أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

تراجع القراءة في أمة إقرأ

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنة مثواكم. ما لم يفهمه المسلمون، وما لم يستوعب المسلمون معادلته، أن الفريضة الأولى والمركزية في الإسلام هي لتعلّم القراءة. فقد كانت أول آية نزلت على رسول الإسلام صلّى الله عليه وآله وسلّم: "إقرأ باسم ربك"، ولفظة اقرأ وردت بصيغة الأمر، والأمر يدلّ على الوجوب أيضًا عند علماء الفقه والأصول. صحيح أن المُخاطَب هو رسول الله، لكن عموم من ينتمي إلى هذا الدين ومن أرسِل إليهم النبي محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم مشمول بالأمر الربّاني الأول القراءة ثمّ القراءة. ولذلك كان العلماء والعرفاء والحكماء في هذه الأمّة ينصحون على الدوام، العِلم ثمّ العِلم ثمّ العِلم ثمّ العِلم ثمّ العِلم ثمّ العِلم.

أمّة اقرأ تحوّل بعضها إلى أمّة اذبح، فيما أمّة اذبح الغربية تحوّلت إلى أمّة اقرأ، فاختلّ التوازن بين الشرق والغرب. وإلى حد الآن لم يتعلّم المسلمون لا من التاريخ ولا من الراهِن، وقد شهدت معدلات القراءة وإنتاج الكتب ونسخها وتداولها في الوطن العربي حالة من التراجع خلال العقود الأخيرة، فوفقًا لتقرير التنمية الثقافية للعام 2011 الصادر عن مؤسّسة الفكر العربي وتقرير التنمية البشرية للعام 2012 والصادر عن اليونيسكو، فإن الأرقام محبطة ومخيّبة للآمال بشكل فظيع وخطير. فهناك عالمياً 757 مليون أميّ عالميًا بينهم مئة مليون عربي، وكل 80 مواطناً عربياُ يقرأون كتابًا واحدًا في السنة، في المقابل يقرأ المواطن الأوروبي نحو 35 كتابًا في السنة. العربي يقرأ بمعدّل ست دقائق سنويًا بينما يقرأ الأوروبي بمعدل 200 ساعة سنويًا. ومعدّل النشر في الدول العربية سنويًا حوالى 6500 كتاب، بينما يصل إلى مئة ألف وألفي كتاب في أميركا الشمالية و42000 كتاب في أميركا اللاتينية والكاريبي. والأرقام الدقيقة والإحصائات الرسمية خطيرة جدًا، كلّها تؤكّد أن القراءة أعدِمت في العالم العربي، والكتاب دُمِّر بالكامل لحساب الببغوات الالكترونية المعاصرة. ولذلك ماتت العبقرية والنبوغ، بل انتشر الانحلال والفساد وعلماء النفس والتربية يؤكّدون بأن الأشخاص الذين غيّروا التاريخ وأثروا فيه كانوا قرّاءً نهمين.

تبلغ مبيعات الكتب إجمالًا في كل أنحاء العالم حوالى 88 مليار دولار، في الولايات المتحدة الأميركية تبلغ 30 مليار دولار، وعشرة مليارات دولار في اليابان، وتسعة مليارات دولار في بريطانيا. أما في العالم العربي فالفقر والإبداع توأمان، اللهمّ إذا كان التأليف في التفاهة والسفاهة وحسب إحصائيات دور النشر العربية، فإن الكتب الأكثر مبيعًا في معارض الكتب العربية هي الكتب الدينية وكتب الطبخ وكتب الأبراج. طبعًا الكتب الدينية التي تعنى بالتكفير والخلاف المذهبي والسحر والرقية ونواظر الأيك ورجوع الشيخ إلى صباه.

"تراجع القراءة في أمّة اقرأ" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من لبنان الحبيب الدكتور والمفكّر العربي أسعد السحمراني والأستاذ البروفيسور في جامعة الإمام الأوزاعي مادة العقائد والأديان، ومن تونس الحبيبة الدكتور محمّد البدوي الأستاذ الجامعي والرئيس السابق لاتحاد كتّاب تونس.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

"أزمة الفكر العربي، شهادات الأدباء والكتّاب من العالم العربي" إبراهيم سعفان.

في هذا الكتاب الهام يقدّم لنا المؤلّف إبراهيم سعفان العديد من المحاور الهامة من خلال شهادات الأدباء والكتّاب في العالم العربي، ومن أهم وأبرز هذه المحاور أسباب تمزّق الفكر العربي، والوضع الثقافي العربي الراهِن في ضوء المؤثّرات المختلفة الداخلية والخارجية، وما هو السبيل للوصول إلى مفهوم فكري موحّد يحدّد شخصياتنا ويجعلنا نصمد أمام المخطّطات الفكرية للسيطرة على العقل العربي. وما هو مفهوم الحداثة في ضوء المستجدات التي طرأت على الأدب شكلًا ومضمونًا، وما مدى ارتباط المثقّف العربي الآن بتراثه، وما شكل علاقته بهذا التراث.

يحيى أبو زكريا: دكتور أسعد الكتاب الذي هو اللبنة الأساس في بناء النهضة وإقامة الحضارة وهو الموجّه والمُرشِد والذي اهتمّت به كل الحضارات يئن ويتوجّع في عالمنا العربي. مَن جعل الكتاب يتيمًا ومهجورًا والقراءة أرملة أو مُطلَّقة أو معدومة في العالم العربي؟

أسعد السحمراني: بسم الله معزّ المؤمنين ناصر المجاهدين والمقاومين والصلاة والسلام على أنبياء الله تعالى ورسله أجمعين. بدايةً كل التحية لمشاهدي قناة الميادين، قناة المقاومة وللإعلاميين جميعًا، خاصةً للإعلامي المفكّر المُتميّز الأخ الدكتور يحيى أبو زكريا.

يحيى أبو زكريا: حيّاك ربي.

أسعد السحمراني: وقبل بدء كلامي أحيّي صديقي العزيز الذي أتواصل معه بشكلٍ يومي الدكتور محمّد البدوي الأديب الرائع المُتميّز. في الحقيقة دعني أقول لك أنا أخالِف ما تفضلت به في تقديمك الجيّد عن الإحصاءات وأشكّك بها لأن فيها جانباً من قبل الأمم المتحدة ومن أجروها للتيئيس عندنا. لكن أقول بعناوين قليلة في مفتتح كلامنا أولًا نحن نعم أمّة اقرأ كما تفضّلت والخطاب الرباني الأول لنبي الرحمة عليه الصلاة والسلام على الأنبياء والرسل جميعًا. كانت اقرأ، وهنا لفتة مهمة في سياق الآية، الأصل عند المؤمن أن يبدأ كل عمل من أعماله بالبسملة، وهنا الآية قدَّمت القراءة على البسملة. فجاء فيها "اقرأ بسم ربك"..

يحيى أبو زكريا: على خلاف القرآن.

أسعد السحمراني: ليس على خلاف الحقيقة المدلول القرآني، لكن على خلاف المعتاد.

يحيى أبو زكريا: المعتاد؟

أسعد السحمراني: لماذا كأني بهذا التوجيه الرباني في هذه الآية اقرأ يثبت أن القراءة والمعرفة هي سبيلك لمعرفة الله تعالى ولمعرفة الكون في كتابه المنظور المحسوس، أو في كتابه المسطور القرآن الكريم. هذه اللفتة الأولى، الأمر الثاني عندما نتحدّث عن الحضارة الكتاب هو أساس الحضارة فلا أمّة تستطيع أن ترتقي وتتقدّم في معارج النهوض الحضاري في الريادة الحضارية بلا كتاب وبلا تدوين. وهنا المسألة التي لا يراها مَن يجرون الإحصاءات أن القراءة منها ما يكون بالنظر والتأمّل في الكتب، ومنها ما يكون بالتأمّل في الكون ومعطياته، ومنها ما يكون بالسمع، لأن القراءة بالأصل يا عزيزي هي تفاعل الإنسان مع الكلمة، وما من مواطن في الوطن العربي وهو موضوع حديثنا إلا ويقصد المسجد يوم الجمعة أو الكنيسة يوم الأحد وعنده خطبة أو موعظة هذه مطالعة، ثم ما من مؤمن إلا ويتدارس كتاب الله تعالى ويتسابق الناس في ختم كتاب الله تعالى في شهر رمضان في تدارسه وقراءته وحفظه. ثمّ أن ال‘حصاءات عندنا لم تلحظ مسألة مهمة جدًا في مسألة القراءة والمطالعة هي أن التعليم الأصلي عندنا هو التعليم العتيق كما يسمّيه الأخوة المغاربة موجود في الخلاوي في السودان، أو في المحاضر كما يسمّيها الأهل في موريتانيا وأفريقيا، أو المعاهد الشرعية كما نسمّيها هي خارج التمدرس، ولا تدخل الإحصاءات، وهذه يدخلها منذ القدم كل الصبية والصبيات الصغار من الأطفال.

إذًا، هذا الأمر والأمر الآخر القراءة لا تكون فقط بكتاب وَرَقي، اليوم إن كان هناك فتى لم يوفّق في إكمال مراحله الدراسية إمّا لعدم توافر المال، وإمّا للتسرّب المدرسي، أو لسبب معوّق من معلمة، أو أستاذ، ويخرج إلى ميكانيكي ويتعلّم اليوم يقوم بصيانة أحدث السيارات بأحدث الآلات، هل هذا نسمّيه لا يقرأ؟ ثم يا عزيزي عندنا مشكلة في النشر في الوسط العربي أن بعض المكتبات أو من يسمّون أنفسهم للأسف مكتبات وقفية وغير ذلك استباحوا جهود العلماء وتكاليف دور النشر فسمحوا لأنفسهم أن ينسخوا الكتب وينزلوها إلى المواقع الالكترونية.

يحيى أبو زكريا: طبعًا هذا سوف نأتي إليه جميعًا في حيثيات البحث.

أسعد السحمراني: إذًا الاحصاء يا عزيزي هو غير دقيق هذا ما أريد أن أقوله، ثم الأميّة غير دقيق نحن الآن في الوطن العربي عدد السكان حوالى 450 مليوناً أنا أقول بكل ثقة وأنا أقول بكل ثقة وأطوف في هذا العالم كما تعلم حضرتك والأخوة المشاهدون لشاشتكم الكريمة، أطوفه بشكل دائم الأميّة عندنا شبه نادرة، ما من أحد إلا وتعلم، أما سبب تضاؤل عدد القرّاء والكتاب فله عوامل متعدّدة هي ليست أعراض المواطن.

أولًا في غير دولنا وحكوماتنا هناك وزارات للثقافة وهناك وزارات للتربية والتعليم تخصّص من خلال الميزانيات في الدول أموالًا لدعم الكتاب لكي يصل للقارئ بأسعار مقبولة ونحن عندما لا توجد أية رعاية في أغلب دولنا إن لم نقل كلها إلا من رحم ربي لموضوع الكتاب والطباعة. لذلك تكاليف الكتاب قياسًا مع المعاش للمواطن ودخله هي تكاليف مرتفعة.

يحيى أبو زكريا: طبعًا سنتطرّق إلى الموضوع الاقتصادي وتأثير ذلك على اقتناء الكتاب.

أسعد السحمراني: إذًا هناك مشكلة.

يحيى أبو زكريا: دعني استكمل الفكرة مع الدكتور محمّد البدوي. دكتور محمّد استمعت إلى هذا الكلام، لكن وجهة نظري أن الكتاب مازال يتيمًا في الوطن العربي، أصلًا لا يوجد إقبال عليه، وذلك من خلال الذهاب إلى المكتبات نحن نريد أن نحصر بحثنا في موضوع الكتاب الورَقي تحديدًا الذي مازال مزدهرًا في الغرب رغم انتشار الأنترنت السريع جدًا، وليس البطيء كالسلحفاة كما هو سائد في بلادنا العربية. هل القراءة في أزمة في الوطن العربي دكتور محمّد؟

محمّد البدوي: في البداية لا بدّ من أن أحيّيك دكتور يحيى.

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

محمّد البدوي: وأحيّي مشاهدي قناة الميادين، وأشكر القناة لهذه الفرصة لمصافحتهم وخاصة مصافحة أخي وعزيزي الدكتور أسعد السحمراني وربما الصدفة خير من ألف ميعاد، وخاصة الموضوع الذي نتناوله على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة. موضوع الكتاب والكتاب الورَقي بصفة خاصة عندما نقارن لاحظت بعض النفس التفاؤلي في حديث الدكتور أسعد، ولكن عندما نقارن حالنا بحالنا ربما قبل خمسين سنة قد نشعر ببعض الارتياح، ولكننا اليوم ونحن فيما نحن فيه من تواصل مع العالم ونرى ما يحدث في العالم لا نستطيع إلا أن نتأمّل ونتحسّر على ضعف وهوان الكتاب في البلاد العربية لأن عدد المطبوعات والأرقام التي ذكرتها في البداية مُفزِعة قد لا تكون صحيحة مئة بالمئة، ولكنها في كل الحالات مُفزِعة ومُرِعبة إلى درجة أن الإنسان قد يصيبه بعض الإحباط، ولكن لا يمكن إلا أن نكون متفائلين قدرنا أن نكون متفائلين في هذه الميادين، وهذا الميدان وفي كل الميادين الأخرى، بما فيها قناة الميادين أيضًا.

وحديثنا عن الكتاب في الواقع تعود الأزمة فيه إلى المنظومة التربوية التي تتولاها المؤسّسات التعليمية في الوطن العربي من خلال تقسيم النموذج التربوي إلى نظام أو تربية أدبية، وتربية علمية وكأن الذي يوجّه إلى الأدب نلاحظ أنه في العلوم والذين يتوجّهون إلى العلوم وهم كثر لا علاقة لهم بالكتاب وخاصة بالكتاب الأدبي والكتاب الفكري. فخلق هذا أزمة في انتشار الكتاب في وسط هذا الصنف من التلاميذ والطلاب وضعف الإقبال، ثمّ نفس هذه الظروف التي أصبحت عليها وزالت التربية والتعليم في عديد البلدان قلّصت من الاهتمام بالكتاب، وقلّصت المكتبات وأحيانًا حذفت المكتبات المدرسية فجعلت حق الوصول إلى الكتاب يكاد يكون مقتصرًا على ما تقتنيه وزارات الثقافة. ثم الحلقات الدعائية التي يمكن أن تكون في وسائل الإعلام، وحيث إن وسائل الإعلام إلا من رحم ربك خاصة للإعلام المسموع قائم ببعض الدور. ولكن الإعلام المرئي مقصّر كل التقصير في حق الكتاب فقد يصدر كتاب على درجة كبيرة من الأهمية، ولا يسمع به هذا أو ذاك في البلد الواحد فكيف يمكن أن يسافر خارج البلاد. لهذا أشعر أن باب الكتاب وموضوع الكتاب يجب أن نعيد التعامل معه بشكل أكبر على أساس أنه قضية أساسية لا تقلّ قيمة عن قيمة الغذاء وقيمة الدواء لأن الكتاب هو غذاء العقول وما أحوجنا إلى مثل هذا الغذاء خاصة في هذه المرحلة الحالية.

يحيى أبو زكريا: دكتور أسعد أشرت قبيل قليل إلى موضوع عدم الاهتمام الرسمي بالكتاب بالثقافة بشكل عام. وهذا مُلاحَظ في كل الدول العربية، عندنا في الجزائر وزارة الثقافة مثلًا صرفت ملايين الدولارات على الراقصات، والمطربات، المشرقيات والإفريقيات تأتي إلى الجزائر مقابل مبالغ خيالية، وعندما تعلّق الأمر بإخراج فيلم عن العربي بن المهيدي رحمة الله عليه الذي قال عنه الجنرال بيجار لو عندي عشرة من أمثال هذا الرجل لفتحت العالم قالوا إن هنالك عجزاً في الميزانية.

لماذا وزارات الثقافة عمومًا في كل الوطن العربي تسهّل المجون، تشجّع على الرذية، تنشر الكرنفالات والمهرجانات التي لا تمتّ بصلة إلى بناء الشخصية الوطنية؟ حتى الفن الوطني لا يدعمونه لا يدعمون الأغاني الثورية، ولا يدعمون أغاني الوحدة العربية، يدعمون أغاني الروك أند رول وموسيقى الجاز، وما إلى ذلك من الطرب الغربي الذي يساهم في مسخ الشخصية العربية. هل هذا موقف نابع من القرار السياسي في حد ذاته؟

أسعد السحمراني: في الحقيقة هذه مسألة فيها وجهان يعوقان الكتاب والإنتاج. أولًا هناك مقاولون بالكلمة، ممَن حملوا الأقلام في عصرنا يدبّجون القصائد والنصوص والكتب في مدح السلاطين والأمراء والحكّام.

يحيى أبو زكريا: الفاسدين؟

أسعد السحمراني: الفاسدون لا ينتجون معرفة أو أنهم يستهلكون معرفة قديمة من خلال أخذها ونبشها من التراث بكل ما فيه من جيّد وغثّ لوضعها في كتب وهذه مقبولة. المشكلة مع الحكّام يا عزيزي هي في الكتب التي تطرح فقهًا رشيدًا وفكرًا مُستنيرًا مُتنوّرًا. ونحن من تجربتنا نعرف هذا الكلام كتب كما تفضّلت في تقديمك الأبراج، كتب السحر، كتب الطبخ، كتب تراثيات يأخذها فقط للتجليد الفني ليضعها ويزيّن فيها الصالونات. أما الكتب التي فيها تنوير فكري وفيها تحريك للناس وفيها تجديد فقهي وأنا أعطي مثالًا على هذا فقط أكتفي به، صدر لي كتاب منذ خمس سنوات في دار النفائس في بيروت عنوانه "تجديد مفهوم الزكاة الفريضة المعطلة" هذا الكتاب شبه مدفون لأن هذا الكتاب فيه تخريجات فقهية طرحتها على مجامع الفقه، وأنا لم أفتِ طرحت على مجامع الفقه أنه عندما يأتي في الحديث النبوي الشريف في ركائز الخمس فكل كنوز باطن الأرض مما هو في أصل خلقتها هو كنوز وفي غوص البحر وهذا النفط والغاز الطبيعي وكل المعادن وغوص البحر فيه الخُمس والزكاة وهذه لو أخرجت لأطعمت، العالم وليس فقط العرب أو المسلمين.

يحيى أبو زكريا: أنت تريد أن تجرّد الحكّام والملوك من ثرواتهم؟

أسعد السحمراني: تمامًا لذلك، إذًا هؤلاء الحكّام لا يهتمّون بالثقافة يهتمّون كما تفضلت بالغانيات والراقصات والفاسدين، وهذا يذكّرني وأنت تتحدّث حضرتك عن الجزائر الحبيبة جزائر الثورة عندما كتبت عنها وعن علماء الجزائر كما تعلم عن مالك بن نبي وجدت في ما كتبت أن الفرنسي المحتل في الجزائر كان إذا طُلِب منه ترخيص لحانة للقمار أو للخمور والمخدرات أو مراقص وملاه يعطي الترخيص بعد دقائق قليلة.

يحيى أبو زكريا: أحسنت؟

أسعد السحمراني: وإذا طلِب ترخيص لمدرسة أو لمعهد بسنوات لا يعطيه لأن المدرسة تصنع جيلًا واعدًا هو يخاف منه وتلك تذهب بجيل واعد إلى مهاوي ومنزلقات الشطور.

يحيى أبو زكريا: وتكمل بعد الفاصل إذا سمحت، مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

"الترجمة في العالم العربي، الواقع والتحدّي" لشوقي جلال.

هذا الكتاب محاولة نقدية لسبر غور حياتنا الثقافية والفكرية من خلال مؤشّر واقع حالها بعيدًا عن صخب الشاعرات ودغدغة الوجدان، هو محاولة لاستنفار قوى الفعل والتحدّي في ضوء الواقع. فالترجمة مؤشّر مهم على مدى الفعالية الاجتماعية الصحيحة والصحية تأسيسًا على الإنتاج الإبداعي للمعرفة واستيعاب معارف الآخرين.

يقدّم الكتاب عددًا من الإحصاءات ذات الدلالة تقارن بين بلدان العالم الثالث لبيان ضآلة المنتج عربيًا وهامشية الوضع الفكري العربي، فواقع الإحصائات يقول إننا منصرفون عن القراءة وعن المعرفة الحضارية المعاصرة تحصيلًا وإنتاجًا، وأننا لا نزال نعيش عصر الشفاهية. ويعرض الكتاب لعدد من قضايا الترجمة ذات الصلة، ومن ذلك اللغة العربية وتعريب التعليم وأزمة تعريب المصطلحات والكتاب والترجمة والعولمة وواقع حال المترجم العربي من حيث الإعداد والدور الاجتماعي والحقوق والواجبات الخ. ويختم المؤلف الكتاب بالدعوة إلى إقامة مؤسّسة عربية للترجمة تنهض بمشروع سبق أن دعت إليه المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لكنه تعثّر.

 

المحور الثاني:

"الكتاب وأزمة القراءة في العالم العربي" مجموعة من المؤلفين.

يأتي هذا الكتاب بمثابة تجميع لمجموعة من الدراسات التي قاربت موضوع الكتاب وأزمة القراءة في العالم العربي في مختلف إشكالاتها وتجلّياتها. وكان التفكير في إصدار هذا الكتاب انطلاقًا من إشكالات عديدة مرتبطة بمجاليّ القراءة والكتاب، وأهمها خلوّ الفضاء العام في العالم العربي من القراءة كسلوك يومي، وهو ما تؤشّر إليه كل الدراسات الدولية والعربية على حد سواء. إذ يصبح من الضروري اليوم وأكثر من أي وقت مضى الانكباب على دراسة إشكالية فعل القراءة بين الورَقي والرقمي وأزمتها المُستشرية على المستويين العمودي والأفقي في عالمنا العربي.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، نحن نناقش في حلقتنا الليلة موضوع القراءة المهجورة والمذبوحة من الوريد إلى الوريد في العالم العربي.

دكتور أسعد كنت تتحدّث عن موضوع يبكي واقعًا، ويثير اللواعج والأشجان أنك إذا طالبت برخصة لحانة أو لمرقص أو لملهى تعطى في لحظات، أمّا ان تفتح مشروعًا ثقافيًا، فالأمر فيه إنّ وفيه بحث وفيه دوائر استخباراتية تدقّق في المشروع.

أسعد السحمراني: هنا الإشكالية الكُبرى أنّنا نحن اليوم ضمن دوائر الاستعمار الصهيو – أميركي  الممتدة من واشنطن إلى تل أبيب وما بينهما وأذيالهم في المنطقة في الأفرو – آسيوية، وأنا أحب أن أتحدّث عن طنجا جاكرتا أوسع من العالم العربي.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

أسعد السحمراني: يريدون لهذا العالم أن يكون في أحدى حالين من التطرف، إمّا التطرف باسم الدين، والدين براء من تطرّفهم وغلّوهم ومقتهم وتعصّبهم، وإمّا التطرّف باتجاه الفساد والرذائل، ولا يريدون أن يلتزم أحد منّا بفكر الأمّة الوسط، ولا بالفكر المُستنير المُتنوّر. ونحن منذ مدة نلحّ مع قبيل كبير في أمّتنا على الفكر التنويري من أكثر من ربع قرن تقريبًا، ولهذا السبب أنا أقترح على زملائي الذين يتابعون حلقتكم مباشرة، أو من خلال اليوتيوب يسحبونها في ما بعد وعلى أخي العزيز والحبيب الدكتور محمّد البدوي من تونس العزيزة أن يذهب العلماء إلى الناس بلسانهم وأصواتهم لنعوّض عن حَجْر الحكّام على الكتاب.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

أسعد السحمراني: لأن الحكّام هؤلاء ليس عندهم مشكلة أن تطبع أنت كما قلت من التراث ما فيه ويحتاج لتنقية أو أن تكتب لهم المدائح، أمّا أن تكتب فكرًا يقضّ مضاجعهم، ويعلّم الناس الحرية، ويعلّم الناس الإبداع، ويعلّم الناس الابتكار. وحضرتك ذكرت كلمة الإبداع في تقديمك دكتور يحيى، الإبداع لا يكون مع السجون وأقبيتها، ومع الظلم. الإبداع لا يكون إلا مع الحرية.

يحيى أبو زكريا: صح.

أسعد السحمراني: حتى الطائر لا يُجيد في تغريده إن لم يكن في البساتين والحقول، ولا يكون في الأقفاص، ولهذا السبب نحن نحتاج في هذا العالم إلى المثقفين. ولهذا أنا عندي مقالة صغيرة كتبتها يذكرها بعض أصدقائي من عدّة سنوات بصفحة واحدة "أزمة المُثقفين أم المُثقفون أزمة" فخرجت بخلاصة أن المُثقفين هم الأزمة، الكتّاب هم الأزمة لأنهم إمّا أنهم يجترّون من التراث.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

أسعد السحمراني: ولا يبدعون، وإمّا أنهم يمدحون ويكيلون المدائح، ويذهبون بالجيل إلى غير المكان المرئي، ويخدّرون إذا صحّ التعبير بدل أن ينوّروا فكر الجيل. لهذا السبب نحن نحتاج إلى علماء مُتنوّرين ومفكّرين مُتنوّرين، ولا يخافون في الله لومة لائم، ويقولون الكلمة مهما كانت ضريبتها لأن هذه الكلمة كما قال عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد".

يحيى أبو زكريا: رحمة الله عليه.

أسعد السحمراني: إن الكلمة وإن ذهبت اليوم في وادٍ، فإنّها غدًا أو بعده سوف تقتلع الأوتاد.

يحيى أبو زكريا: وللكلمة روح لا شك، وهذه روح مُتّقِدة.

أسعد السحمراني: ولهذا السبب نحن نحتاج بهذه الحقبة من تاريخ الأمّة أن المثقف عليه أن يتصدّى لهذا القمع من الحكّام، لأنه مجرّد إشاعة الحانات، وأمكنة التخدير الفكري والسلوكي هي نفسها التي تلغي دور الجيل ونحن واجبنا أن ننقذ هذا الجيل بالتنوير. من هذا المنطلق نحن نحتاج أن نصنع فكرًا حرًا قويًا ولو كان هذا الفكر منتشراً لما كان لنا دور وواجبنا أن نقاوم.

يحيى أبو زكريا: لله ذرّك لقد أوضحت لماذا انحرفت الثقافة العربية؟ ودعني أجمع الفكرة مع فكرتك ومع الدكتور محمّد.

دكتور محمّد ما قاله الدكتور أسعد يفسّر إلى حدٍ كبير لماذا انتشرت ثقافة الفتنة؟ ملك عربي أو أمير عربي أو حاكم عربي لا يهمّه أن نعود إلى التاريخ الإسلامي ونتقاتل هذا سنّي وذاك شيعي، وذاك ماتوريدي وأشعري، الحاكم لا يريد المعركة في عقر داره. إذهبوا إلى التاريخ وتناقروا وتناقضوا هناك في بطون التاريخ، وهذا أيضًا يفرز حالة من الملل والكراهية الشديدة للثقافة لأن الإنسان العربي عندما يرى هذه الأمّة تتناقش في قضايا خلت يقول لك أنا لا علاقة لي بهذه الأمّة. هل هنالك بالفعل توجيه ثقافي نحو الرداءة، نحو الفتنة، نحو الانكسار، نحو السقوط؟

محمّدالبدوي: الأكيد في هذا الباب دور المؤسّسة الرسمية السلطة بصفة عامة كبير جدًا، لا شك نذكر حكومات الاستقلال عندما كانت تحملها الحمية والرغبة في بناء الدولة الوطنية كانت هناك رغبة في الإصلاح والتوجيه ونشر التعليم، واعتماد الثقافة والكتاب على الأقل في تونس ظهرت هناك دور نشر تابعة للقطاع العام، الشركة التونسية للتوزيع، والدار التونسية للنشر، وقامتا بدور كبير وجليل في نشاط الكتاب والاهتمام بالكتاب ونشره وتوزيعه داخل البلاد وخارجها. ثم مع التسعينات وبداية الألفية الثالثة تمّ القضاء على هذا الموروث الهام جدًا، وتمّ التفويت فيه بعد أن كان إنتاجًا رائدًا تحت شعار هو كلمة حق، لكن أريد بها باطل. قالوا لابد من أن نتحوّل من دولة الثقافة إلى ثقافة الدولة، فذهبت في الواقع دولة الثقافة وثقافة الدولة وتحوّل العمل إلى الخواص، وشتّان بين أن تقوم الدولة الوطنية بالعمل الثقافي مثلما تقوم بالعمل التربوي أو في الصحة أو في نقل أو في مجالات أخرى، وبين أن تترك هذا لأصحاب رأس المال. هذا التحوّل كان مهمًا جدًا، وله دور كبير في تحييد دور الكتاب وتهميش الكتاب، وصار عظماء المُثقفين أو الكتّاب يطلبون أو يكتبون أحيانًا مثلما ذكر الدكتور أسعد ما يطلبه المستمعون، أي ما يطلبه الحكّام، وما يطلبه ربما نوع من الجمهور والكتاب الجيّد المُقنِع لم يعد يجد حظه أمام ما يطلبه الحكّام من ثقافة تدعم وجودهم وتدعم مساهمتهم في هذا الحضور، فتحوّل الكاتب من مفكّر إلى ضرب من الببغاء، وربما الذهاب بعيدًا في التاريخ، والحديث عن الصراعات المذهبية سواء في المسرح، في السينما، في المسلسلات. وظهرت الصورة النموذجية عن التراث من خلال كل هذه الأعمال، فبالتالي هذه الأعمال أثّرت كثيرًا على واقع الكتاب وثقافة الكتاب اليوم، وخاصة مع ظهور كتب أخرى. أيضًا هناك ثقافة أخرى هي ثقافة أدب الأطفال التي لم تتطوّر بالشكل الذي يجب أن تتطوّر به لتحمل هذا الجيل إلى ما نريده لهم من قِيَم نبيلة ومن مساهمة قادمة في بناء البلاد، وبناء الدولة وكل ما تحتاجه المجموعة الوطنية.

يحيى أبو زكريا: يا دكتور محمّد أنت  أشرت إلى الشعار من ثقافة الدولة إلى دولة الثقافة، ذكّرتني بالشعار الذي كنّا نحفظه صغارًا الثورة من الشعب وإلى الشعب، وتبيّن لنا أن الفقر للشعب والثروة للحكّام، فسرقوا كل ثروات بلادنا، وهرّبوا كل أموال بلادنا وافتقرت الشعوب، افتقرت ماديًا، وافتقرت ثقافيًا أيضًا. لأن الكثير من الثورات في العالم العربي، تشكَّل على الفقر المادي لا هنالك فقر فكري، فالحاكم العربي نشر الجهل والأميّة والتخلّف لأنه غير مُثقّف للأسف الشديد.

في تاريخنا العربي هناك نماذج لحكّام شعراء، لحكّام فقهاء، اليوم الحاكم العربي لا يفرّق بين التي والذي لا يفرّق بين طنجا وجاكرتا، ربما لا يعرف إلا الطنجرة لا قدّر الله. وهذه إشكالية دكتور أسعد عندما يكون الحاكم غير مُثقّف وغير عالِم، ولا يحسّ بلذّة العِلم ولذّة الفكر، ولذّة الثقافة ولا يبالي بسجن مُثقّف وإعدام آخر ونفي مُثقّف، عيب مُثقّف يكتب كلمة يدعو إلى العدل ينفى ثلاثين سنة وأربعين سنة، هذا أيضًا يتحمّل وِزره هذا الحاكم العربي.

أسعد السحمراني: في الحقيقة استكمالًا لما تفضلت به حضرتك وأخي العزيز الدكتور محمّد نقول وبالله المستعان أن هؤلاء الحكّام وبعضهم يحمل شهادات جامعية كما المقاولون بالكلمة، أو ثقافة الدولة الذين يكتبون ما يطلبه المستمعون. لكن الإشكالية نحن التي نريده هو العلم الوظيفي الذي له دور في المجتمع، هذا العلم الوظيفي هو الذي نحن نسعى إليه الآن، أن نولّد علمًا يستطيع أن ينهض بالأمّة حضاريًا تمهيدًا للارتقاء الحضاري في الريادة الحضارية. هذا العِلم أساسًا يحمله مُتنوّرون، نحتاج نحن لأدوارهم في هذه الحقبة، وهنا أقول أن واجبنا جميعًا غيري وأنا مع الاحترام التام للجميع أن نهجر هؤلاء  في بلاطاتهم وسلاطينهم لأنه عندنا في واقعنا المعاصر يا عزيزي خلاف ما كنا نعرف من تاريخنا السابق. في تاريخنا القديم كان الحاكم أو الوالي يتباهى بجمع الشعراء والعلماء في بلاطه حوله وبدعمه حتى قيل ربما يكون من باب المبالغة أنه في العصر العباسي يُعطى مقابل ما يكتب أو يترجم ذهبًا.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أسعد السحمراني: لكن نحن اليوم نقول إن هؤلاء الحكام نعم لا يريدون مفكّرًا مُستنيرًا قريبًا منهم لأنه من الطبيعي والبديهي أن القزم لا يرغب أن يرى بقربه عملاقًا، هذا المُتنوّر هو عملاق ومارد وذاك قزم هذا الحكم وهذا السلطان. لهذا السبب نحن واجبنا الآن أن ندخل من جديد على ما قاله بعض علمائنا القدامى بتحريم التعاطي مع السلطان أو الحاكم الجائَر والذي ينشر الفساد أو الذي يمارس التبعية. وهذا أخطر بعد التبعية للأجانب أو ما سمّاها مالك بن نبي القابلية للاستعمار لأنه ما يصيب أمّة من الأمم ويُعيبها ليس فقر الجيب أو فراغ المعدة من الطعام هو فقر الفكر، ولهذا السبب أنا دعوت مع قبيل من إخواني وزملائي وبعضهم قد يسمعنا أو يحضرني الآن، وأكرّر الدعوة من جديد من خلال قناتكم إلى ما نسمّيه حركة المقاومة الثقافية. كما أن هناك المقاومة الإعلامية والعسكرية والسياسية والدبلوماسية وغيرها، واجبنا أن نصنع في الوطن العربي وفي العالم الأفروآسيوي في طنجا جاكرتا أي العالم الإسلامي كله، وفي أفريقيا وآسيا أن نصنع من أجل طرد هذا الاستعمار الفكري، وهذه القابلية للاستعمار من نفوس الناس، وأن نصنع حالة من الفكر المُستنير المُتنوّر هذا الفكر الذي يميط اللثام عن أذهان الناس، وهذا قد لا يحتاج أحيانًا للكتاب الورقي لأن الكتاب الورقي كونه محجوراً عليه ومرتفع الثمن  ولا يصل إلى الناس فنحن علينا أن نصل إلى الناس.

يحيى أبو زكريا: لكن دكتور أنت ما ذكرته سالب بانتفاء الموضوع كما يقول علماء المنطق دعوت المثقف إلى عدم مُخالطة الحاكم، بربّك هل رأيت حاكمًا خطب ودّ مُثقف، رأينا حكّاماً عرباً مع راقصات، رأينا حكاماً عرباً مع مغنين مطربين، رأينا حاكماً عربياً يُعطي وسام الاستحقاق وسام الدولة وسام الجمهورية لراقصة أو لراقص.

أسعد السحمراني: مقاولين بالكلام.

يحيى أبو زكريا: لكن ما رأيناه مع مثقف هو محروم من الثقافة هو بالأساس عنده مناعة ضد الفكر.

أسعد السحمراني: هو يا عزيزي هو يخاف من العالم المُستنير، لا يهمه من يبيع ويشتري بما يكتب الذين يبخّرون له ومن يسمّيهم الكواكبي وعّاظ السلاطين ليس لديه مشكلة معهم مَن يديرون الفتوى كما يريد. لذلك أنا أقول من تجاربنا جميعًا نحن عندما نذهب إلى دول لا نجد حتى الملحق الثقافي في سفارات بلداننا، وأنا أقولها على الهواء الآن يهتم بنا أو يتصل المرة الأخيرة كنت في موريتانيا دعيت  من قبل القنصل والسفير جزاه الله خيرًا قلت له هذه المرة الأولى من ثلاثين سنة معجزة أنه سفير وقنصل اهتموا بي ودعوني، أقصد ما أقول أنّ نحن واجبنا الآن أن نستثمر الخطاب المباشر للناس ونستثمر وسائل الاتصال أو كما سمّيتها حضرتك الببغاء الالكترونية فلنصنع فيها خطابًا موجزًا مُقتضبًا صغيرًا، ونسوّقه للناس لكي نصل إلى كل المواطنين، ثم أن نهتم بمَن أن نهتم بالنخب في مجتمعاتنا.

إذًا عندما نصنع النخب، هؤلاء من المفكّرين المُثقفين هم يخرجون إلى مجتمعات أخرى وأن يخرج أيضًا أحدنا من برجه العاجي في مكتبه وفي جامعته وفي مكتبته إلى القبائل والعشائر ومُلتقيات الفقراء والبسطاء، ويجلس معهم على الحصيرة وعلى الأرض ويأكل بأصابعه الثلاث من أجل أن يوصل لهم كلمته. أيضًا نحن عندنا مشكلة أن معظمنا عندما يرتدي ملابسه ويتأنّق يعتبر نفسه أصبح فوق البشر بشهادته ويصبح كأن الشهادة تحمله لهذا السبب نحن واجبنا الأساسي الآن أيضًا أن رجل العلم أكثر تواضعًا وأكثر أخلاقية كي نؤثر في المجتمع.

كذلك هناك عدد ممَن يكتبون الآن عندهم شيء من الغرور، شيء من الاستعلاء، نرجسية قاتِلة، ولديه استعلاء على الناس، وأنه من هم هؤلاء عندما ننزل نحن إلى بسطاء الناس وإلى قراهم ودساكيرهم وأريافهم وملتقياتهم ونؤثّر بهم، ونصنع جيلًا واعيًا. والدليل القاطع أمامي الآن أنّ فلسطين المحتلة أعاننا الله على تحريرها ونحن في قناة المقاومة. كل فلسطين الآن تقاوم، ولذلك أنا أرى في شعبي الذي أحييه من قناتكم في القدس، وفي كل فلسطين وليس في منطقة من فلسطين في كل الـ 27270 كيلومترا مربعاً، فلسطين كلها شعب مقاوم يشكل رافعة مهمة للجيل العربي كله، ونحن في لبنان أو في تونس بالأمس القريب شبابنا وطلابنا انتخبوا قيس بن سعيد، ولم ينتخبوا نخبويًا. نحن في لبنان عندنا الناس نزلوا إلى الساحات الوطنية خارج القيد الطائفي والمذهبي وخارج القيد الحزبي هذا نحن يجب أن نعي له، هذه صناعة أهلنا بفلسطين صنعهم الفكر والثقافة.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

أسعد السحمراني: نحن لذلك نسأل أنفسنا جميعًا أيها المُثقفون المُستنيرون أين دوركم في المجتمع؟ لماذا نخلي الساحات نحن للتكفيريين والمغالين والمتعصّبين أو للأراذل والفاسدين والمثليين وغيرهم؟ ولماذا نخلي الساحات للمتأمركين؟ بعضنا يذهب لفتات بسيط، نحن الآن نغزّى غزوًا خطيرًا يا عزيزي مما يسمّى وكالة التنمية الأميركية، وهنا أحذر بدقيقتين كل المقاومين العرب ثقافة المقاومة من كل جمعية تموّل من وكالة التنمية الأميركية لأن وكالة التنمية هذه أولًا تصنع فكرًا يناسب المحتل والمستعمر، ثانيًا اخترق معلومات الميديا عن شعبنا حتى يعطي هو لقرية أو لبلدة ثلاثة حواسيب لمدرسة يأخذ احصاءً كاملًا عن البلدة وعن أعداد سكانها.

يحيى أبو زكريا: ونحتاج والله إلى آلاف الحلقات عن هذا الموضوع لأنه مركزي وحيوي ومحل ابتلاء في الراهن العربي والإسلامي.

دكتور محمّد عندما تتأمّل الفضائيات العربية وعددها 1500 فضائية سواء المسجّلة في نايل سات أو عرب سات، لا تجد للكتاب زاوية حادّة أو منفرجة في أية قناة عربية الكتاب مهمل ربما تجد برامج في الأكل، في الطبخ، في ما يأكله العرب، في ما يشتهيه العرب، في ما يركبه العرب قنوات للهجن والنياق والجمال وما إلى ذلك، أما الكتاب فمهجور. لماذا إذًا ندّعي ونقول نحن أمّة القراءة والحضارة؟ إنّ أمّة لا تحترم كتابًا، ليست جديرة بأن تقود الحضارة. هي ستظل تعيش على هامش الحضارات وإنتاجات الشعوب العبقرية التي تقدّس الكتاب.

محمّد البدوي: في الواقع يعود هذا إلى أمرين أساسيين، الأمر الأول السلطة الماسِكة، سواء كانت حكومية، أو رأس مالية، الماسِكة بزِمام القنوات. ويعود أيضًا إلى الكتّاب والمُبدعين، فطبيعي جدًا أن المُمسكين بالقنوات الإذاعية يقومون على إنتاج ما يخدم مصالحهم هم، وبالتالي ليس من مصلحتهم الانتصار للكتاب الجيّد، أو الكتاب الذي يقدّم حراكًا فكريًا، وحراكًا اجتماعيًا وسياسيًا من شأنه أن يطوّر حال البلاد. وبالطبع القائمون على رأس المال يفكّرون في الربح، ويفكّرون في الاشتهار، وبالتالي يقدّمون مادة فيها ضرب من الإغراء، وفيها الكثير مما يغري الطبقات الشعبية بالإقبال ومسابقات واستجداء، وربما تعتاش على القنوات نفسها، وتعتاش من هذا الجمهور البسيط عبر المسابقات والإغراء والايهام بالثروة. وبالتالي حتى وأن استدعوا بعض المثقفين أو المبدعين فيستدعونهم لكي  يقدّموا لهم الفرجة، أو الشو، فلهذا المبدعون أنفسهم أيضًا عليهم أن يطوّروا أدوات عملهم وأدوات كتاباتهم عندما نقارن الكتاب من قبل وكتابنا اليوم، أنظروا إبن عساكر عندما كتب تاريخ دمشق في 70 مجلداً وغيره وانظر لقائمة مؤلّفات الجاحظ، ومؤلّفات هذا وذاك في وقت كانوا يكتبون بالريشة وبالحبر وبطريقة متقطّعة. واليوم عصر الآلة الراكنة والحاسوب والكتابة السريعة والطبع السريع نجد البعض بعد انتظار يصدر مجموعة شعرية ممّا قد ينتمي باطلًا إلى الشعر، أو إلى ما يسمّى بقصيدة النثر في مئة صفحة، ويُسمّي نفسه شاعراً حتى صفحات التواصل الاجتماعي تجد الشاعر فلاناً أو الشاعرة فلانة وكأن لقب الشاعر هو ضرب من الوجاهة الفكرية والاجتماعية تحقّق له هذا التواصل.

فلا بدّ من الكتاب والمبدعين وخاصة الجامعيين الذين أرى أنهم انسحبوا أمام عدم التواصل مع السلطة ونفسها السلطة سعت إلى تهميش هؤلاء إلا من سار في ركابها. على هؤلاء المُثقفين المُبدعين بحق أن يعودوا وينتجوا إنتاجاً يتماشى مع لغة العصر، ومع فكر العصر ويكونوا بحق مُبدعين أي لا يجترّوا إنتاجًا من هنا أو من هناك.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد ونحن ندعو كل الجامعيين والأكاديميين والمثقفين أن يعبّئوا الساحات بكل أنواع الفكر والثقافة، ولا يتركوا المجال للرداءة وللمُتّسخ من الأفكار تسود لأن السلطات المتأمركة أيضًا يهمها أن تنتشر الرداءة في هذا العصر الرديء.

أخيرًا دكتور أسعد سأختم معك، ما هي خارطة الطريق نحو المجد الثقافي؟ بإيجاز وباختصار شديد.

أسعد السحمراني: أولًا المجد يحتاج منّا أن نقاوم القابلية للاستعمار هذه النظرة التي فيها شيء من الانبهار لأوروبا وأميركا علينا أن نلغيها لأنهم ليس عندهم ديمقراطية هم فكر استعماري عنصري استعلائي بدليل أنني واحد من الناس وغيري كثر ممّن نقاوم دفاعًا عن فلسطين الحبيبة وعن أرضنا المحتلة، ونقاوم بالفكر ممنوعون من تأشيرات الدخول إلى كل هذه الدول أية ديمقراطيات يتحدّثون عنها؟

يحيى أبو زكريا: صحيح.

أسعد السحمراني: ثانيًا أن نتمرّد على كل وافد أجنبي، نحن بحاجة أن ننقّي التراث من الميت الموروث فيه والوافد المسموم من الغرب لنصنع فكرًا مناسبًا لأمّتنا العربية وللتحديات المفروضة على هذه الأمّة وعلى الجانب الأفرو آسيوي أي أن على المُثقفين أن يخرجوا من القمقم لكي يذهبوا إلى كل هذا العالم بين طنجا وجاكرتا يدرسونه بعناية هذا العالم الزاخِر بالثروات الروحية والإيمانية وبالثروات المقاوِمة والشابّة وبالحضارة هو الذي يستطيع أن يواجه.

يحيى أبو زكريا: ولعلّي أزيد ضرورة أن ننشىء علاقة بين الطفل بمجرّد أن يبدأ يحبو مع الكتاب، وهذه العلاقة ستدفع حتمًا.

أسعد السحمراني: حلقة جديدة هذه.

يحيى أبو زكريا: حلقة جديدة، نعم ضرورة أن نربّي أطفالنا على الكتاب والثقافة ونكافئهم عندما يقرأون كتابًا وكتابين لأن الكتاب سيفتح لهم آفاقاً حضارية واسعة.

المفكّر العربي الدكتور أسعد سحمراني شكرًا جزيلًا لك. كنت معنا من لبنان الحبيب نسأل الله أن يوفّقه في تجاوز محنته.

دكتور محمّد البدوي من تونس الحبيبة نسأل الله أن يوفّقكم لإنجاح مشروع حضاري راقٍ جدًا في تونس، وهكذا نجاح أية تجربة في تونس هو نجاحنا في لبنان هو نجاحنا نحن أمّة العرب هكذا من بغداد إلى تطوان أمّة واحدة تتوجّع لنفس الأوجاع وتشرئّب أعناقها لأيّ إنجاز حضاري.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبدًا ودائعه.