أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

الأرشمندريت خريستوفورس عطالله - رئيس دير السيدة العذراء

علاقة المسيحيين الأرثوذكس العرب في فلسطين والأردن بالعنصر اليوناني في الكنيسة الأرثوذكسية المقدسية


المحور الأول

بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس : دور المجمع المقدس وأخوية القبر المقدس وآلية التعيينات واختيار البطريرك

غسان الشامي: مساء الخير.

أيّ غربةٍ أقسى، الجسد أم الروح؟ ربما كان السؤال جافاً لكنّه حقٌ عندما تكون مقدسياً وشرق أردنياً وتخدم كنيسة المسيح الأولى في بشارتها ومهدها وجلجلتها، ولا ينالك إلا صليب الاغتراب عن خدمتك الحقيقية.

ما سبق أعزائي هو لطرح موضوع خدمة الكهنة المشرقيين العرب الفلسطينيين والأردنيين في البطريركية الأرثوذكسية المُقدّسية التي يهيمن عليها الطابع اليونانيّ فيما رعيتها من الفلسطينيين والأردنيين.

هيكلية البطريركية المقدسية هي نتاج سياساتٍ فرضها الواقع العثمانيّ واحتلال إسرائيل لفلسطين، لكن أهل هذه البلاد الذين منهم السيّد المسيح لا يطلبون شيئاً سوى أن يكونوا شهوداً للحق وصخرة كبطرس في وقتٍ تتحوّل فيه القدس إلى أحزمةٍ لليهود، ويحزم مسيحيون حقائبهم للرحيل.

ما المسيحية من دون القدس؟ وما هو معنى وجود هذه المسيحية من دون البشارة والمهد والقيامة؟

إنّها أسئلة نحملها إلى الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله رئيس دير السيّدة العذراء في دبين في الأردن، المقدسيّ الولادة، الأردنيّ الخدمة، علّنا نسلّط الضوء على واقعٍ لا يعرفه الكثيرون.

لكن قبل أن نذهب إلى الحوار معه، سنقدّم لكم لمحة شخصية، صورة شخصية له.

 

تقرير: وُلِد الأرشمندريت خريستوفوروس حنا عطا الله في القدس عام 1970 وأنهى دراسته في الكلية اللاهوتية الإكليريكية فيها.

درس علم الاجتماع في الجامعة الأردنية، وتخرّج منها بعدما درس الحقوق لسنتين.

خدم في عدّة أماكن في البطريركية وكنيسة القيامة، وكان مرافقاً للبطريرك الراحل ثيودوروس. ثمّ بدأ منذ عام 1989 بخدمة الكنيسة والرعيّة في الأردن، وعُيّن عام 1999 نائباً للمطران في عمّان حتى عام 2004، ووكيلاً بطريركياً لشمال الأردن حتى عام 2013.

وكان عضواً في المحكمة الكنسية البدائية من عام 2000 وحتى 2005، ونائباً لرئيسها حتى عام 2009.

تولّى ترميم وتجديد وصيانة وتزيين كافة كنائس شمال الأردن بالأيقونات والأواني، وبناء قاعات لها، وفتح مراكز لطلاب المدارس أيام الآحاد، وقاعاتٍ للشبيبة، وأسّس أول ديرٍ للراهبات، دير السيّدة العذراء ينبوع الحياة في دبين قرب جرش، الذي دُشّن عام 1999.

درس ويدرّس مادّتي الحياة الروحية وتاريخ كنيسة القدس في كلية اللاهوت في عمان ومادبا.

ومثّل بطريركية القدس في مؤتمراتٍ عدّة لدحض البِدَع والهرطقات المُعاصرة، وحاضر في مواضيع كثيرة.

الأرشمندريت خريستوفوروس عضوٌ في أخوية القبر المُقدّس في بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية.

 

غسان الشامي: أهلاً بكم أعزائي في أجراس المشرق.

اهلاً بك حضرة الأرشمندريت خريستوفوروس . في المقدّمة أريد أن أشير للسادة المشاهدين أنّ كلمة أرشمندريت هي كلمة يونانية تعني رئيس الدير، أرشي ومندريت، رئيس الدير، وأنّ خريستوفوروس هو اسمٌ قديم لقدّيسين في المسيحيين وتعني حامل المسيح.

أنت حامل إحدى عذابات الحضور المسيحي في هذا المشرق. يا سيّدي، أنتم تنتمون إلى كنيسة أرثوذكسية مقدسية هي بطريركية يونانية في وسطٍ عربي. كيف تمّت هذه التركيبة؟ وما هي المراحل التاريخية لحصول هذا الأمر حتى يعرف السادة المشاهدون تركيبة الكنيسة المقدسية اليونانية الأرثوذكسية في القدس؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: في البداية أشكركم لمحبّتكم وأنا سعيد في لقائي اليوم مع هذه القناة التي حقيقة هي صوت للحق، في ظروف المشرق العربي والأمّة العربية بحاجة إلى صوت الحقّ أن تدقّ أجراسه.

أما بخصوص بطريركية القدس فهي الكنيسة المقدسية كما تعلمون هي أمّ الكنائس، التي منها كانت البشارة لكل العالم المسيحي من القدس، وتأسّست كنيسة القدس على الجلجلة بصلب وقيامة الرب والمُخلّص يسوع المسيح، وأول أسقف على القدس كان القدّيس يعقوب أخو الرب، وبعده جاء أساقفة لسنة 1954 للمجمع المسكوني الرابع الذي حصل في خلقيدون.

 

غسان الشامي: مجمع خلقيدون.

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: مجمع خلقيدون، نعم، الذي فيه كنيسة القدس أو أسقفية القدس ترقّت إلى أن تكون بطريركية وسمّيت بطريركية القدس وهي البطريركية الرابعة بعد القسطنطينية وروما، وأنطاكية والاسكندرية. والقدس ابتدأت أن تكون لها أبرشيات وأن تكون كنيسة حاضرة في العالم المسيحي حيث من جهة الوجود المسيحي الحيّ فيها المُنتشر وهي مصدر البشارة، ومن جهة أخرى كانت الأماكن المُقدّسة التي بُنيت من القديسة هيلاني، ووجود الرهبان وأديرة الرهبنة التي كانت أيضاً تشعّ بالحياة النسكية الرهبانية للعالم المسيحي في كلّ أرجائه، إلى أن وصلنا سنة 1534، في تلك الفترة كنا نستطيع أن نقول أنّه كانت هناك مؤسستان في البطريركية، المؤسسة الأولى هي البطريركية المقدسية بكلّ أبرشياتها وبمجمعها المُقدّس تحت إدارة من يدير الكنيسة، برئاسة البطريرك المقدسي، وهناك أيضاً أخوية رهبانية هي أخوية القبر المُقدّس، وهي تعتني بالأماكن المُقدّسة وتقوم على الخدمة فيها، خدمة الأماكن المُقدّسة. في العام 1534 تمّ توحيد هاتين المؤسستين، وأصبحتا مؤسسة واحدة تحت اسم بطريركية الروم الأرثوذكس، وهنا بدأنا ندخل في مرحلة جديدة من تاريخ كنيسة القدس، وفيها ظروف عديدة، بدأ العنصر الوطني، صاحب الأرض أن يغيب عن الكنيسة، وأن يأتي عنصر غريب عن الكنيسة، وتمّ إبعاد ممنهج للعنصر العربي الوطني عن كنيستهم، وهذا استمرّ طيلة الفترة العثمانية واستمرّ أيضاً في فترة الانتداب البريطاني.

 

غسان الشامي: لماذا هذا الإبعاد؟ هذا يحصل عندما كان العثمانيون يضعون أقدامهم بعد 1516 في هذه البلاد. منذ ذلك الوقت حتى اللحظة، لماذا يغيب العنصر الفلسطيني والأردني، الذين يتبعون ضمن النطاق الجغرافي للكنيسة المقدسية الأرثوذكسية، لماذا يغيبون عن الإكليروس في هذه الكنيسة؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: أنا برأيي أصبح جرماً كنسياً بحق كنيسة القدس، وهذا الجرم الكنَسي ارتُكِب بجانبين. الجانب الأول، تمّ إلغاء الأبرشيات الرعائية أي وجود أساقفة ضمن مناطق جغرافية مُحدّدة ضمن قانون الكنيسة كسائر الكنائس في العالم، تمّ استبدال هؤلاء الأساقفة الرعائيين الذين يديرون الأبرشيات إلى أن يكونوا مندوبين للبطريرك أو وكيل بطريركي، وهنا تمّ إبعاد أو إهمال الرعيّة، وإبعاد العنصر الرعائي في خدمة نفوس أبناء الكنيسة، وتمّ تجهيلهم لقرون عديدة، تمّ تقصير في خدمتهم الروحية بموجب القوانين والواجب الكنَسي الروحي تجاه نفوس أبنائنا. هذا من جهة. من جهة أخرى، بات لدينا تغييب للرهبنة، للأديرة، وتعرف منطقتنا، أينما نكتشف آثاراً، هي آثار بأديرة مسيحية موجودة في منطقتنا بعشرات لا بل مئات وألوف الرهبان موجودون فيها.

 

غسان الشامي: عبر التاريخ.

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: عبر التاريخ، أصبحت أديرة من دون، أصبحت فقط آثاراً، فتغيب الرهبان والأديرة عن الكنيسة، والأديرة هي رئة الكنيسة، وتمّ ابتلاع أخوية رهبانية وهي أخوية القبر المُقدّس، ابتلعت البطريركية وهيمنت هذه الأخوية الرهبانية على البطريركية، وأصبح المجمع المُقدّس في كنيستنا.

 

غسان الشامي: هو الأخوية؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: هو الأخوية، المجمع المُقدّس يختاره البطريرك، 18 عضواً يختارهم البطريرك مزاجياً.

 

غسان الشامي: وهؤلاء مَن ينتخبون بطريركاً؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: وهؤلاء مَن ينتخبون بطريركاً، وهم خارج الواقع الكنَسي والرعائي.

 

غسان الشامي: في أيّة ديمقراطية هذه، أنّ رئيساً يختار مَن ينتخبه؟ كيف يتمّ ذلك؟ هل هذا موجود في التقليد الكنَسي مثلاً؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: نهائياً، بتاتاً، وهو مخالف لقوانين الكنيسة، لأنّ قوانين الكنيسة ترتّب تركيبة المجمع المُقدّس، تركيبة المجمع المُقدّس يجب أن تكون من الأساقفة وليس من الأساقفة فقط، ولكن من الأساقفة الرعويين.

 

غسان الشامي: الذين لديهم أبرشيات؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: الذين لديهم أبرشيات لأنّ الأسقف يجب أن يمثّل الشعب.

 

غسان الشامي: ولا أبرشيات في الكنيسة.

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: لا أبرشيات ولا أساقفة ولا شعب في الكنيسة.

 

غسان الشامي: حضرة الأرشمندريت، بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية المقدسية تنتخبه أخوية القبر المُقدّس، ولكن بعد الاحتلال الإسرائيلي يجب أن توافق عليه دولة الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية والأردن، المملكة الأردنية الهاشمية. ما هو دور الحكومات الآن في موضعة هذه الكنيسة ضمن السياسة الحاصلة حالياً؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: حقيقة هذا الموضوع ابتدأ في الفترة العثمانية، القانون العثماني الذي هو سنة 1875، قانون بطريركية الروم الأرثوذكس أوجد هناك في بنوده أن تُرسَل قائمة المُرشّحين للكرسي البطريركي المقدسي إلى السلطات العثمانية لإقرار هذه القائمة أو شطب مَن يرغبون بشطبه، وبالتالي إعادتها للبطريركية لتتمّ الانتخابات، ليتمّ انتخاب البطريرك، ومن ثمّ أن يعود هذا الإسم إلى الحكومة لكي تعترف بأنّه أصبح بطريركاً بعد الإجراء الكنَسي الروحي، وهذا استمرّ بالقانون الأردني الساري المفعول، لأن البطريركية الآن تسير بموجب القانون الأردني رقم 27 سنة 1958. هذا القانون يرتّب أن يكون في البطريركية، أن ترسل كما سبق وذكرت، كما كان في القانون العثماني، أما الآن عندي ملاحظتان في هذا الجانب، دور الحكومات، حكوماتنا نحن برأيي هو دور فقط، نحن نحتاج للحكومة في وقت الانتخابات ولا نعود بعد ذلك نسأل عن الحكومة، ولا يكون أي دور لحكوماتنا.

 

غسان الشامي: لتوقّع على مَن يتم انتخابه.

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: فقط لتوقّع على مَن يتم انتخابه. نحن متى نحتاجهم؟ فقط في وقت الانتخابات.

 

غسان الشامي: هل أنتم تقيلون الحكومات من دورها، أم أنّ الحكومات هي مُستقيلة من دورها؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: برأيي، الاثنان، البطريركية لا ترغب بأيّ تدخّل للحكومات في البطريركية، وهذا ربما نحن من دُعاة النهضة والإصلاح في الكنيسة، نحن أيضاً لا نريد تدخلاً للدول في داخل الكنيسة، نحن نرفض تدخّل الدول في الكنيسة، ولكن لا نريد أيضاً أن تلعب الكنيسة ما بين ثلاث دول مُتنازِعة، أي تقول شيئاً لإسرائيل وشيئاً للفلسطينيين وشيئاً للأردنيين، وبالتالي فالنتيجة أن يغيّب العنصر الوطني العربي عن كنيسته، وبالأخص هنا الأردني، لأنّ الأردني والفلسطيني يجب أن يكون لهما دور في تصويب الأمور لكي تسير أمور الكنيسة وتكون مساهمة فاعلة لأبناء الرعية في الكنيسة.

 

غسان الشامي: إذا أخرجنا هذا العنصر العربي، هذا العنصر الفلسطيني، الأردني، من هذه الكنيسة، ماذا يبقى منها سيّدي؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: لا يبقى شيء من الكنيسة، وهذا أكبر خطر على الكنيسة. كما تعلمون الكنيسة المقدسية الأرثوذكسية هي الكنيسة صاحبة الأرض، هي الكنيسة الوطنية المحلية. باقي الكنائس الموجودة في الأماكن المُقدّسة وفي بلادنا في الأردن وفلسطين هي كنائس أتتنا من الخارج، رئاساتها الروحية في الخارج، كلّ الكنائس. الكنيسة الوطنية المحلية صاحبة الأرض الوحيدة هي الكنيسة الأرثوذكسية.

 

غسان الشامي: اسمح لي أن نتوقّف، سنتابع بهذا المحور الهام، والذي أعتقد أنّ كثيرين من العالم العربي لا يعرفونه، ولكن أعزائي نعود إلى هذا بعد وثائقي قصير عن دير السيّدة العذراء في دبين، حيث يُقيم الأرشمندريت خريستوفوروس. انتظرونا إذا سمحتم بعد الفاصل.

 

تقرير: بعد غياب الحياة الرهبانية عن الأردن أكثر من ستمئة عام، بدأ الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله مع مجموعة من أبناء الكنيسة ببناء ديرٍ على إسم السيّدة العذراء، ينبوع الحياة، في محمية دبين قرب جرش في الأردن حيث وضِع الحجر الأساس لكنيسة الدير عام 1999 برعاية البطريرك ثيودوروس وافتُتِح بمباركة البطريرك إيرينيوس عام 2002، وقام المطران فنديكتوس بتلبيس ثلاث راهباتٍ مُبتدئات معلناً عودة الحياة الرهبانية إلى شرق الأردن، حيث بُدئ ببناء مبنىً على مساحة 3100 متر مربع، وهو مؤلّفٌ من ثلاث طبقاتٍ وأربعين قلاية للراهبات وصالة طعام وقاعاتٍ للمؤتمرات ومكتبة ومشاغل للشمع والبخور والتطريز الكنَسي ورسم الأيقونات.

كما جرى بناء طابقٍ جديدٍ يشتمل على ثماني غرفٍ للضيوف ومطبخٍ وصالة طعام وقاعة لاستقبال المؤمنين ومدرسةٍ إكليريكية لتعليم وتثقيف جيلٍ لخدمة الكنيسة والمجتمع ولتزويده بكهنةٍ روحانيين مثقّفين. وقدّم طلباً إلى البطريرك ثيوفيلوس للبدء بهذه المرحلة، لكنّه لم يعط بركته بذلك حتى الساعة.

يقدّم الدير مساعداتٍ عينية ونقدية للعائلات المستورة مثل الأدوية والمساهمة في تسديد أجور العلاج ودفع الرسوم المدرسية للطلبة.

في كنيسة الدير نسخة عن الأيقونة الجسمانية الموجودة في القدس، وتحتفل الكنيسة الأرثوذكسية بعيد الينبوع أي عيد الدير في أول يوم جمعة بعد الفصح المجيد، ويؤمّه المسيحيون والمسلمون.

 


المحور الثاني

كيف يتم اقصاء الإكليروس العربي في الكنيسة المقدسية؟ ولماذا يخاف العنصر اليوناني من الإكليروس العربي؟ ومن المستفيد من كل هذا؟

غسان الشامي: أهلاً بكم أعزائي مُجدّداً في أجراس المشرق في حوار مع الأرشمندريت خريستوفوروس  رئيس دير سيّدة العذراء في دبين قرب جرش في الأردن.

حضرة الأرشمندريت، لنكمل إذا سمحت، هذا العنصر العربي الذي لا دور له في اختيار قادته الرعائيين، إذا سحبناه من كنيسته في القدس، ماذا تصبح القدس؟ نحن نقول في صراعنا أنّ القدس عربية، القدس فلسطينية. هل هناك تغيير ما لطابع القدس؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: صدّقوني، عندما أتكلّم عن القدس قلبي يدمع، لأنّ القدس تتعرّض في الفترة الحالية لأبشع صوَر، لإفقادها هويّتها الوطنية المحلية، والروحية، بسلوك ممنهج، وبطريقة العالم العربي كله نائم معها. أنا إبن القدس، أنا ربيت في شوارع القدس، وأتذكّر القدس الطابع العربي كان موجوداً فيها في كل مكان، المسيحي الإسلامي، مع بعضنا البعض كنّا وحدة، في زيارتي الأخيرة إلى القدس قبل شهر، رأيت أنّ القدس تغيّرت، مَن يذهب إلى القدس لا يرى هذا الطابع العربي فيها، بل يرى طابعاً إسرائيلياً، هناك طابع يهودي موجود فيها، أبناؤها غائبون، يُغيَّبون، الطابع ما فرض على أرض الواقع هو إسرائيلي، هو يهودي، هو غريب عن هوية هذه البلاد، وبالتالي القدس يتيمة وتصرخ وتدعو كل أبنائها وكل العالم أن يصحو، لأنّ هناك جرماً يُرتكَب في حق القدس والأراضي المُقدّسة والأماكن المُقدّسة وأهل هذه البلاد.

 

غسان الشامي: حضرة الأرشمندريت، أنا أعرف أساك لأنّك مقدسيّ الولادة، ولكنّك موجود ضمن هيكلية كنَسية. اسمح لي أيضاً أن أقول، هناك الكثيرون من الكهنة من أصول فلسطينية وأردنية يقبلون بهذا الواقع، أليس كذلك؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: نعم.

 

غسان الشامي: لماذا إذاً؟ لماذا لا تُعاد هذه الصيغة المعروفة سابقاً عن هذه الكنيسة، التي قلت أنها هي الكنيسة الأولى مع يعقوب أخ الرب؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: أخي الكريم، سبق وذكرت أنّ هناك مُخططاً ممنهجاً، وهذا المُخطط هو يسعى لتجهيل إبن البلد من هويته، وهذا يحدث بشكل خطير، ولذلك نحن من أول مطالبنا التي طالبناها من أجل الإصلاح الكنَسي أن يكون هنا في كنيستنا مدرسة إكليريكية تحتضن أبناءنا وتُهيئ الإكليروس أي رجال الدين الذين سيقومون بخدمة أبناء الكنيسة، تهيئهم وتحضّرهم حتى يكونوا رُعاة صالحين، لا أن يكونوا ضمن مُخطط مُمنهج، ولذلك طلبنا أن تكون هناك مدرسة إكليريكية وكلية لاهوتية، ولماذا لا يكون عندنا جامعة لاهوتية حتى نستطيع أن نحمل.

 

غسان الشامي: لم يُنفَّذ هذا الطلب؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: نهائياً.

 

غسان الشامي: ماذا تفعلون بالمقبلين ليصبحوا كهنة إذاً من أصولٍ فلسطينية أو أردنية؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: إذا كانوا يريدون أن يكونوا رهباناً، يُرفَضون، وهذا شيء مُحزن، أن ترى الآن مطران السودان أردنياً، المطران نار توسوس غامو، سامر غامو سابقاً، لأنّ كنيسته لم تحتضنه، أن ترى الأرشمندريت أفرام عباسي في أستراليا يخدم، هو إبن الأردن، إبن شمال الأردن عباس، وصدّقوني في كل برنامج كنت أحمل دمعة أمّه، التي كانت دائماً عندما تراني دمعتها في عينها وهي تقول إبني ترهبن وتغرّب، لماذا؟

 

غسان الشامي: ترهبن وتغرّب.

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: لماذا دموع أمّهاتنا يجب أن تبكي على أولادنا الذين لديهم حب وغيرة لخدمة الوطن، لخدمة الشعب، لخدمة الكنيسة، ومُجرّد كونها عرباً يُرفَضون من كنيستهم التي يجب أن تحتضنهم ويخدمون في الخارج. أما الآخرون، الذي يريد أن يتزوج لا مشكلة، يتزوّج لأنه لا يصل إلى مراتب في الكنيسة، وحتى هؤلاء أيضاً يجب أن يكون هناك طريقة لاحتضان هؤلاء أبنائنا، نحن الآن عندما نرى المدرسة الإكليريكية في بيت جالا، للاتين، معظم طلابها هم من أصول أرثوذكسية، هم أرثوذكس، لماذا يكونون في المدرسة الإكليريكية عند اللاتين، لماذا لا تأخذهم كنيستهم وهم يريدون أن يخدموا الكنيسة.

 

غسان الشامي: هذا التناقض بين يونانية الإكليروس أي القادة الدينيين وبين الرعية العربية الفلسطينية الأردنية، الرعية في هذا المشرق، ألم يطرح لديكم أزمة في الهوية حضرة الأرشمندريت؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: حقيقة، نعم، وأنا قلت في عدّة حوارات أن الكنيسة الآن تمر، لا بل المسيحيون في مشرقنا وضمن إقليمنا الكنَسي الأردني الفلسطيني، في أزمة هوية، الفكر الكنَسي الروحي ببعديه، ببعده الحضاري، بالثقافة المسيحية الإسلامية العربية، هناك خطر عليه، وبعده الآخر الكنسي الروحي الأرثوذكسي، أيضاً هناك أزمة في الهوية، ولذلك نرى أن الكثير من أبنائنا الأرثوذكس بعيدون كل البعد عن الأرثوذكسية وعن مفهوم الأرثوذكسية وعن حياة الأرثوذكسية وعن عقيدة الكنيسة وإيمان الكنيسة، فهناك جهل عميق.

 

غسان الشامي: أنت تتكلّم كرجل دين وكمواطن، وهذا أمر عظيم، بالانتماء إلى هذه المنطقة، ولكن بكل صراحة، لنضع إصبعنا على الجرح، مَن يمنع وصول أهل هذه المنطقة المؤمنين ليكونوا فاعلين في كنيستهم، ليكونوا قادة في كنيستهم؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: جهتان تمنعانهم باعتقادي، برأيي. الجهة الأولى هي من داخل الكنيسة، هناك جهة في داخل الكنيسة تخاف من أبنائها العرب، الأب لا يجب أن يخاف من أبنائه، الأب يجب أن يحتضن أبناءه، ولا يكون عنده خوف من أبنائه. إذا كان الأب يخاف من أبنائه لا يكون أباً صالحاً لكي يرعى أبناءه. الأب الآن يخاف من أبنائه، يخاف أن يعرّبوا الكنيسة، ولنا رأي في التعريب سأتكلّم عنه. وهناك بُعد آخر وهو البُعد الإسرائيلي، الاحتلال الإسرائيلي، الذي هو راضٍ عن هذا الوضع، أن تبقى هذه الكنيسة الوطنية في أيدٍ غريبة لأنّ هذا ببساطة يخدم مصلحته.

 

غسان الشامي: هناك محاولة للإيحاء أيضاً على ما يبدو بأنّ المسيحيين المشرقيين الفلسطينيين والأردنيين هم يونان وليسوا عرباً، وليسوا مشرقيين. بحجّة ماذا يتمّ ذلك؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: بحجّة إفقادهم هويّتهم، وهذا صدر من أكبر مصدر في الكنيسة، عندما تكلّم عن أنّ أبناء الكنيسة هم روم وتعود أصول الروم إلى اليونانية.

 

غسان الشامي: أنها كنيسة رومية.

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: أنها كنيسة رومية يونانية، حتى نحن روم ولكن مفهوم الروم يريدون أن يضعوه علينا، أن الروم ليسوا عرباً ولكنهم يونان، ولذلك هناك تصريح للبطريرك الحالي بغاية الخطورة، أنّه يقول أننا يجب أن نعود إلى جذورنا لأن هناك جهلاً عميقاً، وجذورنا جذور يونانية، وبالتالي إذا كنا نحن يونان فبالتالي مَن هم ابناء هذا البلد؟

 

غسان الشامي: لذلك يقولون مثلاً، خرج هذا التعبير، أرابوفينيس، الناطقون بالعربية؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: بالتمام.

 

غسان الشامي: هل أنتم كنيسة ناطقة بالعربية فقط؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: نحن لا، نحن كنيسة عربية، كنيسة وطنية، كنيسة محلية، نحن كنيسة القدس المقدسية، نحن كنيسة بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية، هذه كنيسة وطنية محلية لأنه بموجب القوانين الكنَسية كلّ الكنائس يجب أن تكون كنائس محلية وطنية لكي يقوموا برعاية أبنائها في المنطقة الكنَسية الجغرافية.

 

غسان الشامي: لكن أيضاً يقول البعض أنّكم أنتم بعض رجال الدين الأرثوذكس من أصول فلسطينية وأردنية ضدّ اليونان بالمُطلق، ومع تعريب الكنيسة نهائياً من دون مراعاة الجذر الأرثوذكسي واليونان الأرثوذكسية.

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: شكراً لك لطرحك لهذا السؤال حتى نوضح، لنوضح فكرنا بهذا الموضوع. نحن لسنا ضدّ اليونان نهائياً، نحن ضدّ العنصرية اليونانية، نحن ضدّ استقصاء أبنائنا العرب من خدمة كنيستهم، نحن لسنا ضدّ اليونان، بالعكس، تربطنا علاقات مميزة جداً مع اليونان ومع فكر آباء الكنيسة اليونان، الذي نحن حريصون على الحفاظ عليه في الكنيسة، الفكر الرومي الذي له جذور في الحضارة اليونانية، نحن حريصون على المحافظة على استمراريته وديمومته في فكر الكنيسة، في فكر آباء الكنيسة القدّيسين، ولكن نحن ضدّ العنصرية اليونانية الموجودة ببعض الأشخاص في داخل البطريركية، الذين هم غائبون عن الواقع الرعائي، ويريدون فرض واقع غريب عن المنطقة، واقع يوناني خارج اليونان، وبالتالي نحن لسنا ضدّ اليونان لأن هناك أشخاصاً يونانيين يخدمون في داخل البطريركية هم حقيقة يستحقون كل التقدير، كل الاحترام، يبذلون جهوداً جبّارة من جهة في خدمة الرعية، في خدمة المؤسسات المدرسية وفي خدمة الكنيسة، ولكن هناك عنصر آخر هو غير مفعَّل في أي شيء.

 

غسان الشامي: أعزائي، اسمحوا لنا أن نذهب إلى وثائقي قصير عن مار الياس في لستب بعجلون في الأردن، مار الياس بمعنى أنه يقال أنّ هناك بلد مار الياس، ثمّ نعود لمتابعة هذا الحوار مع الأرشمندريت خريستوفوروس، ولكن بعد الفاصل.

 

تقرير: على بعد تسعة كيلومتراتٍ من عجلون، بقايا ديرٍ قديمٍ على إسم مار الياس، إيليا النبي، حيث عُثر على كتابةٍ يونانية فوق أرضية الفسيفساء، تشير إليه بالإسم، فيما يعتقد البعض أنّ قرية لستب القريبة تشبه ما ورد في العهد القديم عن مسقط رأسه، من دون دلائل أثرية عن أنّ الموقع يعود إلى العصر الحديدي الذي يُظَنّ أنّه عاش فيه ما بين سنة 910 و68 قبل الميلاد.

تولّت دائرة الآثار العامة في الأردن منذ عام 1999 التنقيب في الموقع، وكشفت عن كنيسة بازيليكية مساحتها 1340 متراً مربعاً ولها رواق من قسمين وساحة مكشوفة تتوسّطها بئر ماء، وفيها غرفة للعماد تنخفض عن مستواها بمترٍ واحد، وجرن مستطيل يفضي إلى جرنٍ أصغر.

أما الفسيفساء فتضمّ أشكالاً نباتية وهندسية وكتابة يونانية ترجمتها تقدمة الكاهن سابا عن نفسه وزوجته لكنيسة النبي إيليا المقدّمة سنة 622 للميلاد.

واكتشفت عام 2001 كنيسة أصغر حجماً يعتقد أنها أقدم من الكنيسة الأولى بحنياتٍ ثلاث، وهيكلٍ مستطيل، ومبنية بالحجارة المشذّبة يتوسّطها رواقٌ يتصل بغرفٍ جانبية، فيما دُمّرت ساحتها المكشوفة.

وللتمييز بين الكنيستين، أطلقت على الأولى تسمية الكنيسة الكبرى، وعلى الثانية التي كشف عنها في عام 2001 تسمية الكنيسة الصغرى.


المحور الثالث

دور العنصر اليوناني في إدارة شؤون الكنيسة . البعد الإصلاحي في مقابل الخوف من التعريب

غسان الشامي: أهلاً بكم من جديد في أجراس المشرق.

حضرة الأرشمندريت خريستوفورس، هل هذا الابتعاد للمسيحيين في فلسطين والأردن عن الكنيسة الأرثوذكسية هو نوع من قطع الجذور، وهل لهذه الدرجة يتمّ الخوف من التعريب، ممّا سمّيته تعريب الكنيسة؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: هنا اسمحوا لي أن أوضح ما المفهوم الذي نطرحه للرد على هؤلاء الذين يتهموننا في الكثير من الأحيان أننا عنصريون ضدّ اليونان. مع أنهم هم العنصريون، يتهموننا نحن بالعنصرية، أنظر الجرم الذي يُرتكَب بحقنا، بحق الصوت الوطن. نحن ضد العنصرية ونُتّهَم بأننا عنصريون ضد اليونان. نحن لا نريد طرد أحد، نحن ببساطة نقول لا يجوز أن تُدار كنيسة بمجمعها المُقدّس من 18 عضواً، فقط 2 منهم عرب، ولدينا علامات استفهام حتى على هذين العربيين الإثنين في داخل المجمع.

 

غسان الشامي: لهذه الدرجة؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: نعم، وبالتالي أطرح سؤالاً، هل تدار كنيسة روسيا مثلاً أو كنيسة اليونان أو كنيسة قبرص، أن نكون 18 عضواً عربياً وهم يكونوا عضوين يونان؟ هذا شيء غير قانوني وغير كنَسي وغير منطقي. نحن ما نقوله، لسنا ضد أحد ولا نريد أن نطرد أحداً ولا نريد أن نستقصي أحداً، ولكن نحن لا نريد إبعاد العنصر العربي الوطني عن إدارة شؤون كنيسته، ونحن ما نقوله هو أنه يجب أن يكون هناك دور للكنيسة في احتضان أبنائها لكي يقوموا في إدارة كنيستهم وهذا من حقنا، فبالتالي لا يجب أن يكون هناك خوف من التعريب، بهذا البعد الإصلاحي في الكنيسة، لأن بقاء الوضع على ما هو هنا الخطورة، الخطورة على العنصر اليوناني وعلى جذورنا العربية في هذه البلاد.

 

غسان الشامي: بهذه التركيبة، تركيبة كنيسة من دون أبرشيات، كنيسة مقدسية بطريركية من دون أبرشيات، كيف الوصول إلى مشاركة الجميع في إدارة هذه الكنيسة على الرغم من أزمة الهوية والواقع الفلسطيني المرير ومحاولة تغريب الفلسطينيين ومحاولة محو الخريطة، اسم فلسطين عن هذه البلاد؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: باعتقادي أنه يجب أن يتحمل كل واحد منّا مسؤوليته، من إكليريكيين وعلمانيين، في هذه القضية الهامة، وكلنا يجب أن نأخذ موقفاً حتى نستطيع تصويب الأمور في الكنيسة وفي الوطن. عندما يصبح لدينا جميعاً وعي صحيح لهذه القضية ونأخذ موقفاً، هنا نضع بداية الإصلاح ومن ثمّ نذهب إلى إصلاح المؤسسات، أية مدرسة إكليريكية وأديرة وأبرشيات، إلى أن نصل إلى دور حكوماتنا العربية في أخذ موقف، لأنّ حكوماتنا العربية دائماً هي خجولة لا تفتح هذا الملف، إما خجولة لأنها حكومات تقول نحن مسلمون لماذا نتدخل بهذا الملف، هذا ملف شائك ولنتركه مقفلاً، وإما عليها ضغوطات من الخارج فلا تفتح هذا الملف ولكن هذا الملف وطني بامتياز. أخيراً حكوماتنا يجب أن تصل إلى هذه القناعة.

 

غسان الشامي: المسيحيون الأرثوذكس هم أيضاً رعايا وطنيون ضمن السلطة الفلسطينية وضمن المملكة الأردنية الهاشمية.

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: بالتمام.

 

غسان الشامي: ليسوا مسيحيين فقط ولكنّهم مواطنون.

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: بالتمام، وهذا ما نحن نطالب به، أننا لسنا غرباء ولا جارية ولا طائفة، ولكن نحن أصحاب البلد، نحن شركاء مع إخوتنا المسلمين في أن نكون أبناء للبلد الواحد، للوطن الواحد، للعروبة ولجذورنا الحضارية الروحية ببعدها الروحي.

 

غسان الشامي: حضرة الأرشمندريت، لفتني شيء مثلاً. أنت تقول أنّ الكنيسة البطريركية منعت، أو تغاضت، لم تعد تريد أديرة ولكن حضرتك أنشأت ديراً، وقد زرناه في دبين وأجرينا فيه مقابلة وهو دير جميل. كيف سُمح لك بإنشاء هذا الدير مثلاً؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: الدير أخذت بركة البطريرك المثلّث الرحمات، وهكذا ابتدأت به، ولكن لا تتصوّروا الضغوط عليّ، حتى أن هذا الدير لا يسير مسيرته الرهبانية، تصوّروا حتى الآن، غير مُعترَف بي أنا الذي قمت ببناء الدير وتأسيس هذا الدير، أنني أنا رئيس هذا الدير وأنني أنا مؤسّس هذا الدير.

 

غسان الشامي: أنت الآن رئيس هذا الدير بحكم أنك أسّسته وليس بورقة موقّعة؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: نهائياً، ويعتبرونني كاهناً مناوباً في الدير.

 

غسان الشامي: كاهن مناوب.

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: كاهن مناوب في الدير، أي يستطيعون إخراجي في أي وقت.

 

غسان الشامي: رغم رتبتك الكهنوتية، أو أنّك أرشمندريت، رئيس دير؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: بالتمام، بالتمام. وهذا الضغط الذي علينا حتى لا نؤسّس أي شيء، مؤسّسي، صحيح سليم لتصويب الأمور في داخل الكنيسة، وكأنّ هناك جهة لا تريدنا أن نضع حجراً على حجر حتى نبني بناء سليماً صحيحاً في داخل الكنيسة، ونصوّب الأمور. إلى متى سنصمد؟ وتصوّروا، مع أنه دير للراهبات، ولا يجب أن يخافوا من الراهبات، لأن الراهبات لا يمكن أن تصبحن مطارنة ولا بطاركة، لا خوف منهن، راهبات، حتى هناك خوف من هؤلاء الراهبات، لأن هناك خوفاً من فكر، هناك خوف من أبناء، ولذلك يجب أن نوصل رسالة من خلال هذا البرنامج أنه يا إخوة لا تخافوا منّا نحن لا نخيف أنتم اغتصبتم كل شيء لنا.

 

غسان الشامي: أيضاً لفتني في البطريركية حضرة الأرشمندريت أنّ هذه البطريركية أقامت أبرشية في قطر، في قطر، وليس لها أبرشيات داخل المنطقة الزمنية والمكانية لها.

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: الذي جعل اتّخاذ هذا الموقف هو موقف سياسي وليس روحياً، وهذا ما أنا أشكّك وأتساءل لماذا معك.

 

غسان الشامي: سياسي بين قطر وإسرائيل مثلاً؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: سياسي أنه يتم إقحام الكنيسة في أمور سياسية نحن يجب أن نكون بعيدين عنها. الآن هناك خلافات معروفة على الساحة الإقليمية، لماذا تقتحم الكنيسة فيها؟ ولماذا نضرب إخوتنا الأنطاكيين في ظهرهم في هذا الوقت، الذي يجب أن نكون ككنيسة مشرقية عربية وطنية، أن نكون في وحدة ما بين بعضنا البعض؟ نحن مد سوري فلسطيني أردني، يجب أن نكون يداً واحدة، في حين كما تفضّلت وأنا أتفق معك مئة بالمئة لم نقم أية أبرشية داخل إقليمنا الكنّسي حتى نرعى أبناءنا، وأقمنا أبرشية وعينّا مطراناً وأعطيناه لقباً، أو جعلنا مطراناً أبرشياً، رئيس أساقفة قطر. تمّ تأسيس أبرشية في قطر وهذه الأبرشية أسّست من البطريركية، من بطريركية المقدسيين، في حين كان الأولى بنا أن نؤسّس أول أبرشيات في داخل الأردن وفلسطين، نرعى أبناءنا وبعدها نهتمّ أيضاً بأبنائنا في الخارج.

 

غسان الشامي: مع أنّ أغلب المهاجرين هم من الكنيسة الأنطاكية في قطر.

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: نعم، وهذا باب آخر، وهناك أيضاً نقطة أحبّ أن أذكرها هنا، في حين أننا تركنا 18 كنيسة كانت لنا في أمريكا، أعطيناها للكرسي المسكوني، للبطريركية المسكونية لإدارتها، في أمريكا، ولذلك نرى أنّ الدافع ليس روحياً ورعائياً، ولكن هناك دافع آخر.

 

غسان الشامي: وهو سياسي، أنا سأقولها، هو سياسي.

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: بكلّ أسف.

 

غسان الشامي: لديّ كثير، ولكن ليس لديّ وقتٌ كثير، لديّ كثير من الأسئلة. حضرة الأرشمندريت، هناك مشكلة حول أوقاف الكنيسة الأرثوذكسية المقدسية. لا أريد الدخول لأنه دخول متشعّب بهذا الموضوع، وقد حصل عليه كلام كثير، لكن أنا أريد أن أسألك كمقدسيّ وكعامل ما بين الأردن وفلسطين، كيف تتمّ حماية هذه الأوقاف المسيحية الأرثوذكسية؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: كما تفضّلت، ملف شائك، ملف الأوقاف، وحقيقة يدمع قلب الإنسان عندما يرى أن أوقاف الكنيسة عبر عشرات السنوات هي في تناقص مستمرّ، هذا الواقع، من دون أن أدخل في الملف، لأنني أنا لا أعلمه جيّداً، ولكن لديّ طرح كنَسي لإعطاء حلّ فيه، كما نطرحه نحن، ولكن المؤلم أنّه ضمن الواقع لدينا تسريب، هناك أملاك، البطريركية المقدسية كانت تملك خُمس فلسطين التاريخية، الآن ماذا تملك؟ سؤال  كبير.

 

غسان الشامي: ماذا تملك؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: كثير من أملاكها سُرّب، حتى دائرة الأملاك في داخل البطريركية لا تعرف عنها شيئاً. هناك خلل في هذا الملف، وبرأيي هذا الخلل هو بسبب عدم إدارة الكنيسة بالشكل السليم.

 

غسان الشامي: ما الحلّ؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: الحلّ هو أن يكون هناك مجمع مُقدّس فاعل، أن يكون مجمع مُقدّس مكوّن من رُعاة الأبرشيات لكي يكون صوت في المجمع المُقدّس للشعب، لكي يقوم الشعب والإكليروس بحماية أوقاف الكنيسة، وحينها يكون نظام الكنيسة هو الذي يحمي البطريرك، الآن البطريرك هو غير محمي، ونحن نستوعب الضغط الموجود على بطريركنا، عليه ضغط هائل، لأنه هو ما بين الجانب الإسرائيلي والجانب العربي، وبالتالي عليه ضغط. حتى يخرج من هذا الضغط نحن يجب أن نحميه، وقوانين الكنيسة هي التي تحميه، عندما يكون.د

 

غسان الشامي: تحمي أيّ بطريرك.

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: نعم، أيّ بطريرك، لأنّ الكنيسة هي لحماية البطريرك ولحماية مؤسّساتها ولحماية المجمع المُقدّس، عندما يكون الأساقفة هو صوت للشعب وهم أساقفة ورعويون، المجمع المكوّن من أساقفة ورعويين يستطيع أن يحاسب البطريرك ويحمي البطريرك، والبطريرك يعود إلى المجمع، وتكون هناك علاقة سليمة ما بين البطريرك والأساقفة والشعب.

 

غسان الشامي: بدقيقة، ما موقفكم من محاولات تجنيد المسيحيين في فلسطين؟

 

الأرشمندريت خريستوفوروس عطا الله: نرفضها نهائياً، لأنّ موضوع التجنيد هو موضوع خطير، لأنّه إذا نحن الذين اغتُصِبت بلادنا، نريد أن نصفّ مع الجيش الإسرائيلي، كيف نتكلّم عن دولة احتلال؟ نحن دولة محتلة، فلسطين دولة محتلة، ولا نستطيع أن نقبل أن يكون أحد أبنائنا في صفوف المعسكر الآخر المُحتل المُغتصِب.

 

غسان الشامي: شكراً جزيلاً.

أعزائي، كان بودّنا رسم ملامح أكثر نوراً أو لنقل أننا يجب أن نسعى لكي يكون للنور الحضور الطاغي في بلادٍ شعّ فيها، المسيحية وفلسطين بشارة وولادة وقيامة، وكما القيامة هدف المؤمنين، نأمل قيامة فلسطين عبر أبنائها والمؤمنين بها في هذا المشرق والعالم العربي والعالم.

شكراً للأرشمندريت خريستوفورس على قبوله دعوتنا وحضوره إلى لبنان، وللقيّمين على كنيسة دير مار الياس البطريرك شويا، هذا الدير التاريخي الجميل على استضافتنا.

شكراً لزملائي في أجراس المشرق، والميادين.

شكراً لكم، وأنتم في بيوتكم تتابعون حواراتنا، وتتواصلون معنا على موقع البرنامج على الفايسبوك. وسلامٌ لفلسطين، وسلامٌ عليكم، وسلامٌ لكم.