أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

الإسلام بين العالمية والمذهبية

جاء الإسلام وألغى القبلية والصراعات بين القبائل والطائفية والمذهبية, وسرعان ما أدى دوره وعاد المسلمون بعد وفاة الرسول إلى القبلية والطائفية والعنصرية والمذهبية ... والله إختار الجزيرة العربية لإسلامه , ليعطينا معجزة أن هذه الأرض الميتة الجافة أصبحت حضارية بإسم الإسلام, لكننا كعرب لم نكن في مستوى الإسلام... حيث سرعان ما أذضعنا منجزاته ومصاديقه ...ومنذ البدايات أي منذ بداية الفتن الكبرى في العالم الإسلامي كان الإسلام حصان طروادة وطود للسلاطين والحكام, وكان كالدساتير العربية الراهنة التي تصنع على مقاس ما تريده السلطات, خيط الإسلام بأثواب متعددة للضرورات الحاكمة, ولهذا إصطدم الإسلام بالإسلام لأن نسخا كثيرة صيغت ووضعت , ومهمتنا اليوم إعادة إكتشاف الإسلام الصحيح ... وكل السلطات والأمبراطوريات والدول قديما وحديثا وبدون إستثناء إستخدمت الإسلام وإتخذت منه مهجا دوغمائيا لتمرير مشاريعها الله جعل الإسلام منهجا عالميا والمسلمون جعلوا منه طائفة فرقة , والأعوج في الأمر أنهم نسبوا أنفسهم لهذا الله الذي خالفوه عقيدة وشريعة.... والإسلام اليوم عشر بالمائة قرآن سنة وتسعون بالمائة سياسة, لا وجود للدين في واقعنا ومنابرنا وحياتنا... والحزبية الإسلامية قتلت الإسلام وشأنها شأن المذاهب التي ذبحت الإسلام وأخذته من الكلية إلى الجزئية , ومصداق ذلك , شهيد يسقط لحزب فلاني أو جماعة فلانية يدعم أهله , وإذا سقط شهيد من جماعة أخرى لا يدعم إلا من جماعته ,بات لكل جماعة رموزها وشهداؤها, أين شمولية الإسلام ... ولو أن السلف الصالح قدموا لنا تاريخنا موضوعيا وواقعيا بدل تقديسه وإيصاله إلى رتبة القرآن لما وقع ذلك الإنهيار في راهننا العربي والذي يتحمل السلف الصالح وزره لأنهم أنتجوا تلفا طالحا بتقديس فعل المسلمين الدموي... فمن المسؤول عن تحويل الإسلام من رسالة عالمية إلى فكرة مذهبية و طائفية؟ ولماذا أخفق المسلمون في تقديم الإسلام في بعده الإنساني للإنسانية؟ وهل يصلح أن نقدم إسلاما مذهبيا للبشرية التي تبحث عن الخلاص؟

المحور الأول: يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم. جاء الإسلام وألغى القبلية والصراعات بين القبائل والطائفية والمذهبية، وسُرعان ما أدّى دوره، وعاد المسلمون بعد وفاة الرسول إلى القبلية والطائفية والعنصرية والمذهبية. والله تعالى اختار الجزيرة العربية لإسلامه ليُعطينا معجزة أن هذه الأرض الميتة الجافة أصبحت حضارية بسم الإسلام، وبفضل الإسلام، لكننا كعربٍ لم نكن في مستوى الإسلام حيث سرعان ما أضعنا منجزاته ومصاديقه. ومنذ البدايات أي منذ بداية الفِتَن الكبرى في العالم الإسلامي كان الإسلام حصان طروادة وطوداً للسلاطين والحُكّام، وكان كالدساتير العربية الراهنة التي توضَع على مقاس ما تريده السلطات. خيَّط الإسلام بأثوابٍ مُتعدّدة للضرورات الحاكِمة ولهذا اصطدم الإسلام بالإسلام لأن نسخ كثيرة صيغت ووضعت ومهمتنا اليوم إعادة اكتشاف الإسلام الصحيح. وكل السلطات والإمبراطوريات والدول قديماً وحديثاً ومن دون استثناء استخدمت الإسلام واتخذت منه نهجاً دغمائيًا لتمرير مشاريعها، وبها قاتلت، وتجسّست، ونهبت، وكرَّست مصالحها منذ التحاق الرسول روحي فداه بالرفيق الأعلى، وإلى العام الراهن 2019. والإسلام مُجرّد أداة وسيلة للمُخادَعة، ولذلك لم يزدهر العالم الإسلامي والعالم العربي لأنه كان يُنافق فقط ويضحك على الذقون بالإسلام. وبالإضافة إلى ذلك فإن العقل الإسلامي تشكَّل في قالبٍ تاريخي صاغت تضاريسه 1400 سنة من المُتناقضات المذهبية والتقاتُل بين المذاهب وهو ذو وعاء تاريخي يصعب عليه أن يؤسّس لنهضة معاصرة، والحل بإعادة تأسيس هذا العقل، أو صوغ آخر جديد، ومن دون ذلك سنظل في التخلّف، 1400 سنة أخرى. والله تعالى جعل الإسلام منهجًا عالميًا، والمسلمون جعلوا منه طائفة، وفرقة، والأحوج ما في الأمر أنهم نسبوا أنفسهم لهذا الله الذي خالفوه عقيدة وشريعة. والإسلام اليوم عشرة بالمئة منه قرآن وسنّة وتسعون بالمئة منه سياسة، لا وجود للدين في واقعنا، في منابرنا، في حياتنا، والحزبية الإسلامية قتلت الإسلام وشأنها شأن المذاهب التي ذبحت الإسلام، وأخذته من الكلية إلى الجزئيّة ومصداق ذلك شهيد يسقط لحزب فلاني أو جماعة فلانية يدعم أهله وإذا سقط شهيد من جماعة أخرى لا يدعم إلا من جماعته بات لكل جماعة رموزها وشهدائها. أين شمولية الإسلام إذًا؟ لو أن السَلف الصالح قدّموا لنا تاريخنا موضوعيًا وواقعيًا بدل تقديسه وإيصاله إلى رتبة القرآن لما وقع ذلك الانهيار في راهننا العربي والذي يتحمّل بعض السلف الصالح وِزْرَه لأنهم أنتجوا تلفًا طالحًا بتقديس فعل المسلمين الدموي. فمَن المسؤول عن تحويل الإسلام من رسالة عالمية إلى فكرة مذهبية أو طائفية؟ ولماذا أخفق المسلمون في تقديم الإسلام في بُعده الانساني للإنسانية؟ وهل يصلح أن نقدّم إسلامًا مذهبيًا للبشرية التي تبحث عن الخلاص؟ "الإسلام بين العالمية والمذهبية" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من مصر الحبيبة الكاتب والباحث الأستاذ سامح عسكر، ومن الجزائر الحبيبة الوزير السابق والداعية ورئيس منتدى الوسطية الدكتور أبو جرة سلطاني. مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا. "الإسلام دعوة عالمية" عباس محمود العقّاد كتاب "الإسلام دعوة عالمية" لعباس محمود العقّاد واحد من الكتب التي يناقش فيها الشُبهات التي أثيرت حول الدين والعقيدة ويدافع عن الإسلام بالحجّة الدامِغة. وهذا الكتاب يضمّ إلى بناء العقّاد الفكري الشامِخ الذي يتناول الدين والعقيدة والإيمان والإسلام والذي يملأ القلوب طمأنينة والنفوس ثقة ويقينًا. ثم نتركك عزيزي القارئ لهذا الكتاب تخلو إليه في روحانية وتستجلي معاني الدين والعقيدة وتحيا في صوفية دينية مباركة فيزداد إيمانك وقلبك يقينًا فتسعد في هذا العالم المضطرب المائِج وترضى بإيمانك وعقيدتك فتزداد سعادة كلما ازددت إيمانًا. ويتحدّث العقّاد في كتابه عن عالمية الرسالة الإسلامية وصلاحية الإسلام لهداية الناس جميعًا وهذه العالمية من خصائص الإسلام الذي يُخطاب الإنسان أي إنسان وفي أي مكان. يحيى أبو زكريا: دكتور أبا جرة حيّاك الله، وبيّاك ووفّقكم الله في الجزائر للخروج من النفق والوصول إلى بناء دولة لا تزول بزوال الرجال كما علّمنا أجدادنا وأباؤنا هناك. أبا جرة سلطاني: إن شاء الله. يحيى أبو زكريا: لماذا الإسلام الذي كان بالأساس رسالة عالمية وبعث المولى عزّ وجل رسوله لكي يسوس البشرية نحو الهدى نحو الرشد العقلي، نحو النضج الحضاري، تحوّل اليوم إلى فكرة مذهبية إلى دين لحيّ لزِقاق لجماعة مَن المسؤول عن هذه التحوّلات الكبرى دكتور أبا جرة؟ أبا جرة سلطاني: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. حيّاكم الله وبيّاكم ونسأل الله أن يوفّقنا إلى ما يحب ويرضى. ينبغي أولًا أن نفرّق بين الإسلام نصًا والشروح التي جاءت تالية لهذا الدين من أجل أن توطئه للناس بزعم مَن كانوا يسعون إلى توطئة الإسلام للناس. ومن هنا نرى أنه في ختام ما ختم به الرسول عليه الصلاة والسلام رسالته في خطبة الوداع لم يحل الإسلام على شخص أو على قبيلة أو على مذهب أو على طائفة، وإنما حال الإسلام على الكتاب والسنّة. قال "تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنّتي"، وكان حوله حوالى 120000 من الصحابة عليهم الرضوان لم يحل الإسلام على أبي بكر، ولا على عمر، ولا على عثمان، ولا على علي ولا على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ولا على العشرة المُبّشرين بالجنّة، وإنما أحال الإسلام على نصيه وعلى وحيه كتاب الله عزّ وجل وسنّته عليه الصلاة والسلام. من هنا ينبغي أن ننطلق باستمرار إلى أننا حينما تتشعّب من المذاهب والرؤى والأديولوجيات والقراءات والتفسيرات، أن نعود إلى النبعين الثارين الأولين الصفيين اللذين لا يتكدّران أبدًا بالقراءات المختلفة، وهما كتاب الله عزّ وجلّ وسنّة الرسول عليه الصلاة والسلام. ما جاء ثانيًا بعد ذلك من مذاهب وأيديولوجيات وقراءات وتفسيرات وأحزاب باعتقادي أن المذاهب في الدين كالأحزاب في السياسة والحزب في السياسة لا يزعم لنفسه احتلال او احتكار الوطنية واحتكار المصلحة العامة للأمّة واحتكار اللغة، واحتكار الدين إنما يزعم بأنه يمتلك قدرات على أن يخرج وطنه إلى برّ الأمان، وأن يعمل على أن يحقّق الرفاه الاجتماعي والثقافي والسياسي للأمّة، بينما يزعم الحزب الآخر أنه يمتلك برنامجاً أفضل. وكذلك القراءات الإسلامية للمذاهب أو القراءات المذهبية للإسلام، إنما تزعم على أنها قد قرأت دين الله عزّ وجلّ من الكتاب والسنّة بمقاربات تحاول أن تنقل الإسلام نصوصًا إلى إسلام متحرّك في الواقع يدرك أصحابه أنهم يسعون أن يبقوا على خيرية خير أمّة أُخرِجت للناس، أو أن يُعيدوا استئناف حياتهم السياسية والثقافية والأمنية والاقتصادية على ضوء كتاب ربنا عزّ وجلّ وعلى سنّة الرسول عليه الصلاة والسلام ، ما أريد أن أؤكّده في مُفتتح ومُقدمة هذه الحصّة أ ل م مسألتين أساسيتين: الأولى أنه ينبغي ألا نتأثر بالمذاهب كثيرًا لأن المذاهب عبارة عن مصابيح نمسكها بأيدينا لنسير على الصراط المستقيم لنصل إلى مرضاة الله عزّ وجلّ وإلى الاقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام وإلى بلوغ الجنة إن شاء الله. فلا ينبغي أن ننشغل بالمصباح الذي بين أيدينا عن الغاية التي أراد ربنا عزّ وجلّ أن نصل إليها وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة وذلك الدين القيّم أي أن الدين المسستقيم ليس المصباح الذي بين أيديكم مصباح الطائفية والعشائرية والقبائلية والمذهبية إنما هما مصباحان الكتاب والسنّة هذه مسألة أولى. المسألة الثانية إذا ما فتح الحوار بين المذاهب والطوائف والتوجهات والأيديولوجيات والقبائل والعشائر لا خوف على الإسلام لأنه في النهاية حينما نضرب الرأي بالرأي ونقدح زناد الفكر سوف نصل إلى مراشد أمورنا، وهذا ما شجّعه ربنا عزّ وجلّ حينما نادى الناس بنداء الناس وليس 13 سنة في مكّة المُكرّمة لم يناد ربنا عزّ وجل المؤمنين بأيها الذين آمنوا أو قل الذين هادوا، أو يا أيها الذين ناصرتم أو تنصّرتم أو تهوّدتم، كان يقول يا أيها الناس يا أيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا، التعارف يتم بالحوار والنقاش بألا أفرض على نظرائي، ولا أدّعي العصمة ولا أدّعي أنني أمتلك مطلق الحق، ويعرض غير رأيه وكما يقول الإمام الشافعي رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب ، وحينما نتناقش ونتحاور ونعود إلى النبعين الصافيين الكتاب والسنّة سوف نصل إلى الإسلام، الإسلام الكامل، ليس الإسلام السياسي ولا الثقافي ولا الأيديولوجي. يحيى أبو زكريا: أستاذ سامح عسكر كان معالي الوزير الدكتور أبا جرة سلطاني يتحدّث عن الخطاب الإسلامي الذ أراده الله عالميًا، لكن من خلال كتاباتك وبحوثك هل نجحنا كمسلمين في تقديم خطاب إسلامي إنساني للبشرية؟ هل نجحنا في تقديم الفكرة الإسلامية في بُعدها العالمي؟ هل العالم الآخر يفهمنا كأصحاب رسالة وأطروحة حضارية؟ أم يرى كمذهبيين، طائفيين، كقبليين، بدو رحل لا نياق لنا ولا جمال؟ كيف يرانا العالم أستاذ سامح عسكر؟ سامح عسكر:السلام عليكم دكتور يحيى. يحيى أبو زكريا: وعليكم السلام ورحمة الله. سامح عسكر: وسلامي الحار جدًا للدكتور أبو جرة. دكتور يحيى المشكلة تبدأ من كيفيّة رؤيتنا لكيفية الانشقاق، كيف ننشقّ؟ وكيف نرى انشقاقنا؟ هل نتصرّف؟ وهل نرى هذا الانشقاق بطريقة طبيعية؟ أما أننا سنحكم آراءنا المستبدة على هذا الانشقاق؟ ونتحدّث كأننا ديكتاتوريون ومُستبدون في الفكرة. تبدأ من هنا أننا لا نفهم كيف ننشق. في البداية انشقاق المسلمين هو شيء طبيعي أمر طبيعي يحدث في جميع الأديان، ويحدث عند جميع الشعوب لا تسلم أمّة من هذا الانشقاق البشر جميعهم ينشقّون ضمن عاملين إثنين: العامل الأول هو العامل السياسي، العامل الثاني وهو عامل الفقه والعقل في التجربة الإسلامية عندنا في الإسلام انشققنا بهذين العاملين على مرحلتين: المرحلة الأولى هي المرحلة السياسية التي انتهت في معركة صفين، ثم بدأت بعد ذلك مرحلة التشكيل العقائدي منذ زمن الدولة الأموية حتى اختفاء الإمام محمّد أبن الحسن العسكري في منتصف القرن الثالث، إلى هنا نفهم أن الانشقاق الذي حدث عند المسلمين هو أمر طبيعي، لكن كيف سنفهمه بطريقة أوضح؟ أرى أن هذا الانشقاق حدث تبعًا للخط الزمني الذي يحكم فكرة الانشقاق عند جميع الشعوب، هذا الخط الزمني كل فكرة وكل دين وكل مُعتقد وكل حزب، وكل دولة يبدأون بالآتي: توجد المرحلة الأولى وهي مرحلة النشأة ثم المرحلة الثانية، وهي مرحلة الصراع التي تحدّثنا عنها منذ قليل والتي انشق فيها المسلمون من الجانب السياسي، ومن الجانب الفقهي والعقلي ثم المرحلة الثالثة وهي مرحلة التقليد. المرحلة الأولى وهي مرحلة النشأة انتهت بوفاة الرسول وهي التي تمّ وضع فيها جميع الثوابت والأسس الإسلامية انتهت بعد وفاة الرسول مباشرة، ثم جاءت مرحلة الصراع تصارَع حلفاء الرسول جميعهم على حقيقة ما كان في زمن النشأة، وهذه الفترة امتدت كما قلنا إلى منتصف القرن الثالث ثم جئنا نحن كمُقلّدين نقلّد مَن كانوا يعيشون في مرحلة الصراع لأننا نحن ليست لدينا القدرة على تقليد حتى مَن كانوا يعيشون في زمن النشأة. لماذا؟ الذين كانوا يعيشون في زمن الصراع هم الذين احتكروا القِيَم المعرفية والقِيَم المعلوماتية والمعلوات عن زمن النشأة بحُكم الجغرافيا أو بحُكم الزمن أو بحُكم الاحتكاك. نحن حتى لو أردنا تقليد الرسول ونفهم الدين لن نستطيع عن طريق الذين كانوا يعيشون في مرحلة الصراع، فكيف نقلّد؟ أو كيف نتبع الرسول كما أنزل أمر الله؟ كيف يحدث ذلك؟ لابد من إحياء الدور العقلي والنقدي لكي نعرف ولكي ننجح في فرز الذين كانوا يعيشون في مرحلة الصراع لكي ننجح في بناء صورة عُليا أو صورة حقيقية عن الذين كانوا يعيشون في زمن النشأة، إلى هنا الأمر طبيعي المسلمون فشلوا في فَهْمِ هذا الخط الزمني، وفشلوا في فَهْمِ كيفية الانشقاق لم يُحسنوا إدارة الصراع. يا سيّدي الاختلاف السياسي أو الاختلاف الفقهي أو الاختلاف العقلي لابد له عندما ترتقي من الحال الفردية إلى الحالة الجماعية لابد من أن تفصل بين القناعة والقرار الذين كانوا يعيشون في مرحلة الصراع ونحن نقلّدهم الآن في مرحلة القرن الحادي والعشرين هم الذين سبب المشكلة الكبرى. خلقوا لنا معايير سيّئة التكفير، بدأ منذ زمن الدولة الأموية، والتكفير العقائدي والتخوين بدأ منذ زمن الدولة الأموية. نحن لا نملك فكرة حقيقية عن زمن الرسول، لكن القرآن بين يدينا القرآن تم تعطيله بقواعد مثل النسخ، نسخ السنّة للقرآن الكريم كما يعتقد الحنابلة، نحن لا نرى ذلك، القرآن حاكِم فوق الجميع. يحيى أبو زكريا: أستاذ سامح نستأنف بُعيد الفاصل، من فضلك مشاهدينا فاصل قصير، ثم أعود إليكم فابقوا معنا. "دين الإنسان بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني" فراس السواح إن الدين هو إحدى السمات الرئيسية التي ميّزت الإنسان عن غيره من الكائنات منذ أكثر من مئة ألف عام من عصرنا هذا، وقد مثّل الدين مُحرّضًا أساسيًا ومهمًا في حياة البشر عبر عصورهم. ويسعى الباحث في كتابه إلى وصف تلك الظاهرة الدينية، وذلك بهدف التعرّف إلى هذه الظاهرة وإلى حقيقتها كما هي وذلك عن طريق وصفها وصفًا دقيقًا وعزلها عن بقية ظواهر الثقافة الإنسانية المُتعدّدة وفي سبيل هذا الهدف حاول الباحِث في دراسته هذه تجنّب أمرين: الأول فلسفة الدين، والثاني تاريخ الأديان. كما نجد أن الباحث قدَّم بحثه هذا ضمن أبواب سبعة دارت حول المحاور التالية: مسائل أولية في المُصطلح والتعريف وبنية الدين والأشكال الاجتماعية للدين، ومستوياته الشمولية والمعتقد أو بنية الحد الأدنى للظاهرية الدينية والمعتقد وبنية الحد الأدنى. والمطلق ونسبية الآلهة في معتقدات الشرق الأقصى، ونتيجة ومدخل جديدًا. والوعي والكون في الفيزياء الحديثة، ومنشأ الدافع الديني. المحور الثاني: كتاب "عالمية الإسلام ومسلمون بلا هوية" سعيد محفوظ يقول الكاتب ومازال البعض يتحدّث من فوق المنبر عن أهم صفات المسلم الصادق بأن يرتدي ثياباً رثة وأن يعيش كالطفيليات على بقايا طعام، أما إذا أقبل على الحياة بجد وإتقان وإبداع وركب سيارة حديثة وأقام بمسكن فخم، فإما أن يكون قاطع طريق، وإما أن يكون كبير تجار المخدّرات. وبالطبع لن تصل إلى مسامع الخطيب المفوّه قصص أو سِيَر حياة كبار الصحابة الذين كانوا من أغنى أغنياء الجزيرة العربية وعلى رأسهم أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن إبن عوف وسعد أبن أبي وقاص وغيرهم فارتفع بهم وبأموالهم الإسلام والمسلمون. أضاف الكاتب أن على المسلم أن يدرك أن يدرك أن هويته في عقيدته وحضارته سقطت إنسانيته، وذابت أصوله ومات تاريخه وفقد هويته وأن اللغة وعاء الفكر والثقافة والرمز والوسيلة للتعبير عن الهوية وفشل جعلنا اللغة العربية لغة أولى يرجع لاستطاعة الاستعمار الثقافي أن يُحقّرها لدينا. يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع الإسلام بين المذهبية والعالمية. دكتور أبو جرة في يوم من الأيام جمعني لقاء بالمرحوم روجيه غارودي رحمة الله عليه صاحب كتاب"وعود الإسلام"، وقال لي أنا أسلمت من خلال روحية اإاسلام لو غصت أكثر في عقلانية الإسلام قبل الإسلام ربما لكان لي موقف آخر مُغاير لأن المسلمين لم يقدّموا لي عقلانية متفقة تستطيع أن تسحبني من اليسار إلى رحابة الإسلام، لكن محيي الدين إبن العربي والحلاج وعرفانيو المدرسة الإسلامية هم الذين دغدغوا روحي فأسلمت. وهذا الكلام أتصوّر قاله مراد هوفمن أيضاً رحمة الله عليه في كتابه "البديل الإسلامي". هل نحن قُصَّر في مجال صوغ منظومة فكرية تخاطب الإنسان المعاصر؟ للأسف الشديد عندما تقرأ الرسائل الفقهية أو مناطات التقليد مازلنا نستخدم المُصطلحات القديمة الدرهم البغلي، والناقة العصماء، وما إلى ذلك حتى في الفقه لم نجدّد في المصطلحات ما المطلوب اليوم حتى نقدّم بضاعتنا المزجاة الإسلامية للآخر غير المسلم في القارات الخمس؟ أبا جرة سلطاني: أعظم ما قدّمه الإسلام للبشرية هو حثّ العقل على التفكير، إن الكتاب يقول للناس جميعاً "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" ويدعو الناس إلى أن يتأمّلوا في خلق السماوات والأرض، ويستحثوا العقل، بل يستفزّه أحيانًا من أجل أن يبحث في أدق دقائق الذرّة لدين جدير بأن يُحترَم وأن يحتذوا به. أما الذين يتحدّثون عن دغدغات العواطف لا بأس، لكن في مرحلة أولى يجتذب الإسلام الناس من خلال عواطفهم لأن الإسلام خطاب للفطرة، والفطرة لا تفهم كثيرًا في دقائق العقل، لكن ما أن يخطو الإنسان خطوة تلقاء الإسلام إلا ويجد نفسه مُجبرًا على أن يستعمل عقله، وأنا أسأل دائمًا بعض مَن أتحادث معهم، هل كان الفقهاء فقهاء المذاهب مُتعصّبين لمذاهبهم بتعبير آخر، هل كان الشافعي شافعيًا؟ هل كان مالك مالكيًا؟ هل كان إبن حنبل حنبليًا؟ هل كان العسكر عسكريًا؟ هل كان زيد زيديًا؟ الذين جاؤوا من بعدهم تعصّبوا لمذهبهم وربنا عزّ وجلّ حينما زعمت اليهود أن إبراهيم يهودي وزعمت النصارى أن إبراهيم نصراني قال ربنا عزّ وجلّ "ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا، ولكن كان حنيفًا مسلمًا، ولم يكن مؤمنًا، لذلك نحن حينما نتحدث عن دور العقل في إعادة إنشاء. يحيى أبو زكريا: دكتور أبا جرة أفهم من قولك رجاءً لأنها مسألة مهمة جداً، أفهم من قولك أن أرباب المذاهب وهم يفتون، وهم يجتهدون ويستنبطون ما كانوا يريدون أن يخندق المسلمون في هذه الأفكار، إنما تم التخندق بعد وفاتهم. أليس كذلك؟ أبا جرة سلطاني: إطلاقًا يا أستاذ يا سيدي الفاضل تمامًا لو أن الشافعي يعود اليوم ويجد الشافعية يتبرّأ منهم يقول أنا ما جئت بدين جديد، أنا لم آت بدين سمّوه الشافعي، ولا دين مالك ولا دين إبن حنبل ولا دين العسكري ولا دين زيد ولا دين هؤلاء، فسّروا الدين للناس بمصطلحات زمانهم وأرادوا أن يوطئوا الدين للناس ليعبدوا الله عزّ وجلّ وحده لأن الإسلام ما أراده ربنا عزّ وجلّ أن ينتمي للرسول عليه الصلاة والسلام، وما محمّد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيُجزي الله الشاكرين. ربنا عزّ وجلّ لم يرد أن يكون الإسلام ديناً محمّدياً، واليوم حينما يُقال دين محمّدي نرفض هذا المصطلح نقول الدين لله إن الدين عند الله الإسلام. أما حينما ظهرت الطوائف والمذاهب والفِرَق وتعصّبوا لمذاهبهم ظنّ بعض الناس أنهم لن يدخلوا الجنة إلا عن طريق شيخهم ومذهبهم لن يدخل الشافعية الجنة إلا عن طريق الشافعي لن يدخل المالكية الجنة إلا عن طريق مالك، لن يدخل الحنابلة الجنة إلا عن طريق أحمد إبن حنبل، لن يدخل الزيدية الجنة إلا عن طريق زيد وهكذا هذا أمر مرفوض. دخول الجنة يأتي عن طريق الالتزام بكتاب ربنا عزّ وجلّ وسنّة الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي أول سورة في ترتيب المصحف الشريف سورة الفاتحة إهدنا الصراط المستقيم لم يقل للناس إهدنا صراط فلان من الناس زيد أو عمر، إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيق غير المغضوب عليهم ولا الضالين. أجيب عن سؤالك الآن بعد هذه المقدّمة نحن فشلنا في أن نعيد تشكيل عقولنا فالتجأنا إلى عكّاز التقليد، فصرنا نقلّد زعماء المذاهب وشيوخ القبائل والعشائريات مُعتقدين أن ربنا عزّ وجلّ ربطنا بهؤلاء الناس وما ربطنا ربنا عزّ جلّ إلا بالفكر إلا بالعقل، إلا بالعاطفة، ربما من أهم خصائص الإسلام أنه دين فطري ولكنه دين عقلي أنه دين يخاطب الفطرة، ولكنه دين يخاطب العقل إنه دين إنساني يخاطب الإنسان في كينونته في وجدانه في توجّهاته ولا يخاطب الإنسان كشيئية مادية بحتة لا يحرّض العواطف بل يحرّض العقل أيضًا. يحيى أبو زكريا: دعني دكتور أبا جرة أحوّل كلامك إلى معادلة على طريقة الأستاذ مالك بن نبي رحمة الله عليه الحضارة تساوي إنسان زائد وقت زائد تراب. أستاذ سامح الدكتور أبا جرة قال إن إخفاء العقل وتقديس التقليد شكّل بداية الخروج من المشهد الدولي وغياب المسلمين عن لعب أي دور حضاري فعّال، ولذلك صرنا إسمًا مجرورًا به، الكل يجرّنا الكل يأخذنا إلى الهاوية. هل توافق على ما ذهب إليه الدكتور أبا جرة؟ سامح عسكر: هذا صحيح من الناحية المبدئية، ومن الناحية التطبيقية. لذلك عندما نقول بضرورة العودة إلى القرآن فنحن نقول بضرورة العودة إلى العقل ، القرآن يا سيّدي لم يأمر بتحكيم العقل فقط. العقل هذا جزء رئيسي في مضمون أو بنية الخطاب القرآني أكثر من 40 مرة أمر الله بوجوب التعقّل وبوجوب التدبّر وبوجوب التفكّر، ما الذي نستشفّه من ذلك؟ نستشفّ من ذلك أن الله يأمرنا بالبحث العقلاني الجاد لم يأمر الله سبحانه وتعالى بالتكفير، بل أمرنا بالتفكير وهنا الفارِق أن الإسلام يأمر بالتفكير لا بالتكفير. الأمر الثاني الذي تضمّنه القرآن الكريم وهو مفهوم التقوى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم. العقل والتقوى يا سيّدي موجودان في كل الأديان. يحيى أبو زكريا: أستاذ سامح عفوًا على هذا المنجنيق الذي سأوجّهه إليك، نحن التزمنا بالتفكير في فترة زمنية محدودة، لكن بعد ذلك ولقرون الذي استولى على المشهد الفكري الثقافي العربي والإسلامي والعالمي كارل ماركس، بينازا، دوركايم، هيغل، نيتشيه للأسف الشديد غابت الأسماء العقلية الإسلامية. صرنا إذا أردنا أن نتحدّث عن التفكير الإسلامي نقول إبن سينا، السهروردي، الفارابي، لكن العقل الإسلامي في ألف سنة، أين صار؟ هل اختفى؟ هل هاجرَ إلى عُطارد والمريخ والزهرة نريده في الكرة الأرضية يا سيّدي العزيز؟ سامح عسكر: نحن سبقنا الأوروبيين يا دكتور يحيى في تحكيم العقل التوفيق ما بين العقل والدين حدث قبل المرحلة المسيحية أو حدث ما قبل المرحلة اليهودية. يحيى أبو زكريا: ذات يوم. سامح عسكر: عندنا موسى إبن ميمون يهودي كان معاصرًا لصلاح الدين الأيوبي الذين كانوا يحكّمون العقل في الإسلام كانوا قبل زمان إبن ميمون بمئتي عام، هؤلاء الذين عَقلنوا الدين لكنه تم تكفيرهم، لماذا؟ لأننا هجرنا القرآن صرنا عبادًا لأحرف القرآن، لا لربّ القرآن. صرنا عبادًا للذين يتكلّمون بالقرآن، لا لربّ القرآن يا سيّدي الناس ينزعون للشارحين، وليس للأمر الذي يحكم الشارحين، وهذا الفارق ما بين الاتباع والتقليد. نحن أمرنا بالاتباع ولم نؤمر بالتقليد، الاتباع هي اتباع القِيَم المعرفية والقِيَم الأخلاقية، القِيَم الأخلاقية يا سيّدي هي التي تنقصنا عندنا مفهوم التقوى في الإسلام يقابله مفهوم الكرمى في الهندوسية عندنا مفهوم التقوى في الإسلام يقابله مفهوم الهندات في الزردشتية عند كل هذه الأديان تؤكّد أن مفهوم التقوى هذا مفهوم ربّاني مفهوم ألا هي مفهوم يجمع بين الناس، لكننا هجرنا التقوى لصالح الرغبات وأهواء الحكّام وهذه مفسدة للمُستبدّين، الاستبداد يا سيّدي كان في العصور الوسطى والعصور القديمة كان أمراً طبيعيًا، لكن الذي كان يقضي على مساوئ الاستبداد هو العقل ما بالك بأن المسلمين دعموا الاستبداد وهجروا العقل، فكيف سننهض نحن؟ الاستبداد يا سيّدي يخلق معه مجموعات من العَجَزة والفاشلين يوجد في علم السيكولوجيا ما يُسمّى بالعجز المُكتّسب هذا العجز المُكتَسب هو الذي يدمّر أيّ شعب أيّ شعب يحكمه المُستبدّون والجُهلاء مصيره إلى الفناء هذه هي المشكلة، مشكلة المسلمين هي الاستبداد والتقليد نحن أمرنا بالاتباع بالاتباع العقلاني ونحن أمرنا بالعدل العدل السياسي. يحيى أبو زكريا: نعم اليوم دكتور أبا جرة سلطاني وبكل صراحة نحن أمام إسلامات متعدّدة لا نقول إسلامات، سمّها اتجاهات، رؤى، معسكرات، اجتهادات، أحكام تعبّدية، شرعية وما إلى ذلك. لكنها تكاد تكون متناقضة يوجد مَن يؤمن يقول هذا مكروه، ذاك يقول هذا مُباح ناهيك في التصوّر العقدي العقلي. إذا أردنا أن نخاطب اليوم الغربي، كيف نعمل على التأسيس لعقلانية إسلامية مُقنعة؟ أليس مبدئيًا تقنع أخاك في الدائرة الإسلامية بضرورة التوحّد معك وصناعة رؤية فكرية واحدة؟ الكل لديه رؤيته الفكرية، الكل لديه مرجعيته الإسلامية. وبالتالي نحن متعدّدون لسنا أمّة واحدة، الغرب عندما خاطبنا خاطبنا بفكرة كلية واحدة نحن لا توجد لدينا فكرة كلية واحدة؟ أبا جرة سلطاني: مشكلتنا أننا ندعو الناس إلى مذاهبنا أو ندعو الناس إلى أحزابنا أو أحياناً حتى إلى أوطاننا وعشائرنا، والناس عادة لا يستجبون لك حينما تدعوهم إلى حزبك أو إلى وطنك أو إلى عشيرتك، الناس يستحبّون لك حينما تدعوهم إلى الإسلام إلى فكرة أعلى إلى خطاب الإنسانية العالي، كما كان يستشهد الدكتور عسكر بقوله تبارك وتعالى "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا" يتعارفون على الدين، يتعارفون على الإيمان ليتعارفوا على القِيَم الكبرى المشتركة نتعارف على الحرية، على الديمقراطية، على العدالة على الإنسانية على الإخاء وعلى السلم العالمي. أما حينما ندعو الناس إلى السلم يقولون لنا، والله أكثر الحروب في أوطانكم أنتم تقولون إن داركم دار إسلام ودورنا دور حرب بينما الحقيقة تقول أن دوركم دور حرب وديارنا دور إيمان. ولذلك اخترع بعض فقهائنا مصطلحاً طريفاً جدًا استشهد به الآن يقول لنا ينبغي أن نغيّر مصطلح دار الإسلام ودار الحرب إلى دار الإسلام ودار الأمان أو دار الإيمان، دورنا دور إيمان بينما دور غيرنا ممّن ندعوهم إلى الإسلام دور أمان. أنت تجد الحرية في أوروبا، تجد الديمقراطية في أوروبا، تجد حقوق الإنسان بين قوصين في أوروبا، تجد كثيراً مما نفتقده في بلادنا من حريات وحرية عقل وحرية تفكير وحرية إيمان، وحرية تديّن حرية حركة وإنجاز في هذه البلاد التي نسمّيها ديار حرب، ولا نجدها في ديار الإسلام. يحيى أبو زكريا: دكتور أبا جرة حتى تجد حقوق المواطنة يذهب الجزائري مثلاً المصري إلى السويد يبقى ثلاث سنوات يحصل على الجنسية السويدية ويذهب إلى دول الخليج يبقى 150 سنة أو يزيد يُقال له أنت تحتاج إلى مَن يكفلك أنت الإقامة أسقطناها عنك. للأسف قياس مع الفارِق بالفعل؟ أبا جرة سلطاني: لأننا شعوب مازلنا في الكفالة شعوب، لم نبلغ الرشاد العقلي مازلنا نحتاج إلى كفيل سياسي وكفيل اقتصادي وكفيل اجتماعي عندنا 22 دولة عربية نحتاج إلى 22 تأشيرة دخول، عندنا 57 دولة مسلمة نحتاج إلى 57 تأشيرة دخول، نحتاج إلى 57 عملة، إلى 57 جواز سفر إلى 57 منطقة عبور أو حدود إلى غير ذلك. ونحن نحدّث الناس بدين عالمي، نحن مازلنا نعيش في قوقعة وطنية عشائرية ويوم نمزّق هذه الشرنقة شرنقة المذهب وشرنقة العشيرة والقبيلة ونخرج إلى الفضاء الرَحب للإسلام والإيمان ليكون ديناً ربانيًا يومئذ نستخدم مصطلحات جديدة لنقول للناس هذا إسلامنا، إسلام القرآن والسنّة وليس إسلام المذاهب. يحيى أبو زكريا: يا دكتور أبا جرة تأكيدًا على قولك يشهد الله ذات يوم كنت في السويد فجاءني شاب سويدي قرأ الإسلام، فسألني قال لي يا دكتور أي إسلام أعتنق، إسلام داعش، إسلام النصرة، إسلام القاعدة، إسلام التكفير، إسلام هذا المذهب، إسلام ذلك المذهب قلت له يا سيّدي إبق نصرانيًا وأنت مأجور مرتين. هذا واقعنا للأسف الشديد أوليس كذلك؟ أبا جرة سلطاني: لا كان ينبغي عليك أن تقول له إسلام الكتاب والسنّة، كان ينبغي عليك يا دكتور أبو زكريا أن تعطيه المصحف الشريف مُترجَمًا إلى السويدية، وأن تعطيه واحدًا من صحاح الرسول عليه الصلاة والسلام هذا هو الإسلام. ولا أقل له أحيلك على داعش ولا على غير داعش، الإسلام ليس داعشيًا ولا يبقى نصرانيًا ولا يهوديًا ولا شيء. يحيى أبو زكريا: دكتور أبا جرة، المقصود طبعًا أنا أوضحت له المسألة وفسّرت له، وأحتاج مني ذلك وقتاً طويلاً وتعرف هؤلاء تربّوا وسط الزبدة والمربّى والفراشات لا يستوعب تضاريس التضارب والتقاتل الإسلامي وأهديته نسخة من القرآن الكريم ترجمها الدبلوماسي السويدي محمّد بند ستروم وهو رجل فاضل وأسلم. على كل حال أنا ذكرت المسألة لتوضيح أن الغرب ما عاد يفهمنا؟ أبا جرة سلطاني: بالفعل لأننا اليوم أصبحنا فتنة للإسلام وفتنة للناس حينما نخاطبهم يقولون والله كلامكم جيّد، والله خطابكم ممتاز. ولكننا نرى واقعكم غير ذلك صورتكم تبشّعنا وتبشّع دينكم أما خطابكم فدعونا من الخطاب نحن نعرف الخطاب والسنّة، لكن واقع دولنا واقع أنظمتنا واقع حتى شعوبنا أحياناً ينفّر الناس من الدين يقولون ما وجدنا أو ما بحثنا في العالم على فتنة وعلى اقتتال طائفي إلا وجدناه في أرضكم وبلادكم، فكيف يدعو الإسلام إلى حقن الدماء؟ ويقول ربنا عزّ وجلّ "وأذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألفّ بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا". هل هي الإخوة الإخوة دم الإخوة اقتتال الإخوة غلق حدود أين أخوتكم ما نكاد نجد مما في واقعنا ما نبرهن فيه على صدق ديننا. يحيى أبو زكريا: دكتور أبا جرة، وهنا أنتقل إلى مصر الحبيبة، أستاذ سامح الإشكال في المسلمين الذين قصّروا في إعداد أطروحة عالمية لدينهم، الإشكال فيهم إذ ينتسبون إلى الإسلام شكلًا ويتجافون عنه عملًا وسلوكًا. الإسلام يحرّم الكذب ونحن نكذب، الإسلام يدعو إلى التعاون ونحن نرى الفقير في الشارع فنضحك عليه، بل نرى المجنون الذي فَقَدَ عقله فنضحك إليه ونتّخذه هزوًا. تجد خطيب المسجد يقول الإسلام دين نظافة والزبالة تُرمى حول المسجد، كلما تدنو من مسجد ترى الزبالة وقمامة، نحن لم نطبّق الإسلام في قاعدة النظافة من الإيمان، فكيف نقدّم أطروحة عالمية للبشرية جميعًا؟ سامح عسكر: يمكن تطبيق أو يمكن تقديم هذا النموذج العقلي الأخلاقي بطريقة واحدة وهي طريقة اكتساب الحكمة يقول الله سبحانه وتعالى "ومَن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا"، لقد اختلفوا حول مفهوم الحكمة منهم مَن يقول هي اتباع آل البيت فقط، ومنهم مَن يقول اتباع الصحابة فقط، وأنا أرى أن الحكمة هي حسب المُتغيّر الزماني والمكاني بإمكانك تفسير الحكمة بما يتناسب مع مفهومك حول العدالة. نحن نريد العدل العدل هو غاية الحكمة، فكيف نستقبل؟ أو كيف نستدلّ؟ أو كيف نفسّر تلك الحكمة؟ أرى أن الحكمة لابدّ لها من ثلاثة شروط أول شرط الدراية بالفلسفة، ثاني شرط الدراية بالتاريخ، ثالث شرط وهو السلام الروحي مَن يفقد واحدًا فهو ضال مَن يفقد إثنين، فهو ضال مركّب ومَن يفقد الثلاثة فهو أعمى. نحن عميان يا سيّدي ليس لدينا سلام روحي ولا دراية لنا بتجارب التاريخ ولا دراية لنا بالفلسفة بل نكفّرها. أنا أقدّم نفسي أنني باحث تاريخي وفلسفي أرى أن الحكمة هي أساس ذلك لأن المشكلة المشلكة الأساسية التي نواجهها في تقديم أطروحة عالمية للإسلام هي أننا لا نتصوّر ديننا بشكل صحيح، فكيف سنخاطب الآخرين ونقدّم ديننا ونحن لا نفهمه؟ يحيى أبو زكريا: لكن يا أستاذ سامح أين الحكمة بربك؟ إذا كما قال الدكتور أبا جرة بلادنا تغلي بالدماء، والتقاتُل، والكراهية حتى إذا أردنا أن ننصح نفضح معارضينا بدل أن ينتقدوا الحكّام تجده يتحدّث عن زوجة هذا الحاكم وعن بناته نحن للأسف الشديد صرنا عالة على الوجود البشري والمشهد البشري. هنا دكتور أبا جرة نشر العقلانية والحكمة يحتاج إلى مال أيضًا، وإلى ثروة. الفكرة الصهيونية قامت بفضل المال اليهودي واليهود مخلصون لدينهم، ولذلك انتصروا في المشهد الدولي. اليوم تطالب ثريًا مسلمًا بالمساعدة لتأسيس فضائية للوعي يقول لك افرنقع عني ساهم معنا في نشر هذا الكتاب بالإنكليزية يقول لك إمض عني. لكن في المقابل تجده يعطي لراقصة ملايين الدولارات ويشتري نادياً رياضياً في أوروبا بملايين الدولارات ويعطي للفساد والعُهر ملايين الدولارات، ألا يوجد لمحمّد غيارى؟ أبا جرة سلطاني: المال في بلادنا للأسف في أيدي السُفهاء ربنا عزّ وجلّ نهانا أن نؤتي السُفهاء أموالهم وأموالنا، لذلك حينما لا يكون الدين في القلب يصبح المال في القلب، وليس في اليد فيعبث به الناس على مقتضى هواهم ويؤسفني أن أقول كان علماء الإسلام يقفون بالمرصاد للسياسات الخرقاء المنحرفة ليقوموها، اليوم اصطف كثير لا أقول من علماء الإسلام من علماء الدين الذين سخّروا الدين وطوّعوه ولووا أعناقهم لخدمة الحاكم. كيف تريد يا سيّدي أن يصلح مالك مال أو ثري وهو يرى أن العالم الذي كان يقتدي به يتمسّح على عتبة السلطان. إن العلماء هم ملح البلد والشاعر يقول يا علماء الدين يا ملح البلد من يصلح الملح إذا فسد. يحيى أبو زكريا: دكتور أبا جرة انتهى وقتي وانتهى ملحي في نفس الوقت دكتور أبا جرة سلطاني شكرًا جزيلًا لك، تكلّمنا من أرض الشهداء أرض الثورة أرض العظماء الجزائر حماها الله وأمّنها وأمن شعبها الطيب. الأستاذ سامح عسكر من مصر الحبيبة شكرًا جزيلًا لك أمتعتنا. مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه..