية من الوهلة الأولى. من ناحية في تصوّر النظام الديمقراطي وطريقة أدائه وإدارته وخاصة جملة المحاذير التي كان يمكن أن نتفطّن إليها والمطبات التي كان يمكن أن نتجنّبها، ولم تُتَّخَذ القرارات الصائبة من الوهلة الأولى. ولم يقع في تونس تصوّر للديمقراطية تتماشى وتتماهى مع الواقع التونسي، وإنّما وقع استنساخ لأشكال الديمقراطية الغربية بما فيها من عيوب، فوُلدَت الديمقراطية في تونس مشوبةً بأعراض الشيخوخة وبما ترأى للديمقراطيات الغربية من إنتزاع للإرادة الشعبية وإنحسارها في مجموعة أناس نافذين إعلامياً وسياسياً ومالياً ويتداولون على المناصب والسلطة في معزل عن الشعب، وكما نلاحظ في الديمقراطيات الغربية وفرنسا مثال بالنسبة لنا، رأينا على مدار السنة كانت تُحرَق باريس كل يوم سبت لأن الشعب في وادٍ والسلطة السياسية المالية في واد آخر.

فكان ممكن أن نجنّب تونس كل هذا الزيغ عن الإرادة الشعبية. اليوم نحن في مشهد ديمقراطي، أي في مشهد ديمقراطي يُختزَل في الانتخابات، لكن لا يعبّر حقيقةً عن الإرادة الشعبية، ما معنى الديمقراطية إن لم تكن هي حكم الشعب بالشعب للشعب؟

 

 

عماد شطارة: سيّدي الكريم هل الثورة واستحقاقات الثورة في تقديركم انحرفت عن مسارها أم حُرفَت عن مسارها؟ وهل النخبة السياسية باختيارها هذا المنوال السياسي فكّرت في مصلحة البلاد أم فكّرت في قطع الطريق على عودة الإستبداد؟ فكّرت في مصالحها أن تبقى في الحكم أكثر من أن تفكر في أن تضع نظاماً سياسياً متيناً قوياً قادراً على النهوض والإقلاع بالبلاد؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: أنا خوفي أن النخبة السياسية لم تفهم، على الأقل الوطنية منها والجادة منها، لم تفهم طبيعة ما جرى في تونس وما يجب أن يُغيَّر.

 

 

عماد شطارة: لم تتلقّف الدرس.

 

 

محمد لطفي المرايحي: لم تدرك طبيعة الرهانات وما جعل البلاد، يعني زمن بن علي تأخذ منعطفات لم تكن محمودة ولم تستطع تقويم هذه المسارات ما بعد الثورة، المشكلة في تونس هي أن السلطة الحقيقية هي سلطة إقتصادية في يد عائلات بعينها، في يد ثروات بعينها، هذه الثروات وهذه العائلات اجتازت زمن بورقيبة الى زمن بن علي ثمّ الى زمن الثورة، وهي باقية متنفذة ونافذة وهي التي تشكّل المشهد السياسي، فليس المشهد السياسي سوى واجهة لسلطة العائلات، والمشهد الإعلامي في خدمتها.

 

 

عماد شطارة: أنت تعيدني في هذا الكلام الى التصريح الأخير الذي أثار ضجة لسفير الإتّحاد الأوروبي في تونس والذي تحدّث عن هيمنة عائلات قليلة عن الثروات في تونس. أنت توافق هذا التوصيف.

 

 

محمد لطفي المرايحي: لكن هذا الحديث أنا أقوله منذ سنوات، المشكل في تونس هو هذا، المشكل هو أن السلطة ليست في يد الشعب لأن المصالح الخاصة وهذه العائلات تعمل بالوكالة لمصالح أجنبية، هذا الإشكال، أي هي مدخل لهيمنة أجنبية، هي أدوات لإقرار سياسات إقتصادية ليست في صالح الشعب التونسي، هناك خيارات طُبَّقَت منذ 1995 بانفتاحنا على الشراكة مع الإتّحاد الأوروبي، بانخراطنا في منظومة العولمة من خلال معاهدة الغات والمنظّمة العالمية للتجارة والمبادلة الحرة بين قوسين، لأن المبادلة الحرة هي عمليات استيراد لسلع أكثر منا تصدير، لسلع تونسية. فوقع تفكيك نسيج الاقتصاد التونسي، تسريح الآلاف من التونسيين، إرهاق الصناديق الاجتماعية، خلق أزمة إجتماعية.

 

 

عماد شطارة: هل اليوم السيّد لطفي المراحي يقول أن نظام بن علي سقط وأن مراكز النفوذ لم تتغيّر وأن الأحزاب التي دخلت على المشهد أخذت الدور فقط لتنفّذ مصالح هذه الفئة من المتنفّذين بالوكالة؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: طبعاً، هذه الأحزاب الموجودة وهذه الشخصيات التي رأيناها في البرلمان وفي السلطة ليست سوى صنيعة لهذا النفوذ الاقتصادي، هذا الإشكال الذي يجب أن يدركه كل تونسي، وأن اليوم عندما توفي الرئيس الباجي قايد السبسي ويظهر فجأةً مرشّح آخر هو مرشّح هذه الأوليغارشيا المتّحدة، هو لحماية هذه المصالح ليس إلا.

 

 

عماد شطارة: الرؤساء يُصنعون؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: يُصنَعون، هناك وجاهة تصنعها الإعلام، وهناك وجاهة يصنعها المال، وهناك ذمم تُشترى وتُباع، وهناك مساعدات إجتماعية وما الى ذلك، مداخل عدة للتلاعب في الإرادة الشعبية. الشعب التونسي ..

 

 

عماد شطارة: صناعة الرؤساء صناعة داخلية أم خارجية أم شيء من هذا وذاك؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: أنا أعتقد أن هناك تداخل، أصحاب النفوذ المحلي هم إمتداد للنفوذ الأجنبي في تونس، يعني عندما تستقرئ المشهد بشكل عام ترى أن الانتخابات لا تُجرى ونتائجها لا تُحسَم خلال الحملة الانتخابية، الانتخابات تُحسَم سنوات من قبل.

 

 

عماد شطارة: ونتائج سبر الآراء معدّة سلفاً.

 

 

محمد لطفي المرايحي: بقطع النظر عن نتائج سبر الآراء، هناك تهيئة، هناك خلق وجاهات، خلق شخصيات، صناعة رأي عام، وهذا يتدخل فيه كثير من المال ومن الإعلام وتغير في الوجوه وتُغيَّب وجود وتُستحضَر وجوه وتُبجَّل وجوه وتُمتدَح وجوه وتُذَم وجوه أخرى.

 

 

عماد شطارة: هل بدأت صناعة الرأي العام في هذا الإستحقاق؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: هي بدأت منذ سنوات، منذ الإستحقاق الماضي، هذا سباق شُكّل وأُعدّ منذ سنوات، نحن الآن سنأتي على نتاج شيء وقع الإعداد له منذ سنوات، هذا على التونسيين أن يدركوه فما يجري ليست الحملة الانتخابية التي تدوم بعض الأسابيع هي التي تصنع الوجاهات والشخصيات القابلة لأن تتبوَّأ المناصب.

 

 

عماد شطارة: هنا نتحدّث عن تكافؤ الفرص وضمانات رقابة مناخ إنتخابي نزيه وشفاف، هل الضمانات متوفرة؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: الموضوع ليس موضوع الإقتراع، اليوم الأخير للإقتراع، هذا ما نبّهت إليه منذ 2011، نبّهت إليه قبل انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، هذا هو المنعرج الخطير الذي أخذته الديمقراطية بين قوسين في تونس، كان لا بدّ أن توضَع ضوابط للأداء الإعلامي ولتمويل الحياة السياسية، هذا هو التكافؤ في الفرص والحظوظ، هل الحياة السياسية هي اليوم حكر علي الميسورين وعلى مَن لهم نفوذ ومسنودين حتى يظهروا في الإعلام الخاص؟ يعني ما حظّ المواطن التونسي العادي في قابلية أو إمكانية الترشّح لمختلف الإستحقاقات؟

 

 

عماد شطارة: وسط هذا المناخ سيّد محمد لطفي المرايحي حزبكم صغير وأنت تعرف الأجواء التي ستنشط فيها ومع من ستتعامل ومع من ستأتيك الضغوط، ترشّحكم للرئاسية كيف يمكن أن نقرأه؟ هل أنت باستطاعتك أن تغيّر بمفردك كل هذا الواقع أم أنك ربّما تبحث عن موقع ما وسط المنظومة؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: ترشّحي للرئاسية، حزبي صغير لأنه حزب عمره ثماني سنوات، ونشأ طبيعياً خلال ثماني سنوات، وعالم السياسة يعرف أن الأحزاب لا بدّ لها من وقود حتى تحكم هذه طبيعة الأشياء ولا تقارنها بالأحزاب الفقاعية.

 

 

عماد شطارة: الماكينات الانتخابية.

 

 

محمد لطفي المرايحي: التي هي امتداد لتجمّع المنحلّ والتي هي امتداد للناس الذين كانوا نافذين في التجمّع المنحلّ، القدرات المالية والإعلامية وما الى ذلك التي توظَّف كل مرة خدمة لمشروع ما سرعان ما يتلاشي بانتظار آجاله ودوره، هذا الذي علينا أن ندركه. فحزبي هو حزب طبيعي تشكّل بشكل طبيعي، ينشط بشكل طبيعي، وينمو بشكل طبيعي، لكن الانتخابات الرئاسية ما هي في واقع الأمر؟ الانتخابات الرئاسية كما كان يقول الجنرال ديغول هي التقاء رجل بشعب، فليس الموضوع هو موضوع حزب أو منظومة، هو رجل من المفروض أن يتقدّم أمام الشعب سواء كان ينتمي لحزب أو مستقلّ، فهو شخصية تطرح نفسها أمام الناخب التونسي، والناخب التونسي عليه أن يختار بين هذه الشخصيات مَن يرى فيه الجدارة والكفاءة ليتبوّأ المنصب. وتبوّؤ هذا المنصب يجب أن يُعيد صياغته، مَن هو رئيس الجمهورية وما هو رئيس الجمهورية؟ رئيس الجمهورية ليس أب التونسيين، هو ليس وليّ أمرهم، فهم ليسوا قُصَر، هم مواطنون رُشَد، ليس أذكاهم ولا أكثرهم ثقافة، ولا الرجل المستنير الذي سيهديهم السبيل، ولكن الرجل الذي سوف يتكفّل وسيعهد لهم باحترام الدستور وتطبيقه، هذا أساس خطة ودور رئيس الجمهورية، وفي هذا هو ليس محتاج لجيش يدعمه أو الى أحزاب، هو شخص متقدّم في قمة الشعب والشعب سيوكل له هذه المسؤولية أن يثق في نظافه ومصداقيته.

 

 

عماد شطارة: هو الشعب الذي تتحدث عنه دكتور لطفي المرايحي، تحدّثتَ عن الوهج الثوري الذي خرج به والأحلام التي بقيت الى حد الآن معلّقة، الآن يعيش أزمة إقتصادية، يعيش تدهو في القدرة الشرائية، هل تحقق في تقديركم شيء من الوعي بما يصوّب خياراته وما يكون هذا الإستحقاق الإنتخابي بداية تأسيس لمسار جدّي في اختيار المرشّحين في تصحيح المسار السياسي؟ هل هناك نوع من الرشد والوعي من قراءة المشهد السياسي الذي يُمكن يطمئن بأن الخيارات والتوجهات قد تشهد منعرجاً معاكساً لما كانت عليه منذ سنوات؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: أنا أجوب البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات، كما يقول أخواننا المشارقة لفّيت البلد مرّتين شمالاً جنوباً وشكرقاً وغرباً، وأهمّ للجولة الثالثة في البلاد، وما ألحظه عند جميع المواطنين هناك قلة ثقة في السياسيين، رفض للطبقة السياسية بمجملها، وهي ردة فعل مفهومة.

 

 

عماد شطارة: من كثرة الوعود التي أُطلقَت ولم تتحقق.

 

 

محمد لطفي المرايحي: طبعاً، ردة فعل مفهومة، وهي بداية وعي ولست الوعي، هي بداية وعي لأن الشعب يبدو وكأنه سُلّم وأخذ مسافة من هذا المشهد السياسي. وأعتقد أنه يحتاج لسنوات أخري حتى يدرك الناس ما يحدث حقيقةً، سنوات أخرى، مع الأسف هذا الواقع، لأنه خلال هذه الثماني السنوات لم يقع إستغلالها لتوعية الشعب، فشعبنا انتقل من ديكتاتورية الى ما يسمى ديمقراطية دون أن يتكفّل الإعلام والسياسيون ومكوّنات المجتمع المدني بالعمل المستوجَب حتى تقترب منه كثير من المفاهيم، ما هي الديمقراطية، ما هي الأحزاب، ما هو دورها؟ ما هو دور المواطن؟ كيف نقيّم الخطاب السياسي؟ كيف نفرّق بين وعود وبرامج التي يمكن أن يشتغل من خلالها السياسي؟ هذه جميعاً مفاهيم تخلق الوعي والنضج لدى المواطن وتجعل من ورقة الإنتخاب تعبيرة حقيقية على إرادة وليست نزوة أو خيار مدفوع الأجر.

 

 

عماد شطارة: خيار مدفوع الأجر، عن هذه النقطة تحديداً قلتَ بأن الوعي لم يتحقق بعد، الشعب اليوم لا يعود السياسيون إليه إلا في المناسبات، بحفلات ومهرجانات إنتخابية، وبعض العطايا أو الهدايا، وبشراء بعض الأصوات قبل الدخول الى صناديق الإقتراع. اليوم هناك مترشّحٌ منافسٌ لكم سيّدي ملأ الفراغات التي تركتها الدولة وخصّص جهده طيلة فترة لتقديم العطايا والمساعدات لضعاف الحال، لأنّ الدولة غابت عن دورها دولة الرعاية الاجتماعية ومساعدة ومؤازرة ضعاف الحال وبدأت حتي سياسة الدعم تراجعها شيئاً فشيئاً. اليوم تضعه عمليات سبر الآراء في مقدّمة نوايا التصويت إن صحّ التعبير، هل هكذا يمكن أن يصل مترشّح للرئاسة ببعض المأكولات والمشروبات وبعض الأثاث القديم وبعض المساعدات المالية أو العينية؟ هكذا ينتخب الشعب الرئيس؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: إذا غابت الدولة في دورها الاقتصادي الاجتماعي فهي غابت كذلك في دورها في العملية الديمقراطية، يعني هذا الشخص تحرّك خارج القوانين والأُطر الديمقراطية جميعها، فهو انتهك القوانين، استعمل قناة تلفزة، إذا كنّا نقصد نفس الشخص، استعمل قناة التلفزة للترويج لشخصه بشكل يتحقق معه هذا التكافؤ في الفرص والحظوظ، وفي إنتهاك صريح لقوانين .. ولم تستطع الدولة أن تُطبٍّ عليه القانون فالقانون في تونس لا يسري إلا على الفقير والضعيف وليس على القوي. عن أية دولة وجمهورية نتحدّث؟ التي تخلّت عن دورها الاجتماعي والإقتصادي؟ التي تخلت كذلك عن تطبيق القانون وإلزام الناس جميعاً به؟ فأنت ترى أننا نحتاج لس الي ترميم وإنّما الى بناء جميع المنظومة، منظومة الجمهورية التي يكون فيها المواطنون متساوون، وهذا نحن بعيدون كل البُعد عنه. فأخطأنا في اختياراتنا الاقتصادية والإجتماعية، وأخطأنا في التأسيس لديمقراطية حقيقية، ونحن نسير نحو انتخابات، لا أريد التشكيك في نتائج الانتخابات، لكن ماذا هيّأنا حتى تكون هذه الانتخابات حقيقةً تعبير عن الإرادة الشعبية؟ لأنه ماذا سيحصل بعد ذلك؟ بعد ذلك سيحصل أن الناس ستتفق على رئيس وعلى منظومة سياسية ولكن سيجدون فجوة بين انتظاراتهم، بين آمالهم وأحلامهم وبين سياساتهم المتّبعة، وهذه الفجوة كيف سكيون ردّة الفعل عليها؟ ستكون ردّة الفعل عنيفة، أي ستنتقم.

إذاً الانتخابات الرئاسية تُجري في دورتين، ستكون دورة ثالثة في الشارع. الديمقراطية وُجدَت ..

 

 

عماد شطارة: هل الشارع لا زال قادراً على الإحتجاج؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: الشارع يحتج.

 

 

عماد شطارة: احتجّ منذ ثماني أو تسع سنوات ولم تتحقق المطالب.

 

 

محمد لطفي المرايحي: وهو يحتج دائماً الشارع لأن الناس لا سحتجون بإرادتهم أو يحتجّ طرف منهم، هم يحتجون عند الحاجة، وهذا الشباب، هذا الكم الهائل من البطالة الذي عاينته في مناطق شيء يدمي القلب، أنت ترى الشباب التونسي اليوم ليس له رغبة ولا طموح إلا في مغادرة هذا الوطن، هل هذا ما حققناه نحن؟

 

 

عماد شطارة: أنا أريد أن أشكر صورة تدلاولتها مواقع التواصل الاجتماعي مزرية جداً، في عيد الأضحى تم قطع الماء والكهرباء عن عديد من المناطق، خرج المتضررون وقطعوا الطريق وعطّلوا حركة السير، الدولة غائبة وتونسيون يتخاصمون وإشتباكات بين المواطنين، هذا المتضرر من قطع الماء والكهرباء، وذاك متضرر من قطع الطريق ولأنه يحتاج للمرور. عن هذا المشهد نتحدّث، عن أبسط الأمور في يوم عيد الأضحى يغيب الماء والكهرباء عن البيوت، أين الدولة؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: أين الدولة؟ قلت لك أن الدولة ملك لأشخاص، هذا شيء مؤسف ومحزن، عن أية سيادة وطنية نتحدث والتأثيرات الأجنبية موجودة؟

 

 

عماد شطارة: كانت لدينا في زمن الإستبداد إدارة منظّمة وتعمل حساب مثل هذه المناسبات وتقرأ حساباً لكل كبيرة وصغيرة ولا يقع كثل هذه المشاكل، اليوم هناك حالة تسيّب.

 

 

محمد لطفي المرايحي: في زمن الإستبداد كان هناك شخصٌ جالسٌ على الكرسي همّه أن يستمرّ حكمه ما طال هو في الحياة أو ما بعد، فكان يحرص على أن توجد هناك توازنات بين مصالح هذه اللوبيات وهذه العائلات، وبين هذا الشعب، فهو موفّق.

 

 

عماد شطارة: نقف سيّد لطفي المرايحي عند هذه النقطة. فاصل قصير ونعود.

مشاهدينا الكرام ابقوا معنا، لا تذهبوا بعيداً.

 

 

فاصل

 

 

عماد شطارة: مرحباً، نجدد بكم التحية مشاهدينا الكرام، كما نجدد الترحاب أيضاً بضيفنا الدكتور محمد لطفي المرايحي مرشّح حزب الإتّحاد للشعب الجمهوري للإنتخابات الرئاسية في تونس.

سيّدي الكريم نتحدّث عن أن بن علي كان موفّقاً بين مصالح الدولة ومصالح أرباب المال والأعمال إن لم نقل الحيتان الكبيرة، اليوم مَن يلعب هذا الدور؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: لا أحد، لذلك الوضع يزداد سوءاً، كل ما ظهر زمن بن علي مظاهر طفيلية وإخلالات تعمّق بعد الثورة، فكان في زمن بن علي فساد فأصبح الفساد مضاعفاً، كان هناك أزمة في زمن بن علي في الفترة الأخيرة اقتصادية، إجتماعية، مظاهر مخدرات، مظاهر للهجرة السرية، مظاهر للبطالة، كل ذلك تضاعف أضعاف الأضعاف، لذلك تجد اليوم التونسيون يحنون لزمن بن علي ويعتبرونه أنه كان أقلّ سوءاً وهم محقون. فتونس التي ننشدها أو التي هي في خاطري كما قلت في كتابي هي تونس أخرى، ليست تونس زمن بن علي أنها لو كانت الجنة الموعودة لبقينا فيها أو لما ثار الناس أو رغب البعض في أن يثور، لما وجدوا مَن يسندهم ولكن الوضع تفاقم، نحن نبحث عن تونس أخرى، وهذه تونس ممكنة لأن في تونس من الخيرات والكفاءات ومن الزاد البشري، يجعل تونس ممكن أن تلعب أدوار هامة وأن تحقق لهذا الشعب الذي تعداده 12 مليون وليس بالتعداد الكبير، ممكن أن تحقق له انتظاراته.

 

 

عماد شطارة: عن الوضع بعد الثورة، شاهدنا إقبالاً كبيراً على العمل السياسي، كنّا نعدّ الأحزاب سبعة أو ثمانية أحزاب منها ما يُسمى بالأحزاب الكرتونية في زمن بن علي، اليوم تجاوز عدد الأحزاب 220 حزباً، والعناوين تختلف والبرامج متشابهة إن وُجدَت برامج، وفي كل مرة نرى وجوداً تطفو على السطح كانت نكرة في السابق واليوم تستأثر بالكلمة وبالحضور في المشهد ولها كلمة في الإعلام، وكأنّ الجميع يتكالب على الظهور في المشهد وكأنّ السياسة أصبحت وسيلة للتكسّب وليست أخلاق سياسية ورغبة في خدمة البلاد وفي خدمة الشأن العام. هل هكذا هو الوضع، أتشاطرني الوضع في التوصيف؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: أختلف معك في عدد الأحزاب لأنه صحيح هناك 220 ترخيص لحزب لكن كم موجود من هذه الأحزاب الذي له مقرات وله مناضلين وله بيانات ونشاط وقائمات تترشّح؟ لا يتجاوز العدد 15 حزباً، فكل هذه الأحزاب ميّتة، لها تراخيص لكن ماتت.

 

 

عماد شطارة: دكاكين وهمية؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: طبعاً، هناك ناس اعتقدوا أن الحياة السياسية شيء سهل أو أن المجد ممكن أو أن الوصول للسلطة سهل أو أنهم لهم برنامج إستثنائي سيجلب لهم الاهتمام وتصويت النخب، وثمّ استمروا لزمن قصير وذهبوا الى سبيل حالهم.

عدد الأحزاب اليوم يتراجع، في كل استحقاق إنتخابي يتراجع عدد الأحزاب، وفي هذه الإستحقاقات ستمون مجموعة من الأحزاب. المشكل ليس هنا لأنه من المُباح للجميع الإنخراط في الحياة السياسية والفعل السياسي، لكن الإشكال هو أن الناس الموجودة في الحياة السياسية عديد منهم يتمتع بامتيازات، وأكثر من هذا هو أن العمل السياسي تدريجياً لم يعد متاحاً إلا للميسورين، أنت عندما تنظر للأحزاب كيف تعدّ قائمتها الانتخابية، ومَن تجعلهم على رأس القائمة، هي عادةً تعتمد على الأثرياء وأصحاب النفوذ في المنطقة، أي المواطن العادي الراغب في العمل السياسي..

 

 

عماد شطارة: أريد أن أذكّركم سيّدي الكريم بتصريحين سابقين لكم، في السابق قلتم إن انتخبتم النهضة أو النداء فالتونس هي الخاسرة،  ولك تصريح لافت آخر وصفتم مَن التحق ببناء تونس بالإنتهازيين، واليوم تقولون أن حزب تحيا تونس هو حزب أشخاص قفزوا من القطار. ماذا تقصد؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: هذا المشهد الذي كنت أوصّفه، عندما كان النهضة والنداء كان مشهداً حول الإعلام أن نبلوره على أساس أن هناك قوّتين قوة محافظة إسلامية.. الإستقطاب الثنائي، وبالنسبة لي كان الموضوع ليس موضوع سياسي، في تونس الموضوع هو إقتصادي بالأساس، كل المشاكل الاجتماعية التي نعيشها هي نتاج هذا المشكل الاقتصادي، والمشهد السياسي تشكّله القوة الاقتصادية، وقناعتي، وهذا ما تأكّد وخلال الممارسة، أن حزب النداء أو حزب النهضة، هذه الأحزاب لها نفس الخيارات الاقتصادية التي تراعي مصالح هذه اللوبيات، فالنتائج يمكن أن تؤدي لنفس النتائج سواءً تبوأ هذا السلطة أو هذا، وأنت ترى أنه كان الحكم مشترك بينهما وكان النتائج كما نعرفها.

ثمّ بالنسبة لحزب تحيا تونس، هناك مجموعة من الناس الموجودين في الحياة السياسية هم يتصيّدون الريح ومسارها ويقفزون من عربة الى أخرى باحثين عن العربة التي ستوصلهم الى السلطة، فليست لهم قناعات ثابتة ولا برامج ولا أهداف، وإنّما الهدف الوحيد هو التموقع، هذا الإشكال.

 

 

عماد شطارة: عن الوضع الاقتصادي قلتم سيّدي الكريم أن تونس تحت وصاية صندوق النقد الدولي، صندوق النقد الدولي ليفرض الإملاءات وليرسم السياسات والذي يحدد الخيارات، وانتقدتم حتي تصرّف بعض السفراء، وكحلّ أو مخرج قلتم انتخبوا الرئيس الذي يقطع مع هذه الوصاية. كيف لرئيس الجمهورية بصلاحياته وبالحقائب التي في عهدته أن يقطع الوصاية مع صندوق النقد الدولي وأنت تعلم وضع المديونية التي تعيشه البلاد؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: هناك أولاً فهم محدود جداً شائع وخطأ شائع في الفهم لرئيس الجمهورية ودوره وصلاحياته، من أول صلاحيات رئيس الجمهورية في تونس أن يكون حافظاً للدستور، عمّا ينصّ هذا الدستور؟ في فصوله ال30 وحتى ال40 ثلة من الإصلاحات ومن الواجبات المحمولة على الدولة ذات الأبعاد الاجتماعية والإقتصادية، ذلك حق الشغل، حق الصحة، حق التعليم، على الدولة أن تحقق ظروف العيش الكريم للمواطنين، حتى الأجر مقابل الشغل ينصّ عليه الدستور. فهذه جملة من الإلتزامات المحمولة على حافظ الدستور رئيس الجمهورية.

 

 

عماد شطارة: وهل تُحترَم؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: أنا لا أتحدّث تُحترَم أو لا تُحترَم، أنا أحدّثك بدايةً عن ما هي مشمولات رئيس الجمهورية وما هو دوره. فخلافاً لما يُصوَّر أن رئيس الجمهورية له الاهتمام بالشؤون الخارجية وبالدفاع فقط..

 

 

عماد شطارة: كيف ستقطع الوصاية؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: آتيك الى تلك النقطة. فترى أن رئيس الجمهورية له أن يتدخّل في عديد من المجالات، طبعاً هو ليس سلطة تنفيذية ثانية بالتوازي مع رئيس الحكومة، وإنّما هو سيكون له دور الإشراف باعتباره حافظ لهذا الدستور فهو حريص على أن يُطبَّق هذا الدستور، حريص على أن تحقق الدولة مجموعة الإلتزامات المحمولة عليها هذه. لذلك نعتقد أن الموضوع الاقتصادي هو الأساسي، فالنقطة الأساسية التي يركّز عليها هي نقطة علوية القانون وتطبيقه وأن يطبّق القانون على القوي قبل الضعيف وعلى الغني قبل الفقير، وأنه لا تسامح مع القانون. لكن النقطة الثانية والأساسية والتي ستكون إن توفّقت أن أكون رئيس للجمهورية هي النقطة الاقتصادية، مراجعة السياسة الاقتصادية، الاقتصاد التونسي وصل لهذا الوضع المزري لأن السوق التونسي انفتحت أكثر مما هو ممكن وأكثر مما هو مطلوب على السلع الأجنبية، وتدفّقت السلع..

 

 

عماد شطارة: حتى تمتلئ جيوب الحيتان الكبيرة.

 

 

محمد لطفي المرايحي: طبعاً، وتدفّقت السلع الأحنبية وضيّقت المجال على المصانع التونسية فتوجّه الطلب الداخلي نحو العرض الخارجي، مما جعل هذه المصانع إما تُقفل أو يتراجع دورها، فهي غير مستعدة لاستقبال مزيد من طالبي الشغل، فلا بد أن نعطي مجال أكثر للمؤسسات التونسية والمعامل التونسية ونحوّل العرض الداخلي على طلب داخل.

هناك إشكال، هناك معاهدات دولية تمنعنا ..

 

 

عماد شطارة: سياسة الإنفتاح ..

 

 

محمد لطفي المرايحي: طبعاً، لكن لنا اقتراح ولذلك أنا أسميها بسياسة حمائية قطاعية تشمل بعض القطاعات وليس جل القطاعات، وذكية، ذكية لأنها ستُبقي على هذه المعاهدات ولكنها ستلتفّ عليها باعتماد الأداة على القيمة المضافة الاجتماعية، هذا الإجراء سيجعل من المنتوج التونسي أقلّ سعراً من المنتوج الأجنبي فسيحوّل الطلب الداخلي على العرض الداخلي، إذا تحقق هذا ماذا سينتج عنه؟ أولاً المصانع التونسية سيكثر عليها الطلب فستنمو وتطلب المزيد من اليد العاملة فالتشغيل، ثانياً يكثر عدد المساهمين في الصناديق الاجتماعية فمشكلة عجز الصناديق الاجتماعية يقع التخلص منها، ثالثاً سنقلّص من توريد السلع التي تُورَّد، فقيمة العملة ستتحسن، فخدمة الدين ستتحسن، عملة أحسن، في ظروف أحسن، هذا دور رئيس الجمهورية في تحقيق السيادة لأنه لا سيادة ونحن مرتهنون بهذا الشكل لصندوق النقد الدولي والقوى الأجنبية، ثمّ ستكون هناك واردات للدولة أكثر لأن هذه المصانع ستشتغل وتدفع أكثر ضرائب، ستجد الدولة موارد للقيام بالصحة والتعليم والأمن والقضاء وهي الركائز الأساسية لتكون هناك جمهورية.

 

 

عماد شطارة: السياسة الحمائية التي ترى أن سبيل الخلاص يكون من خلالها لتعود عجلة الاقتصاد للدوران من جديد وتشتغل المصانع وتنفتح آفاق التشغيل، هي ستصطدم أولاً بالمعاهدات التي تم توقيعها مع منظمة التجارة العالمية فيما يتعلق بالإنفتاح التجاري، ستصطدم بمصالح الحيتان الكبيرة التي تتحكم بالقرار في البلاد وأنت تعلم هذا الأمر، والمعضلة الثالثة أنّ الذين سيستثمرون أول سؤال سيُسأَل لهم من أين لك هذا؟ مسألة شفافية ومصادر الثروات وكشف مصادر الثروات هذا سيراه المستثمرون الجدد أمام متابعة جبائية للتدقيق أمام مصادر الثروات، لذلك رجال أعمال تونسيون إما يستثمرون في العقارات أو خارج البلاد.

 

 

محمد لطفي المرايحي: هم يستثمرون، كل العقبات التي ذكرتَها مقدور عليها، أولاً موضوع الإتّفاقيات الدولية قلتُ لك أنني سأُبقي على الإتّفاقيات الدولية لأنني لست ترامب حتى أمزّقها، السياسة الحمائية التي أنادي بها منذ ثماني سنوات، ثماني سنوات وأنا أنادي بها وليس اليوم، يعني قبل أن تُطبَّق في الولايات المتّحدة، يعني دولة قوية تجد نفسها مجبَرة على تطبيق سياسة حمائية ودولة ضعيفة لا تطبّق سياسة حمائية، أنا لست ترامب وليست لديّ هذه القوة وهذه النفوذ حتى أمزّق اتّفاقيات لكن أنا أصنع حلاً ذكياً هو الأداة على القيمة المضافة الاجتماعي يُبقي على هذه الموجودة وتدخل السلع، لكن بهذا الإجراء أجعل من السلع التونسية أقلّ سعراً من السلع الأجنبية، فلا بدّ أن المواطن التونسي سيُقبل على سلعة أقلّ سعراً بالنسبة إليه، فأحوّل الطلب الداخلي الى عرض داخلي دون المساس أو الحديث عن المعاهدات الأجنبية.

بالنسبة للحيتان التي تحدّثت عنها، أنا لستُ سليل اللوبيات فأنا متحرر منها تماماً، أنا لا أضعها في اعتباري، أنا أضع الدولة في اعتباري وأضع الشعب في اعتباري، وأنا إن وصلت فأكون مسنوداً بالشعب ولستُ نتاجاً لإعلام هيّأ الرأي العام أو لأموالٍ أُنفقَت في سبيل أن أكون فائزاً في هذه الانتخابات. هذا هو الفرق بيني وبين الآخرين.

 

 

عماد شطارة: نقطة أخيرة في الجانب الاقتصادي وأريد أن نمر عليها بعجالة، موضوع الثروات إن كانت لتونس ثروات غير معلنة، غير معلومة، يطفو على السطح كل مرة ثمّ يختفي من جديد، تأتي بعض التصريحات من السياسيين، أقول من السياسيين وليس من الخبراء، لتفنّد موضوع الثروات وتأتي بعض حملات التكذيب بأن لتونس ثروات كبيرة وهناك فساد كبير خصوصاً في قطاع الطاقة. اليوم مسألة السيادة على الثروات والتدقيق في الثروات هل هو مطروحٌ في برنامجكم؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: هو أساسي، هو من النقاط الأربعة الأساسية، هناك تقرير لدائرة المحاسبات منذ بعض السنين تحدّث عن إخلالات كبرى، أنا من موقعي هذا لا أستطيع أن أقول لك إن كانت تونس تعوم فوق بحر من البترول أو لا، لا أدري، وإنّما ما أنا متشبّث به أياً كان حجم ثرواتنا فلا يمكن أن يتصرّف فيها غيرنا، والذي حدث أن هناك اتّفاقيات وعقود وقع إبرامها في زمن بن علي، من ذلك موضوع بتروفاك والذي كان من تبعاته أن وقعت محاكمة منصف الطرابلسي ووقع إثبات أن هذا العقد الذي أُبرم كان عقداً فاسداً، فإن كان العقد فاسداً أليس من حق الدولة أن تراجعه؟ هذا من البديهيات. هناك حق (المسكار) الذين تزوّدوا اليوم منه ب60% من احتياجاتنا من الغاز وندفعه، كان ملكاً للدولة وفرّطت به الدولة في زمن بن علي تحت رأي الخبراء الذين قالوا هذا حقل ليس له جدوى وأخذته بريتش غاز واليوم نحن نستهلك منتوجه بالعملة الصعبة.

 

 

عماد شطارة: أضيف نقطة أخيرة، هناك من المسؤولين مَن أسند تراخيص الإستغلال والتنقيب ثمّ بعد ذلك تركوا الوظائف الحكومية وذهبوا الى الشركات الأجنبية بأجور خيالية.

 

 

محمد لطفي المرايحي: هذا يستحق اليوم مراجعات، ما يمكن تأميمه لا بدّ أن يؤمَّم، وما لا يمكن تأميمه لا بدّ أن تُراجع فيه العقود وإلا لا تحدّثني عن سيادة وطنية.

 

 

عماد شطارة: نبقي في هذا الإطار ولكن من زاوية أخرى، كنّا نتحدّث عن الفساد في قطاع الطاقة، أنت طبيب سيّدي وكشفتَ العديد من ملفات الفساد في القطاع الطبي في ما يتعلق بإدخال لولب قلبية فاسدة ومصانع تصنّع أدوية فاسدة، وكنتَ حتى أدليت بشهادة أمام القضاء، اتُهمت..

 

 

محمد لطفي المرايحي: لا، أُحلت على القضاء بدعوة من وزير الصحة السابق الذي هو اليوم مترشّح للإنتخابات ووقفت أمام القضاء إبتدائياً واستئنافاً ووقعت تبرئتي طبعاً لزمور يعلمها القاصي والداني، ويعلمها القاصي والداني.

 

 

عماد شطارة: أنا استوقفني تصريح لافت وصفتَ به بعض الأطباء بالدواعش في قطاع الطب، ألهذا الحد يقع استغلال الحياة البشرية وصحة الإنسان بالمتاجرة؟

 

محمد لطفي المرايحي: هناك أزمة منظومة قيم في تونس، أزمة كبرى لمنظومة القيم، في تونس اليوم في غياب جميع الضوابط أصبحت القيمة الوحيدة هي قيمة المال، كما يُقال معك قرش تساوي قرش، هذا الإشكال في تونس، يعني الأخلاق تراجعت، وجميع المعايير القيمية من حب العمل والإتقان في العمل والإبداع والفكر والعلم، كلها تراجعت، الثراء سهل، أصبح هو القاعدة ومع الأسف هذا لا بدّ من إصلاحه، وليس هناك قطاع في معزل عن هذا الإنحراف وإن كنت تعرضت الى ما يجري في قطاع الصحة فيمكن لك أن ..

 

 

عماد شطارة: الإنحراف هو القاعدة سيّدي.

 

 

محمد لطفي المرايحي: الإنحراف هو القاعدة مع الأسف، هو موجود في جميع القطاعات لذلك لا بد من إرادة.

 

 

عماد شطارة: أسأل هنا العديد من القضايا التي أفثيرَت واستقطبت الرأي العام، تسرع الحكومة بتشكيل لجنة للتحقيق ثمّ تغيب هذه اللجنة ولا نطّلع على نتائج تحقيق وينشغل الرأي العام بمسائل أخرى، أين نتائج التحقيقات في عديد القضايا؟ في وفاة الولدان الرضَّع وغيرها، التسرّب الجرثومي في المستشفى وبيع الأدوية وتهريبها الى ليبيا، حتى تهريب الدم الذي يتم التبرّع به من المواطنين التونسيين يتم تهريبه الى الخارج.

 

 

محمد لطفي المرايحي: الموضوع تجاوز اللجان، أحياناً يتكفّل القضاء ويتعهّد بمواضيع ويقع البحث فيها وتُختَم الأبحاث وتُحال الى المحاكم ولا يتم البت فيها، أين نحن من تقارير لجنة عبدالفتاح عمر رحمه الله؟ أين نحن من هذه التقارير؟ ما هي المواضيع أو القضايا التي وقع البتّ فيها وفصلها؟ ماذا حدث خلال الخمس سنوات الأخيرة؟ ألم يُطرَح موضوع المصالحة؟ ما هي المصالحة إن لم تكن تفصّي من المساءلة ومن العقاب؟

 

 

عماد شطارة: والإفلات من العقاب.

 

 

محمد لطفي المرايحي: حديثك أن هناك منظومة تتحكم ..

 

 

عماد شطارة: بالمصلحة الوطنية.

 

 

محمد لطفي المرايحي: ما هو رئيس الجمهورية وكيف يمكن أن أعتبر أن رئيس الجمهورية له صلاحيات بأن يُخرج..

 

 

عماد شطارة: ألهذا السبب قلتَ أن الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي أفسد الحياة السياسية في البلاد؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: هو أفسدها رحمه الله حين لم يحترم فلسفة الدستور. الدستور التونسي يعطي الصلاحيات الكبرى لرئيس الحكومة، ورئيس الحكومة هناك آليات دستورية حتى يقع تعيينه، ولا يعيّنه رئيس الجمهورية، وحين يعيّنه رئيس الجمهورية كما حدث يتحول من رئيس حكومة الى رئيس وزراء، وشتّان بين ذا وذاك. لذلك يقع إفساد الحياة السياسية لأنه يقع التحايل على السلطات.

 

 

عماد شطارة: هل أراد الباجي أن يحكم القصبة من قرطاج؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: طبعاً، أراد أن يلتفّ على الدستور الذي هو في فلسفته وفي صيغته نظام برلماني وإن كان مُعدَّل بعض الشيء وتحويله الى واقع الممارسة، الى نظام رئاسي، وهذا ما أضرّ بالبلاد كثيراً وأضرّ بالصلاحيات والممارسات وأضرّ بطريقة الحكم وبالولاء، لأن رئيس الحكومة ورئيس الأغلبية من المفترض، ومع الأسف لم يكن الحبيب الصيد رئيساً للحكومة بالمعنى الصحيح أي رئيساً للأغلبية، ولا كان الشاهد في أول عهدته كذلك رئيساً للحكومة إلا بعد أن تحرر. من وصاية الباجي قايد السبسي.

 

 

عماد شطارة: السيّد محمد لطفي المرايحي اليوم يطرح نفسه على التونسيين مرشّحاً للرئاسية، أمام كل ما تحدّثنا عنه من فساد ومن وضع سياسي فيه مال فاسد وخدمة لمصالح أرباب المال والأعمال المهرّبين والمافيا التي تنخر مفاصل الدولة، ماذا يمكن أن تغيّره أنت؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: يمكن أن أغيّر الكثير لأنني في حلٍّ من كل إرتباط، أنا رجل تركت الدنيا ورائي ونذرت ما تبقى من حياتي لهذا الوطن، أنا قادم من بعيد، قادم من الريف، قادم من وضع إجتماعي بسيط، حققت ذاتي ولا همّ لي اليوم إلا أن أوفّر فرصاً لمَن كان مثلي وكان في وضعي، ولا يمكن أن يحققها لأن الأمور تغيّرت وأن المصعد الاجتماعي نعطّل عن العمل. فأنا قادم برؤية، بفكر وبطرح مختلف عن السائد، وبعزيمة لا يفنيها شيء، فأحرقتُ جميع مراكبي لأن اليوم لا همّ لي إلا أن أنهض بهذا الوطن، وأعتقد أن هذا الأمر ليس بالعملية السهلة ولكنه ليس مستحيل لأن هناك من الطاقات في هذا الوطن، هناك من الكفاءات، هناك من الإمكانيات التي يمكن أن تحوّل تونس الى جنة موعودة بالحقّ.

 

 

عماد شطارة: لديك الطرح، ما هو طرحك بالنسبة لحربك على الإرهاب وحفظ أمن البلاد من كل ما يتهددها من الداخل والخارج؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: الإرهاب لا بد له من حاضنة ومن أرضية لينبت فيها، لا يمكن أن تزرع الإرهاب في كل مكان، والحاضنة التي تمكّن الإرهاب من الإنتعاش ومن النمو هي الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية في الأساس. انظر الى الدراسات التي أُجريَت في تونس أو في الخارج عن الإرهاب في تونس، وسترى أن الوضع الاقتصادي الاجتماعي هو الأساس، طبعاً يستشهد البعض أحياناً أن هناك طبيب أو محامي أو شخص ميسور التحق بهذه المجموعات، هذه إستثناءات، أما الأصل في الأشياء فمَن هم؟ هم أناس ينتمون الى عائلات ضعيفة الحال أو متوسّطة الحال، هم أناس في أغلبهم جامعيين، هذا الشباب الذي لم يجد أُفقاً أمامه ماذا فعل؟ انقلب على الدولة وعلى المجتمع لأنه..

 

 

عماد شطارة: هل تبرر؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: لا أبرر ولكن أفهم، أفهم لأجفف المنابع، لأن الموضوع لا يمكن معالجته بالطرق الأمنية فقط، وإنّما هناك تجفيف للمنابع لا بدّ أن يكون بفعلٍ إجتماعي إقتصادي أولاً. ماذا يحلم هذا الشاب الذي تحوّل الى إرهابي؟ ألم يكن يحلم في زمن ما بأن يتزوّج وأن يكون له عمل وبيت وسيارة وأن يتمكّن من السفر ومن الإستهلاك؟ هذا حلم جميع الشباب، فماذا يحوّله؟ النقمة، هو أن لا يجد له موطأ قدم في هذا الوطن، فالوطنية للشعور بها لا بدّ أن تجد لك مكاناً في الوطن، والمكان في الوطن هو أن تحقق ذاتك أولاً. فأنا لا أبرر الإرهاب أبداً، ولا بدّ من مقاومته ومقاومته أمنياً، لكن هذا لا يكفي، لو كان ذلك يكفي لتمكّن بن علي من فعل ذلك. بن علي كانت مقارباته جميعها أمنية في تعامله مع الحركة الإسلامية مثلاً، والنتيجة ماذا؟ ذهب بن علي فوجد الإسلاميين تشكّلوا. إن معالجته لم تكن معالجة صحيحة.

 

 

عماد شطارة: بالنسبة لقضايا الأمن القومي، اليوم هناك تخوّف من عودة الإرهابيين من الخارج، ولكن هناك أمر أغفله التونسيون بالنسبة للذين يحملون الفكر المتشدد وهم بيننا، وهم بمثابة القنابل الموقوتة، هل هم في برامج الدولة؟ هل تفكّر الدولة ربّما في نزع هذا الفكر المتشدد، في إنارة العقول، في إشاعة خطاب ديني مستنير متسامح؟

 

 

 

 

محمد لطفي المرايحي: ليس الخطاب فقط وليست التوعية فقط، هناك لا بد من فتح الأفق أمام الشباب، لا بدّ من فتح الأفق أمام الشباب هذا هو الأساسي، لا بدّ أن تعود العجلة الاقتصادية، لا بدّ أن يشعر المجتمع بالرفاه حتى ينخرط هؤلاء فيه، انظر أين يعيش هؤلاء؟ في أي مناطق وقع تتبعهم والقبض عليهم؟ الى أي مناطق ينتمون؟ ماذا كابدوا في حيتهم حتى يتحوّلوا لهذا السخط على المجتمع؟ هذه الأساسيات التي لا بدّ من تسليط الضوء عليها وإدراكها، نحن نتجنّب الحديث عن المواضيع الاقتصادية والإجتماعية لأنها مواضيع في العمق، ونذهب سريعاً للمواضيع الأمنية، المواضيع الأمنية مهمة، هناك خلايا نائمة وقد كانت الإعتداءات الأخيرة مناسبة للكشف عن التقصير الأمني الموجود لأنه كانت بيننا خلايا نائمة لم نتفطّن إليها، وأكيد هناك خلايا أخرى ..

 

 

عماد شطارة: السياسة الخارجية في دقيقة واحدة، رؤيتكم للسياسة الخارجية بإيجاز شديد.

 

 

محمد لطفي المرايحي: السياسة الخارجية لا بد أن تكون لتونس سياسة خارجية على قدر حجمها الآن، الآن هذا البلد إقتصادياً منهَك، ولا بد من أن يرمم نفسه وأن يستنهض الهمم، والسياسة الخارجية التونسية لا بدّ لها أن تكون على الحياد لأننا لو خرجنا عن الحياد فإننا سنتذيّل لهذا الشق أو لذاك، وهذا ليس في مصلحة التونسيين.

 

 

عماد شطارة: دكتور نقف عند هذه النقطة، نسألك أن تتقدم بوعد إنتخابي تقطعه على نفسك إن وصلتَ للرئاسة تعمل على تحقيقه سريعاً، بإيجاز شديد.

 

 

محمد لطفي المرايحي: الوعد الإنتخابي الوحيد هو أن لا يبقى تونسي عاطل عن العمل، إمّا أن يعمل أو يكون ... حتى يكون قابل للعمل.

 

 

عماد شطارة: في لحظات ماذا يمكن أن تقول للناخب التونسي؟

 

 

محمد لطفي المرايحي: الناخب التونسي له الحرية المطلقة، أنت أمامك مترشّحين لا أدّعي أنني أفضلهم، أنت صاحب القرار وأنت في النهاية مَن سيتحمل تبعات قرارك.

 

 

عماد شطارة: شكراً جزيلاً لكم دكتور محمد لطفي المراحي.

مشاهدينا الكرام الى اللقاء.