أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

محردة... مدينة الشمس والعلم

محردة مدينة تعلن أن المحبة أقوى من الانتقام... واثنا عشر ألف صاروخ لم يطفئفوا شموع أمل أهلها.... وها هي تعود إلى أعيادها وأضوائها بعد ثماني سنوات... ماذا يتمنى أهلها وشبابها وكيف تصبح المحبة نهج حياة؟

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم من محردة مدينة الشمس والعلم، المدينة التي تناولها الإرهاب التكفيري من الجهات الأربع ووصل الأمر أن حاولوا تدفيعها الجزية، أبطالها تصدّروا الصفوف وحافظوا على حقهم في الحياة وعلى انتمائهم إلى سوريا واستطاعوا. إثنا عشر ألف صاروخ فقط لا غير تطاولت على محردة التي تبلغ مساحتها تسعة كيلومترات مربّعة، ومرّات رأيت بعيني حين تجوّلت مع قائد دفاعها الوطني سيمون الوكيل كيف يقوم أهلها بعد دفن الشهداء وبلسمة الجرحى بالترميم الفوري. هنا قال لنا أحد شباب المدينة أن ابنته ذات الثماني سنوات تعرف عيد الميلاد ورأس السنة للمرة الأولى لأن الإرهاب كان يتقصّد محو ثقافة الأعياد، والعيد هذا العام من نِعم الصمود ودحر الإرهاب. الميادين وأجراس المشرق التي جاءت في ذروة محنة المدينة تعود اليوم وقد ابتعد عنها الإرهاب، تعود لتقابل كاهن رعيّتها الأب حدّو شبلي وقائد الدفاع الوطني فيها الذي يلقّبه أهل المدينة بالبطل سيمون الوكيل والمحامي مهنّد جربوع، تقرير عن المدينة وأعيادها.

تقرير:   

ليس غريباً أن يُخبرك أحد أهالي محردة أن ابنته ذات الأعوام الثمانية لم تعرف زينة عيد الميلاد سابقاً، فأعياد الأعوام الخوالي حملت الدم والدموع والقذائف، إثنا عشر ألف صاروخ انهالت على محردة طيلة ثمانية أعوام، صمدت ونالت عيدها وشجرتها وأضواءها هذا العام. 

محردة مدينة الشمس والعلم تقع على بُعد 25 كيلومتراً شمال مدينة حماه، حاول الإرهاب المجاور بداية الحرب دخولها وفرض الجزية على أهلها الذين يبلغ تعدادهم 25 ألفاً، فتحوّل شبابها المتعلّم إلى مدافعين عنها، وتابع أهلها حياتهم تحت القصف حيث كان الدمار والإعمار يجريان يومياً.

تطلّ محردة على نهر العاصي وتمتد مبانيها ومحالها التجارية ومنشآتها الزراعية والصناعية ومرافقها الاجتماعية والصحية والثقافية إلى الغرب والشرق والجنوب حيث تقع قلعة شيزر على كتفها، وعرفت الإنسان منذ العصر الحجري وفيها آثار معبد يوناني بات كنيسة على اسم السيّدة العذراء وبقايا مبانٍ ومقابر من العهد البيزنطي.

بين الزراعة والصناعة والتجارة غزل المحردانيون حياتهم، فالكرمة تعمّ أراضيها والزيتون والفاكهة، وتحمل قصب السبق في صناعة المنتجات الغذائية والزراعية والمشروبات الغازية، وتضمّ مصانع كثيرة ومتعدّدة وتحتلّ مرتبة متقدّمة في امتلاك وتجارة وصناعة الآليات الهندسية الثقيلة، وأهلها يجهدون لإحياء ما ذهبت به الحرب.  

ولأن محردة مدينة العلم والثقافة لا تزال مرصوصة بالكتّاب والأطباء والمهندسين والشعراء والرياضيين والفنانين.

المدينة التي خرج منها البطريرك الراحل إغناطيوس الرابع هزيم تتلألأ هذا العام في ميلادها الجديد ورأس سنتها متمنّية لكل سوريا النصر والإيمان.    

غسان الشامي: تحية لكم من محردة، الأب حدّو شبلي تحية لك سيّدي، كيف ميلادكم هذا العام؟

الأب حدّو شبلي: بدايةً نقول لكم في هذه الأيام الخلاصية النشيد الملائكي "المجد لله في العُلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة". نرحّب بكم في مدينة محردة مدينة المحبة والسلام والعطاء والخدمة ونقول لكم من هذه المدينة أن أجراس المشرق لن تتوقّف، سوف تُقرَع دائماً بقوّة إيمان هذا الشعب الطيّب، هذا الإيمان العميق، هذا الإيمان الموجود عند الصغار والكبار، عند الصغار الذين رأيناهم في الكنيسة المُقدّسة في الأيام القاسية، لم ينقطعوا أبداً عن الكنيسة وعن الصلاة، وإيمان الشاب الذي فَقَد كل عائلته ورأيناه يصلّي في الكنيسة المُقدّسة. 

غسان الشامي: ألهذا الحدّ الإيمان كبير في المدينة؟

الأب حدّو شبلي: أنا أقول لك الواقع، وهناك قسمٌ شاهد مقاطع الفيديو لأطفالنا في محردة وفي السقيلبية، القذائف تقع على المدينتين وهم يرتّلون "يا ربّ القوّات كن معنا فإنه ليس لنا في الأحزان معينٌ سواك، يا ربّ القوّات ارحمنا"، وإيمان المرأة العجوز التي رأيناها في الكنيسة تحت القذائف تذهب إلى الكنيسة المُقدّسة وقبل أن تدخل إلى الكنيسة تقبّل حجارة الكنيسة المُقدّسة.  

غسان الشامي: كيف هو جوّ العيد هذه السنة أبونا؟

الأب حدّو شبلي: نشكر الله دائماً أنه في السنة هذه أعطانا ربّنا شيئاً من ثمار العيد، ونحن طلبنا كثيراً في أدعيتنا وفي صلواتنا أن يحلّ السلام ليس فقط في هذه المنطقة وليس فقط في محردة بل في العالم أجمع. العيد هذه السنة نشكر الله أن الناس مرتاحون، لهذا السبب استطاعوا أن يعبّروا عن العيد وعن فرحة العيد، هذه الفرحة بالعيد هي فرحتان داخلية وخارجية، الزينة التي نراها والاحتفالات العيديّة الخارجية هي تعبير عن رمز داخلي أن اليوم وُلِد لنا مُخلّصٌ، مجيء الرب يسوع المسيح إلينا، إلى العالم ليحلّ المصالحة ويعطينا ثمار هذا العيد، أن يكون على الأرض السلام وفي الناس المسرّة.  

غسان الشامي: ماذا تعلّمون أطفالكم، ذكرتَ أن الأطفال يأتون إلى الكنيسة ونحن أيضاً شاهدنا الأطفال يرتّلون ويرنّمون، أنتم ماذا تعلّمونهم عن الأعياد، عن مفهوم الميلاد أبونا؟  

الأب حدّو شبلي: نحن في الكنيسة وفي البيوت، الأهل والكنيسة، الكل عمل مشترك نعلّم أبناءنا الإيمان، هذا الإيمان المتوارَث من الأجداد والقدماء، الإيمان العميق في القلوب، الساكن في قلب كل إنسان منا، نعلّمهم أن العيد هو أن يجعل الإنسان من قلبه مغارة يسكن فيها الرب يسوع المسيح، ومتى كان موجوداً الرب يسوع المسيح في قلب الإنسان الذي هو إله السلام والمراحم والمحبة، وبالتالي الإنسان بمجرّد أن يسكن الرب يسوع في قلبه ينقل نور الرب يسوع إلى العالم، يكون نوراً للعالم كما أوصانا الرب يسوع المسيح.  

غسان الشامي: كيف يتجاوب الأولاد معكم بعد أن رأوا وسمعوا بكل هذه المآسي وهذه المجازر وشاهدوا الشهداء، كيف يتجاوب الأولاد معكم؟ 

الأب حدّو شبلي: لا شك كان لنا دور كبير في تقوية معنوياتهم، أن نفهّمهم أن الحياة أقوى من الموت وأن الحق أقوى من الباطل، أن الحق سينتصر، علّمناهم الكثير وتعبنا معهم، الموضوع ليس سهلاً، وكما تفضّلتم أن هناك أطفالاً في عُمر التسع سنوات جاؤوا إلى الدنيا وشاهدوا هذه الأمور. كان هناك دور كبير للكنيسة وللمجتمع بشكل عام في تقوية هؤلاء الأطفال وتعليمهم الإيمان، تقويتهم بالرب يسوع، أستطيع كل شيء بالمسيح الذي يقوّيني، نقول لهم إن ربّنا معنا لا تخافوا، وبالفعل هذا ما أعطاه لنا ربّنا "لا تخافوا وأنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر"، يا بنيّ لا تخف مهما حصل لأن ربّنا معنا، هكذا كان إيماننا وهذا هو تعليمنا لهم.  

غسان الشامي: أخي سيمون الوكيل أحيّيك، إبنك الذي خُطِف وأعدته إكراهاً للمسلّحين تزوّج وبات عندك حفيد يحمل اسمك في عزّ الصواريخ، كانت الصواريخ تنهال حتى على العرس، ماذا تقول لهذا الطفل الصغير في هذه الأيام؟

سيمون الوكيل: هذه الأيام المباركة، أيام أعياد الميلاد رائعة جداً وهذه السنة الأولى في الحقيقة التي نشعر فيها بالأعياد بشكل جيد ورائع جداً، فالبلدة بهمّة جيشنا العربي السوري وصمود قائدنا الدكتور عاد الأمن والأمان إلى هذه البلدة وإن شاء الله سيعود إلى كامل سوريا. 

غسان الشامي: نأمل ذلك. 

سيمون الوكيل: حين أرى حفيدي يلبس ثياب "بابا نويل" ويذهب إلى الكنيسة ويزيّن شجرة عيد الميلاد، هذا يعطيني شعوراً لا أعطيه لأحد وأثبت أن دفاعنا كان وحقنا بالدفاع عن هذه البلدة كي يعيش أبناؤنا وأحفادنا عيشة هنيّة في ظل الدولة السورية والحكومة السورية والجيش السوري. 

غسان الشامي: ماذا تقول لسيمون الصغير؟  

سيمون الوكيل: أقول له حماهم الله وأسأل الله ألا تمرّ عليهم هذه الأزمة وهذه الحرب التي مرّت على بلدي الحبيب سوريا، إن شاء الله تكون قد بَعُدت عنهم أكبر وقت ممكن.

غسان الشامي: نأمل ذلك. دعني أسألك في العسكر قليلاً، أخرج من جوّ الميلاد إلى جوّ العسكر، وبالمناسبة مرة واحدة أنت طيلة هذه السنوات خلعتَ الثوب العسكري لساعات في المقابلة الأولى معك قبل سنوات هنا تحت القصف، الآن أراك مدنياً وبربطة عنق، سيّدي كيف أخذتم قرار الدفاع عن المدينة وكيف صمدتم في هذه السنوات الطِوال قبل أن ينزاح الإرهاب عن تخوم المدينة؟ 

سيمون الوكيل: في الحقيقة في بداية الأزمة على سوريا الحبيبة كانت أمامنا خيارات صعبة، كان أمامنا خياران إما الهجرة من البلدة والخروج خارج سوريا وهذا كان مأرب الإرهابيين أو البقاء والصمود ودفع الثمن غالياً وهو الدم. تعرف أن الحرب ليست هيّنة، الحرب لا يتعرّض لها الجيش فقط، نحن الأهالي، نحن هنا في مدينة مدنية أهلية لا سلاح فيها، لا مشاكل فيها، نحن نعيش في كَنَف الدولة وتحت القانون. هذه الحرب الإرهابية التي جاؤوا بها إلى سوريا كانت صعبة بالفعل فكانت الخيارات صعبة إما الهجرة أو البقاء وبالطبع نحن اخترنا البقاء ولكن سندفع الدماء نحن مع أبنائنا وأطفالنا ومنازلنا وكل ما تمتلك هذه البلدة من حياة ومن روح، وبالفعل كان الخيار الأصعب هو البقاء، فتعرّضت البلدة لقذائف حقد ولكن بهمّة شبابها ونسائها، نسائها قبل شبابها لأنه بصمود النساء صمد الشباب.

غسان الشامي: أنا أعلم ذلك، أعرف هذا المطبخ هنا قرب بيتكم، كيف تجمّعت النساء وكنّ يطعمن مئات الجنود. 

سيمون الوكيل: صحيح، النساء صمدنَ في محردة بشكل رائع والبلدة كانت متكافلة بمؤسّساتها، بهيئاتها، وساعدت بعضها، لذلك حين تدخل اليوم إلى محردة التي انهال عليها أكثر من إثني عشر ألف صاروخ لا تجد فيها منزلاً مهدّماً، فكان شبابها ونساؤها ورجالها يتكافلون محبّةً لبلدهم سوريا ولبلدتهم محردة كي يعيدوا إعمار ما خرّبه الإرهاب.  

غسان الشامي: هذا دليل على إرادة البقاء.  

سيمون الوكيل: طبعاً، شعب حيّ، شعب يريد البقاء لأن هذه الأرض سوريا أرضنا جميعاً ولا نرضى لأحد أن يمسّها بأيّ شرّ وبأيّ سوء والحمد لله نجحوا. 

غسان الشامي: الحمد لله، ما هي نتائج ابتعاد الإرهاب عن محردة لأننا قد نسمع بعض الأصوات لأن الجيش يعمل في منطقة أبعد من هنا، كيف ترى محردة بعد ابتعاد الصواريخ عنها؟ 

سيمون الوكيل: الحمد لله، الشكر الكبير لجيشنا العربي السوري ولقيادتنا وللسيّد القائد العام بصموده، صموده كان من صمود محردة وصمود محردة من صمود رئيسها وقائدها. بهمّة الجيش تمكّنوا من دحر الإرهابيين على تخوم إدلب ويتابعون إن شاء الله الانتصارات، وإن شاء الله تعيش سوريا الفرحة التي نعيشها حالياً والتي نتمنّاها لكل السوريين بكامل أطيافهم، هذا أمر رائع جداً.

غسان الشامي: أستاذ مهنّد أنت محامٍ وحملتَ السلاح دفاعاً عن المدينة وكنتَ أحد كوادر الدفاع الوطني، أولاً نحن نعلم أن الكثير من المثقّفين والمتعلّمين عندما تقع الحرب يلملمون أغراضهم ويذهبون خارج بلادهم، للأسف ولكن هذا جزء كبير رأيناه، أنت لماذا حملت السلاح؟

مهنّد جربوع: أستاذ غسان كنا أمام خيارين صعبٌ وأصعب، الصعب هو الرحيل والهجرة والأصعب هو الصمود والبقاء. نحن دافعنا عن وجودنا في هذه البلدة الجميلة، بالنسبة لي لم يكن خيار الهجرة وارداً ضمن خياراتي.

غسان الشامي: ولكن ورد بالنسبة لكثيرين.   

مهنّد جربوع: للكثيرين، دافعنا عن منازلنا، أخذنا قراراً بالدفاع عن بيوتنا وأرزاقنا وعن هذه الحياة الجميلة والدفاع عن سوريا عامة. في النهاية واجبنا أن ندافع عن بلدتنا وعن أهلنا وعن أولادنا، دافعنا عن نمط حياة تربّينا عليه.    

غسان الشامي: وقضايا المحاماة هل لا زلت تعمل عليها؟

مهنّد جربوع: أنسّق بين عملي والدفاع. 

غسان الشامي: عن مَن تدافع؟ الآن هناك مُصالحات، هل تقبل أن تدافع عن إرهابي؟

مهنّد جربوع: بالتأكيد لا أستاذ غسان، نحن ندافع عن الحق وتربّينا على الدفاع عن الحق، وأخذنا طريق الحق ولا نقبل أن ندافع عن الباطل.

غسان الشامي: الأب شبلي كيف تعاملت الكنيسة مع محردة؟ ماذا تطلب منكم رعيّتكم؟ 

الأب حدّو شبلي: الكنيسة قدّمت الكثير خلال الأزمة، وُجدت مؤسّسات أزمة وعملت جميعها تحت سقف الكنيسة ومقرّها في الكنيسة ومنها اللجنة الأهلية التي كانت تهتم بالبيوت التي تتعرّض للقذائف، تزورها وتسجّل مطالبها، واللجنة الأهلية التي تهتم بالجرحى وأهالي الشهداء، وهناك فريق الطوارئ ومقرّه في كنيسة السيّدة كان يُسعِف الناس، حين كانت القذائف تطال المنازل كانوا يصلون بعد دقائق معدودة إلى البيت ويأخذون الجرحى إلى المستشفى ويعتنون بهم، فريق الطوارئ عمل إنساني ومحبّ جداً. 

غسان الشامي: هل هو تابع للكنيسة؟   

الأب حدّو شبلي: مقرّه في الكنيسة والكنيسة هي التي اهتمّت به، نشأ تحت سقف الكنيسة. فريق الطوارئ حين يذهب إلى المنزل يعود بعد أن يسعف الجرحى ويقوم بتنظيف البيت. النقطة التي ذكروها مهمة جداً، كان هناك عمل مشترك وجميل في قريتنا، 90% من البيوت طالتها القذائف ولم ينم أحد خارج منزله، في اليوم نفسه كان يجري ترميم المنزل. فريق الطوارئ محبٌّ لأن مهمّتنا أن ننقل السلام والفرح والمحبة إلى العالم، فريق الطوارئ كان ينظّف المنزل ويسعف الجرحى ويطمئن عليهم ويصل إلى مكان وقوع القذيفة، أحياناً يتبقّى شيء من القذيفة فيقوم بإرجاعها إلى الكنيسة ويضع فيها التراب ويزرعها ورداً لأن مهمّتنا أن نعلّم أولادنا أن المحبة أقوى من الكل، هذا ما زرعناه في قلوب أبنائنا. 

غسان الشامي: أستاذ سيمون هل ساعدتكم الكنيسة؟ 

سيمون الوكيل: نحن في محردة حصل تكتُّلٌ بين جميع الأهالي ولكن تحت سقف الكنيسة، نحن نريد مؤسّسة ترعى هذه الشبيبة وهذه الفِرَق، وكما تحدّث الأب عن اللجنة الأهلية، اللجنة الأهلية هي من الناس ولكن مركزها الكنيسة وتحت سقفها ولكن مساعدات الكنيسة الخارجية كانت ضعيفة جداً.

غسان الشامي: الدعم من الخارج.    

سيمون الوكيل: معدوم نهائياً وبشكل ضيئل جداً ولكن المساعدة كانت من أهالي محردة ومن تكاتُف أهالي محردة ولكن كلّه كان يصبّ في الكنيسة ويُوزّع على الناس بشكل عادل.

غسان الشامي: أين هم شباب الدفاع الوطني الآن، شباب محردة؟  

سيمون الوكيل: يقاتلون مع الجيش العربي السوري على تخوم إدلب، طبعاً شباب محردة والسقيلبية، نحن في محردة والسقيلبية شكّلنا كتلة.

غسان الشامي: وهذا في الحقيقة من أجمل ما حصل. 

سيمون الوكيل: وهذا أمر نفتخر به، نحن بلدتان مسيحيتان وطنيتان محبّتان لسوريا ولبلداتنا، نقاتل مع الجيش العربي السوري وكنا رديفاً للجيش العربي السوري في تحرّكاته وفي قتاله ضد الإرهاب.

غسان الشامي: حتّى متى ستقاتلون؟  

سيمون الوكيل: حتى يتحرّر آخر متر من الجمهورية العربية السورية من الإرهاب العالمي.

غسان الشامي: يعني أهالي شباب الدفاع الوطني هنا وفي السقيلبية الآن يقاتلون على الجبهات سيقاتلون في كل أرجاء سوريا؟ 

سيمون الوكيل: بإذن الله، سوف نكون مشتركين بتحرير كامل أراضي الجمهورية العربية السورية بهمّة جيشها وأبطالها.

غسان الشامي: أستاذ مهنّد كيف تعامل شباب محردة مع الأزمة، مع الظلم الذي وقع على مدينتهم؟ وهل كان هناك احتضان من مجموع المدينة لهم؟

مهنّد جربوع: شباب محردة عند بداية الأزمة وقفوا يداً واحدة بقيادة السيّد سيمون الوكيل للدفاع عنها وسوّروا المدينة وحموها من كل الإرهاب الذي حصل عليها، وكانوا جميعاً يداً واحدة.  

غسان الشامي: وكيف احتضن الأهالي الشباب؟ 

مهنّد جربوع: هذا الأمر لا يحصل إلا بدعم الأهالي، الأهالي كانوا يدعمونهم ويدعون لهم بالنجاح والصمود لحماية هذه المدينة.

غسان الشامي: سنتوقف مع فاصل إذا سمحتم، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار عن محردة من مدينة محردة في وسط سوريا، انتظرونا. 

المحور الثاني: 

غسان الشامي: أحيّيكم مجدّداً من محردة، سنقدّم لكم بعض ما يقوله أهل محردة في عيدهم الأول من دون صواريخ ثم نعود إلى الحوار. 

مواطنة: العيد هذه السنة يختلف عن كل الأعياد، كل سنة كان يتم وضع الشجرة رغم القذائف ولكن الطرقات كانت خالية.

مواطن: أطفالنا كانوا في خطر، وهم يزيّنون الشجرة كان الصاروخ يقع خلف الباب. 

مواطنة: الإرهابيون سرقوا منا العيد وحرمونا منه تسع سنوات.

مواطن: لا تعرف في أية دقيقة كانت تسقط الصواريخ وكانت القذائف كثيرة.

مواطن: جاؤوا ليأخذوا منا أرضنا، ضيعتنا، جاؤوا ليسرقونا، ليسرقوا أعمارنا ولكننا رفضنا أن نهرب، نريد أن نبقى هنا.   

مواطنة: كل سنة رغم القذائف، رغم الدمار، رغم بيوتنا التي تهدّمت، كنا نعيش طقوس العيد بحزن ولكننا نحاول أن نعيش العيد. 

مواطن: لولا صمودنا وتعلُّقنا بأرضنا لما كنا عيّدنا، طيلة تسع سنوات حُرمنا من عيد الميلاد في محردة، لم أكن أرى الزينة، لم أرَ وجوهاً ضاحكة.

مواطنة: نحن أهل محردة نحبّ الحياة، نحبّ إرادة الحياة، لم يُرهبنا إرهابهم ولا صواريخم ولم يؤثّروا فينا.

مواطن: الشباب والشابات، الكبار والصغار والأطفال مجرّد وجودهم في هذه الضيعة ومحاولتهم ممارسة حياتهم على بساطتها كان له الدور الأعظم في أن نصل إلى هذه المرحلة. 

مواطنة: هذه السنة نعيّد أجمل عيد، الأطفال، الكبار والصغار، تسوُّق، عيدنا أصبح مختلفاً. 

مواطن: هذه السنة الأولى التي تعيّد فيها ابنتي الصغيرة من دون أن تسمع صوت الصورايخ. 

مواطن: شعرنا هذه السنة بما كنا نسعى إليه طيلة السنوات الماضية. 

مواطن: بعد تسع سنوات من الحرب بدأ العيد من جديد. 

غسان الشامي: مرحباً بكم، الأب شبلي ما هي نشاطات رعيّتكم؟ هل تقومون مثلاً بنشاطات ثقافية غير الشأن الديني؟ ثانياً ماذا يحتاج شبابكم؟ 

الأب حدّو شبلي: لا شك أن الكنيسة وقت الأزمة لم تتوقّف عن العمل بل على العكس زاد نشاطها وزاد اهتمامها لأن الوقت يتطلّب أن يكون الإنسان على استعداد دائم لهذا العمل. في الضيق كلنا شحذنا الهِمَم ليكون هناك حضور أكبر للكنيسة، أجراس كنائسنا لم تتوقف يوماً، كانت الكنيسة تُفتح يومياً والتعليم الديني بقي مستمراً، أطفالنا جاؤوا والتزموا، أهلهم كانوا يأتون بهم إلى الكنيسة لنعلّمهم. الموضوع الثقافي خفّ قليلاً نتيجة الظروف التي مررنا بها، على سبيل المثال نكون قد رتّبنا لقاءً ثقافياً أو محاضرة أو ضيفاً من خارج محردة فتنهال القذائف أو يحصل إشكال فنضطر إلى التخفيف من هذه الأمور، هذا لا يعني أن الكنيسة قد تضاءل عملها ولكن السبب هو الظروف التي نعيش فيها، ولكن الكنيسة هنا بقيت مستمرة وفاعلة بكامل مؤسّساتها، بكامل أخوّايتها، بكامل لجانها، ما من لجنة توقّفت عن العمل، أخويّة المرضى، أخويّة السيّدات التي بالترافق مع الأماكن الأخرى التي كان يُقدَّم فيها الطعام للشباب الذين يدافعون عن محردة برفقة الجيش العربي السوري، وكان هناك مطبخ في كنيسة السيّدة ومع الأسف احترق هذا المطبخ ذات مرة. هنا أريد أن أؤكّد على حضور الله القوي في الأزمة ووجود الرب يسوع المسيح معنا، في الحقيقة لولا حماية ربّنا، هناك الكثير من المواقف التي حصلت في محردة نستطيع أن نقول إنه مع كل قذيفة أعجوبة، قسم كبير من بيوت محردة التي تضرّرت كان أهلها بداخلها، أحياناً يكونون موجودين في نفس الغرفة التي استهدفتها القذيفة ولا يُصاب أحد بأذى.  

غسان الشامي: ماذا يحتاج شباب محردة؟ 

الأب حدّو شبلي: الاحتياجات كبيرة يا أستاذ غسان في هذا الوقت، للأسف اضطّر قسم من الشباب بهدف تأمين مستقبل أفضل أو لطلب العلم أن يبتعدوا عن المدينة، وهذا لا أسمّيه هجرة، حتى الذين غادروا محردة لا ينطبق عليهم تعبير مهجّرين بكل معنى الكلمة، جذورنا هنا عميقة وارتباطنا ليس هيّناً، الذين غادروا يتواصلون معنا حتى اليوم، لا زالت بيوتهم موجودة، ممتلكاتهم وأراضيهم موجودة، سياراتهم موجودة وجميعهم ينتظرون الفرصة لإنهاء تعليم أولادهم أو لتأمين مستقبل أفضل ليعودوا إلى هنا، فما حصل أفضّل أن أسمّيه بُعداً عن المدينة وليس هجرة، لا أحبّ هذه الكلمة. 

غسان الشامي: ولكن محردة مشهورة بالمُغتربين، هناك مُغتربون كُثر خارج محردة.

الأب حدّو شبلي: جميعهم كانوا بعيدين عن محردة ولكن قلوبهم وعقولهم معنا، وجميعهم ينتظرون الفرصة المناسبة ليعودوا إلى محردة ويزورونها، عقولهم وقلوبهم وحياتهم متعلّقة بمحردة، لهذا السبب حين نودّع شاباً يسعى للعلم أو للعمل في الخارج يقول لنا لن أطيل الغياب وسأعود إلى محردة.

غسان الشامي: نأمل أن يعود الجميع. 

الأب حدّو شبلي: إن شاء الله.

غسان الشامي: أخي سيمون ذات مرة قلتَ لي أن هناك كاهناً في هذه المدينة يأتي إليك أسبوعياً ويكون قد جمع بعض الأموال، هذا جزء من التكاتف أو التضامن أو التكافل ما بين الكنيسة المحلية والعسكر، ما علاقة قوّات الدفاع الوطني بالمفهوم الإيماني وبالكنيسة؟  

سيمون الوكيل: أريد أن أعقّب قبل أن أبدأ بالحديث، نحن ليس لدينا هجرة بل لدينا هجرة عمل، محردة كان فيها الكثير من الشباب، ما يتعدّى الألفي شاب منهم ميكانيكيون، أطباء، مهندسون، جميعهم يغادرون للعمل في أوروبا وأفريقيا وفي بلاد الخليج لتحسين معيشتهم ومعيشة أهاليهم. في الظروف التي مرّت علينا غادر أكثريتهم ولكن هذه هجرة عمل، هناك مَن هاجروا هم وعائلاتهم خوفاً من الإرهاب الذي وقع على البلدة وعلى سوريا بأكملها، الإرهاب الذي فتّت العائلة، منهم مَن ذهب، منهم مَن بقي، منهم مَن أخذ بالحسبان مستقبل أولاده. بالنسبة إلى علاقتنا مع الكنيسة ومع رجال الدين فالحقيقة إن رجال الدين في محردة وأعتقد في السقيلبية أيضاً انضمّوا إلى أبنائهم، إلى شبابهم الذين حملوا السلاح.

غسان الشامي: هل كان أبونا حدّو يذهب معك إلى الخندق؟    

سيمون الوكيل: نعم أبونا حدّو مع أبنائه الإثنين، أقولها لك بكل شفافية، أبونا كان موجوداً معنا، كانوا يدعموننا بصلواتهم، يدعموننا معنوياً، حتى زوجته والكثير من النساء في محردة كنّ يقدّمن الطعام لأبنائهنّ المرابضين على تخوم محردة للدفاع عنها. بالنسبة إلى رجال الدين فقد تعاونا في ما بيننا ولكن داخلياً وليس خارجياً. 

غسان الشامي: أرى أنك عاتبٌ على الكنائس المسيحية، هنا أكبر تجمّع مدينة مسيحية في وسط سوريا لم تقدّم لها الكنائس شيئاً بمعنى من المعاني؟ 

سيمون الوكيل: صمود محردة والسقيلبية في هذه الأزمة ووقوفهما مع الجيش العربي السوري كان فعلاً أمراً يرفع الرأس إلى مستوى العالم، ولكن للأسف ونحن نحزن حقيقةً، عليهم وليس منهم، أن هذا التجمّع المسيحي لماذا لم يتم دعم شهداءه؟ لماذا لم يتم دعم جرحاه؟ لماذا لم يتم دعم الفقراء فيه لأن الوضع الاقتصادي سيّىء والحرب أنهكتهم.  

غسان الشامي: ما المطلوب أخي سيمون حتى يتابع الشباب الذين دافعوا عن المدينة حياتهم؟ 

سيمون الوكيل: مع بداية الإرهاب على سوريا تشتّتت جامعاتنا، تشتّت شبابنا، تشتّت أبناؤنا، مَن كانت جامعته في الرقّة أو دير الزور أو في حلب توقّفت وانتهت، ضاع مستقبله، بالطبع الدولة ساعدت بشكل عام لتعليم الشباب في الجامعات المتبقّية في بعض المحافظات ولكن هناك شباب تركوا جامعاتهم، هناك طلاب جامعات استشهدوا، كانوا يدرسون في الجامعات في الوقت الذي كانوا يقاتلون فيه الإرهاب، لم يأخذوا حقوقهم. مَن أمضى ثماني أو تسع سنوات وقبلها سنة تهيئة، 2010 كانت تهيئة للثورة المزعومة، ثورة الإرهابيين، تسع سنوات ذهبت من حياتهم، ماذا تبقّى لهم؟ كيف سيتابعون حياتهم؟ 

غسان الشامي: ما المطلوب لهم؟

سيمون الوكيل: هؤلاء الشباب ينبغي دعمهم، يجب إيجاد فرص عمل لهم كي يتابعوا حياتهم المستقبلية، أما أن يُتركوا من دون أي عمل. أستاذ غسان هناك قسمٌ من الشباب تركوا أسلحتهم، بالطبع هناك قسمٌ تابع مع الجيش العربي السوري وقسمٌ آخر بقي هنا ولكن فرص العمل معدومة، باتت فرص عملة داخلية محصورة بالبلدة ولا تكفي لكل الشباب، الوضع بات صعباً، حرب. 

غسان الشامي: هل لديكم أرقام؟ هل طلبتم من الدولة، من مؤسّسات كنسية هذا الدعم مثلاً للشباب؟ 

سيمون الوكيل: في الحقيقة لم نطلب بشكل مباشر، هم يجب أن يشعروا بنا وليس أُطلب فيُجاب لك. 

غسان الشامي: أنا أعرف أنك أحد رجال الأعمال في هذه المدينة وتركتَ كل شيء وسخّرت كل ما تملكه للدفاع عنها، أعلم تماماً أنك لا يمكن أن تطلب من أحد، هذا أفهمه ولكن أنا عليّ أن أسأل، حتى هذا السؤال إن وجد أذناً صاغية لدى مَن يسمعنا فليحمل نفسه ويقول أن هناك شباباً قاتلوا علينا أن نبقيهم في أرضهم، أنا لا أريد أن أحرجك أخي سيمون.

سيمون الوكيل: الشباب بحاجة إلى الدعم من أجل الصمود.

غسان الشامي: دعني إذاً أسأل الشاب بينكم، الأستاذ مهنّد، ماذا أخذت الحرب من عمرك أستاذ مهنّد؟ 

مهنّد جربوع: أخذت من عمري ومن عُمر كل الشباب عشر سنوات، خلال هذه العشر سنوات توقّف الزمن تماماً هنا، لم نفعل شيئاً ولم نطوّر أنفسنا، الزمن توقّف بل على العكس رجعنا إلى الوراء. نحن كما تفضّلتم، نحن الجيل الجديد بحاجة إلى دعمٍ كبير كي نتجاوز المرحلة الصعبة التي مررنا بها، والمتطلّبات ليست قليلة وتحتاج إلى دعم كبير سواء من الدولة أو من الجهات الداعمة التي بإمكانها أن تساعد، جيل الشباب هذا يجب أن تؤمِّن له فرص العمل كي يتابع حياته. هناك الكثير ممّن توقفت أعمالهم بالكامل، هذا الأمر يجب أن يتحقّق عبر إقامة مشاريع إنتاجية أو عبر دعم مشاريع صغيرة للشباب كي يتابعوا حياتهم بعد الفترة الطويلة تلك وخصوصاً الفئة المقاتلة التي تركت كل أعمالها وبعدت كل البُعد عن الحياة المدنية، الأمر بحاجة إلى إعادة تأهيل بغية إعادة الاندماج مع المجتمع.   

غسان الشامي: أنت مسؤول تنظيم أيضاً.  

مهنّد جربوع: نعم.

غسان الشامي: هل ثبُت بالأعداد مَن يريد أن يعمل أو مَن يحتاج إلى دعم في المدينة أولاً من شباب الدفاع الوطني الذين ضحّوا كثيراً؟

مهنّد جربوع: بالنسبة لشباب الدفاع الوطني جميعهم. 

غسان الشامي: جميعهم؟  

مهنّد جربوع: نعم جميعهم بحاجة للدعم لأنهم قدّموا أغلى ما عندهم، قدّموا الدماء بالإضافة إلى أنهم تركوا أعمالهم، خسارة الشبيبة التي كانت تقاتل لا تُقدَّر، عشر سنوات من عمرك أهدرتها، نعم بحاجة إلى دعم كبير. 

غسان الشامي: معروفٌ عن هذه المدينة أنها مدينة صناعية وتجارية كبرى، ما هي المِهن التي يجب أن تُدعم أي التي استُهدفت في المدينة، التي هدّها الإرهاب كي نعرف كيف ندبّ الصوت على سبيل المثال.   

مهنّد جربوع: محردة كانت مدينة صناعية وتجارية وزراعية أيضاً، القطاع الزراعي ضرره تقريباً 80%.

غسان الشامي: ضرر كامل.  

مهنّد جربوع: نعم، ليس بإمكان الأهالي أن يزرعوا أراضيهم، عدّة عوامل، هناك أمور غير مؤمّنة. 

سيمون الوكيل: المواد الزراعية التي كانوا يعملون بها خُرّبت. 

مهنّد جربوع: كلّه خُرّب، الآبار الإرتوازية كاملة نضبت، هناك ما دُمّر بسبب الإرهابيين وهناك ما سُرق وهناك ما خُرّب، دمار البنية التحتية الزراعية كامل. المصانع الآن بعد عودة الأمان إلى محردة قسمٌ منها عاد إلى العمل وقسمٌ آخر لا يزال متوقفاً عن العمل نتيجة التخريب والدمار بفعل الجماعات الإرهابية، القطاعات بكاملها تحتاج إلى دعم. 

غسان الشامي: والتجارة متوقّفة؟ 

مهنّد جربوع: تقريباً.  

غسان الشامي: يعني نحن نحتاج إلى دعم زراعي وصناعي وتجاري.  

مهنّد جربوع: نعم في كافة القطاعات.  

غسان الشامي: أستاذ مهنّد ماذا ستفعل بعد انتهاء الحرب؟   

مهنّد جربوع: سأعود إلى عملي في المحاماة. 

غسان الشامي: هل تجد هذا الأمر صعباً؟  

مهنّد جربوع: طبعاً، هناك صعوبة في العودة بعد هذا الانقطاع. 

غسان الشامي: أبونا شبلي أولاً من دون أن نرسم واقعاً وردياً لأن واقعنا جميعاً كما نراه نحن أصلاً في تجوالنا كصحافيين وفي معرفتنا بهذه المدن الصامدة ليس وردياً، ما المطلوب من الكنيسة أولاً تجاه أبنائها؟ وما المطلوب من أهل محردة تجاه أبنائهم الذين قاتلوا؟  

الأب حدّو شبلي: لا شك أن الأزمة لا تقتصر على محردة فقط بل في كل سوريا، الأزمة ليست هيّنة، والكنيسة قدّمت ولكن شعبنا يريد منها أكثر من ذلك لأن لا ملجأ له سواها، إبني حين يمرّ بأزمة لمَن سيلتجئ؟ سوف يطلب منّي وبالطبع أن الأب سيعطي ابنه كل ما يحتاجه في الأزمة، فالكنيسة قدّمت واهتمّوا بنا كثيراً وتواصلوا معنا يومياً، صاحب الغبطة البطريرك يوحنّا العاشر سأل واهتمّ، مكتب العمل المسكوني الذي تم تأسيسه في محردة ليس قليلاً.  

غسان الشامي: كم؟ كلمة ليس قليلاً تعني أنه ليس كثيراً. 

الأب حدّو شبلي: أي أن خدماته ليست قليلة، يقدّم الكثير، يقدّم لمحردة ولأهلها، لمنطقة وريف محردة، وهذه رسالة مهمة، هذه هي توجيهات صاحب الغبطة بأن يخدم كل منطقة محردة وريفها لأنه هكذا يعلّمنا ربّنا، النور لا يضيء ذاته بل يضيء كل العالم، فمكتب العمل المسكوني الذي تأسّس هنا يقدّم خدمات عديدة والكنيسة تقدّم وتهتمّ ولكن كما قلت في الأزمة لأن الإنسان أزمته كبيرة ويطلب الكثير فمهما قُدّم له يشعر بأنه قليل.   

غسان الشامي: ما هو المطلوب من أهالي محردة تجاه المقاتلين؟  

الأب حدّو شبلي: الشباب الذين دافعوا عن القرية قدّموا زهرة أعمارهم، عشر سنوات توقّفت فيها أعمالهم، مستقبلهم توقّف، نحن نطلب الاهتمام بهؤلاء الشباب. 

غسان الشامي: أستاذ مهنّد أريد أن أسألك سؤالاً ومن ثم أختم مع أخي سيمون، برأيك كيف يمكن بناء حياة طبيعية بعد انتهاء الحرب؟ 

مهنّد جربوع: أستاذ غسان بعد انتهاء الحرب البلد بحاجة إلى دعم كامل في كل الاتجاهات لإعادة دمج جيل الشباب بالأخص ليكون فاعلاً في عجلة الحياة. هناك الفئة من الطلاب التي ستدخل إلى الجامعة للمرة الأولى، نتيجة الحرب أصبحت الظروف المادية صعبة للغاية لقسمٍ كبير من الأهالي الذين هم بحاجة إلى جهة ترعاهم وتدعمهم سواء مادياً أو معنوياً كي يدخلوا إلى الجامعات ويكونوا أشخاصاً ذوي قيمة في المجتمع. يجب أن يكون هناك مشاريع إنتاجية في البلد كي نغطّي أكبر قسم من اليد العاملة الشابة لتأمين فرص عمل لهم. 

غسان الشامي: أستاذ سيمون كما قلت تبدو الآن كرجل أعمال ولكن مَن يراك في الشارع لا يراك هنا، أنت تركت كل شيء للدفاع عن مدينتك وعن وطنك وجُرحت في معارك عديدة، ربما أكثر من عشر مرات، هل ستعيد الكرّة إذا خضعت للظروف نفسها؟ هل ستعيد القتال؟ 

سيمون الوكيل: نعم بالطبع بكل ما أملك.   

غسان الشامي: لست نادماً أنك حملت السلاح؟

سيمون الوكيل: كلا، هذه سوريا، يجب أن نقدّم لها، هي أمّنا، هل يتفرّج المرء على أمّه وهي مجروحة؟ 

غسان الشامي: سألتك في المرة الماضية هل تسامح مَن خطف إبنك وعذّبه؟ في وقتها الكاميرا التقطت غصّتك، أنت غصصت وقلتَ نعم وهذا جزء من إيمانك المسيحي، الآن أنت تضع صورة لآخر شهيد معك في محردة استشهد هو ووالده كتبتم تحتها "المحبة أقوى من الانتقام"، أهالي البلدة المجاورة الذين آذوا المدينة، قسمٌ منهم بالطبع، أو لم يقصّروا في أذيّتهم، أعود وأسألك وأنتم كدفاع وطني وكجيش سوري في موقع المنتصر هل تسامح ولماذا تسامح؟ 

سيمون الوكيل: يجب أن نسامحهم لأن تربيتنا وديننا علّمنا التسامح والمحبة، أما بالنسبة لماذا أسامح فنحن في كَنَف دولة سورية، دولة رائعة جداً بقيادتها، بجيشها، بشعبها. بالنسبة للإرهابيين فالدولة كفيلة بأن تأخذ حقّنا وحق الدماء التي بُذلت في سوريا خلال هذه الأزمة لأننا جميعاً تحت القانون ونحبّ القانون، وجيشنا الحمد لله هو جيش عقائدي بقيادة رئيسنا يلاحق فلول الإرهابيين في كامل أنحاء الجمهورية العربية السورية، وأنا كشخص والشباب معي أيضاً على ثقة بأن جيشنا سينتصر لأنه على حقّ.                    

غسان الشامي: هذا أملنا ورجاؤنا. ملعونٌ كل مَن لا يدافع عن هويته وكرامته وأرضه وناسه ضد الظلم والظلام، فالأمم كي تبقى على قيد الحياة والإنسانية يجب أن يتقدّم أبطالها الصفوف للدفاع عن القِيَم الكبرى، وما سبب بقاء محردة وأخواتها من مدن سوريا سوى البطولة التي يتوجّب على التاريخ روايتها. تحيّتي وشكري لأخي قائد الدفاع الوطني في محردة سيمون الوكيل على كل ما قدّمه ونحن في ضيافته الآن، تحيّتي للأب حدّو شبلي، للمحامي والمقاتل مهنّد جربوع، لزملائي الذين قرعوا معي أجراس محردة والمشرق وأتوا من لبنان: جهاد نخلة، هشام الهاشم، جمال حيدر، غسان نجّار، أيامكم انتصارٌ على العتم والظلم، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.