أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

واقع المسيحيين في القدس

القدس... مقدسات مسيحية للحجاج، والمسيحيون الفلسطينيون يتناقصون... لماذا هذا التراجع؟ وما دور الكنيسة والسلطة الفلسطينية؟ وأي أفق ينتظر مسيحيي القدس وفلسطين؟

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، كيف لا تتوجّس من المستقبل عندما تعلم أن عدد المسيحيين الفلسطينيين في أستراليا أكثر من عدد المسيحيين في القدس، وأن عددهم في أميركا لا يقارَن أبداً بمن بقي في أرض السيّد المسيح، حيث يعتقد المتفائلون بأن نسبتهم باتت واحداً بالمئة فقط من أهل فلسطين. الأسئلة المحرقة هي هل من مسيحية من دون فلسطين؟ أو من دون القدس؟ أو كنيسة القيامة والجلجلة والمهد والبشارة وطبريا وكفر ناحوم؟ يبدو أن درب الآلام الشهير في القدس قد انتقل من السيّد المسيح نفسه إلى مَن آمن به في تلك الأرض ومنهم إلى الفلسطينيين عموماً. عن القدس وما حلّ ويحلّ بهما سنحاور الأرشمندريت الفلسطيني ملاتيوس بصل رئيس دير يواكيم وحنّة في القدس القديمة ولكن بعد تقرير عن المُقدّسات المسيحية في القدس.

تقرير:  

يذكر مركز الإحصاء الفلسطيني أن نسبة المسيحيين بلغت نحو 1% فيما بقي نحو أربعة آلاف مسيحي فقط في القدس التي تضمّ أهم وأقدس كنيسة أي كنيسة القيامة، وفيها قبر السيّد المسيح ودير للرهبان الفرنسيسكان وأديرة أورثوذكسية.

أما كنيسة القدّيسة حنّة فأقميت حيث حصلت إحدى معجزات السيّد المسيح ويُعتقد أنها كانت منزل والدي السيّدة العذراء، وهناك كنيسة نياحة العذراء، المكان الذي يُعتقد أنه تم فيه العشاء الأخير، وكنيسة حبس المسيح أو كنيسة الجلد، وكنيسة القدّيسة فيرونيكا، وكنيسة الجسمانية التي بُنيت فوق صخرة الآلام وعلى واجهتها لوحة يوم القيامة لليوناردو دافنشي، وكنيسة الصعود أعلى بناء في القدس، وكنيسة مريم المجدلية وهي من أجمل مواقع العبادة على منحدر جبل الزيتون، وكنيسة الثلاث مريميات، وكنيسة صياح الديك، وكنيسة القدّيس توما، وكنيسة المخلّص التي يرتفع برجها 48 متراً، وكنائس مار فرنسيس وأوجاع السيّدة العذراء، ودير حبس المسيح، والدير الكبير الذي يضم ثلاث كنائس، ودير مار يعقوب الذي يشغل ثلث مساحة البلدة القديمة، ودير المخلّص ودير مار مرقس ودير السلطان قرب كنيسة القيامة، ودير ستنا مريم ودير يوحنا المعمدان ودير مار أنطونيوس ودير مار جرجس ودير أبينا إبراهيم ودير البنات ودير مار تادروس وأديرة كثيرة أخرى. 

غسان الشامي: تحية لكم، أحييك أبونا ملاتيوس.

ملاتيوس بصل: أسعد الله مساءكم.  

غسان الشامي: سيّدي إذا كان مسيحيو فلسطين قد أصبح عددهم أو نسبتهم 1% لِمَن تقرعون الأجراس؟  

ملاتيوس بصل: لا بد من أن نقرع الأجراس لأننا نرى هذا الواحد بالمئة نوعاً ما ملح الأرض وسيبقى شاهداً لي في الأرض كما يقول الكتاب المقدس، نأسف لهذه النسبة التي وصلت إليها ولكن سنبقى نقرع الأجراس. 

غسان الشامي: والصلاة؟ مَن يأتي إلى الصلاة؟  

ملاتيوس بصل: اليوم نعتمد في مدينة القدس على الحجّاج الأجانب أكثر من أبناء البلد، فأبناء البلد في تضاؤل وإذا فتحنا الكنائس لأبناء البلد فسيكون العدد ضئيلاً في الكنائس ولن تمتلئ ولو أرادوا هم أنفسهم فلن يملأوها للأسف، ولكن نحن في تفاؤل وفي أمل أن يبقى لنا وجود في هذا البلد المقدّس.   

غسان الشامي: أنا لا أدعو إلى التشاؤم قدس الأرشمندريت ولكن أريد أن أذهب وإياك إلى الأمكنة الصعبة، إلى الأمكنة المؤلمة أحياناً، أنت في دير تاريخي للسيّدة العذراء في القدس، رعيّتك الفلسطينية مَن هم؟ هل تتوقع أن يبقوا أم تتوقع أن يغادروا كما غادر الكثيرون؟  

ملاتيوس بصل: دعنا نتكلّم عن الأمر الواقع، أتوقّع أن الكل في صدد الهجرة، للأسف الوضع مضطرب، الأمور غير مستتّبة، الوضع الاقتصادي، الوضع السياسي والوضع الاضطهادي، هنالك وضع اضطهادي لا نريد أن نخفيه أيضاً ولكن وضعنا في تضاؤل ولا أرى أية مقولة أقولها لشباب اليوم لكي يبقوا في بلدهم، صعب جداً ولكن هنالك مَن يبقى صامداً. للأسف لا أجد أي حل لهذه الأمور وأرى أيضاً أن هناك مخططاً مقصوداً لتهجير المسيحيين من الشرق وبالأخص من الأرض المقدّسة. 

غسان الشامي: نسمع كثيراً أن هناك مخطّطات، نعم هناك مخطّطات ولكن على الأرض ألا تعرفون مَن يدير هذا المخطّط أبونا بصل؟

ملاتيوس بصل: هو واضح، هي التيارات المسيّسة الدينية السياسية أو المسيّسة سياسياً ونرى أن الصهيونية وراءها بشكل واضح، أعطيك مثالاً صغيراً عندما نمشي في القدس يأتي مستوطن يهودي يبصق علينا أمام الشرطة والشرطة لا تتخذ أي إجراء بحقه، إذا تعاملنا معه بالمثل وهذه ليست من سماتنا ولكن إن تعاملنا معه بالمثل تتدخّل الشرطة حتى لا يزداد الأمر تفاقماً وتعقيداً. هذا الأمر متواجد، أنا كرجل دين أسير في الشارع وأتوقع في أية لحظة من اللحظات إما كلاماً مهيناً أو شتائم وتهديدات أخرى إن كنت للسيّد المسيح وللسيّدة العذراء لهما المجد أو بشكل شخصي، هذا نعيشه يومياً، طبعاً واضح مَن وراءه وواضح مَن خلفه، حتى أنهم كيف يحاولون اقتحام الأديرة ليلاً واضطراب الرهبان الموجودين في الداخل، محاولة سلب مواقع صغيرة، غُرف أو بعض الأماكن المهجورة بسبب التدمير أو بسبب الزمن يحاولون أخذها ورويداً رويداً يسيطرون على الموقع كله، هذا الواقع نعيشه يومياً ووواضح مَن هم وراء هذا الاضطهاد الممنهج، الضئيل، الصغير، العامل، الفاعل، واضح أن الحركة الصهيونية هي وراء كل هذا التدخل.

غسان الشامي: أنت أيضاً أكاديمي وأستاذ جامعي، ألم تخرجوا بدراسات تبيّن أسباب هذا التراجع المخيف في أعداد المسيحيين الفلسطينيين؟ شيء علمي، والرقم الذي وصل الآن؟ وكيف يمكن المحافظة على مَن ما يزال يعاند ليبقى؟

ملاتيوس بصل: هنالك أبحاث كثيرة ومنها مركز كاريتاس ومركز الدراسات الأورثوذكسية للشرق الأوسط، وحتى أيضاً هنالك دراسات في الجامعات العبرية، ملخّص هذه الدراسات أن هناك عدة أنواع من الهجرة: الهجرة الاضطهادية والإرهابية التي تمارَس بشكل عام وبالأخص على المسيحيين في هذه الفترة، وهنالك الهجرة الترغيبية، الشاب لا يجد عملاً ومن السهل أن يستحصل على "فيزا" للخارج، بلجيكا، كندا أو أي مكان آخر بغية العمل، وهناك الهجرة الاضطهادية اليومية غير الملموسة من الناحية القانونية. هذا واضح جداً، عدد المسيحيين يتفاوت من منطقة إلى أخرى بنسبتهم ولكن كما قال التقرير نسبة 1% أتفاءل أكثر نوعاً ما ولكن هنالك خطر آخر يجعل الاضطهاد أشد على المسيحيين وهم الذين أتوا من روسيا ومن دول الاتحاد السوفياتي السابق وسمّوا أنفسهم يهوداً كي يخرجوا من بلادهم ويأتوا إلى هذه الأرض، وعددهم اليوم ضخم جداً يتجاوز ال 600 ألف مواطن في هذه البلدة وسجّلوا أنفسهم كمسيحيين وهذا ما زاد الاضطهاد. مثالٌ صغير، إذا أرادت كاثوليكية أن تتزوّج من مذهب أورثوذكسي لا يجوز لها ذلك إلا إذا تقدّمت بطلب خاص عند شخص إسمه يوسي في وزارة الداخلية والأديان للكيان الصهيوني وهو يقرر إذا ما كان يجوز تغيير المذهب أو لا وبناء عليه يتم الزواج، هذه العقبات ابتدأت من خمس سنوات وباستمرار. إذاً الخطر أراه في نسبية التعامل معنا في ظل تزايد الآخرين، هم ليسوا أبناء البلد، يأتون من الخارج بصفات معينة. كما سبق وقلت أن هنالك أبحاثاً كثيرة ولكن ماذا يفيدني البحث إن لم أجد وسيلة وتعاملاً لتغيير الوضع الراهن.

غسان الشامي: أريد أن أقول لك أبونا وفي ضمن الأسئلة المؤلمة، كلنا يعرف أن الصهيوني يحاول ألا يُبقي مسيحياً، الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت بالنسبة له لكن ما دور الكنيسة في التراجع المخيف بأعداد الفلسطينيين؟

ملاتيوس بصل: كما تعلم ويعلم الكثيرون أن الكنيسة في الشرق هي كنيسة محلية ولا تتبع لأية جهة غربية أو دولة أخرى إنما هي كنيسة محلية وإمكانياتها تبقى محدودة، هنالك بعض المساعي من مؤسّسات مع صغر الكنيسة ومحليتها لأن هناك مؤسّسات ضخمة للكنائس مثل المستشفيات، المدارس والمراكز وغيرها ولكن هذه الإمكانيات تبقى ضئيلة، وأنا أقول مع ضعف إمكانيات الكنائس للعمل إلا أنها لا تخدم بشكل صحيح كإدارة كنائس لبقاء المسيحيين في الشرق، لا تجد أية فرصة عمل، لا تجد أية مؤسّسات إن كانت إدارية كنسية أو مسيحية أو أية مؤسسة أخرى تهتم بهذا الشأن. أنا أرى ضعفاً كثيراً، هناك عمل يقام لكنه ضئيل جداً نسبة للتحدي الذي نواجهه.

غسان الشامي: وما دور السلطة الفلسطينية؟  

ملاتيوس بصل: السلطة الفلسطينية هي ضربة سندان، بين ضربة هنا وضربة هناك، وهي واقعة تحت احتلال.

غسان الشامي: بين المطرقة والسندان.  

ملاتيوس بصل: بين المطرقة والسندان، السلطة الفلسطينية هي تحت احتلال ولكنها بحسب الدستور الفلسطيني هي دولة علمانية ولكن على أرض الواقع هناك تجاوزات، نحن نريد أن نقول الحقيقة للمشاهد، هناك تجاوزات غير قانونية، هناك الفكر الداعشي الذي يدخل اليوم إلى عقول الشباب. أغلب أصدقائي هم من المسلمين ولا توجد بيننا أية مشاحنات أو إشكاليات ولكن كما يقول المثل "برغوث يسقط في كاسة لبن يخرّب الكاسة"، فهنالك شخص أو شخصان أو ثلاثة أو فئات نوعية صغيرة ولكنها تؤثر، أعطيك مثالاً، هناك شاب مسيحي تزوج من فتاة مسلمة واعتنقت هي المسيحية برضى أهلها وتزوجها كنسياً برضى أهلها وحضورهم، وعندما ذهب ليسجّل أوراق زواجه في الداخلية في بيت لحم رفض الموظف وقال هذا مخالف للشرع، عندما قلنا له إن الدولة علمانية وهذا أمر لا يعارض القانون أصرّ على الرفض، هذا الزواج أنتج طفلاً وعندما أرادا تسجيل الطفل رفضوا تسجيله بأنه مسيحي، عندها سافر الشاب إلى بلجيكا لإيجاد مستقبل لإبنه ولكن هذا ليس القانون، السلطة تحاول. نحن نتأمّل خيراً كما تبادر إلى مسمعي يوم أمس بأن هنالك قانون جديد للأحوال الشخصية صُدّق من الحكومة الفلسطينية واليوم هو على طاولة الرئيس أبو مازن، ونحن ننتظر توقيعه ونأمل من هذا القانون أن يغيّر نوعاً ما من الحال المضطربة الموجودة في بلدنا، ولكن إجمالاً وبشكل عام لا أستطيع أن أقول أن هناك تفرقة بين مسلم ومسيحي في فلسطين، هنالك بعض الأمور التي من السهل أن تنتشر وأن تُوزَّع وأن تكون سبباً لاضطراب وتَخوُّف الآخرين في هذه الدنيا.

غسان الشامي: وما أثر الخلافات بين أهل السلطة في فلسطين أي بين حماس والسطة على واقع المسيحيين إن كان في القدس أو في الضفة أو حتى في غزّة؟

ملاتيوس بصل: الأمر مضحك نوعاً ما أن الجميع يريدون أن "يشدوا ظهورهم بالمسيحيين" أمام الغرب ولكن على أرض الواقع لا نجد نتيجة، لكن نحن نرفض هذه التسميات بأنهم يشدون ظهورهم بنا، نحن مواطنون أبناء هذه الأرض، فلسطينيون، لا نريد التمييز بالتسمية، انتماؤنا الديني هو بين الإنسان والله وليس من علاقات وطنية أو سياسية، لا نريد التدخل بالسياسة، كل شخص هو حر في انتمائه السياسي ولكن نحن أبناء وطنيين نحافظ على وطننا مثل إخواننا المسلمين، لا نريد التنازع لا هنا ولا هناك، لا بين غزّة ولا رام الله حول المسيحيين. للأسف في غزّة كان عدد المسيحيين ثلاثة آلاف مسيحي واليوم لا يتجاوز عددهم 180 مسيحياً، هذا الوضع كله يؤثر على الوجود المسيحي.

غسان الشامي: والحبل على الجرّار.

ملاتيوس بصل: نعم، سألت اليوم صباحاً أحد المسيحيين لماذا تحاول الخروج من منطقة بيت لحم إلى القدس، طبعاً هذا التغيير سينتقل من هوية السلطة الفلسطينية إلى هوية احتلالية في القدس أي من الهوية الخضراء إلى الهوية الزرقاء، فقال لي أين أربّي إبنتاي؟ في أي جو؟ قلت له وهل الجو هنا أفضل؟ قال على الأقل سأجرّب، لا أستطيع أن أقارب أكثر وضع المسيحيين في الأرض المقدّسة، وكما ذكر التقرير أن أرض المسيح ستبقى بلا مسيحيين ولكن أنا متفائل بأنه سوف يبقى شاهداً لي في الأرض.  

غسان الشامي: لديّ سؤال أخير في هذا المحور ولا أريد الاستفاضة به، يمكن أن نذهب بعده إلى المحور الثاني لنتابع، ما دور الخلافات داخل الكنيسة الأورثوذكسية التي هي أكبر كنيسة في فلسطين في تراجع عدد المسيحيين؟ هكذا من الباب للطاقة وأنت أورثوذكسي.

ملاتيوس بصل: من الباب للطاقة، هذا الخلاف الموجود أسبابه معروفة ولكنه أدى إلى نتيجة صعبة جداً وهي عدم ثقة الإنسان المؤمن برئاسته الروحية، زعزع هذه الثقة وهذا مؤسف لأنه أصبح يخلط بين الإدارة الكنسية وبين الإيمان وهذا أيضاً مزعج جداً ويؤثر علينا جداً وعلى المسيحيين، مثلاً إذا فعل المطران كذا فلا شأن لي بهذه الكنيسة، هذا خطأ طبعاً من وجهة نظره وهو يتجه إلى وجهات أخرى، عندما يرى في التلفزة كيف تقام الصلوات في الدول المسيحية الأورثوذكسية، طبعاً هو لا يدرك ماذا يحدث في كل منطقة فنراه يقول أنا كمؤمن أريد أن أذهب إلى روسيا أو اليونان أو أية دولة أخرى حتى أعيش كمسيحي مؤمن لأنه لم يعد لي رزق هنا، طبعاً نحن نرفض هذا الكلام، لا أعرف ماذا أقول لكن آمل أن تُحلّ هذه الخلافات بدستور صحيح، بنظام داخلي صحيح للكنيسة وإدارتها، وآمل من الرئاسة الروحية رؤية واعية أكثر وحتى القيادة المسيحية ما يسمّون بالحقيقة أو العرب، لا مشكلة في التسمية، أن يكون لديهم هذه الرؤية، أن لا يتزعزع إيمان الإنسان المؤمن في هذه البلاد. 

غسان الشامي: لنتابع، هل القيادة الروحية ولنقُل بالحرف الواحد الإكليروس اليوناني يعي تماماً أن ما يحصل هو دافع من دوافع هجرة المسيحيين الأورثوذكس؟

ملاتيوس بصل: دعني أكون صريحاً وواضحاً وكلمة حق نقولها، للأسف أن الإكليروس اليوناني بأغلبيته اليوم لا يدرك الوضع الراهن لا السياسي ولا المشكلة الوطنية في هذا البلد، عندما يأتي شاب من اليونان ويصبح إكليريكياً في الكنيسة ولا يعرف لغة رعيّته فكيف سيتواصل معه، كيف سيعرف وجعه إن كان الوجع الشخصي أو الوجع العائلي أو الوجع الوطني فهو لا يعيشه. من ناحية الإدارة العليا للكنيسة ندرك المشكلة الموجودة.   

غسان الشامي: بالتخاطر.

ملاتيوس بصل: ولكن لا ننسى أن هنالك ثلاث دول واتساع امتداد كنيسة أورشليم، كنيسة القدس على ثلاث دول قانونياً، وكل دولة تريد أن تضغط بطريقتها والكيان الصهيوني له ضغط أكبر وتأثير أكبر لأنه هو الذي يتحكم بإعطاء الفيزا للكهنة اليونانيين المقيمين في المنطقة وهم الحاكمون للكنيسة وأصحاب الإدارة، فهو يؤثّر فيهم ويبتزّ من هنا وهناك حتى لا تكون الأمور واضحة، ولكن للأسف أيضاً أقولها بشكل واضح لا توجد علاقة واضحة بين الرئاسة الروحية وبين الشعب المؤمن المسيحي ولا تواصل بشكل مباشر حتى يدرك الآخر مفهوم الآخر وآلام الآخر، للأسف هذا هو وضعنا.

غسان الشامي: لديّ سؤال، أنت تحمل أيضاً الجنسية الأردنية لتسهيلات السفر وأعتقد أنك حصلت عليها في العام 2007.

ملاتيوس بصل: صحيح.

غسان الشامي: قدس الأرشمندريت ما المطلوب من الأردن؟

ملاتيوس بصل: الأردن كدولة تسعى أيضاً لمصالحها الشخصية أولاً، والمطلوب من الأردن بما أن نسبة المسيحيين في الأردن هي أكبر وهي دولة مستقلة أكثر من السلطة الفلسطينية، مطلوب منها أن تعمل بصورة أكبر لرعاية المسيحيين، هنالك مجهودات هنا وهناك ولكن هذا غير كافٍ، على أرض الواقع لا نرى أي شيء ملموس، نتأمل خيراً من جلالته أن يقوم بشيء من المنهجيات المستقبلية، برنامج مستقبلي، عمل على الأرض وليس قوانين وتصريحات، هنالك الكثير من القوانين ومن التصريحات ومن الأبحاث ولكن ماذا تجدي إن لم تُطبَّق. الوضع في الأردن أفضل بكثير من ناحية الاضطاد ولكن نأمل أن يكون هناك جهد أكبر، وأريد أن أذكّر أن القانون الذي يسري على بطريركية أورشليم، بطريركية القدس هو قانون أردني موقّع من المغفور له الملك حسين، هو قانون أردني ولا يجوز لأي أجنبي أن يكون في كنيسة القدس إلا إذا حاز على الجنسية الأردنية وأن يتكلم اللغة العربية كتابة وقراءة ولكن الموجود على أرض الواقع اليوم هو شيء آخر.

غسان الشامي: إنهم يتكلمون لغات كثيرة ولكن غير عربية، على كل حال أبونا ملاتيوس إسمح لنا أن نذهب إلى فاصل على أن نعود للحوار مع حضرتك، أعزائي انتظرونا بعد الفاصل لنتابع الحوار مع الأرشمندريت ملاتيوس بصل رئيس دير يواكيم وحنّة في مدينة القدس القديمة.

المحور الثاني:

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدداً في أجراس المشرق، أبونا ملاتيوس أريد أن أشير للسادة المشاهدين أن الحوار معك من رام الله لأنك بالمصادفة في رام الله ولكن أيضاً هذا يدفعني إلى سؤال، أنت كنت راعياً في كنائس هذه المدينة الفلسطينية وأُكرهت بطريقة أو بأخرى من قِبَل البطريركية وقامت القيامة ولم تقعد من أجلك لكي يبعدوك عن رام الله، كيف رام الله ومسيحياً؟ 

ملاتيوس بصل: سؤال صعب.  

غسان الشامي: نعم يحتاج الأمر إلى تنهيدة.

ملاتيوس بصل: رام الله هي معشوقتي، خدمت فيها 12 عاماً وكانت هناك ثمار لهذه الخدمة من ناحية الرعية ومن ناحية التطوّر بين الشبيبة والدراسات الكتابية وحتى الإنشائية والمدارس وأمور أخرى، لكن لسبب من الأسباب بسبب الاضطرابات التي حدثت في البطريركية وتغيير البطريرك وانقلابات هنا وهناك وصفقة باب الخليل، وسبب موقفي أنني كنت قد اتخذت قراراً بأن نحافظ على الحق وكان قراري في النهاية أن أكون بحسب ما تتخذه السلطة الفلسطينية كحكومة، وكان السيّد قريع رئيساً للحكومة آنذاك ولكن بعد سنتين تغيّر الأمر في السلطة الفلسطينية واتخذوا مجرى آخر من دون أن نعلم، وأصبحنا خارج اللعبة كما يقال في كرة القدم، فكان من السهل أن نتلقى صفعة ممتازة ولكن الله حمانا، نُفينا إلى مدينة حيفا ثم فترة زمنية في المنزل وها أنا ذا الآن في القدس العامرة، في باب الأسباط في دير يواكيم وحنّة، ربّك كبير.

غسان الشامي: نحن نقول دائماً بحمى الله وربّنا كبير ولكن الواقع أليم أيضاً، لا نريد أن ننكر ذلك. سيّدي حتى لا تتنهّد أكثر، في الكنيسة الأورثوذكسية التي تعاني منذ زمن حقيقة وتعرف أننا نحن في أجراس المشرق حاولنا الإضاءة على هذا الأمر، هذا الذي قمنا به قبِل به كثيرون ورفضه البعض لأن الوضع هو وضع انقسامي وواقع الانفصام الذي سألتك عنه بين الإكليروس اليوناني والناس، الآن هل يمكن توصيف الوضع بعد هذه السنوات من ترؤّس البطريرك ثيوفيلوس للكنيسة  الأورثوذكسية المقدسية؟

ملاتيوس بصل: البطريرك ثيوفيلوس الثالث يحاول بطريقة معينة دعم الكنائس إنشائياً، هناك عدة كنائس جُهّزت في فترته، طبعاً تم بناؤها سابقاً ولكنه ساعد مادياً ودُشّنت بعض الكنائس في زمنه ولكن على صعيد ما نراه رعوياً نحن لسنا بخير إنما ما زلنا نعاني، ولكن هناك أيضاً أزمة في الكنيسة كبطريركية، هناك قلّة في عدد الرهبان، بما أن الإدارة يونانية هناك قلّة في عدد الرهبان اليونانيين وطبعاً الرهبان العرب حالة نادرة ولكن هنالك أمل أن يحصل تغيير، عندما نتكلم في البطريركية وبالأخص مع البطريرك حول وضع الرعيّة يعطي وعوداً ويتحدث عن حلول فنتفاءل لكن لغاية اليوم لا نرى شيئاً ملموساً بشكل واضح. هنالك حركة صغيرة في الأردن تنتج حديثاً فنتفاءل بها خيراً، وأيضاً في الجليل هنالك حركة ولكن هذه الحركات تبقى شخصية أكثر مما هي مؤسّساتية، فلو كانت مؤسّساتية لأنتجت بشكل فعال أكثر، محاولة نتفاءل بها خيراً، المهم أن يكون هناك برنامج عمل لترسيخ المسيحي المشرقي في هذا المشرق.

غسان الشامي: نعم ولكن أيضاً وجدنا أنه في وقت ما ليس ببعيد أن المسيحيين في بيت لحم وقفوا واضطرت السلطة لأن تحمي البطريرك من هتافاتهم ومن البندورة ومن البيض وما شاكل، معنى ذلك أن هناك جزءاً كبيراً من الرعية في الضفة الغربية من الأورثوذكسيين غير قابل بالواقع الحالي.

ملاتيوس بصل: أنا أشرت أن 99% لكي أكون منصفاً أو الأغلبية غير راضية عن الوضع الراهن، طبعاً السلطة الفلسطينية مضطرة أن تأخذ هذا الموقف لأن البطريرك هو شخصية اعتبارية وله كيانه وهو من الدرجة الكهنوتية وله احترامه، كإدارة شيء وكنسياً شيء آخر، لكن هنالك كثيرون غير مقتنعين وغير راضين عن الوضع الراهن في البلد بالنسبة للمسيحيين وبإمكان الكنائس أن تفعل أكثر وأكثر ولا نجد أي شيء ملموس على أرض الواقع من هذا العمل الإداري من البطريركيات أو من الكنائس أو من رؤساء الكنائس ككل. ما حدث في بيت لحم من وجهة نظري هو أمر غير لائق نوعاً ما ولكنه تعبير عن صرخة ألم، ولكن نتأمّل بحسب المخططات أو الوعود التي قطعها البطريرك والرؤية التي يراها حديثاً نتأمل أن يتغيّر الوضع ولكن هنالك مثل شعبي إسمح لي أن أقوله يقول "عشم إبليس بالجنة".

غسان الشامي: وهو مثل مخفّف عن الواقع برأينا.

ملاتيوس بصل: نبحث عن مسكّنات أستاذ غسان.

غسان الشامي: يومياً تتكشف للناس قضية بيعٍ للأراضي، طبعاً إذا كانت السلطات الكنسية تستطيع أن تخفي لفترة ما يحدث ثم يتكشف ثم يحدث حراك ثم يهمد الحراك، هذه إلى أين وإلى متى الفلسطيني المسيحي سيبقى رهينة ضغط الهجرة وتسرّب الأرض؟

ملاتيوس بصل: نتكلم عن تسريب الأوقاف أو العقارات في القدس أو في أماكن أخرى.

غسان الشامي: في طبريا مؤخراً. 

ملاتيوس بصل: في طبريا وفي بيت فاجي وغيرها ولكن ليس هنا فقط، هناك أيضاً بيوعات من جهات أخرى مثل الأوقاف الإسلامية والكنائس الأخرى ولكن نحن دمنا حار ونثور بسرعة كأورثوذكس ودائماً تحصل الإشكاليات عندنا. نحن نفهم أو ندرك أن هناك ضغوطات على البطريركية خاصة في مواقع محددة لها صفة أمنية أو صفة وطنية يريد الكيان الصهيوني أن يأخذها أو يسيطر عليها، نحن ندرك هذا الأمر ولكن أنا شخصياً والكثيرون نعارض أي بيع لوقف من الأوقاف بغض النظر عن الظروف والأسباب. يؤسفني حصول بيع أو تسريب إن كان إيجاراً طويل الأمد أو تغيير أو تعديل في الصفقات ولكن ما يؤلمني أكثر هو لماذا يكون ذلك لقاء مبلغ زهيد.

غسان الشامي: هذا الكلام يعني أنه إذا كان المبلغ كبيراً فلا مشكلة؟

ملاتيوس بصل: كلا لا أقول ذلك ولكني إن كنت مضطراً للبيع فليكن ذلك مقابل ثمنه، سبق وذكرنا أن هناك ضغوطات سياسية وضغوطات من ناحية الإقامة والفيزا، هناك ضغوطات في مواقع محدّدة ومعينة لأن الكنيسة غير محميّة لا من السلطة الوطنية ولا من الحكومة الأردنية بشكل مباشر أمام الكيان الإسرائيلي، وهناك نفوس ضعيفة إن كان في الكنيسة أو في الأوقاف أو في أماكن أخرى، هي ترغب بالثراء الذاتي وتكون عرّابة وسمسارة أراضٍ. هناك عدة حالات وعدة قصص لا أستطيع أن أذكرها، اليوم نعرف أن هناك نفوساً ضعيفة هي التي قامت بهذا التصرف وورّطت إدارة البطريركية أو ورّطت إدارات ومؤسسات أخرى ولكن لماذا يتم بيع الوقف؟ الوقف كما هو مفهوم يبقى كما هو يمكن استثماره نوعياً ولكن لا يباع ولا يُبدَّل لكن أرضنا أصبحت مباحة بسهولة.   

غسان الشامي: لا أريد أن أمرّ مرور الكرام على شيء ذكرته أو أنام عليه، أنت ذكرت أنكم أنتم الأورثوذكس" جسمكم لبّيس" أو دمكم حامٍ وذكرت أن هناك أراضٍ للمسلمين تباع ولمسيحيين غير أورثوذكس، أولاً لنقُل للناس ما هي هذه الأراضي وما موقف السلطة الفلسطينية من بيع الأراضي؟ وما موقف القيادة الدينية الإسلامية من بيع أوقاف المسلمين؟

ملاتيوس بصل: طبعاً لا توجد قيادة دينية توافق على البيع وبالأخص إذا كان وقفاً وبالذات الأوقاف الإسلامية هي شديدة في هذا الموضوع ولكن تتم بعض التسريبات من نفوس ضعيفة، وهنالك بعض الأشخاص الذين لا يفهمون وضع القدس القديمة، في القدس القديمة لا توجد أوراق طابو، لا أحد يحمل أوراقاً رسمية تفيد بأن هذا ملكه إنما يحمل ورقة أو مستنداً يفيد بأنه يحق له استخدام المكان، وبانتقال الورقة من شخص إلى آخر يستطيع أحدهم أن يبيعها بالملايين للكيان الصهيوني الذي يدفع الملايين مقابلها، وبعد 10 أو 15 سنة يظهر أن العقار مباع ويتم تصديق البيع مباشرة وفق قانون الكيان الصهيوني. ماذا ستفعل السلطة في القدس والتي هي غير فاعلة ولا تستطيع أن تصل إلى القدس من ناحية قانونية، هي تحاول في بعض المواقع وبعض الأماكن وتضع المحامين، وفي بعض الأحيان تكون الصورة غير واضحة للسلطة وتكون هي المدافعة عن البائع، القضية متشابكة ولا أستطيع أن أتحدث عنها لأنني لست رجل قانون ولكن ما أراه على أرض الواقع هو فوضى وأمور متشابكة ببعضها البعض.

غسان الشامي: أبونا ملاتيوس يلاحظ المرء أن الكنائس المسيحية في فلسطين وهي متنوعة جداً وفي القدس متنوعة بشكل كبير، كلُّ يغرّد في سربه، كلُّ يعظّم دينه على مقولة العالم العظيم أبو العلاء المعرّي لماذا؟

ملاتيوس بصل: كما هو معروف تاريخياً قبل 150 عاماً كان كل سكان فلسطين من المسيحيين هم أورثوذكس وبسبب مساعدة الدولة العثمانية لليونانيين أخذوا السيطرة الإدارية على الكنيسة الأورثوذكسية في القدس، بسبب السفارات الأجنبية دخلت المذاهب الأخرى فصار الاقتناص من الأورثوذكسي وهذا الاقتناص أدى إلى تنافر بين شخص وآخر ولكن اليوم نحن نحيا في ظروف أخرى، رؤساء الكنائس في عالم والمسيحيون في عالم آخر، لا يوجد منزل لا يضمّ خليطاً، إما أنا متزوج من هذه وأختي متزوجة من ذاك، المذاهب كلها أصبحت خليطاً. لو أجاز الرأي اللاهوتي أن نؤسس لمذهب جديد وهو المذهب المختلط لأن لا أحد يعرف لماذا هو أروثوذكسي أو كاثوليكي أو بروتستانتي فأصبح خليطاً، الإدارة الكنسية في عالم والشعب في عالم آخر. هنالك بعض المؤمنين الأقلاء المدركين للوضع ولكن بشكل عام هنالك خليط مباشر وتأثير مباشر بين الآخر والآخر، إما شخص من هذا المذهب درس في مدارس من مذاهب أخرى فنما عنده الفكر المذهبي ولكنه من مذهب آخر، هذا الخليط لا يجعلنا متّحدين إلا على الأرض ولكن كنائسياً هم متنافرون، حتى لو كان مجلس رؤساء الكنائس يجتمع إلا أن هذه شكليات كالقمة العربية، ولكن على أرض الواقع الناس بسيطة جداً ومتناغمة جداً ولا يوجد أي نفور بين هذا المذهب وذاك، كلهم يعيشون في تعاضد وفي وئام بين بعضهم البعض.

غسان الشامي: نحن على معرفة طيبة بك ونتشرّف وأيضاً أنت تعرف أننا نحاول دائماً في سبيل المعرفة أن نضع إصبعنا على الجرح. ما يلفت في فلسطين أن الرعيّة في مكان ورؤساء الدين في مكان آخر أو أن نبعهم في مكان آخر، الروم الأورثوذكس قادتهم يونانيون، اللاتين مركز قرارهم في الفاتيكان، الأقباط في مصر، الروم الكاثوليك في أنطاكيا، كل الرعيّة فلسطينية صحيح ولكن مَن يؤثّر على الراعي هو من خارج فلسطين، أنا عن هذا أريد أن أسألك، هل هذا له أثر على الشعب الفلسطيني؟ على المسيحيين الفلسطينيين سيّدي؟

ملاتيوس بصل: لا شك أنه عندما تكون القيادة من غير أبناء البلد فلن تشعر بوجع إبن البلد من ناحية وطنية ومن ناحية رعائية، مهما حاول لن يكون إبن بلد، مهما تكلّم معك ومهما تعاطف معك إنما يكون متعاطفاً ولا يعيش وجعك، هذا أمر يحزننا ولكن هذا واقع لا نستطيع أن نغيّره اليوم، نأمل أن يتغيّر يوماً ما ولكن هذا لا يعني أن مَن هم من الخارج أو مَن يحكمون اليوم هم سيّئون، هنالك بعض السيّئين ولكن على أرض الواقع كما ذكرت الرئاسات الروحية لا تكون متعاضدة مع الشأن الوطني والشأن الرعوي لإبن هذا البلد، نعم صحيح. 

غسان الشامي: ما العلاقة الحالية بين الكنيسة المقدسية والكنيسة الأنطاكية الأورثوذكسية، البعض يقول أن موضوع قطر قد حُلّ، ماذا لديك في هذا؟

ملاتيوس بصل: نسمع كثيراً أنه حُلّ ولم يُحلّ لكن الموضوع ما يزال عالقاً، هناك قطع شراكة بين الكنيستين الشقيقتين، لا نستطيع المشاركة في خدماتهم وهم كذلك نفس الأمر ولكن الموضوع ما يزال عالقاً، وكما سمعنا قبل مدة في أروقة البطريركية أن هناك مسعى للحل ولكن حتى الآن لا يوجد أي حل وما زالت الشراكة مقطوعة بين الكنيستين الشقيقتين.

غسان الشامي: نعم أيضاً الشراكة مقطوعة بين الكنيسة الروسية وكنيسة القسطنطينية والبارحة مع الكنيسة اليونانية، ونحن نعلم مدى ارتباط الكنيسة المقدسية بقيادتها اليونانية مع الكنيسة اليونانية الأورثوذكسية ومع الكنيسة المسكونية في إسطنبول، هذا الوضع على ماذا يؤثر أولاً على المسيحيين الفلسطينيين وعلى علاقتهم بالكنائس الأخرى؟ وما دور الكنيسة الروسية في فلسطين سيّدي؟

ملاتيوس بصل: هذا يؤثر ليس فقط على مسيحيي فلسطين وإنما على جميع سكان ومواطني وأبناء فلسطين وبالأخص في القدس لأنه عندما يأتي السائح والحاج من روسيا أو من أي مكان آخر فإنه يفيد أبناء البلد اقتصادياً، هذا لا شك فيه ولكن منذ الأزمة التي حدثت قلّت نسبة الحجّاج الروس وهذا يؤثر اقتصادياً على أبناء البلد. العلاقات بين بطريركيتنا أورشليم وبطريركية القسطنطينية تبقى علاقات جنس واحد وهناك تأثير كبير، ولكن نحن نأمل ألا تخطو إدارة البطريركية أية خطوة في أي اتجاه وأن نبقى محايدين نوعاً ما. بحسب رأيي هذا الأمر هو سياسي وجاء من العم سام الذي نفّذ الأمر، حتى في الكنيسة الروسية هنالك مافيا شأن سياسي ولكن نحن لا نريد انشقاقات أخرى وهذا يؤثر على العلاقات بين الكنائس ككل. كنيسة روسيا كان لها دور في السابق وهي بَنت مدارس كبرى كثيرة في فلسطين وأدت إلى الثقافة وعلّمت وساعدت، حتى أيام الشيوعية كانت تدرّس الشباب ولكن لا نريد قطع علاقتنا لا مع الكنيسة الروسية ولا مع كنيسة القسطنطينية، نريد أن نكون في وئام، إذا كانت القيادات الكنسية متناحرة ومتفرقة بغضّ النظر إذا كان السبب سياسياً أو أي سبب آخر فكيف يكون الإنسان البسيط عندما يرى القيادات! هذا يؤثر على المؤمن البسيط ويزعزع إيمانه ويزعزع ترابطه وانتماءه إلى الكنيسة، للأسف هذا هو الوضع ولكن نأمل أن يُحلّ هذا الوضع سريعاً.

غسان الشامي: في دقيقتين على الأكثر، كنا سويّة في مؤتمر عالمي في موسكو للمسيحيين، أولاً ماذا تفيد هذه المؤتمرات؟ أنا معك بأن تضخّ الأمل ولكن أيّ أفق ينتظر المسيحيين الفلسطينيين؟

ملاتيوس بصل: المؤتمرات وما ينتج منها لا شيء، أنا أراها فقط بشكل إيجابي لأننا نستطيع إيصال صرختنا إلى الخارج ولكن على أرض الواقع هذه المؤتمرات لا تؤثر ولا تساعد. نحن لا نريد أموالاً وإن كانت كل المؤسّسات في العالم تحتاج إلى الدعم المالي ولكننا لا نطلب مالاً بل نطلب دعماً معنوياً ودعماً تواصلياً ولكن لا نرى في هذه المؤتمرات أية نتيجة.   

غسان الشامي: أيّ أفق؟

ملاتيوس بصل: الأفق الذي أراه غير الذي أتأمّله، الأفق الذي أراه أننا في إشكالية كبيرة في سنة 2020 وأتمنى من الله أن ينقذنا من هذه السنة لأن هذه السنة سوف تكون تدميرية لجميع أبناء المنطقة.                                 

غسان الشامي: توكّلنا على الله، هكذا ينحرف التاريخ عن مساره قسراً وأحياناً جهلاً، هكذا يصبح أهل الأرض في المنافي فيما يباع ما تبقّى من أرضهم وتصبح مقدساتهم مجرّد مراكز للسياحة الدولية ولا من معين. شكراً للأرشمندريت ملاتيوس بصل، للزملاء في أجراس المشرق، لكم أينما كنتم سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.