أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

دور علماء الإسلام في إطفاء حرب اليمن

ما هو صحيح الإسلام في الحرب الدائرة في اليمن, ولماذا سكت معظم العلماء عن حرق وسلخ الشعب اليمني, تمارس حرب إبادة ضد اليمن قل نظيرها في التاريخ العرب, ومن قبل جار عربي وحلفاء عرب, لم ينجحوا بالسياسة لحل مشكلاته فصبوا عليه قنابلهم الحارقة وقذائفهم الممنوعة دوليا بمباركة أمريكية وإسرائيلة، ومثلما سخرت الفتوى في أفغانستان وليبيا والجزائر ومصر والصومال وتونس ولبنان والبلاد العربية والإسلامية لهز الأمن القومي العربي بإسم الله ورسوله, فقد تنافس بعض العلماء لشرعنة الإبادة على اليمن.

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنّة مثواكُمُ.

قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم "أتاكُمُ أهلُ اليمنِ، هم ألين قلوباً وأرقّ أفئدةً، الإيمان يمان والحكمة يمانية والفقه يمان، رأس الكفر قِبَل المشرق"، رواه مسلمٌ في صحيحه.

وعن جبير ابن مطعم عن أبيه، قال: "بينما كنّا نسير مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بطريق مكّة، إذ قال يطلع عليكم الآن أهل اليمن كأنّهم السحاب، هم خيار مَن في الأرض"، رواه أحمد بإسنادٍ صحيح.

وعن ابن عمر أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: "اللّهم بارك لنا في شامنا ويمننا، قالوا وفي نجدنا يا رسول الله، قال: اللّهم بارك لنا في شامنا ويمننا، قالوا ونجدنا يا رسول الله، فأظنُّهُ قال في الثالثة هنالك الزلازل والفِتَنُ وبها يطلع قرنا الشيطان". رواه البخاري في صحيحه.

هذا اليمن الذي أشاد به رسول الإسلام وزكّى شعبه الأبيّ يُذبَح اليوم من الوريد إلى الوريد، تُذبَح حضارته وتراثه وشعبه وبنوه وأطفاله وشيوخه وعمرانه وزراعته وجسوره ونساؤه ومدارسه وجامعاته ومقامات أوليائه وصحابة رسول الله، وتُمارَس حرب إبادةٍ ضدّ اليمن قلّ نظيرها في التاريخ العربي، ومن قِبَل جارٍ عربي وحلفاء عرب لم ينجحوا بالسياسة لحلّ مشكلاته، فصبّوا عليه قنابلهم الحارِقة وقذائفهم الممنوعة دولياً بمباركةٍ أمريكية وإسرائيلية.

ومثلما سُخّرت الفتيا في أفغانستان وليبيا والجزائر ومصر والصومال وتونس ولبنان والبلاد العربية والإسلامية، لهزّ الأمن القوميّ العربي باسم الله ورسوله، فقد تنافس بعض العلماء لشرعنة الإبادة ضدّ اليمن. فالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أعلن تأييده للعمليات العسكرية الخليجية، فقال الدكتور علي القرة داغي أمين عام الاتحاد إنّه يؤيّد شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي في اليمن، ويحقّ لهذه الشرعية الاستعانة بالخليج في محاربة الانقلاب الحوثي على الشرعية والثورة. واعتبر الشيخ سلمان العودة عاصفة الحزم موقفاً شجاعاً ومُنتظَراً، بينما الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك فيقول أنّ قتال الحوثيين جهادٌ في سبيل الله.

وأكّد رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر في منطقة مكّة المكرمة سابقاً الشيخ أحمد بن قاسم الغامدي بأنّ الله أمر بمقاتلة البُغاة بلا شكّ، حتى تعود لأمر الله، والبُغاة مسلمون. شكراً لك، جعلتهم مسلمين بعد أن كفّرهم البعض، وقتالهم لا شك أنه من الطاعات التي فيها قربى لله. ويقول الدكتور ناصر العمر تعليقاً على عملية عاصفة الحزم: "أسأل الله أن تكون عاصفة الحزم مُنقذة لليمن رادِعة للصفويين"، الشعب اليمني أضحى صفوياً اليوم، "ولكلّ مَن يعتدي على بلادنا وعلى بلاد المسلمين"، واستشهد بقوله تعالى: "فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفهمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ"، وغيرها كثير فتاوى بالجملة والمفرّق.

لكن هل يُجيز الإسلام هولوكستاً ضدّ مسلمين وإبادةً ضدّ شعبٍ أعزل أراد أن تكون له سيادته المُستقلّة؟ وما هو صحيح الإسلام في الحرب الدائرة في اليمن؟ ولماذا سكت مُعظم العلماء عن حرق وسلخ الشعب اليمني؟ ونحن لن نصمت بإذنه تعالى، مصداقاً لقول مهجة قلوبنا رسول الله: "مَن سُئل عن علمٍ فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة"، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم من الصحابة والتابعين.

دور علماء الإسلام في إطفاء حرب اليمن عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من اليمن الحكيم سماحة العلاّمة الشيخ شمس الدين محمّد شرف الدين رئيس اتحاد علماء اليمن، موجود بين ظهرانينا، ومن مصر الدكتور محمود سعيد ممدوح الباحث في الفكر الإسلامي والمُفكّر الإسلامي المعروف من مصر الحبيبة.

سماحة الأستاذ السيّد العلاّمة شمس الدين محمّد شرف الدين، وقد وضعت كتاباً "إيضاح وبيان في الرّد على مَن برّر العدوان"، طبعاً أنا جئتُ في المقدّمة على ذكر فتاوى معيّنة تتعلّق بجواز إبادة الشعب اليمني، بمعنى أنّ الهولوكست الذي يُمارَس ضدّكم والإبادة التي تُمارَس ضدّكم هي قرآنية، هي محمّدية، هي صحابية، هي تابعية، أما أنا فدعني فقط أقول عظّم الله أجوركم لما ألمّ بكم في قاعة العزاء في صنعاء وعظّم الله أجوركم لكلّ ما تتلقّونه من قتل وظلامة في اليمن.

ما موقفكم في اليمن من العلماء الذين أجازوا حرقكم وسلخكم وذبحكم وممارسة كل أنواع الإبادة ضدّكم؟

 

شمس الدين شرف الدين: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله اللّهم صلّ وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين. بداية نشكركم كل الشكر على الإضاءة الطيّبة والجريئة على مظلومية الشعب اليمني الذي يعاني الكثير والويلات والِمحَن جرّاء العدوان الظالم والغاشم ما يُسمّى بدول التحالف، التحالف العجيب والغريب ضدّ شعبٍ مسلم ومسالم لم يُعرَف عنه إلا كل خيرٍ. طبعاً نحن تفاجأنا كما تفاجأ الكثير من الناس لهذا العدوان الظالِم، كنا نظن عندما تشتري السعودية الأسلحة وتكدّسها عبر عقود من الزمن أنه من حقّها ذلك، وكنّا نشعر أن هذا من حقّها ومن حقّ الشعوب العربية أن تمتلك أسلحة لتدافع عن نفسها وتمتلك القوة الرادِعة إزاء الصلف الصهيوني الأمريكي في المنطقة. لكن لم نكن نعرف أنّ يوماً من الأيام سيُصَب جام غضب السعودية وسلاحها الذي كدسته لمدة تتجاوز خمسين عاماً على رأس الشعب اليمني.

ما يحزّ في النفس ويبعث على الألم والأسى والأسف كما ذكرتم أنّ هناك صمتاً عربياً وإسلامياً وإن كنا لا نعوّل على مواقف دولية غربية، لأن أكثر ما نعوّل على مَن يعتنق الإسلام ويعرف نصوص الإسلام وكما ذكرتم أن هناك نصوصاً من القرآن ونصوصاً من السنّة الشريفة على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وُظّفت توظيفاً سيئاً وحُرف مسار الرأي العربي والإسلامي إلى منطقةٍ كان من المفترض أن يوجّهوا انتقادهم وامتعاضهم وألمهم وأسفهم على هذه الحرب، ولكنهم برّروا هذه الحرب.

كما قال أمير المؤمنين سلام الله عليه "إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تُبتدع، يتولّى فيها رجالٌ رجال على غير دين الله، فلو أن الحق خلص من لبس الباطل ما خفي عن أعين المرتادين، ولو أن الباطل خلص من مزج الباطل لانقطعت عنه السن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ظفر ومن هذا ظفر فيمتزجان فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو من سبقت له من الله الحسنى".

وظفّوا الأحاديث النبوية، مثلاً قول النبيّ صلوات الله عليه وآله وسلّم: "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، وطبّقوه على أهل اليمن، ووصفوا الرئيس المُستقيل والمُنتهية ولايته وصفوه بأنه رئيسٌ شرعي وأنهم نصروا الشعب اليمني المُستضعَف، ضدّ من؟ ضد الشعب اليمني المستضعف. وظفوا قوله تعالى "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي"، وهذا ما أشار إليه خطيب الحرم في خطبة سمّاها التأصيل الشرعي للتدخّل في اليمن، وأتى ببعض المُبرّرات إن شاء الله نذكروها خلال هذه الحلقة.

 

يحيى أبو زكريا: يقيناً. دكتور محمود سعيد ممدوح، مفكّرنا الإسلامي من مصر، الآراء التي سيقت لتبرير الحرب على اليمن وإضفاء الشرعية على اليمن تذكّرنا بالحرب على روسيا أو الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، عندما استُحضِرت الفتوى للزجّ بشباب العرب في ذلك الجهاد المعتوه الذي انقلب على بلادنا الإسلامية.

أيضاً يذكّرنا باستحضار الفتوى في الذبح في الجزائر وفي مصر وفي سورية وفي العراق أيضاً.

إلى متى تُتّخَذ الفُتيا مطيّةً للسياسات الظالمة والمُعتدية؟ إلى متى يلوك البعض بدين الله لوكاً ويحوّلونه إلى سيفٍ وخنجر وقنبلة حارقة وقذيفة ضدّ عباد الله القائلين لا إله إلا الله محمّدٌ رسول الله؟

 

محمود ممدوح: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله الأكرمين ورضي الله عن أصحابه وعن التابعين، وبعد.

فإنّ كلّ مسلمٍ ينبغي عليه أن يقدّم شريعة الله سبحانه وتعالى على كلّ رأيٍ وقول، وأن لا يقدّم بين يدي الله سبحانه وتعالى ورسوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم.

اتّخاذ الفُتيا طريقاً لتبرير عمل الحكّام هو أمرٌ قديمٌ جداً في الإسلام، وما أشبه الليلة بالبارحة، فكم من عالِم وقف مع يزيد في حياة يزيد وفي بعد يزيد، أمام خروج الإمام، أمام خروج الثقلين في عاشوراء. هذا الذي نلحظه في حياتنا، والذي نلحظه في أوقاتنا إلى الآن، أنّ جماعةً من علماء المسلمين يخرجون بفتاوى لا تليق أن تُنسَب إليهم، ذلك أنّ الفتوى الصحيحة يجب ان تستند إلى أمرين. الأمر الأول هو معرفة الواقع، الأمر الثاني هو تنزيل النصوص الشرعية على الواقع.

أما الأمر الأول، فإنّه ينبغي أن نعرف عبد ربه منصور هادي، هل هو كان رئيساً لليمن؟ هل عبد ربه منصور هادي، هل في السياسة الشرعية يُعتبَر رئيساً لليمن؟ هذا رجلٌ ليس من العلماء، لا من علماء الدنيا ولا من علماء الدين، فكان وجوده أمراً توافقياً تبعاً للمبادرة الخليجية، أما من حيث السياسة الشرعية فإننا نعلم أنّ إمام الصلاة له شروط، وأنّ جابي الزكاة له شروط، وأنّ كلّ عملٍ في الإسلام شرعي له شروط، فهذا عبد ربه لا توجد فيه الشروط أو لا تجتمع فيه الشروط التي تجعله في هذا المنصب رئيساً أو إماماً على المسلمين في هذا المكان.

فكنت أحبّ على الذي ينصره أن يبيّن أولاً، هل عبد ربه منصور هادي إنسانٌ في الشرعية الإسلامية مُستكمِلٌ لشروط الرئاسة أو الإمامة، أريد أن أسأل الذين قالوا بهذه الفتاوى، يقولون هو رئيسٌ شرعي، وهذا لا ينطبق بأيّة صورةٍ من الصوّر على السياسة الشرعية على الإطلاق، هذا لا يصلح للشريعة الإسلامية، وجوده رئيساً للمسلمين في هذا المكان حرامٌ حرام حرام ومخالفٌ للرئاسة، كمن قدّم إنسانًا غير متوضئٍ للصلاة، كمن وافق على إمامة امرأةٍ للرجال في الصلاة، فهذا الرجل وفقاً للسياسة الشرعية، يا علماء المسلمين لا يستحقّ أن يكون إماماً ولا رئيساً على المسلمين.

هذا أولاً والأمر الآخر، سلّمنا أنه رئيس، هو جاء من أجل التوافق للمبادرة الخليجية لمدة سنتين، ثم بعد ذلك انتهت السنتان، حصل مؤتمر الحوار اليمني وكان في هذا المؤتمر آراء تدعو قبل ذلك إلى تفتيت وتقسيم اليمن، والمؤتمر خرج بنتائج منها عدم التجديد لهذا الرجل. بعد ذلك تسابقت الأحداث، وعبد ربه بنفسه استقال من منصبه، فأين هي الولاية الشرعية؟ وأين هي السياسة الشرعية التي تقول إنّ هذا الرجل هو رئيس لليمن؟ أصلاً لا يصلح. ثانياً انتهت مدة رئاسته. ثالثاً هذا الرجل قد استقال، ثم بعد استقالته استقالت الحكومة، فحصل فراغ كبير في اليمن. جزاهم الله خير جماعة أنصار الله خرجوا وتمدّدوا في اليمن محافظةً عليه من الاختلاف، من التشاجر، من التناحر بين الناس، محافظةً على الأمن وعلى الأمان بين المسلمين، فجزاهم الله خيراً.

يقول الحق تبارك وتعالى "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا". أيّ قتالٍ كان هنا؟ من الذي كان يقاتل أنصار الله الذين حافظوا على البلاد؟ عبد ربه منصور هادي طلب بعد وقتٍ، عندما انتقل إلى عدن مستقيلاً، أعاد نفسه بنفسه. يا جماعة العلماء، يا أيها المسلمون، استقال الرجل، انتهت مدته، أعاد نفسه بنفسه في عدن في لعبةٍ كبيرة، طلب من هذا وهذا أن يساعده، ولكن لم يساعدوه، ثم بعد ذلك انطلق إلى عُمان. وهو في طريقه إلى عُمان، أبلِغ بعاصفة الحزم. إذاً هو نفسه لم يستدعِ عاصفة الحزم. يا جماعة المسلمين، ينبغي على الإنسان العالم أن ينظر أولاً في الواقع. هل هذا رئيس أو ليس برئيس؟ هذه أولاً، وثانياً أين خطوات الصلح؟ وخطوات الصلح مع مَن؟ أنا أسأل، هذا رجل قد استقال وانتهت مدته وليست له أية ولاية شرعية على الإطلاق، الصلح مع مَن؟ والكلام يكون مع مَن؟ أمره قد انتهى وأهل البلاد سيطروا على الأماكن وتمدّدوا محافظةً عليها، فجزاهم الله تعالى كل خير.

الذي أحب أن أقوله يا دكتور، اليمن أنا أعرفه تماماً، أعرف أن شمال اليمن هم السادة الزيدية وهي دولة زيدية حافظت على مذهب آل البيت لمدة 1000 عام، من وقت الإمام يحيى ابن الحسين الهادي الحسني عليه سلام الله إلى الإمام أحمد ابن يحيى حميد الدين، 1000 سنة وهي تحكم هذه البلاد، ووقت حكمها لهذه البلاد كان جوارها بتهامة اليمن الشافعية، وهم يعيشون في أمن وأمان واستقرار ووئام ومحبة تامة مع الزيدية.

أما الجنوب وهم الحضارم، فعلى رأسهم العلويون من آل بني علوي من الأشراف الحسينيين وباقي حضرموت، إنما هم محبوهم وأتباع لهم، أيضاً هم مع الزيدية يداً واحدة، فلم يكن في هذه البلاد أي تنازع ولا تشاجر كما يدّعي هذا وغيره.

أقول هنا لقد قرأت كلمة الشيخ الدكتور علي القرداغي وهو رجلٌ مذهبه شافعي، ويدعو إلى القومية الكردية. هذا الرجل يقول: "نحن نؤيّد عاصفة الحزم". أرى أنه لم يطّلع على الواقع ولا يعرف الواقع، ويقول ولكن ينبغي على الطائرات أن تميّز بين المدني والعسكري، بمعنى ما يقول، هذا كلام فارغ.

الله سبحانه وتعالى يقول "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً"، عسكري، مدني، كبير، صغير، رجل، أنثى، ضعيف، قوي، كلام عام، كلام عام يا فضيلة الشيخ، "وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ".

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، سنفصّل أكثر في هذا المُعطى. دعني أعود.

 

محمود ممدوح: يا دكتور، عبد ربه منصور هادي ليس رئيساً شرعياً، هذا أولاً ولا ثانياً ولا ثالثاً.

 

يحيى أبو زكريا: يا دكتور محمود، ألخّص مقولتك على طريقة طلاب المُقرّرات. دعني أقرّر ما قلته. أنت قلت أنّ الرئيس اليمني غير شرعي، انتهت ولايته وبالتالي إعلان الحرب.

 

محمود ممدوح: آسف يا دكتور يحيى، الآن نحن نتحدّث عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مع سادتنا هيئة كبار العلماء في السعودية. هل هذا الرجل تنطبق عليه الشروط الشرعية ليكون رئيساً لليمن؟ يا إخواننا الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه. أجعل أمرأة إمامة تؤمّ الرجال؟

 

يحيى أبو زكريا: اتّضحت الفكرة، وبالتالي ما بُني على باطل فهو باطل، والمناطقة يقولون النتائج من سنخ المُقدّمات فإذا كانت المُقدّمات إلى الحرب خاطئة، يقيناً نتائج الحرب كلها مخالفة للشريعة الإسلامية.

فضيلة العلّامة شمس الدين محمّد شرف الدين، أشار الدكتور الفاضل محمود إلى أنّ اليمن كجغرافية كان فيها تنوّع مذهبي وتآخٍ في نفس الوقت، كانت تتلاقى الأفكار، المذاهب، كان يلتقي الزيدي بالشافعي، وعلم الله وأنا أشهد كقارئ لتاريخ اليمن، كان فيكم الحب والحوار والتلاقي والتزاوج والتناصُح ولم تتحاربوا، بل الحرب جاءتكم من ربما قرن الشيطان.

عموماً الذين يحاربونكم يقولون أنكم مخالفون لأهل السنّة والجماعة، وأنتم زيديّون، أنتم حوثيون، وبالتالي أنتم كفرَة، أنتم خارجون عن دين الله، أنتم لا تمثلون الإسلام، أنتم لا يشملكم الله برحمته، وبالتالي يجب قتلكم، وبهذا انطلقت الفتاوى المذهبيّة ضدّكم. ماذا تقول؟

 

شمس الدين شرف الدين: روّجوا لهذا الأمر منذ أكثر من 40 سنة حين تسرّبت الوهابية إلى اليمن.

 

يحيى أبو زكريا: ولأن لا أقطع كلامك، سأمضي إلى فاصل حتى تكمل الفكرة بأريحية شديدة.

مشاهدينا انتظرونا. سنعود بعيد الفاصل.

 

 

المحور الثاني

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. مَن أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع دور علماء الإسلام الحقيقيين في إطفاء الحرب على اليمن. طبعاً هنالك علماء أشعلوها وزرعوا الفتنة في اليمن وفي كل بلاد العرب والمسلمين.

سماحة العلاّمة الشيخ شمس الدين محمّد شرف الدين، كنت تتحدّث عن التنوّع المذهبي والأخاء، وأنه لم يكُ بين ظهرانيكم صراع، لكن هنالك من كفّركم وجعل ذلك مبرّراً لذبحكم من الوريد إلى الوريد.

 

شمس الدين شرف الدين: كما تفضّلتم أن الشعب اليمني، أهل اليمن منذ أكثر من ألف عام وهم يعيشون حال الإخاء والوئام في ما بينهم، زيدية وشافعية كما ذكر الدكتور محمود سعيد ممدوح بارك الله فيه وهو ضليع وعارف وقد وصل إلى اليمن واطّلع على الشعب اليمني وتعايش معهم وعاش معهم، وهو الآن ربما يحقّق مسند الإمام زيد ابن علي، أشكره على هذه الشجاعة وعلى هذه الصراحة وعلى هذا الموقف الذي يجب أن يقف به كلّ عالِمٍ، كلّ مؤمنٍ، كل حر أبي.

عاش اليمنيون فيما بينهم حالة الوفاق والوئام طيلة هذه الفترة، لكن كما ذكرتم أنه من ذلك المكان الذي تظهر فيه الزلازل والفتن ومنه يطلع قرن الشيطان كما ورد عن رسول الله صلوات الله عليه وآله وسلّم. وهنا نقول ما ورد عن رسول الله ليس مُجرّد تاريخ أو حديث يُتقرَّب به إلى الله بقراءته وحفظه، النبي صلوات الله عليه وعلى آله وسلّم وقف في كل مفترق طريق ليبيّن للناس أين يسلكون وممّن يحذرون، وما يجب عليهم أن يتوجّهوا إليه.

فعندما يقول من ها هنا يطلع قرن الشيطان، في سياق الحديث عن أهل اليمن به دلالة عما سيكون في المستقبل، وما يجب أن يكون عليه الناس آنذاك. هذا تصريح من النبي، عندما حدّث النبي علي ابن أبي طالب عليه سلام الله، "ستقاتل القاسطين والناكثين والمارقين"، وعندما قال لعمّار ابن ياسر عمّار تقتله الفئة الباغية، هو لا يتحدّث هكذا من أجل قضية ربما تحدّث أو عرّاف، هو يريد أن يبيّن للناس صلوات الله عليه وعلى آله وسلّم أن يحذروا من تلك الفتنة التي ستمرّ عليهم.

 

يحيى أبو زكريا: أو بالأحرى هو حكمٌ شرعي مستقبلي.

 

شمس الدين شرف الدين: حكم شرعي ولكن في نفس الوقت تحذير لأنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول في حديث واضح: "ما من شيء يقرّبكم إلى الجنة إلا وقد دللتكم عليه وما من شيء يقرّبكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه". وقال: "تركتكم على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك".

بيّن النبيّ في كل مفترق طرق، حتى في المستقبل إلى أن تقوم الساعة، والنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم حاضرٌ معنا بسنّته، بأقواله، بإرشاداته، كأنه ماثل بين أيدينا يعرّفنا ويعلّمنا، كونوا مع هذا واتركوا هذا.

ذكرتم التعايش السلمي والوئام في الشعب اليمني، لمّا جاءت هذه الفتنة الوهابية، حيث زرعت الشقاق والنفاق في الشعب اليمني، بذلت الأموال الطائلة، عندما نسمع أنّ أكثر من ثلاثة مليار وخمسمئة مليون دولار سنوياً تُوزَّع للمشايخ وللضبّاط وللقادة وللسياسيين والوجهاء في اليمن من أجل التهيئة لنشر المذهب الوهّابي في اليمن، هذا جانب.

الجانب الثاني، هناك أكثر من عشرة ملايين ريال سعودي شهرياً توظّف في ما يُسمّى بمحاربة الرفض، وصفوا أهل اليمن بأنهم روافض ووصفوا أهل اليمن بأنهم مجوس، وخطبوا، هكذا قالوها في خطبة جمعة، "إنّ أهل اليمن يربطون الكلبة على أنها أم المؤمنين عائشة ثم يرجمونها"، ويربطون الكلب على أنه أمير المؤمين عمر ابن الخطاب ويرمونه بالحجارة حتى الموت"، أي يقتصّون منه.

كذبوا على أهل اليمن، أهل اليمن ليسوا مجوساً، أهل اليمن ليسوا روافض. الروافض هم مَن رفضوا الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر والجهاد في سبيل الله، الذين خنعوا إلى الدنيا.

عندما تحدّث الدكتور محمود ممدوح، يتحدّث عن رئيس شرعي، متى يكون الرئيس شرعياً؟ رئيس يحكم على العلماء وعلى القضاة وعلى عامة الناس ولحفظ بيضة المسلمين، ما شرط هذا الرئيس؟ كيف يكون هذا الرئيس؟ ما هي شرائط الرئيس المُعتبرة شرعاً حتى يكون الرئيس رئيساً؟

أولئك العلماء الذين وقفوا في صف هذا الرئيس حتى من علمائهم كانوا قبل ذلك قد وصفوه بأنه الرئيس الخائن، ولعلكم لو اطّلعتم على برنامج بثته قناة الجزيرة سُمّي بالصندوق الأسود، قالت قناة الجزيرة في برنامج الصندوق الأسود، تحدّثوا فيه عن خيانة هذا الرئيس وأنه سبب لسقوط الكثير من المدن بأيدي خصومهم، وخرجوا في تظاهرةٍ ووصفوه بأنه خائن ولا شرعية له، والآن يصطفون حوله ويسمّونه رئيساً شرعيًا، الرئيس الشرعي الذي لا يُجيد قراءة الفاتحة بل لا يُجيد تركيب الكلمة أو أداء الكلمة بتركيبها اللغوي الصحيح المستقيم.

إذاً إنّ كثيراً من أهل اليمن بل كثيراً من العرب يستحيون عندما يصعد هذا الرئيس على الكرسي ليتحدّث بوسائل الإعلام، يستحيون عندما يتحدّث وهو يكسّر اللغة العربية فضلاً عن القرآن فضلاً عن علمه بالشرع وما يجب وما لا يجب، فضلاً عن أنه عندما انتُخِب رئيساً لم يُنتخَب في أجواء تنافسية كما يقول الديمقراطيون، وإنما انتُخب وأتت به المبادرة الخليجية لسنتين، انتهت السنتان ومدّد لنفسه عاماً كاملاً ثم انتهى هذا العام ثم قدّم استقالته وطُلِب منه أن يبقى حتى تتم الترتيبات، لكنه رفض وقدّمت الحكومة استقالتها ليبقى اليمن في فراغٍ سياسي، ليحصل التناحُر والتقاتُل بين أبناء الشعب، ويحصل السلب والنهب للمؤسسات الحكومية ومؤسسات الدولة، لكن الحمد لله كما وصف النبيّ أهل اليمن بأنّهم أهل حكمة استطاعوا أن يبقوا الأمر على ما هو عليه.

 

يحيى أبو زكريا: أذكّرك بمقولةٍ للحسين ابن علي يوم الطف عندما قال لقاتليه: "يا أمّة السوء"، ويبدو أنّ أمّة السوء هذه ما زالت قائمةً في يوم الناس هذا، في تاريخ الناس هذا.

دكتور محمود، يبدو أنّ اللعبة باتت واضحة. مبدئياً استحضر الفتاوى، ثانياً نجّس قوماً، ثالثاً أعلِن الحرب عليهم. اليمنيون زيديون روافض أنجاس مجوس، وبالتالي نستطيع أن نحرّك آلة الحرب ضدّهم. السوريون علويون نصيريون، أعلن الحرب عليهم. العراقيون روافض يتشبّثون بأهل البيت عليهم السلام، إذاً شُنّ الحرب عليهم.

إلى متى أنتم، أنتم يا علماء أهل السنّة والجماعة، تسكتون على سرقة إرثكم؟ إلى متى تسكتون عن سرقة الأوزاعي والجنيد البغدادي وأبا حنيفة ومالك وأحمد ابن حنبل ومحمّد ابن إدريس الشافعي، يُسرَق تراثكم ويُسخَّر للقتل والعدوان والطغيان والإثم والإفك والنجاسة والعدوان؟

 

محمود ممدوح: سيّدي الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوّره، للأسف العلماء الذين قاموا وطلبوا قتل أهل اليمن، وطلبوا تدمير بيوتِهِم ومؤسّساتهم، وهدموا القبور، وهدموا المؤسسات العلمية، وهدموا الجامعات، وتعدّوا على الأطفال وعلى النساء، مذابح، كربلاء يومياً، لأنّ هذه المنطقة فيها تقريباً أكبر عددٍ من الهاشميين في العالم، فهذه المنطقة يُذبَح أهلها كلّ يومٍ، كربلاء جديدة في كلّ يوم.

الذي حدث يا سيّدي أنّ العلماء الذين تكلّموا، الله أعلم، العالم في عُرف الشرع هو المجتهد، هؤلاء الذين تسلّموا هذه المناصب وقالوا عنهم علماء، للأسف الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والله يا أخي أنا أكاد أن أقطع أنهم لا يعرفون الزيدية ولا يعرفون زيدًا ولا القاسم الراسي ولا يحيى ابن الحسين الهادي ولا مذهب الإمام زيد، كيف يتناقلون الإمامة في ما بينهم ويحافظون على الإمامة وما هي شروط الإمام وما هذا التراث العظيم وهؤلاء الذين حافظوا وهؤلاء الذين أدخلوا الإسلام في الجبل والديلم، وهؤلاء الذين حافظوا على فقه أحمد ابن عيسى في الكوفة، وهؤلاء الذين حافظوا على فقه آل البيت في اليمن 1000 سنة، إلى وقتنا هذا.

أظنّ أن هؤلاء لا يعرفونهم، يتحدّثون عنهم من دون معرفة. يا سيّدي، مؤتمرات التقريب يحضرها جماعة، مَن يحضر هنا يكفّر هذا ومَن يحضر هنا يكفّر هذا، هذا لا يعرف عن هذا شيئاً وهذا لا يعرف عن هذا شيئاً، الذين أفتوا بالتكفير والذين أفتوا بالحرق والذين أفتوا بالقتل لا يعرفون شيئاً عن هؤلاء.

يا أخي المذهب الزيدي مذهب عظيم مُنتسب إلى آل البيت انتساباً صحيحاً صحيحاً صحيحاً وكتبه عظيمة، وخرج منه عالِمان، خرجا من الزيدية ودخلا عند أهل السنّة، أقول دخلا علمياً، وعندما دخلا سيطرا سيطرةً تامة على جميع رسائل وأطروحات وكتب أهل السّنة، وهما العلاّمة القاضي محمّد ابن علي الشوكاني، والعلاّمة المُجتهد الذي لم يترك المذهب الزيدي السيّد محمّد الأمير الصنعاني.

مثالان صغيران من هؤلاء الناس، فما بالك بالأئمّة الكبار العظام الذين صنّفوا في علم الكلام وفي الفقه والتفسير والأصول. يا أخي، نحن لا نعرفهم ولا نعرف مذهبهم ولا ندرّسه ولا درسناه دراسةً صحيحة. كيف نكفّرهم؟ نكفّرهم من أمرين، من الجهل ومن السياسة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، وبالمناسبة الشوكاني والصنعاني هما مرجعان كبيران حتى لأتباع المدرسة الوهّابية للأسف الشديد.

 

محمود ممدوح: صح، نعم، أقول لك دخلا الأزهر كما يقول وربّعا ولم يخرجا، دخلا الجامعات السعودية وربعا ولم يخرجا، دخلا في باكستان، في الهند، في المغرب، في كل مكان، عالمان ليسا من أكبر العلماء ولكن هذا مثال لطريقة تفكيرهم وطريقة معرفتهم.

يا سيّدي، المذهب الزيدي هو مذهبٌ منتسِبٌ إلى آل البيت انتسابًا صحيحًا، وحافظ على الاجتهاد، والإمام ينبغي أن يكون مجتهدًا. أقول لك الإمام العلامة المجتهد الأجل الجليل سيدي يحيى بن حميد الدين طلبه رجلٌ من آل الوزير وقال له بعد أن كان إماماً، الإمام يحيى، قال له أنا أحقّ بالإمامة منك، أنا أعلم منك، فماذا فعل الإمام يحيى ابن حميد الدين؟ خرج وجلس معه وتناظر معه في وسط العلماء، لأنّه لا ينبغي أن يؤمّ هؤلاء إلا عالماً بل أعلم آل بيت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم. وقرّر العلماء استبقاء الإمام يحيى ابن حميد الدين إماماً على آل بيت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم.

هذه هي الإمامة. للأسف نحن لا نعرف ذلك. بعد ذلك يأتي إلينا فلانٌ وعلان يحكمنا. عبد ربه منصور هادي، مَن هذا؟ في السياسة الشرعية لا يجوز يا اتحاد علماء المسلمين، لا يجوز يا علماءنا الأفاضل.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، عندما تقرأ صفات المفتين سابقاً، ابن أبي ليلى عندما يقول كنت إذا استُفتيت في أمر كانت فرائصي ترتعد، وآخر كان يقول جنبوني الفتيا، كان الله يصنع الفتيا، استحضار الله، الخشوع من الله، الخطأ في نسبة شيء خاطئ إلى الله.

أما اليوم الدولار له بريقه والعملات الصفراء والبيضاء لها بريقها، فتصنع فتاوى ما شاء الله، حسبما يريده الاستكبار العالمي والطغيان العربي، لعن الله الدولار والريال وكل عملات العالم.

أرجو أن تبقى معي سماحة الشيخ الدكتور محمود.

سماحة الشيخ العلاّمة شمس الدين محمّد شرف الدين، رئيس رابطة علماء اليمن، يبدو أنّكم لم تقوموا بما ينبغي في التصدّي للجبهة العلمائية التي قامت ضدّكم. الذين كفّروكم وزندقوكم وأجازوا ذبحكم من الوريد إلى الوريد كثر، أسماء لامعة في الفضائيات الإسلامية ما شاء الله الضلالية، منابر، منبر رسول الله، قبل قليل كنت تتحدّث عن فلان الذي أجاز ذبحكم في الحرم المكّي من كعبة إبراهيم، من مقام إبراهيم، أجيز ذبحُكُم، أنت جنابك كتبت إيضاحاً وبياناً في الردّ على مَن برّر العدوان.

ألا نحتاج إلى أكثر من هذا؟ تحريك العلماء الساكتين، تحفيز العلماء المُنعزلين، الدفع باتّجاه إصدار فتاوى في خط طنجة جاكرتا من المغرب العربي إلى المشرق العربي إلى حيث يوجد الإسلام في القارّات الخمس؟ لا بدّ من أن تتحرّكوا، هل قمتم بذلك؟

 

شمس الدين شرف الدين: سعينا جهدنا والحمد لله قدر المستطاع. أنتم تعرفون أن خصومنا وأعداءنا يملكون ماكينة إعلامية ضخمة هائلة جداً واستحدثوا قنوات إبّان الحرب ربما أكثر من مئة قناة، كلها تصبّ في تزييف الوعي العالمي، وبالأخصّ الإسلامي، لا سيما العلماء منهم، اشتروا المؤسّسات العلمائية كاتحاد علماء المسلمين ومنظمة التعاون الإسلامي، سمعنا هيئات علمائية من هنا وهناك تعزّي الجلاّد والقاتل والباغي الذي أصيب في حروبه ضدّ اليمن، ولا تعزّي أهل اليمن بمصابهم الجلل. حتى اللحظة، المجزرة الأخيرة التي وقعت في الصالة الكبرى أو القاعة الكبرى في صنعاء إبّان العزاء، لم نسمع مَن يُعزّي، لم نسمع من العلماء، من المؤسسات العلمائية لاسيما في الأزهر الشريف وفي غيره من المؤسسات مَن يشجب ويُدين هذه الجرائم البشعة التي تُرتكَب بحق إخوانهم، أقول الشعب اليمني. النبي يقول: "الإيمان يمان"، سمعتم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: "الإيمان يمان" وهؤلاء يقولون مجوس وروافض. مَن تصدّقون، تصدّقون النبي أم تصدقون هؤلاء؟

 

يحيى أبو زكريا: علماء الإسلام يعزّون أمريكا وفرنسا وإسبانيا، لا يوجد علماء إسلام، يوجد علماء دولار للأسف الشديد.

 

شمس الدين شرف الدين: دعني أذكر هنا قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو يقول لأصحابه: "خذوا العطاء ما كان عطاء"، نحن نعرف لماذا السكوت، نعرف لماذا السكوت والتغاضي، خذوا العطاء حتى مؤسسات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، الذين يتقاضون أموالاً ورواتب ومغريات وبدلات سفر ومنح من السعودية، وهبات وعطاءات من السعودية، نحن نعرف، خذوا العطاء ما كان عطاء، فإذا كان رشوة في دين الله فلا تأخذوه، يمنعكم الفقر والحاجة، إلا وأن رحى الإسلام ستدور، إلا وأن الصلبان والقرآن سيفترقان فدوروا مع القرآن حيثما دار. قالوا كيف نصنع يا رسول الله. قال كونوا كأصحاب عيسى، نشروا بالمناشير ونصبوا على الخشوب، موت بطاعة الله خيرٌ من حياةٍ في معصية الله، عندما تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى.

اليوم تخافون من أن تمنعكم السعودية من الحجّ او العمرة، تخافون أن تنقطع عطايا السعودية وهبات السعودية. خافوا الله سبحانه وتعالى لأنّ الله تعالى هو الرزّاق ذو القوة المتين، والنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: "لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها فأجملوا في الطلب فإنه لا ينال ما عند الله بمعصية الله". هناك أرواحٌ تُزهَق، هناك دماءٌ تُسفَك، بيوتٌ تُدمَّر على رؤوس أهلها. أما تسمعون قناة العربية والجزيرة وغيرها من القنوات وهي تقول قوات التحالف استهدفت منزل قيادي حوثي؟ هذا المنزل كأنه كوقعة على محارة تسير معه حيثما سار، تذهب معه حيثما ذهب، لا يسألون أنفسهم هل يوجد في هذا المنزل الطفل والمرأة والشيخ المُسنّ والعجوز وله الجيران والمارّة من حوله؟

تقصفون الأسر، تبيدونها عن بكرة أبيها، تجتثّونها من جذورها لا يبقى لها وارث ولا باقي. هل هذا هو الدين الذي تحملتموه؟ هل هذا هو الإسلام الذي انتسبتم إليه؟ تسمعون وتشاهدون وأنتم تقرأون قول الله تعالى: "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا"، هل مارستم هذه العملية، عملية الصلح؟ "فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ". هل كلّفتم يا علماء المسلمين أنفسكم يوماً من الأيام أن تأتوا إلى اليمن لتسمعوا من الطرف المُعتدَى عليه المظلوم والمبغي عليه؟ هل سمعتم آلامه؟ هل سمعتم أحزانه؟ هل سمعتم صراخه؟ تتفرّجون وتتقاضون الرواتب وأنتم تزعمون أنكم علماء، وأنتم يوم القيامة مسؤولون بين يدّي الله عن علمكم، وماذا عملتم به. أما سمعتم قول نبيكم صلّى الله عليه وآله وسلّم والله للزبانية الكرام أسرع منهم إلى حملة القرآن منهم إلى عبدة النيران والأوثان، لأنهم خالفوا كتاب الله وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

 

يحيى أبو زكريا: إلى الله المُشتكى. اللّهم انتقم لليمن. اللّهم انتقم لليمن. اللّهم انتقم لليمن.

دكتور محمود، هل لنا أن نشكّل جبهة علمائية من العلماء الصادقين الربّانيين، الذين يستحضرون المثول بين يدّي الله، ويسألهم عن كلّ صغيرة وكبيرة، ويقولون ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فنسحب الشرعية من العدوان والطغيان، ونقدّم الإسلام الصحيح الذي يدعو إلى التلاحم، إلى الحوار، إلى التآخي، إلى الصلح، إلى المصالحة وما إلى ذلك؟

 

محمود ممدوح: الحقيقة يا أستاذ يحضرني الآن موقف، عندما كان طالبان يحكمون في أفغانستان وأرادوا أن يهدموا الأوثان أو التماثيل التي كانت في جاهليتهم، ماذا فعل رئيس علماء اتحاد المسلمين الدكتور يوسف القرضاوي؟ جاء بجماعةٍ من أصحابه وذهبوا إلى أفغانستان ليمنعوا ضرب أو تدمير هذه الأوثان.

أقول لهم، يا إخواني الكرام، إجمعوا أمركم على رجلٍ واحد واذهبوا إلى إخوانكم في اليمن واستمعوا منهم. أقول لإخواني العلماء هنا وهناك، وأقول لأصحاب الرابطة الإسلامية ومجلس التعاون الإسلامي والجمعيات الإسلامية المُتناثرة هنا وهناك، لماذا لم تذهبوا إلى اليمن وتسمعوا من اخوانكم؟ لماذا توافقون على هذه المجازر الرهيبة؟

أقول لهم هذا لا ينبغي أن يكون، قد ذهبتم من أجل التماثيل وقطعتم المسافات الطويلة من أجل التماثيل، ومن أجل المحافظة على التماثيل، ألا يليق بكم أن تذهبوا إلى مواطن السادة الهاشميين، وتقفوا معهم وتسمعوا منهم؟ ألا يليق بكم أن تذهبوا إليهم وتمنعوا هذه الغارات عليهم؟ ألا يصحّ لكم أن تحقّقوا قول الحق تبارك وتعالى "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا"؟ أين الصلح؟ أين الصلح؟ تركتم الصلح لغير المسلمين تحت مظلّة الأمم المتحدة وتحت مظلّة اليونيسكو وتحت مظلّة هذا وهذا، وأنتم علماء الأمة يجب عليكم أن تتحرّكوا.

يا شيخ محيي الدين الكرداجي، يا دكتور فلان، يا سيّدي فلان، اذهبوا إلى إخوانكم وقفوا معهم، فإنهم إخوانكم في العقيدة، إخوانكم في الدين. يا أهل الأزهر، يا أهل القرويين، يا أصحاب فاس، يا أيها المسلمون في ندوة العلماء، يا مفتي القدس، أوقفوا هذه المذابح، لا يليق لنا أن تكون بيننا هذه المذابح. إخوانكم في اليمن يُقتَلون ويُذبَحون بيد إخوانهم. إخوانهم ربما قد غُمي عليهم، أو لا يعرفون. عرّفوا هذا وذاك، أصلحوا بينهما، هذا الذي ينبغي أن يكون. ينبغي أن تذهب جماعات من المسلمين إلى هؤلاء الناس ويسمعون قولهم ويسمعون رأيهم ويتفهّمون لوجهات نظرهم وينقلون هذا للعالم، أم يتركون هذا للعسكريين، هذا يريد أن ينتصر والسياسي له وجهة نظر وكل هذا لا يليق إطلاقاً.

الله سبحانه وتعالى يقول:"وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ"، أمر عظيم من الله سبحانه وتعالى، وغضب الله عليه  ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، وأذكّر بقوله تعالى: "وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ"، "وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ"، ويلٌ لمن زوّر، ويلٌ لمن حرّف.

سماحة العلاّمة الشيخ شمس الدين، أريدك أن تقيم الحُجّة على المسلمين. من جهتي إني أبرأ إلى الله من ذبحكم ومن قطع رقابكم من الوريد إلى الوريد. ما الذي تقوله لعلماء الإسلام وللمسلمين في الختام؟

 

شمس الدين شرف الدين: أقول ما قال الحق سبحانه وتعالى، هم يقرأونه ليلاً ونهاراً، "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ". أقول لهم ما قال الحق سبحانه وتعالى "الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيباً".

على الجميع أن يضطلع بالمسؤوليات المُلقاة على عاتقه، وأن يرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى. اليوم دنيا وغداً آخرة، وهم موقوفون بين يدي الله سبحانه وتعالى، ولديهم ما يمكن أن يدخلهم الجنة، وما يمكن أن يدخلهم النار، ولكن بأولوية عندما يسكتون عن الإعلان والتصريح بكلمة الحق. ربما سمعتُ يوماً من الأيام أنّ هناك فتوى من أحد مشايخ الأزهر اعتبر الجنود الإمارتيين الذين قتلوا في اليمن بُغاة وليسوا شهداء، لأنّهم مُعتدون على الشعب اليمني.

 

يحيى أبو زكريا: وهو الشيخ الدكتور أحمد كريمة والفتوى صحيحة.

 

شمس الدين شرف الدين: لكننا سمعنا في ما بعد أنه تنصّل عنها ونفى أن تكون صادرة منه وهذا ما يبعث أيضاً على الأسف وعلى الألم، وظلم ذوي القُربى أشدّ مضاضة على المرء من رفع الحسام المهندي كما يُقال.

 

يحيى أبو زكريا: لكن سماحة العلاّمة الشيخ شمس الدين، ربُّك بالمرصاد، ربُّكَ يُمهِل ولا يُهمِل، وإنّ يوم المظلوم على الظالم أشدّ من يوم الظالم على المظلوم، قالها أمير النحل.

شكراً جزيلاً لك، قواك الله، تحياتي للشعب اليمني العملاق الذي أحبّ، نصره الله، وفقكم الله، سماحة العلاّمة الشيخ شمس الدين محمّد شرف الدين شكراً جزيلاً لك.

الدكتور محمود سعيد ممدوح القائل بالحق، الباحث الكبير، المحقّق الكبير، شكراً جزيلاً لك، كنت معنا من مصر التي نحب.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

حيّاك الله وبيّاك.