أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

لبنان الكبير في مئويته الأولى

ما الحضور الثقافي والنهضوي والروحي في مئوية لبنان الكبير الأولى؟ هل تمكّن لبنان من تشكيل هوية موحدة؟ ودور لبنان في المشرق وما بين المسيحية والعروبة.

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، لأن لبنان على فوهة احتفاله بمئوية إنشائه الأولى لا بد من الوقوف على حاله وعلى التذرير الحاصل في الهوية فيه وقراءة الحضور الثقافي التنويري ما بقي منه وما أُجهض، وكيف تعاملت القوى الطائفية والسياسية مع لبنان الكيان وأين وصل الآن وكيف سيخطو في مئويته الثانية. يعُدّ المسيحيون أنفسهم عماد تأسيس لبنان الكبير، أين هم الآن؟ وهل لا تزال طروحات التأسيس ملائمة لما وصل إليه؟ إنها أسئلة ممضّة نعم لكن لفتتنا طروحات الباحث والدكتور ناصيف قزي المستخلصة من تجربته اللبنانية المشرقية، من مارونيته اللبنانية ومشرقيته العروبية وصولاً إلى أنه استدرج كنعان إلى لبنان، سنناقشه في هذا وغيره بعد تقرير عن لبنان والهويات.

تقرير

منذ منتصف القرن التاسع عشر بدأت النزاعات بشأن الهوية في لبنان لكن مسألة الهوية والانتماء بدت واضحة وإشكالية مع إنشاء لبنان الكبير عام 1920، فقد تنازع عليها اللبنانيون وتبدّى ذلك في نشوء تيارات سياسية قومية لبنانية وسورية وعربية إضافة إلى هويات دينية.

وفي دولة الاستقلال خاضت الطوائف اللعبة السياسية كوحدات سياسية واجتماعية وثقافية حيث لم تقتصر النزاعات على الهوية السياسية بل شملت الهوية الثقافية أيضاً التي جرى توظيفها في الصراع الطائفي السياسي، ما أدى إلى حدوث انشطار مجتمعي ثقافي تربوي بلغ ذروته خلال الحرب الأهلية وتبدّى في مشروعين الأول انفصالي والثاني وحدوي.   

تمكّن اتفاق الطائف من وقف الحرب لكنه لم يتمكن من إنهاء التجاذبات والنزاعات بين اللبنانيين ومن بينها الانتماء والهوية التي لا تزال تراوح مكانها حتى اليوم، وبات الانتماء الطائفي المستشري عنصراً أساسياً للهوية في لبنان وبات كما قال أمين معلوف نوعاً من الهويات القاتلة.

بقي النظام السياسي منذ تأسيس لبنان الكبير عصياً على التطوير ومعه باتت الطائفة هي الوطن وأثبت أنه لم يعد قادراً على تجديد نفسه، وإذا كانت الدولة اللبنانية قد أوجدت هوية وطنية رسمية تتجلى في الوثائق الشخصية مثال بطاقة الهوية وجواز السفر لكن الهوية الوطنية الحقيقية التي تعبّر عن انتماء الفرد لا تزال تعاني من الضياع.

غسان الشامي: تحية لكم من أجراس المشرق، أهلاً بك دكتور قزي.

ناصيف قزي: شكراً.

غسان الشامي: أنت ضيف عزيز سيدي شاركتنا سابقاً ولكن في ميدان آخر، بدأت المئوية الثانية للبنان الكبير، هي خطوة أولى منذ أوائل أيلول، ما الحضور الثقافي الذي شكّله هذا اللبنان في المئوية الماضية؟

ناصيف قزي: أستاذ غسان أتصوّر أن لبنان في المئة سنة المنصرمة عرف رجالات فكر ورجالات سياسة وعرف تيارات متعددة، نشأت التيارات السياسية في لبنان منذ العشرينات أي منذ تشكُّل هذا اللبنان أو منذ إعلانه، دعنا نعتبر أن لبنان الإمارة كان قائماً في الزمن العثماني أي من القرن الخامس عشر حتى القرن العشرين مع سقوط الزمن العثماني أُعلن لبنان الكبير. أنا أعتبر أن هذا اللبنان الكبير للمسيحيين فيه كما قلت مساهمة كبيرة في إعلانه ولكن ما هو الدافع لإعلان لبنان الكبير؟ هل دافع إعلان لبنان الكبير كان فقط مجرد تلاقي جماعات على رقعة جغرافية قد يكون لها تاريخ، قد يكون لهذه الجماعات وجود تاريخي متجذّر على هذه الأرض أم ثمّة أسباب أخرى؟ أنا سمعت في الآونة الأخيرة مقاربة أعجبتني أودّ أن أقدمها وهي أن البُعد اقتصادي أيضاً.

غسان الشامي: هل كانت فرنسا وغورو لديهم بعد اقتصادي؟ 

ناصيف قزي: كلا بالنسبة للموارنة تحديداً، الموارنة أبناء الجبل الذين عانوا وكادوا أن يموتوا جوعاً في المجاعة التي حصلت، كان همّهم الأساس أن يتوسعوا باتجاه السهول، باتجاه سهل البقاع، باتجاه سهل عكار، هذه النظرية لم أطلقها أنا شخصياً إنما أخذتها عن صديقي وزميلي الدكتور عصام خليفة الذي يتحدث في هذا الموضوع. بخصوص رجالات لبنان في زمن الانتداب، برز سياسيون مفكرون أو مفكرون يعملون في السياسة وبرزت تيارات أخرى، كل التيارات كانت موجودة، نشأت الأحزاب اليسارية، الأحزاب القومية بين نهاية الزمن العثماني، وجود فيصل والفرنسيين والإنكليز، طموحات الفرنسيين وغيره، لا أعرف إذا كان للبنانيين دور أساسي باستثناء مؤتمر الصلح وعلاقة الموارنة بفرنسا وروما، روما تحديداً، وسُمح بذلك لأن فرنسا تريد لبنان الكبير أليس كذلك؟  

غسان الشامي: نعم، دكتور قزي لبنان تاريخياً من قبل إنشاء دولة لبنان الكبير كانت تعتمل فيه حركة نهضة كبيرة واسعة وبعدها بدأت هذه النهضة تتراجع قليلاً وأقصد النهضة الفكرية.  

ناصيف قزي: صحيح.  

غسان الشامي: استمرت النهضة الفكرية في لبنان وأنا أقصد الثقافة لأن السياسة نعلم جميعاً أن قسماً من اللبنانيين كان مع فرنسا وقسماً آخر كان يملك ريقاً إنكليزياً ومن ثم جاءت أميركا، إذا بقينا في الحال الثقافية منذ الستينات حتى اليوم يُلاحَظ هذا التراجع في الشعر، في المسرح، في الفكر، ألم يأتِ أحد ليدرس؟ هل فعلاً حصل تراجع أم ماذا؟

ناصيف قزي: في ستينات القرن العشرين؟   

غسان الشامي: نعم.

ناصيف قزي: مع أن ستينات القرن العشرين والسبعينات كان عصراً ذهبياً إلى حد ما أي مرحلة ما قبل الحرب اللبنانية مباشرة.

غسان الشامي: نعم ما قبل الحرب، في نهاية الستينات بدأ هذا النزول.

ناصيف قزي: هل ما تتفضّل به هو متلازم مع زمن النكسة؟ مع حرب 1967 وأحداث 1969 والأحداث التي قسّمت لبنان، وكان هناك صراع بين الجيش اللبناني من جهة والفدائيين الفلسطينيين من جهة أخرى بعد أحداث الأردن، من 1969 حتى 1973 كان هناك أحداث كبرى عطّلت لبنان إلى حد ما وأحدثت انشقاقات، ولم يعد لبنان حالة ثقافية صافية كما كان عليه في ما قبل، صار لبنان مشرذماً إلى حد ما ابتدءاً من 1969 حيث بدأت الميليشيات تتحضّر وكانت معروفة مخيمات الميليشيات بعضها كان مسانداً للجيش وبعضها الآخر كان نصرة للمقاومة الفلسطينية. أتذكر وكنت في بداية الوعي لهذه المرحلة وأقول أنني هربت من صيدا إلى الجية جرياً خلال أحداث 1969 وانعكست هذه القصة علينا، كنا صغاراً ننظر إلى الطائرة الإسرائيلية سنة 1967 ونقوم بردة فعل، في العام 1969 وصلت النار إلى الداخل، كيف تريد أن تنشأ أجيال؟ أنا أقول أنني من بيئة كنت فيها محصّناً إلى حد ما، لم أسقط في التجربة، تجربة التمذهب وتجربة الانجرار إلى الحروب الداخلية وإلى الانقسامات ولكن لا أستطيع القول أن الآخرين الذين مرّوا بتجارب أخرى وأصبحوا "غيتوات" أوصلونا إلى الحرب.   

غسان الشامي: نحن نتكلم دكتور قزي عن نصف قرن في مئوية، في نصف قرن منها، أين الحراك الفلسفي؟ أين تأسيسية مجلة شعر؟ أين البلد من مخيال وموسيقى الرحابنة وزكي ناصيف؟ هذه الخمسون سنة الماضية من تأسيس لبنان الكبير، هل فقط هي الحرب التي قضت على مجموعة من الأحلام النهضوية لدى الناس أم هناك أشياء أخرى قضت عليها؟

ناصيف قزي: أنا أقول بأن الحرب هي سبب أساسي، يمكن أن يكون لبنان الذي نشأت فيه الأجيال ودرست بمعظمها في مدارس كاثوليكية ومدارس إرساليات، أنا برأيي أن كل هذه المدارس لم تبنِ الإنسان المُحصّن في وجه العاصفة القادمة، لم تخلقه، ولذلك كانت الحرب وكل قيمنا الدينية والقيم الإنسانية العامة لم تفلح في وقف قتل إنسان في لبنان، الصور مرعبة التي عشناها نحن في بداية السبعينات وصولاً إلى التسعينات وتسعينات القرن الماضي. أتصوّر أن هذا الوضع انعكس سلباً على كل الحالة، انعكس سلباً على عملية التذهين، على عملية التفكير، الصراعات كانت قائمة يا أستاذ غسان منذ الخمسينات، قصة الوحدة العربية.    

غسان الشامي: من سنة 1958.

ناصيف قزي: بدأت الأحداث منذ 1958، أعطيك مثالاً، أحد المفكرين الكبار وهو كمال يوسف الحاج الذي كان يُعتبر في الخمسينات فيلسوف اللغة العربية والعروبة وما إلى ذلك، في الستينات هوجم بشكل عنيف وتحوّل إلى فيلسوف القومية اللبنانية، لماذا هو التحوّل؟ ثورة 1958، أحداث 1958 أثّرت على المسار الفكري. قبل 1958 وبعدها كانت هناك الندوة اللبنانية وميشال أسمر، كانت الندوة اللبنانية منتدىً كبيراً أبرز كل الشخصيات وكل الوجوه اللبنانية وغير اللبنانية المرموقة على المستوى الفكري العام، على المستوى السياسي وما إلى ذلك، كانت هناك المحاضرة المشروع كما سُمّيت في ما بعد التي نُشرت في الندوة اللبنانية على مراحل والتي كان فيلسوفها الأساسي بدايةً ميشال شيحا إلى حين وفاته، تسّلم زمام الأمر بعد ذلك روني حبشي في الخمسينات، كانت الندوة اللبنانية مرحلة نهضة كبيرة.

غسان الشامي: نعم ولكن نحن منذ سنة 1990 دخلنا في مرحلة أخرى وبقي هذا التدهور.

ناصيف قزي: دخلنا في النفق منذ الستينات أستاذ غسان ولا نزال.

غسان الشامي: الحضور الروحي، تكلمنا عن الحضور الزمني، كانت محاولة ملفتة من البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته الشهيرة إلى السينودس من أجل لبنان هي محاولة انتشال لبنان من آنيّاته، من تذريره، من تشظّيه وإدخاله في لبنان الرسالة، أين لبنان الرسالة؟

ناصيف قزي: أنت تتفضل بالكلام عن الإرشاد الرسولي الذي صدر في تسعينات القرن الماضي والذي سبق المجمع البطريركي عند الموارنة، وهذا كان حلم يواكيم مبارك أستاذنا الكبير الذي كان همّه أن ينعقد المجمع الماروني قبل السينودس وليس العكس، هذا من باب عدم طغيان الرومانية على مشرقيتنا، على أنطاكيتنا، على ذاتينا، على هويتنا بهذا المعنى إنما سبق الإرشاد المجمع عند الموارنة. هذا الإرشاد برأيي هو مفصلي ولكن الكلام الذي قاله البابا حوله لبنان الرسالة كان رائجاً عند المفكرين اللبنانيين، عند المفكرين الذين وصلوا في لبنان لدرجة أكثر من الحب، لدرجة العبادة. أنا واحد ممّن درجوا على بعض المفكرين وتعلّقت بهذا اللبنان إلى أن اكتشفت مؤخراً وهذا يظهر في كتاباتي أن ما حلمت به هو افتراضي أكثر مما هو واقعي.

غسان الشامي: قبض ريح.  

ناصيف قزي: من هنا جاءت الخيبة.

غسان الشامي: سنأتي إلى هذا، طبعاً كما قلنا يعدّ المسيحيون أنفسهم آباء إنشاء لبنان الكبير، أين هم الآن منه بعد مئة عام؟

ناصيف قزي: دعنا نشير إلى البطريرك الحويّك الذي هو رسول تلاقٍ بين الجماعات اللبنانية وله رمزيته وقد شارك في مؤتمر الصلح.  

غسان الشامي: نعم ولكن البعض يشير إلى أنه أخذ لبنان الكبير الذي هو يحلم به وكان يمكن أن يكون أكبر بالمناسبة.  

ناصيف قزي: نحن نقبل به أكبر وأكبر.

غسان الشامي: نحن نقبل بأن يكون الإشعاع اللبناني عاماً، هل استطاع هذا اللبنان تكوين هوية واحدة في المئة عام الماضية؟  

ناصيف قزي: كلا، لم تتكوّن هوية واحدة للأسف وأنا رافقت أجيالاً من السبعينات إلى اليوم وأقول على المستوى الرسمي بأن الدولة اللبنانية لم تفعل شيئاً بعد الحرب لصهر الأجيال، لذلك ترى عند كل هبّة ريح الانقسام يكون حاداً والتصريحات أيضاً، والآن زمن التواصل الاجتماعي يفضح كل الناس. هذه مشكلة، عادة يقال إن شعباً من الشعوب يتوحد ويتخطى كل اختلافاته عند الأزمات الكبرى، حتى انشقاقاتنا نحن في الأزمات الكبرى، في المحطات المفصلية التي مررنا بها من اغتيالات كبيرة، من حروب تدميرية علينا وما إلى ذلك، كنا بالحد الأدنى الذي قد يكون ظاهراً نلتقي إنما ما نضمره ليس حقيقة ما نفصح به للأسف، أقول ذلك بكل أسف.  

غسان الشامي: قدمتَ ورقة إلى المجمع الماروني عام 2004 يحمل أسئلة الهوية القلقة إذا استخدمنا تعبير أمين معلوف، هل لبنان مشرقي أم لبناني أم عربي أم بين بين؟ أي قدم في الشرق وقدم في الغرب، لماذا كان هذا القلق في تقديم الهوية؟   

ناصيف قزي: هذه حيرة، يحتار الإنسان في تحديد الهوية، أنا واحد من الناس الذين يرون أن لا مشكلة لدى المسيحيين بأن يتحدّدوا كمشرقيين، أين المشكلة؟ كنائسهم هنا، هنا نشأتهم من القدس إلى أنطاكيا، في هذه البلاد، ما المشكلة؟   

غسان الشامي: إلى كنيسة المشرق في العراق.

ناصيف قزي: قد تكون المشكلة للأسف عند بعض المسلمين أو الإسلاميين الذين لا يقبلون هذا المصطلح أو هذه الجزئية في كلّيّة ما يطمحون إليه. لماذا ستكون هذه مشكلة عند المسيحيين؟ أنا أذكر أنني دُعيت إلى المجمع البطريركي الماروني ولفتني شيء أن لبنانية الموارنة كانت طاغية ولكن كانت هناك وفود من قبرص ومن الشام، وأذكر بأنه امتعض أفراد كثر من هذه الوفود وخرجوا من الاجتماعات، وأنا التقيت ببعضهم حول هذه المسألة، المارونية هي أوسع من أن تُحصر بلبنان، صحيح هي لصيقة بلبنان تاريخياً إنما اليوم لم يعد بإمكاننا القول مع الانتشار الماروني في العالم إن الكنيسة هي في لبنان.

غسان الشامي: أنت قلت والكلام لحضرتك إنك مشرقي في عروبتك ولبناني في مشرقيتك وماروني في مسيحيتك واستخدمت الياء، ألا يوجد خلط هنا بين الطائفي  المذهبي والانتماء إلى جغرافيا معينة وهوية جمعية دكتور ناصيف؟  

ناصيف قزي: أنا أريد أن أتحدّد ثقافياً، أنا أنتمي إلى هذه البلاد، أنا أنتمي إلى هذه الأرض، أنا أنتمي إلى هذه الحضارة، قد تكون التعابير أتت بهذا الشكل المنسّق إلى حد ما، أريد أن أستخدم تعبير "العروبة" وأن أستخدم "المشرقية" أي مشرقيتي عربية، وأنا لبناني بالانتماء السياسي إذا شئت وهويتي الشخصية هي مسيحية مارونية، لم أرَ فيها تناقضاً، وأنا كتبت أكثر من ذلك وقلتها في بداية معرفتي بك أستاذ غسان قبل عشر سنوات حيث التقينا في دمشق عند مار مارون، كنا حينها برفقة الجنرال ميشال عون من الوفد المرافق، وأنا قلت وكنت أنطق باسم الجهة السياسية التي يمثّلها الجنرال عون "نحن اليد التي عادت من تغرُّبٍ من دون احتساب لتصافح تلك التي حافظت على الأيقونة والمكان". اليوم يُنعت الموارنة بأنهم غربيون وهذا خطأ، التغرّب عقيدة، الانتماء إلى روما الكنيسة.  

غسان الشامي: ألا يمكن أن يكون قولك "أنا ماروني في مسيحيتي" تمييزاً عن بقية المسيحيين؟ هل الأورثوذكس يجب أن يقولوا نحن أورثوذكس في مسيحيتنا؟

ناصيف قزي: لا تنسَى أستاذ غسان أن هذه الرسالة موجهة إلى مجمع ماروني، أنا أحدّد نفسي، أنا أتكلم معكم ولكن لا تنسوا أنني ماروني، عنوان الرسالة "أنا ماروني ولكن".

غسان الشامي: اسمح لي أن أريد أن أناقشك للوصول إلى الخلاصات لأن في هذا جزء مما اعتمل داخل لبنان خلال السنوات الماضية، أين يعني الدور اللبناني مشرقياً بالنسبة لك وعروبياً؟  

ناصيف قزي: الدور اللبناني هو الانتماء إلى هذه الجغرافيا وإلى البلدان المجاورة، نحن نشترك معاً. لو كانت البلدان المجاورة تحمل نفس النظم السياسية والقِيَمية وما إلى ذلك فلا مانع من أن يكون هناك اتحاد، من أن يكون هناك شكل من أشكال الاتحاد على غرار ما هي عليه أوروبا.

غسان الشامي: صار وقت الفاصل، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع الدكتور ناصيف قزي، انتظرونا.   

المحور الثاني:   

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدداً في أجراس المشرق، دكتور ناصيف قزي في الحرب غادرت لبنان وتركت المشرق وكنت في أستراليا على ما أعتقد؟

ناصيف قزي: كلا قمت برحلة إلى أستراليا ولكنني درست في باريس.

غسان الشامي: وقلت للبعض أنك لن تعود، لماذا عدت؟

ناصيف قزي: أبداً لم أقل ذلك، أنا انتحلت شخصية الشاب اللبناني الصديق الذي قال "أنا هنا إلى الأبد ولن أعود"، هذا الذي ذهب إلى أستراليا ليعبّر عن عمق المعاناة وقالها للأسقف "لن أعود، أنا باقٍ إلى الأبد". 

غسان الشامي: أنت بقيت وماذا تقول لمَن ذهب؟

ناصيف قزي: لا أستطيع أن أقول شيئاً الآن إنما قضيت فترة بين الثمانينات والتسعينات كنت أبشّر بالعودة، ذهبت إلى أستراليا عدة مرات، ذهبت إلى أميركا وأوروبا، كل المحاضرات وكل اللقاءات التي أقمتها كانت دعوة للعودة والتجذّر وأنا واحد من الناس الذين بدأوا بهذا الأمر عندما كنت طالباً في باريس، وعدت إلى لبنان في أوج الحروب اللبنانية وعانيت ما عانيته، وأنا أنتمي إلى منطقة نُكبت وكانت نكبة دهرية وحملنا أشلاءنا على منكبينا ورحلنا والحمد لله بقي هذا الشعور بالتجذّر والثبات في لبنان مشتعلاً لديّ بشكل أكيد ونهائي رغم كل شيء.

غسان الشامي: أنا سألتك هذا السؤال لأقول إننا في مئوية جديدة، هذه المئوية هي فقط إعادة ألقها وتنويرها هي عبء على مَن بقي في لبنان أو أيضاً على مَن هاجر منه؟

ناصيف قزي: مَن هاجر ربما يعاني من الهجرة، الجيل الأول يعاني من الهجرة أما الجيل الثاني وأصبح هناك جيل ثالث في الأربعة عقود هذه، لم تعد هناك معاناة، انخرطت الأجيال بالمجتمعات التي هم فيها وخاصة أن بعض الدول وأعطي مثالاً أستراليا متروك للجماعات أن تعبّر عن ذاتها كما تريد وتعيش كما تريد من دون أن يكون الإنسان مضطراً أن يشبه الإنسان الأسترالي الذي لديه أصول أوروبية أو شيء من هذا القبيل. أنا أعتبر يا أستاذ غسان أننا في مرحلة قلقة ودقيقة، أنا أعتبر أن المئوية الثانية التي بدأت هي على المحك، لست أدري إذا كان لبنان سيعود كما كان على المستوى الديموغرافي، على المستوى السياسي، على المستوى الاجتماعي، على المستوى القِيَمي. أنا واحد من الناس الذين دخلوا في مرحلة من الشك في هذا الأمر لأن ما نشهده وما نشاهده وما نعاينه والسجالات السياسية، الفكر معطّل، على المستوى الفكري نحن معطَّلون لا نقدّم شيئاً، نقدّم ولا أحد يسمعنا والسجالات السياسية الدائرة هي سجالات سيئة جداً على هذا المستوى، هذه لا تبني غداً. نظرياً يسعى بعض الناس في لبنان إلى تجميل بعض المواقف أو بعض الحالات إنما الواقع سوداوي، أنا لست متشائماً ولا يمكن أن أتشاءم إنما أرى المستقبل قاتماً لأنه حتى على المستوى الاجتماعي أنا خائف على المجتمع، المجتمع منقسم، الأجيال مفكّكة، ثمّة نُخَب شكّلت ما أسميناه المجتمع المدني ونُخَب طليعية لعبت دوراً إنما لم تُعطَ الفرصة لتستمر.    

غسان الشامي: الأحزاب السياسية اللبنانية المسيحية ولك تجربة في حزبيتك، أين هي من المشرق وبيئته الحضارية؟ لم يعد هناك مكان يا سيدي للخراف الصغيرة أو للجُزر في هذا العالم، أين هم رؤيوياً من المنطقة؟

ناصيف قزي: لا يمكنك أن تعرف لأن ثمّة ازدواجية في الخطاب السياسي، تجربتي تقول إن الخطاب السياسي لدى الأحزاب كافة وإذا كان موضوع الأحزاب المسيحية، لا يوجد ثبات في الموقف، لا يوجد ثبات في الرؤية، لا يوجد مستوى للرؤية في أن تكون صامدة مهما كانت الأحوال ومهما تبدّلت الظروف، من هنا نرى أن آراء القوى السياسية تنتمي إلى الآني والظرفي أكثر مما تنتمي إلى ما يجب أن نكون عليه، إلى بناء الإنسان الجديد بل المتجدّد، إلى بناء غد أفضل، أين هو الغد الأفضل في السجالات التي تحصل؟ ماذا يفعلون؟ ماذا تفعل هذه المؤسّسات السياسية التي تحوّلت إلى دوائر عائلية ومذهبية وما إلى ذلك؟ ماذا تفعل لبناء الإنسان؟ إذا أردت أن أبني وطناً ألا يجب أن يكون لديّ مثال الإنسان الذي أريد أن أكونه؟ مَن أنا؟

غسان الشامي: أنت تحدّثت عن الرهانات القاتلة لدى البعض، ما هي الرهانات القاتلة وهذا جزء من المئوية السابقة.   

ناصيف قزي: هذه كانت رسالتي الأخيرة أستاذ غسان قبل أن أنسحب من الجماعة السياسية التي كنت أنتمي إليها، كنت أنتمي إلى التيار الوطني الحر وكنت أحد الأشخاص المُقرّبين من القيادة السياسية. أنا لم أقبل بما سُمّي ذات يوم القانون الأورثوذكسي لأنني أعتبر نفسي أنتمي إلى حزب سياسي بعيد عن المذهبية والطائفية وما إلى ذلك، هذا الأمر هو مسألة مبدئية، أعتبر أنه حصل انحراف على مستوى ميثاق التيار بل البنية الفكرية التي على أساسها تكوكب الناس وتجمهروا حول هذا الإطار السياسي الذي أنشأه الجنرال عون ذات يوم في ثمانينات القرن الماضي، لذلك كلمة الرهانات القاتلة لا أقصد بها هذا الانتماء أو هذا القانون، المشروع المسيحي لم أفهمه يوماً، المشروع الذي جاءت به في البدايات القوى السياسية المسيحية وهذا ما عبّرت عنه في رسالتي إلى المجمع البطريركي، أحد كبار اللبنانيين القدماء في البرازيل سأل قوىً سياسية ذهبت لتجمع المال، قال لهم أنتم لم تسألونا حين قرّرتم الحرب كي تأخذوا منا الأموال، لم تأخذوا رأينا إذا كنا نريد الحرب أم لا. أنا مواطن بسيط جداً أطلب باسم الناس جميعاً أن يعترف الجميع بخطئه في مكان ما، إذا لم يعترف أحد فهذا يعني أن الجميع موافق على ما جرى، هذا يعني أن هذه الحال الشاذة التي مررنا بها قد تتكرّر يا أستاذ غسان وهذا ما يُخيفني.       

غسان الشامي: نعود إلى الفكر.

ناصيف قزي: يعني نستطيع أن ندخل إلى الفكر والسياسة.

غسان الشامي: طبعاً، أنا منحاز إلى الفكر دائماً.   

ناصيف قزي: وأنا معك.

غسان الشامي: تقول إنك من هذا التراث الكنعاني العظيم والشاهد الحق على المسيح، كنعان كانت هنا وفي سوريا وفلسطين والأردن، أين الكنعانية في هذا الإرث الذي بين يدينا؟  

ناصيف قزي: أنا شخصياً أشعر بالانتماء إلى بلاد الكنعانيين، أشعر بالانتماء البنيوي إلى هذه الحضارة، ومسيحيّتي هنا تتصلّب أكثر وتتعمّق في هذا الانتماء، أرى مع الكثير من المفكرين الذين قرأت لهم والذين تتلمذت عليهم أن المسيح أقرب إلى هذه الحضارة منه إلى الحضارة التي سُمّي على إسمها.   

غسان الشامي: تقصد اليهودية.  

ناصيف قزي: نعم العبرانيين، وهنا نرى الفوارق بين ذاك الإله وهذا الإله الحيّ الذي اعتنقناه في ما بعد.   

غسان الشامي: على الخطوة الأولى من المئوية الثانية إذا أردنا أن نتكلم في المستقبل كيف يُعاد بناء المجتمع اللبناني؟ ماذا يجب أن يُضخّ في عروقه إذا قرأنا جيداً أعطاب المئة الأولى؟

ناصيف قزي: أستاذ غسان يجب أولاً ضبط الخطاب الديني أياً يكن هذا الخطاب، الخطاب الديني يجب أن يتّخذ له بعداً إنسانياً قِيَمياً عاماً، يجب ألا يكون الخطاب الديني هو خطاب فئوي تحريضي في أي ظرف من الظروف. ثانياً يجب أن تقوم الدولة ببناء رؤية، هناك مفكرون كثر في البلد، هناك عظماء مرّوا في هذا البلد خلال هذه المئتي عام، رؤية ثقافية تربوية للبنان، أن نبني الإنسان، أن نبني الإنسان اللبناني، مَن هو الإنسان اللبناني؟ الإنسان اللبناني المتعاطف مع القضايا العربية، المتعاطف مع القضايا الإنسانية وليس الشوفيني، ليس المُتعصّب، ليس الإنسان الذي يتفاخر ببيئته، الذي يتفاخر بجماعته، نريد أن نبني إنساننا، إن لم نبنِ هذا الإنسان لا يمكننا أن نبني مجتمعاً ولا يمكننا أن نستمر فيه وخاصة بإزاء الأخطار التي تتهدّدنا وهي أخطار حقيقية ومصيرية، الخطر الصهيوني هو خطر حقيقي على لبنان بدءاً من المسيحيين، في زمن الحرب جرّب الناس ورأوا الهلاك على يد هؤلاء الغُزاة، وأنا أيضاً لديّ نصوص في هذا الكتاب حول فلسطين في الوجدان المسيحي.   

غسان الشامي: كتابك "القول الفصل".

ناصيف قزي: نعم، شخصيات كبيرة من القرن التاسع عشر حتى الآن كتبوا وحاولوا، حتى شارل مالك الذي يعتبرونه اليميني المتطرّف وهو المسيحي وما إلى ذلك، شارل مالك في كتابه حول قضية فلسطين في رسالته إلى الدول العربية، إلى الحكّام العرب عام 1949 قال للجميع لا تصدّقوا أميركا، أميركا تدعم إسرائيل ولا تملك إلا أن تفعل هذا.   

غسان الشامي: أيّة هوية يحتاج لبنان في مطلع هذه المئوية وكيف يكمل؟   

ناصيف قزي: أنا أقول بأن العروبة يجب أن تستعيد رونقها ويجب أن يفهم المسيحيون تحديداً معنى العروبة الحضارية، يجب أن يفهموا، أنا لا أزايد على الذين يعرفون، كلهم أفذاذ ولكن الأجيال يجب أن تعرف، لا يجب أن تتربّى الأجيال على تعابير، على مُصطلحات قد تكون أخذتها من وسائل التواصل الاجتماعي مما يقال في هذه الدولة أو تلك. بنية الإنسان اللبناني وثقافته يجب أن تكون متماسكة حتى لو كان في أية مؤسّسة تربوية في لبنان سواء كان إسمها أميركية أو فرنسية أو ثانوية عامة، هذه جميعها يجب أن تخضع بمفهوم التنشئة الوطنية لنفس الثقافة وإلا فإننا نخلق متناقضات كي نخلطهم في المختبر ذات مرة ويُحدثوا انفجاراً.

غسان الشامي: أيّة قِيَم للقادم؟

ناصيف قزي: أنا أعتبر أنه حتى القِيَم الدينية هي قِيَم إنسانية عامة، كل قيمة لا تكون قيمة إنسانية هي ساقطة أستاذ غسان، أعتقد أنني قلت ذلك في برنامجك في المرة الماضية، القِيَم العامة بالمفهوم السياسي: قِيَم الديمقراطية، الحرية، المساواة، العدالة، كل هذه القِيَم يجب أن تؤخذ، نحن ننتمي إلى عالم متقدّم، نحن لسنا بؤراً مغلقة، نحن ننتمي إلى العالم والعالم وصل بمواثيقه وبطروحاته منذ الثورة الفرنسية وما بعد الثورة إلى طروحات تجعل كل الناس متساوين في ما بينهم وتعطي لكل الناس حقوقهم، هذه القِيَم الديمقراطية التي ستوصلنا نحن وإياك إلى المجتمع الذي نطمح إليه وهو المجتمع المدني، إلى مجتمع مدني يحترم الأديان ولكلٍّ إيمانه، "الدين لله والوطن للجميع" يا أخي أبقِها شعاراً.  

غسان الشامي: ولكن هذا شعار ما زال منذ إطلاقه في القرن التاسع عشر.  

ناصيف قزي: لا نريد أن نكون تنظيريين، أنا أحد الذين كتبوا عن العلمانية وعملتُ عليها، نحن نبحث عن مخرج لمجتمع ولا نقول إننا نريد أن نستقدم نظرية طُبّقت في فرنسا ونطبّقها عندنا، كلا يا أخي، نحن لدينا التجربة الميثاقية نستطيع أن نطوّرها، نستطيع أن نقوننها، نستطيع أن نُمأسسها، أن تتحول إلى نظام سياسي لا تتخلّله فواصل أو أفخاخ مثل الصيغة المؤقتة التي لا تزال منذ مئة سنة والتي نختلف عليها يومياً، ماذا نفعل إذا كان المسلمون أكثر من المسيحيين؟ هل نلتزم بعدد معيّن من الموظفين؟ فلنحدّد النسل إذاً، قولوا للناس لا تنجبوا أو حدّدوا عدد الولادات لكل فئة، صحيح أم لا؟ ماذا ستفعل؟

غسان الشامي: ولكن البعض يقول إن كلمة الصيغة وكلمة الميثاقية هي كلمات لا يوجد تحتها فكر.

ناصيف قزي: أستاذ غسان الميثاقية مثل المشرقية.

غسان الشامي: كيف؟

ناصيف قزي: هي تسمية حضارية أيضاً، هي تسمية تفيد هذا التلاقي بين الناس.

غسان الشامي: ولكن هناك دستور.

ناصيف قزي: صحيح الميثاقية هي شيء نظري إنما يجب تحقيقها في نظام سياسي غير طائفي، في نظام سياسي له هوية واحدة، له اتجاه واحد وليس نظاماً يعطي لفلان ما يريده فلان ويعطي لعلّان ما يريده علّان.

غسان الشامي: دكتور قزي نحن نذهب جميعاً في عالم عينه دائماً في الأمام ونحن عيننا في الوراء، لم يعد في العالم دولة تسعى لأن تكون دولة دينية إلا دولة إسرائيل، أنت تكلمت عن العلمانية.

ناصيف قزي: وبعض الدول الإسلامية.   

غسان الشامي: نعم وبعض الدول الإسلامية ولكن الأساس بطلب الدولة الدينية من أجل البقاء هي دولة إسرائيل.

ناصيف قزي: دولة تلمودية.

غسان الشامي: نعم، هل لبنان مختبر حقيقي لإقامة علمانية كبقية دول العالم؟

ناصيف قزي: أنا أقول إن لبنان أفضل مختبر لأن العناصر قائمة، هناك مجتمع مدني سبق السياسيين وسبق الكنيسة وسبق رجال الدين وسبق المفتين بالزواج المدني، بالزواج المختلط، بكل شيء، سبقوا المجتمع، ماذا يريدون من المجتمع؟ هل يريدون أن يقفلوا عليه؟ هل يريدون أن يظلموا المجتمع؟ أن يظلموا الأجيال؟ الأجيال القادمة هي التي تقرّر وليس الماضي هو الذي يقرّر.

غسان الشامي: ولكن الجزء الكبير من هذا المجتمع عندما تحزّ المحزوزية في اللحظة الفيصل تجده قد تبع ذلك السياسي أو رجل الدين، كيف؟

ناصيف قزي: هذا نقص في الثقافة يا أستاذ غسان.

غسان الشامي: وهذا ما حصل منذ 1958 ويحصل الآن.

ناصيف قزي: ونعم وقد يحصل غداً أيضاً.

غسان الشامي: كيف يمكن أن تقيم مجتمعاً علمانياً؟

ناصيف قزي: هذا ما نقول عنه الرؤية التربوية التي يجب أن تضعها الدولة، لا نقول إننا سنضع كتباً جاهزة للأجيال ولكن يجب أن نضع رؤية، أن تكون لبنانياً، ما معنى الانتماء، ما معنى الهوية، هذه سيأخذها في كتاب التربية، كتاب التربية وكتاب التاريخ أهم من جميع الكتب في وضع لبنان الحالي إذا كنا نريد حقاً المحافظة على لبنان، أن تحافظ على لبنان يعني أن تحافظ على شعبه، أن تحافظ على الأجيال، أن توقف الهجرة، أن تعمل المستحيل لوقف الهجرة، أن تخلق فرص عمل، أن تترك الناس تعيش، أن تعطي استثمارات لأصحاب الاختصاص، للشباب والشابات، أن تعطي استثمارات للعمل داخل لبنان.   

غسان الشامي: ذكرت في معرض حديثك موضوع الزواج المدني، تقدّم الكثيرون بمشاريع بدءاً من أوغست باخوس وصولاً لما قدمته كتلة القوميين بالمشروع إلى مجلس النواب، مَن وقف ضده؟ وقفت البطريركية المارونية ضده ووقفت دار الإفتاء ضده.

ناصيف قزي: وقفت البطريركية المارونية في ذاك الزمن عام 1997 مسايرة لفريق سياسي.

غسان الشامي: فريق رفيق الحريري؟

ناصيف قزي: أتصوّر أنه فريق الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

غسان الشامي: إذا كنا نريد أن ننطلق إلى مئوية يجب أن نقول الأمور بواقعيتها. 

ناصيف قزي: نعم، لا تستطيع البطريركية المارونية ولا أية كنيسة أن تمنع، الزواج المدني قائم في العالم، الإنسان حر في أن يتزوج دينياً أو غير ديني، لماذا تلزمه؟ لماذا تدفعه ليكذب عليك؟ صحيح أم لا؟  

غسان الشامي: نعم، كيف يستعاد التنوير؟ نحن نتكلم عن عصر الأنوار دائماً، نتكلم عن التنوير الأول في النهضة العربية التي خرجت من المدن الثلاث، من حلب وبيروت والقاهرة، هذا التنوير كيف يستعاد؟ هل التنوير السابق متكأ لنا للانطلاق إلى تنوير جديد؟

ناصيف قزي: بالتأكيد هو متكأ ولكن أنا لديّ رأي هنا، أنا درّست الفكر العربي الحديث والمعاصر لفترة طويلة في الجامعة ولكنني صرت أستعمل تعبير ما اصطُلح على تسميته عصر النهضة يا أستاذ غسان لأنه تبيّن لي إنني إذا قرأت النهضة انطلاقاً مما يجري اليوم بأن تلك الحالات الجميلة التي استنرنا فيها والتي تأسسنا عليها كانت نخبوية للأسف، ما جرى في ما بعد للكثير من المفكّرين والكتّاب والاضطهاد الذي حصل مخيف، لذلك نحن نفرح ببعض الصامدين والمناضلين الكبار من مفكّرين أمثال أدونيس وناصيف نصّار الذين لا يزالون صامدين في طروحاتهم وتوجّهاتهم.

غسان الشامي: سؤال أخير وبقليل جداً من الوقت، دائماً هناك تعبير "نريد لبنان سيداً حراً مستقلاً" وأنت كتبت في هذا، هذه تُختصر بكلمة واحدة على ما أعتقد أننا نريده بلداً حراً، ماذا وكيف يصبح لبنان في المئوية القادمة بلداً حراً؟

ناصيف قزي: أن يُطبَّق فيه القانون، أن نتفق على قانون موحّد، على دستور وأن نطبّقه وليس أن نضع الدستور ونجتهد كلٌّ منا من موقعه لشرح هذا الدستور بما يتوافق مع طموحاتنا ومع مصالحنا.             

غسان الشامي: كل الشكر.

ناصيف قزي: شكراً أستاذ غسان. 

غسان الشامي: ليس من استقرار للمعرفة، إنها دائماً في الأمام كما العقل لذلك بدل اجترار الماضي والتأسّي على ما مرّ فيه لا بد من صوغ المستقبل بشكل حقيقي وصلب. شكري العميم للدكتور ناصيف قزي ولزملائي في أجراس المشرق، ولكم أتمنى أياماً أكثر خيراً، سلام عليكم وسلام لكم، شكراً.