بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الروائية الجزائرية حنين عمر

تأثرت صغيرة بالشاعر الراح نزار قباني ، درست الطب ومالت لكتابة الشعر حتى أنها جربت حظها في مسابقة برنامج "شاعر المليون" ، حنين عمر الشاعرة الجزائرية المثيرة للاعجاب والجدل في بيت القصيد.

زاهي وهبي: مساءُ الخير. تمثّل ضيفتنا جيلاً جديداً من الكاتبات الجزائريات اللواتي كنَّ دائِماً في طليعة المُبدعات العربيات الساعيات إلى ترسيخ حضورهنّ في المشهد الإبداعي العربي، وهي إذ تنوّع بين الشعر والرواية والمقالة، فإنّ صفة الشاعِرة تظلّ أكثر التصاقاً بها خصوصاً وأنّ إطلالتها العربيّة الأوسع كانت من خلال برنامج أمير الشعراء الذي أطلق عدداً من الأسماء في فضاء العرب. تكتُب ضيفتنا قصائِد حبٍّ وحنينٍ وتغمس ريشتها في محبرة الوجع المُمتدّ من مُحيطنا إلى الخليج، وقد استطاعت بدأبها ومثابرتها أن تُصنَّف بين نساءٍ عربياتٍ مؤثّرات. "بيت القصيد" يفتح أبوابه الليلة لمبدِعةٍ عربيّةٍ شابّة هي الدكتورة الشاعِرة والروائية الجزائرية "حنيـن عمـر"، أهلاً وسهلاً

حنيـن عمـر: أهلاً بك أُستاذ، أهلاً

زاهي وهبي: شرّفتِ "بيت القصيد"

حنيـن عمـر: الشرف لي، وأهلاً بكلّ مُشاهدينا

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً. قبل أن نُشاهدكِ في ربورتاج بعنوان "علامة فارِقة"، حضرتكِ درستِ الطبّ وليس الأدب لماذا؟

حنيـن عمـر: كثيرون من الشعراء والأُدباء على مرّ العصور كانوا أطبّاء، وأعتقد أنّ مهنة الطبيب مهنة نبيلة ومهنة تجعلنا قريبين جداً من الألم ومن الإنسان في أضعف حالاته، وبالتالي هي تمنحنا أُفقاً أوسع لنغوص في عوالِم الفلسفة وتُعطينا ذلك الدفق الجميل، الإحساس بالآخر وهو ضروري لكتابة الشعر

زاهي وهبي: إذاً مساحة الألم، الاقتراب من الألم، التماس الدائِم مع الألم هي القاسم المُشتَرَك بين الأطباء والشُعراء؟

حنيـن عمـر: بالضبط. أعتقد أنّ هذا هو السرّ، سرّ وجود كثير من الأطباء في عوالِم الشعر والأدب

زاهي وهبي: نعم. خصوصاً وأنّه كما تفضّلتِ نعرف كثيراً من الأطباء الذين أصدروا كتباً شعرية أو نثرية من خواطر ووجدانيات إلى آخره. أولاً دعيني أبدي إعجابي بثوبك هذا ثوب تقليدي جزائِري؟

حنيـن عمـر: هو ثوب عربي محض، ليس جزائرياً ولكن يُشبه كثيراً الجزائِري، ولدينا في "الجزائِر" سلسلة متنوعة من الأثواب التقليدية الرائِعة جداً، أطللت فيه في "أمير الشعراء" من قبل وأنا أحبه جداً، أحبّ أن أرتديه لكن لأنكم دعوتموني من "الأُردن" لم أستطع أن أُحضرَ واحداً

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً بك في كلّ الحالات. دعينا نُشاهدكِ معاً في فقرة "علامة فارِقة"

علامة فارِقة:

حنيـن عمـر:

— "حنين عمر" اسمٌ اختارني أعتقد، هو اسمٌ حزين وكثيرٌ من الناس لا يحبّونه لكنني أُحبه

— جنسيتي "جزائرية" وأنا فخورةٌ بذلك ولكنّي أعتقد أنّه على الشاعر أن ينتمي لكلّ بلدٍ يُحبّه وإلاّ لن يكون شاعراً

— أنا طبيبة وشاعِرة، أحبّ أن أُسميها "امرأةٌ تكتب"

— ورثتُ عن والدي طيبته، والدي شخصٌ طيِّب ومُسامح، وورثت عن والدتي قوّة شخصيتها وهي صفةٌ أعتزّ بها لأنّ المرأة في المُجتمع الشرقي يجب أن تكون ذات شخصية، يجب أن تكون قويّة لتستطيع أن تستمرّ كما تريد طبعاً، تستمرّ كما تريد هذا هو المهم  

— على الإنسان أن يُجرِّب دائِماً أشياء جديدة، كنتُ صغيرةً حينها، و"أمير الشعراء" كان تجربة مفيدة جداً غيَّرت لي حياتي

— أنا عفويّة لأني صادِقة، الصدق مهمّ لكتابة الشعر. أعتقد أنّ الشاعِر الذي لا يقرأ لا يستطيع أن يكتُب، ليس فقط الشاعر، حتّى الروائي. الذي لا يقرأ لا يستطيع أن يكتُب وأنا أقرأ كثيراً، أقرأ منذ طفولتي، إدمان

— لستُ قلقةً على اللغة العربيّة بل قلقة على الهوية، ولأنّ اللغة هوية فعلينا أن نقلق جميعاً على هويّتنا

— هذا التقليدي الأمازيغي، هلّ رأيت كم هو حلو؟  هذه "مليكة" من منطقة "الأمازيغ"، من منطقة "أمازيغ الجزائِر" ترتدي طبعاً الزيّ الأمازيغي. يمكِن أن تلاحظوا الجواهر الفضّية، يمكن أن تلاحظوا الحضارة كاملة وهي ترتديها والعيون الحلوة أهمّ شيء

— أعتقد أنني أكتُب قصيدة "الفلسفة" على عكس الكثير من الشاعرات، الشاعرات عادةً يتّجهن َ إلى الغزل لكن قصائِدي الغزلية قليلة جداً، قليلة بحكم السنّ! (تضحك) بحكم التجربة، بحكم القراءات

— أعتقد أنني شاعِرة نكديه بامتياز (تضحك)

— أكثر شعوري الذي يحثّني على الكتابة هو الحُزن بالتأكيد، ليس لأنّ العالم حزين جداً ولكن أيضاً لأنني أؤمن أنّه حينما نكون سعداء علينا أن نعيش السعادة وألاّ نكتبها، أو نكتبها بعد أن نعيشها

زاهي وهبي: سنعود إلى عدد من الإشارات التي أدليتِ بها ولكن في البداية، ما الذي أتى بكِ إلى الشعر؟

حنيـن عمـر: الصدفة

زاهي وهبي: كيف؟

حنيـن عمـر: كنتُ ابنةً وحيدة لوالداي وكان من الضروري أن أجد شيئاً أتسلّى به، لم يكن لديّ إخوة لألعب معهم مثل الأطفال الآخرين ولم يكن يُسمح لي بالخروج من المنزل، وكان هناك مكتبة كبيرة جداً في منزلنا

زاهي وهبي: نعم، في أية مدينة نشأتِ

حنيـن عمـر: أنا وُلِدت في "وهران"، هي مدينة ساحلية على البحر ونشأت في "الجزائِر" العاصمة

زاهي وهبي: نعم، كان عندكم مكتبة كبيرة في البيت

حنيـن عمـر: جداً في بيتنا، فهي خليط بين مكتبة والدي الفرنسية ومكتبة والدتي، فكنت أقرأ باستمرار إلى حدّ أنّني أعتقد كنت أكثر طفلة تقرأ في العالم. أرسوا في مرّة استدعاءً لوالدتي لأنني كنتُ أستعير عشرة كُتب من المكتبة وأُعيدها في اليوم التالي. بدأ الموضوع في القراءات ثمّ وجدتُ كتاباً كان يضمّ مُختارات شعرية، كان فيه "نزار قباني" و "السياب" و"محمود درويش"، كثيرون كانوا في المُختارات، كان كتاباً زهرياً، صعدت على المكتبة وأخذته ووقعت وتعرّضت لجرحٍ كبير ونزيف كبير أيامها، لكنّي سُعِدتُ جداً بالتعرّف على الشِعر الحديث. كنتُ أقرأ قبلها شعراً قديماً

زاهي وهبي: شعر تقليدي

حنيـن عمـر: كان موجوداً في مكتبة والدتي، لكن الشعر الحديث أو شِعر التفعيل الذي اكتشفته لحظتها جعلني أشعُر بأنني أرغب فعلاً في أن أصنع شيئاً مُشابهاً وهكذا بدأت قصّتي مع الشِعر

زاهي وهبي: إذا بدأت بجرح، جرح فعلي في الجسد، هلّ ترك الشعر أو هلّ يترُك الشعر جروحاً من نوعٍ آخر في الروح؟ في الوجدان؟

حنيـن عمـر: هو لا يترُك جروحاً، هو يسلِخ تماماً، يسلِخ الحقيقة الإنسانية السطحية لتُصبِح أعمق، ليرى الناس ما تحت جلدك. كثير من الناس يعيشون ولا نعرِف ما تحت جلودهم لكن الشعر مكشوف أمام الناس، في عواطفه مكشوفاً، في علاقاته مكشوفاً، كلّ ذلك موجود على الورق

زاهي وهبي: نعم. إذا طلبت أن تذكري لي اسماً أو اسمين أو ثلاثة أنتِ مدينةٌ لهم بشكلٍ أو بآخر، من الكُتّاب، من الكُتُب، سواء بلغتكِ العربية ونعرِف أنّ هذه كانت تواجه الجزائريين في يوم من الأيام بفعل الفرنسة أو بهذا الحبّ للشعر واتقانه؟

حنيـن عمـر: ثلاثة شعراء، أعتقد أنني أولاً يجب أن أذكر فضل الكبير "نزار قبّاني". تربّيت في المدرسة الجماهريّة لا أُنكر ذلك، تربّيت على القصائِد التي غنّاها الأُستاذ "كاظم الساهر" وعلى قصائِد الأُستاذ "نزار " التي كنت أقرأها. كنتُ أطلب من والدتي كمكافآت عن علاماتي الدراسية، كنتُ أطلب كتباً لـ "نزار قباني"، دواوين أملكها جميعاً في سنٍّ مُبكّرة 

زاهي وهبي: دارت الأيام وغنّى لكِ الأُستاذ "كاظم الساهر" إحدى القصائِد سنتحدث عنها ولكن هلّ سمحت لكِ الظروف بلقاء مُباشر مع "نزار قبّاني"؟

حنيـن عمـر: للأسف، توفّيَ عام 1999 وكنتُ بعدها طفلة، لم أستطع أن ألتقيه، لكنّي لأعتقد أنني التقيته كثيراً

زاهي وهبي: على الورق

حنيـن عمـر: كان موجوداً في حياتي على الورق، كان شخصاً أساسياً في حياتي

زاهي وهبي: ما الذي استدعاكِ في عالَم "نزار قبّاني" الشِعري؟

حنيـن عمـر: قد أستطيع أن أُفسِّر ذلك بكون الكتابة "النزاريّة" أو المدرسة الجماهيرية تتميّز بكونها مدرسة بسيطة وقريبة من الجميع، قريبة من الأطفال، قريبة من الإنسان البسيط

زاهي وهبي: مدرسة السهل المُمتنِع يمكننا تسميها

حنيـن عمـر: بالضبط. فمن السهل على طفلة في التاسعة أن تفهم ما يقوله "نزار قبّاني"، وبدأت علاقتي به في قصيدة

زاهي وهبي: ولكن عالمه جيّاشٌ بالعاطفة والأحاسيس أيضاً، في الكلام عن المرأة وجسد المرأة ومفاتن المرأة. كيف كان تفاعُل طفلة مع هذا العالم؟

حنيـن عمـر: عكس ما يعتقِد كثيرون، "نزار قباني" علّمني أن أكون امرأة فاضِلة. تعلّمت في قصائِده كيف أحترِم نفسي وأحترِم أُنوثتي وأكون شخصية قوية، هذا مُهمّ في العالم الشرقي. على العكس، أنا لم أتعلّم من الأُستاذ "نزار" أبداً أيّ شيء مما يُلصق به من تُهَم. لقد تعلّمت لديه أجمل الفضائِل وكيف تكون المرأة قوية وذات أخلاق وتفرِض احترامها على هذا الشرق الذي غالباً لا يحترِم المرأة

زاهي وهبي: لأنّ غير المعجبين بتجربة الشاعِر الكبير "نزار قباني"، ولا شكّ في مكانته الكُبرى في الشعر العربي، يقولون أنّه بنى مجداً من نهود النساء وأجساد العذارى وكلاماً من هذا النوع

حنيـن عمـر: طبعاً، لا أُريد أن اُهاجِم أحداً ولكن كلمة الحقّ يجب أن تُقال. عندما تقرأ الشِعر فأنتَ لا تقرأ الحقيقة، أنتَ تقرأ البلاغة، نحن نقرأ البلاغة، فعندما تأخُذ المعنى السطحي للأشياء فهذا يعني أنّ هؤلاء سطحيون لم يفهموا حقيقة ما كان يقول الأُستاذ "نزار". هناك دائِماً معنىً أعمق داخِل أيّة قصيدة يجب أن نبحث عنه. عندما يقول الأُستاذ "نزار" أنه فعل وهذا وهذا يقول ذلك في قصيدة "يوميات رجل مهزوم". هنا هو يرينا العكس، يرينا الرجل المهزوم وكيف يُفكِّر

زاهي وهبي: عكس الصورة الذكورية الشائِعة

حنيـن عمـر: بالضبط، هو لا يرينا الرجل المُنتصِر، هو يُعطي مثالاً عن الرجل المهزوم. يجب أن نقرأ القصيدة في سياقها ومن عنوانها. هناك قراءة نقدية عميقة يجب أن نراها

زاهي وهبي: لماذا ذكرتِ في "علامة فارِقة" أنّكِ لم تكتبِ كثيراً من شِعر الحبّ والغزل وتميلين إلى نوعٍ آخر فلسفي من الشِعر. ما المانع أن تكتبي شعر حبّ وغزل؟

حنيـن عمـر: لا يوجد مانِع أبداً. أنا أكتُب كلّ ما أُريد لكن كلّ ما في الموضوع أنّه تمّ حصر المرأة الشاعِرة داخل إطار الغزل وحصر أيّ شيء، والقاعدة العامة دائماً خطأ فهناك شعر قد لا نقيس عليه ولكنّه موجود ويجب أن نعترِف بوجوده. ليست كلّ امرأة شاعرة عليها أن تكون شاعرة غزليّة. هناك شاعِرات كثيرات اتّسَم شعرهنّ بالعُمق وبالفلسفة، وأنا لم أتقصّد ذلك بالمناسبة. كنت فعلاً تلميذة بارّة وتلميذة نجيبة داخل المدرسة النزارية إلى غاية الـ 20 أو الـ 22 من عُمري، كنت أتدرّب على كتابة شعر    الغزل وهذا طبيعي، ولكن عندما أبدأ في تكوين تجربتي الشخصية هنا يجب أن تكون تجربتي عالماً كاملاً، أن يكون فيها الحبّ وأن يكون فيها الحنين وأن يكون فيها الوطن وأن يكون فيها كلّ هذا هو ما يؤسس عالمي. الحبّ شيء جميل وعظيم، على العكس، أنا أعتقد أنّه أعظم شيء قد نحصل عليه في الوجود

زاهي وهبي: طبعاً. هلّ يوجد شُعراء آخرون غير "نزار قباني" كانوا قريبين إلى نفسِك؟ وأنت تسيرين في هذا 

حنيـن عمـر: كثيرون. الراحل الأُستاذ "محمود درويش". أحبّ كثيراً شعر "محمود درويش"، أرى فيه العُمق بعيداً طبعاً عن موضوع القضية وهو موضوع مُهمّ جداً، ولكن أرى أيضاً أنّه كان عميقاً كإنسان، بعيداً عمّا يُقال عن شعره

زاهي وهبي: لم يكتفِ بالقضيّة أو بمجد القضيّة

حنيـن عمـر: بالضبط، هو مجدٌ كبير ولكن أنا أعتقد أنّ القضيّة الحقيقية أولاً، قضيّة أيّ وطن أو أية قضية عادلة في العالم يجب أن يكون فيها جانِب عاطفي قد لا نراه نحن، ولكن هؤلاء الأطفال الذين ينشأون في الجوانب العاطفية وينشأون في عوائِل فيها حبّ وفيها عُمق إنساني، هؤلاء هم أكثر من يستطيعون أن يُدافعوا عن العدالة

زاهي وهبي: كونكِ كنتِ الابنة الوحيدة، كنت فتاة مُدلّلة؟

حنيـن عمـر: كنتُ مُدلّلة ولكن أعتقد أنّ أهلي، والدتي بشكلٍ خاصّ اعتنت بتربيتي، فلم تسمح لموضوع أن أكون وحيدة بالتأثير كثيراً على تكويني. كانت تُعاقبني حين أُخطئ، مثلي مثل جميع الأطفال، وتعتني كثيراً وبدقة أن تُحسن تربيتي. تُدلّلني حين يجب أن تُدلّلني وتُعاقبني أو تعتني بتربيتي حين يجب ذلك

زاهي وهبي: هلّا نسمع شيئاً من الشِعر في بداية هذا الحوار؟ لو سمحتِ. اختاري ما تريدينه

حنيـن عمـر: شيء من الشِعر؟  

معي لا تأتمِل وطناً سوى قلبي           فقد فاتت مواعيد القطارات

معي لا تأتمِل شيئاً سوى حبّي           وتذكرتين في كلّ المطارات

سنمضي، نحمِلُ الأحلامَ في كفٍّ        وفي كفٍّ حقائِبَ من خيالاتِ

فلا تحزن إذا لامست أحزاني             ولا تحزن إذا شاهدت دمعاتي

هي الأشجان إذ تهفوا بطائِرةٍ             بتذكرةٍ، بأختامِ الجوازاتِ

أنا امرأةٌ تريد العيشَ فانوساً              يضيء الشوقَ في عتمِ المسافاتِ

فغطّينا إذا في معبرٍ نمنا                 ودفّينا إذا طالت شتاءاتي

وطال الليلُ والمنفى يُنادينا               وطال السيرُ من خلف المسافاتِ

أنا وطنٌ إذا ما شئتَ تسكُنني            ولي نهرانِ ينسكبانِ في ذاتي

ولي قلبٌ لتمكثَ في مدائِنه              ولي شفةٌ لتغفو في ابتساماتي

ولي قدرٌ إذا قاسمتني قدري              فذا كلّ الذي أبغي من الآتي

أنا امرأةٌ تريد العيش عصفوراً            فهلّ ترضى تُرافقها جناحاتي؟

أنا امرأة تريد الموتَ صادقةً              وعاشقةً وطاهرةَ الغلالاتِ

أنا امرأة بلا أرضٍ ولكنّي                إلى ظلعيكَ يا رجل انتماءاتي

زاهي وهبي: جميل، وألف شكر على الإلقاء. تتنقلين بين مدن متعدّدة وتسافرين، هذا التنقلّ، الترحال، السفر، هلّ يمنح تجربتكِ الشِعرية الكثير؟

حنيـن عمـر: جداً، ويؤثِّر بشكل مُدهِش، وأعتبر أنّ كلّ مطار هو حال فلسفية. عندما ندخل إلى المطار نحن نرى الحياة. أنا أُسقِط دائِماً الحياة بكلّ تفاصيلها على المطارات، أُناسٌ قادمون وأُناسٌ مُغادرون

زاهي وهبي: وأُناسٌ منتظرون

حنيـن عمـر: وأُناسٌ سُعداء وآخرون يجهشون بالدموع فالعالم كلّه قد نراه داخل مطار

زاهي وهبي: صحيح، المطار يختزِل. كتبتِ رواية حضرتكِ!

حنيـن عمـر: نعم

زاهي وهبي: ولكن تغلُب عليكِ صفة الشاعرة

حنيـن عمـر: عكس الكثير، أنا بدأت روائية ولم أبدأ شاعِرة. كان أول إصدار لي، كنتُ صغيرة حينها، فكان أول إصدار لي هو رواية وكانت رواية سياسية عن حرب الخليج عام 2003، ثمّ حصل موضوع "أمير الشعراء" وأعتقد حينها أنّ صفة الشاعِرة التصقت بي وأصبحت قدراً لا أستطيع أن أهرب منه

زاهي وهبي: كم شكّلَ برنامج "أمير الشُعراء" دافعاً أو حافزاً أو كرَّس حضوركِ الشِعري في المشهد العربي؟

حنيـن عمـر: أعتقد أنّ "أمير الشعراء"، الكثيرون يُهاجمون هذا البرنامج. طبعاً هو لم يُجبِر أحداً على المُشاركة، وأنا شاركت بالصدفة البحتة. كنتُ حينها في مطلع العشرين ولم أكُ قد خرجت بعد من الإطار العام، أو كنت قطّة صغيرة مُدللة في بيتنا ولم أك أعرِف شيئاً عن العالم الخارجي. كنت أعتقد أنّ الشُعراء جميعاً ملائِكة ولديهم أجنِحة

زاهي وهبي: نعم

حنيـن عمـر: فانتقلت من هذا العالم إلى عالمٍ مفتوح، إلى تجربة مفتوحة، تجربة جديدة. كنتُ ألتقي بالشعراء كلّ يوم وأرى كيف يتصرّفون وأرى تجارب متعددة على الورق أيضاً. استفدتُ كثيراً من ناحية الشُهرة والضوء، هذا شيء جميل ولكن الأجمل أنني استفدت إنسانياً. تعرّفت على هذا العالم وهدمت كلّ التجربة القديمة، تجربتي الصغيرة، وبدأت أؤسّس

زاهي وهبي: كنت تظنين الشُعراء ملائِكة وبأجنِحة. في الواقع، عندما انغمستِ وصُرتِ أكثر احتكاكاً بالشُعراء، ماذا وجدتِ؟ شياطين؟

حنيـن عمـر: كثير من الشياطين (تضحك)

زاهي وهبي: الأبالِسة

حنيـن عمـر: الكثير، ولكن هناك طبعاً لا يخلو الأمر من وجود أُناس أكنّ لهم الكثير من المحبّة وأرى أنّهم من أرقى البَشر على وجه الكُرة الأرضية. لكن في المقابِل أيضاً، هم بَشر، جميع الشُعراء هُم بشر يُخطئون ولديهم الكثير من الأخطاء

زاهي وهبي: طبعاً. البعض يرى أنّ في "أمير الشعراء"، وذكرتِ حضرتك أن الكثيرون يُهاجمون هذا البرنامج وأنا لن أنضمّ إلى المُهاجمين، ولكن البعض يرى أنّه يُعطي شُهرة فجائية، لمدّة من الوقت يضع الشاعِر تحت الضوء ولكنّها شُهرة سُرعان ما تزول

حنيـن عمـر: هذا طبيعي. ما بُنِيَ من دون أساسات، عندما نريد أن نبني بناءً يجب أن نؤسّس، فأنت عندما تبني بناءً من دون أساس بالتأكيد لن يستمرّ. لكن الفِكرة ماهي؟ طبعاً هذا الموضوع الذي أثرته موجود في كلّ البرامج التجارية الموجودة حالياً، البرامج الغنائية، برامج اكتشاف المواهِب كما يُسمّونها، ومن حقهم أن يكون هناك جانِب تجاري وإلاّ لن يستمرّ البرنامج. ولكن على الشاعِر عندما يأخُذ الشُهرة أن يتساءل، وتساءلت أنا بصراحة، "هلّ أستحِق ذلك"؟ عندما كنت أقف على المسرح وأرى الجميع يُصفِّق كنت أسأل نفسي، لماذا يُصفقون؟ كان هذا تساؤلاً مُهماً، هلّ أنا فعلاً أفضل شاعِرة ليصفِق لي جميع هؤلاء؟ الجواب كان لا، فأنا كنتُ أعرِف إمكانياتي طفلة، لن أقول طفلة، كمراهقة، 20 عاماً أو 22 عاماً بالضبط. فلماذا يُصفقون لطفلة أو لشابة في الـ 22 ولم تكتمل بعد تجربتها؟ هنا عندما نحصل على ضوء، ماذا يجب أن نفعل؟ يجب أن نستحقه، عندما نشعُر أننا لا نستحق ذلك يجب أن نفعل أيّ شيء لنستحقه، وهنا يبدأ الاشتغال على النفس والاشتغال على المسيرة

زاهي وهبي: سنتحدّث عن التجربة وعن هذه المسيرة أكثر ولكن اسمحي لنا أن نتوقّف مع موجز إخباري سريع ثُمّ نُتابِع "بيت القصيد"

المحور الثاني:

حنيـن عمـر: بدأت الكتابة في سنٍّ مُبكّرة، كُنتُ في التاسعة ورأيتُ كتاباً في أعلى المكتبة، طبعاً كلّفني الأمرُ جُرحاً بليغاً في رُكبتي ولكنّي لستُ نادمة على الأمر مطلقاً. صعدت لآخذ الكتاب ووقعت أنا والكتاب، وحينما فتحته كان مُختارات شعرية لعددٍ من الشُعراء العرب، كان هناك "محمود درويش" و"السياب" و" نازك الملائِكة" و"نزار قباني" طبعاً أُستاذي الذي أعتزّ به. عندما قرأت أول قصيدة لـ "نزار" كانت مقاطِع من يوميات "امرأة لامبالية"،

على دفتر سأكتُب كلّ تاريخي على دفتر

سأكتُبُ لا يهُمّ لمن سأكتُب هذه الأسطُر

فحسبي أن أبوح هنا لوجه الروح لا أكثر

حنيـن عمـر: لا زلت أذكرها من سنّ التاسعة هذه القصيدة. شعرت لحظتها أنّ هناك شيئاً ما تحرّك في الداخل، شعرتُ لحظتها أنّي أُريد فعلاً أن أكتُب شيئاً مماثلاً، وهكذا بدأت قصّتي مع الشِعر، وهكذا أصبحتُ شاعِرة وأنا أمشي وراء خُطى "نزار قبّاني"، وراء القِطط والعصافير والحيوانات التي كانت موجودة في قصائِده والتي كانت فعلاً عالماً جميلاً وعالماً يستقطب الأطفال حينها ويجعلهم يحلمون بأن يُصبحوا شعراء. مع الزمن طبعاً، نضجت التجربة ولم أعُد تلميذة "نزار" بشرائِطي الحمراء، لم أعد أـكتُب الغزل أو أكتبه في حالاتٍ مُعيّنة فقط بشكلٍ قليل وبصدقٍ كبير وهذا مهمّ. ثمّ اتجهت إلى الفلسفة، ربما لأنها تجمع كلّ ذلك، تجمع مشاعِرنا، تجمع الحبّ، تجمع الغزل، تجمع الوطن والأرض والانتماء. الإنسان كليّة، ولهذا أعتقد أنني أُحبّ أن أكتُب كلّيتي، كلّ مشاعري، وبكل صدقي

زاهي وهبي: دكتورة "حنين عُمر"، لخّصتِ تقريباً ما قلناه في الجزء الأول من الحوار، خصوصاً حكاية المكتبة. اسمحي لي قبل أن أطرح ما تبقّى من أسئِلتي على حضرتكِ أن نسمع بعض الآراء هذه الليلة في تجربتكِ نبدأ مع الشاعِر ومؤسس موقع " القصيدة" الأُستاذ "هاني عبد الجواد"

 

كلام يوصل:

هاني عبد الجواد- أحد مؤسسي موقع "القصيدة": مساء الخير للأُستاذ "زاهي وهبي" ومساء الخير للصديقة الغالية الدكتورة "حنين عُمر"، مساء الخير لكلّ مشاهدي قناة "الميادين". أنا في هذا السؤال أُحبّ أن أُجيب بطريقة مُختلِفة حول هلّ أن هنالِك شِعراً رومانسياً مُستَحبّاً، وليس هلّ هو شِعر "حنين عُمر" بشكلٍ خاصّ هو المُستَحبّ.  الإشكالية الكُبرى إثبات الرومانسية لجدارتها في القصيدة الحديثة والقصيدة اليومية الجديدة المتباعدة بقدر ما هي مُتلامسة مع الواقع، متباعدة جداً عن الجيل القصيد من القصائِد. أنا أؤمن أنّ هذه الرومانسية عند "حنين عُمر" ليست منطلقة من حبّ كتابة الرومانسيّة بحدّ ذاتها ولكن من طبيعة "حنين عُمر" الحقيقية، فهي فعلاً تتكلّم بما بخصّ هذه الجزئيّة في الأشعار. كلامها عن الرومانسية يتّجه نحو الغنائيّة ولكن ليس في مقصِد أو في نوايا مُسبقة من الدكتورة "حنين عُمر" ولكن هو من حُسن اختيار المُطرِب أو المُلحِن أو المغنّي حيث يجد لديها ما هو سلِس وما هو لائِق للاستماع في العصر الجديد. في هذا السؤال يا "حنين" أنا سأحرجِك قدر الإمكان وأضع علاقة الصداقة بيننا على المحكّ وأحكي لك أنّ الذي يقرأ مقالاتِك ويقرأ شِعرِك يُمكن أن يفهم أنّكِ أنتِ مُنحازة للأُنثى نوعاً ما، ولكن جلسة واحدة كفيلة بأن تُفهِمنا كم أنتِ عدائية مع حالة الأُنثى الشاعِرة، فسؤالي هو متى تكون الأُنثى قادرة على أن تُصبِح شاعِرة؟

زاهي وهبي: جزيل الشُكر للشاعِر "هاني عبد الجواد" وهو طبيب أيضاً

حنيـن عمـر: نعم

زاهي وهبي: طبيب أُردني، تفضّلي الجواب عند حضرتكِ. لديكِ عكس ما يُمكن أن يتصوّر القارئ، لديكِ حال عدائيّة تجاه الأُنثى التي فيكِ

حنيـن عمـر: لا طبعاً، لا أعتقد ذلك مُطلقاً، والدليل أنني ألبسُ فستاناً الآن وأعتني بنفسي مثل كلّ النساء. لا لا، ليس لدي هذه المُشكلة. لكن عندما أتعامل مع الشِعر، الموضوع هنا لا يُصبِح امرأة ورجل، بالنسبة لي هناك نصّ وهناك إنسان كتب النصّ بغضّ النظر عن جنس هذا الإنسان

زاهي وهبي: جنس الكاتب

حنيـن عمـر: بالضبط. هاني يتحدّث عن ذلك وطبعاً أوجّه إليه التحية وأشكره، لكن ربّما سأسأله سؤالاً أيضاً. هو مؤسّس موقِع جميل جداً، موقع اسمه "القصيدة" دوت كوم، وهذا الموقع ربّما هو رِهان مُدهِش في هذا الزمن لأنّه قد يُخسِرهم الكثير مع المؤسس الثاني "حسن الحسن"،      اختاروا أفضل الشعراء ليضعوهم في هذا الموقِع وسأسأله، كم شاعِر اكتشف في الموقِع؟ كم عدد الشاعِرات الموجودات في الموقع؟ عندما أتحدّث عن مُشكلة المرأة الشاعِرة أنا لستُ عدائية، أنا أقول الحقيقة ليس لأنني امرأة وعليّ أنّ أُحابي بنات جنسي

زاهي وهبي: في رأيِك ليس هناك الكثير من الشاعرات؟

حنيـن عمـر: القليلات جداً، هنَّ قليلات شِئنا أم أبينا

زاهي وهبي: ما هو السبب في رأيِك؟

حنيـن عمـر: ولسنَ فقط قليلات ولكن أقول أنا أُحبّ أن أكون، ولا أستثني أحداً ولا أستثني نفسي، هلّ هناك الآن حالياً شاعِرة بحجم "محمود درويش" في التاريخ؟ ولا تذكر لي "نازك الملائِكة" لأنّ "نازك" مرحلة وانتهت، الآن نحن بعد 60 أو 70 سنة لم نجد اسماً نضعه بدلاً من "نازك الملائِكة" لنقول أنها رائِدة. هناك صفّ أول من الشُعراء موجود، هذا الصفّ يفتقِر إلى وجود النساء، لسن موجودات. لماذا؟ هنا يجب أن نطرح السؤال. أنا طبيبة

زاهي وهبي: مع الاحترام والتقدير لكثيرٍ من الشاعرات

حنيـن عمـر: لا لا طبعاً، هناك الكثير من الشاعرات الرائِعات، هناك تجارب شعرية رائِعة. ولكن ربما هذه التجارب، لن أقول ربما بل أكيد، هناك الكثيرات ظُلِمنَ. في التجارب الجميلة أنا أكتشف أحياناً شاعرات رائِعات ولكهنّ في الظلّ، كثيرات منهنّ في الظلّ، قليلات جداً

زاهي وهبي: بمعنى لم يتحوّل إلى مشروع 

حنيـن عمـر: كامل

زاهي وهبي: نعم

حنيـن عمـر: بالضبط، لم يتحوّل إلى إنجاز

زاهي وهبي: كما هو الحال عند "محمود درويش"

حنيـن عمـر: بالضبط أو عند الكثيرين من الشُعراء الرجال

زاهي وهبي: كما هو الحال عند "نزار قبّاني"، كما هو الحال عن آخرين

حنيـن عمـر: صحّ. عندما نتحدّث عن المرأة الشاعرة نتحدّث عن مُشكلة حقيقية نحن نواجهها، وإنّ لم نطرح المُشكلة لن نجِد لها علاجاً، لهذا أنا أطرحها وأطرحها بشدّة وأضعها على المِحكّ. نعم ليس هناك شاعرات حالياً في الصفّ الأول ولم نجد بعد شاعرِة بحجم "محمود درويش"

زاهي وهبي: في الرواية اختلفَ الموضوع

حنيـن عمـر: في الرواية اختلف لكن في الفكر والفلسفة والشِعر لم يختلِف الموضوع ولم نجد إلى حدّ الآن شاعِرة تكسِر هذا الحاجِز، حاجِز الصفّ الأوّل، حاجِز الإنجاز العظيم. هنا يجب أن نتساءل، طبعاً الكثيرون يقولون

زاهي وهبي: ربّما لأنّ المُجتَمع ذكوري وأبوي

حنيـن عمـر: لا، ليس صحيحاً. قد أتّفق معك قبل خمسين سنة لكنّي الآن لديّ فضاء مفتوح

زاهي وهبي: قبل خمسين سنة كانت "غادة السمّان" تلمع وتشع

حنيـن عمـر: بالضبط. هذا الموضوع قد نتّفق عليه في زمنٍ مضى لكن الآن مع الـ social media مع الانفتاح الذي نعيشه، النصّ يصل بسهولة، لا يوجد أحد يستطيع أن يُغلِق على النصّ، ولكن الآن على أرض الواقع لا يوجد إنجاز شِعري أُنثوي عظيم. عندما أقول هذا أنا لستُ عدائية لبنات جنسي، أنا أُحاوِل

زاهي وهبي: تصرّفي بينكِ وبينهنّ

حنيـن عمـر: لا لا، أنا أُحاوِل أن أجد حلاّ لأنني إن وجدت السبب أو إذا وجدنا المُشكلة وحاولنا حلّها، هنا  سنجد يوماً ما امرأة عربيّة أو شاعِرة عربيّة ستكون الندّ للندّ مع كبار الشُعراء. هذه المرأة هي التي يجب أن نبحث عنها

زاهي وهبي: أُكرّر، هناك طبعاً أسماء كثيرة مُبشِّرة وواعدة

حنيـن عمـر: أتمنّى ذلك

زاهي وهبي: ونتمنى ذلك

حنيـن عمـر: أتمنّى أن تصل كلّ الشاعرات اللواتي يستحققن إلى أفضل مرتبة وأن نتوقف عن وضع المرأة أو تحجيمها دائِماً ووضعها في الصفّ الثاني. يجب أن يكون هناك نساء في الصفّ الأوّل، هؤلاء من أُريد أنّ أوجّه إليهنّ رسالة. ابحثنَ عن المُشركة، أوجدنَ الحلّ، وستصل

زاهي وهبي: سيّدتي، تكتبين أيضاً من وحي الواقع العربي سواء في مقالاتك أو في قصائِدكِ. كيف ينعكِس عليكِ هذا الخراب العربي العظيم وهلّ يترُك أثراً في النصّ وليس فقط في النفس؟

حنيـن عمـر: أيّ شاعِر عربي الآن لا يستطيع أن ينفصل عن هذا الواقع. أينما ولّينا وجوهنا هناك خراب، هناك أطفال يموتون كلّ يوم. من اللا إنسانية أن نتغاضى عنهم، ومن اللا إنسانية ألا نشعُر بهم. كلّ شخص الآن في العالم العربي مُعرّض لأن يتحوّل إلى مأساة وأن تتحوّل حياته بيت ليلة وضحاها إلى مأساة. هنا يجب أن نبتعِد قليلاً عن الرفاهية وعن الأبراج العاجيّة التي يعيش فيها الشُعراء، أن ننزل إلى الواقع وأن نُحاول أن نُساعِد، ولكنّها قد تؤرّخ، ومن المُهمّ ألاّ ننسى

زاهي وهبي: نعم، إذا كان هناك للمثقف من دور، وهناك جدل حول هذا الموضوع. هناك البعض الذين يعتبرون أنّ الكاتِب عليه أن يكتُب فقط، المطلوب منه النصّ الإبداع، النصّ والإبداع. هناك آراء أُخرى منذ عشرات السنين إلى اليوم أنّ المثقف هو صاحب رأي، صاحب موقف مما يجري حوله وفي مُجتمعه. حضرتكِ كيف تفهمين دور المُثقّف في هذه المرحلة من حياتنا؟     

حنيـن عمـر: أولاً، فلنتّفق على قاعِدة. كلّ كاتِب ليس بالضرورة مُثقفاً، المثقف شيء والكاتب الموهوب شيء آخر. هناك الكثير من الكُتّاب ولكنّهم ليسوا مثقفين فاعلين، هم موهوبون، والمثقف له دور بالتأكيد. هؤلاء الذين يتحدّثون فلنُرجِعهم إلى التاريخ، فلنرجع إلى الثورة الفرنسية. الثورة الفرنسية من قام بها؟ أُدباء وفلاسفة "فرنسا"، هم من غيّروا وجه أوروبا كاملاً. كانت أوروبا ترزح تحت الجهل والتخلّف والخراب، ولكن بعض الأُدباء استطاعوا أن يقيموا ثورة كاملة. عندما نريد أن نُقيم ثورة على أيّ شيء يجب أن يكون هناك تأسيس، عقل. العقل هو المثقف، المثقف ليس دوره أن يكتُب في برجه العاجي

زاهي وهبي: هلّ ربما مأزق الثورات العربية أنّها من دون مشروع ثقافي؟ من دون رؤية ثقافية؟ أنّ المثقف العربي كان غائِباً عنها إلى حدٍّ ما؟

حنيـن عمـر: بالطبع

زاهي وهبي: حاول اللحاق بها ولكن لا توجد ثورة قامت ولها مشروع ثقافي أو بين ثقافي

حنيـن عمـر: وكثيرون حاولوا استغلالها أيضاً، كثيرون من الكتّاب حاولوا الاستغلال. المثقف ما هو دوره في مجتمعه؟ إذا كان فعلاً يُحاول أن يبني شيئاً في هذا المُجتمع عليه أن ينزِل إلى الناس. أنا لستُ ضدّ مثقف النخبة، هناك شيء اسمه المثقّف النُخبوي، ولكن هذا المُثقف النخبوي إن لم ينعكِس، أو لم تنعكس نخبويّته على مُجتمعه فنخبويته هباءً منثوراً. سوف تُطوى كتبه وتوضع في المكتبات ولكن ماذا على أرض الواقع؟ هذا الإنسان البسيط، الإنسان الكادِح الذي لا يجد قوت يومه كيف تستطيع أن تجعله يقرأ؟ عندما يقرأ قد تتحوّل حياته رأساً على عقِب

زاهي وهبي: كيف نُشجِّع على القراءة أيّ دور هنا لمناهج التعليم، للبيت، للمجتمع نفسه، للبيئة؟ هلّ من بيئة حاضنة للقارئ؟

حنيـن عمـر: أولاً فلنتحدّث عن الإعلام. أهمّ دور وأهمّ مؤثِّر في حياة الناس حالياً هو الإعلام. عندما يستسهل الإعلام تقديم مواد ساذجة ومواد قبيحة ومواد مُبتذلة إلى المُشاهِد هنا لا يُمكن لشخص يتمّ حشو دماغه لـ 24 ساعة على 24 ساعة بمواد مُبتذلة أن يقرأ. إذا أردنا فعلاً أن نُحدِث ثورة يجب أن تكون ثورة إعلامية أولاً، أن نوصِل للناس في بيوتها الثقافة. والثقافة لا تكون من خلال الترويج، من خلال برامج ضيّقة وصغيرة، لا، يجب أن تكون فعلاً يومياً مثلما هناك مثلاً قنوات للفيديو كليب والأغاني يجب أن يكون هناك قنوات للشِعر وقنوات للثقافة بمعناها الجميل وأن نُروِّج للجميل

زاهي وهبي: ونحتاج إلى تنمية بكلّ المعاني، هناك نسبة الأمية، نسبة البطالة، نسبة الفقر، كلّ هذا يحتاج إلى الكثير. الصورة اليوم سيّدتي، إدمان الصورة، خطر الصورة، نحن نكاد نعتاد على مشاهِد الجُثث وقطع الرؤوس والدمار والأطفال الذين يموتون تحت الركام

حنيـن عمـر: سأتحدث بصفتي طبيبة

زاهي وهبي: نعم

حنيـن عمـر: في عِلم النفس، ما يحدُث الآن يُسمّى تبلُّد المشاعِر. أنت عندما تُعرِّض شخصاً بشكلٍ دائِم إلى مشاهِد الموت فإنّه يعتاد في النهاية

زاهي وهبي: وهذا ما يحدث للأسف

حنيـن عمـر: هذا ما يحدث، يفقد المرء إنسانيته تجاه الموت، يُصبِح الموت ليس خطراً أن يرى طفلاً ميّتاً، هذا لا يعني شيئاً بالنسبة إليه! هنا الخطر. تبلّد المشاعِر يؤدّي إلى كارِثة على كلّ الأصعِدة داخل المُجتمع. فالإنسان العربي الآن وصل إلى هذه المرحلة والآن يجب إحياء الإنسانية، وإذا لم يتمّ إحياء الإنسانية سيحُلّ الخراب على الجميع

زاهي وهبي: إذاً، علينا أن نُخاطِب دائِماً الضمائِر والوجدان والأماكن التي أحياناً نائِمة في النفس الإنسانية. سأُتابِع مع حضرتكِ دكتورة "حنين عُمر" وأدعو محبّيكِ ومُشاهدينا للانضمام إلى صفحتنا على "الفيس بوك" وهي على اسم البرنامج "بيتُ القصيد"، والآن نتوقّف لحظات سريعة ثمّ نُتابِع البرنامج

المحور الثالث:

حنيـن عمـر: تجربة "هوليوود" كانت تجربة مميّزة في حياتي، أعتقد أنني كنتُ محظوظة جداً أنّي حصلت على هذه الفُرصة، الوصول إلى كلّ هذا الضوء وإلى كلّ هؤلاء النجوم، العمل معهم أيضاً كان ممتعاً، والقصّة بحدّ ذاتها كانت قصّة طريفة لأنّي تلقّيتُ اتصالاً من Down Ander  المنتجة الأميركية وطلبت منّي طلباً غريباً حينها من دون أن تُخبرني السبب ومن دون أن تُخبرني أيّ شيء، ربما هي لم تشأ أن تضغط أعصاب، أرادت أن أعمل بطريقة فد تكون أقرب إلى الترفيه منها إلى العمل، فحدّدت ما تريد ومنحتني وقتاً قصيراً جداً، واعتبرتُ الموضوع تحدياً لي أن أكتُب على موسيقى الروك نرول الأميركية، ليس لها علاقة أبداً بالموسيقى العربية ومع المقامات والوزن إلى آخره. تحدّيت نفسي في الموضوع ثمّ أرسلت لها الأُغنية وتفاجأت كثيراً أنّ الخلفية في ما بعد كانت "روبيرت دي نيرو" وأنّ الموضوع كان وراءه فيلم أميركي بهذا الحجم، استمتعت، استمتعت وحصلت على شيئ فعلاً كنتُ أحلم به

زاهي وهبي: إذاً، تجربة أن تكتبي فيلماً أميركياً كانت أيضاً دافعاً إضافياً في مسيرتكِ الشِعرية. الفيلم هو American Hassle وكتبتِ من وحي أُغنية شهيرة، هلّ عرّبتِ أم لا كتبتِ شيئاً آخر مختلِفاً تماماً عن كلام الأُغنية السابقة؟

حنيـن عمـر: لا، كان الكلام مختلِفاً. الكلام مُختلِف لكن الفِكرة ذاتها، الفِكرة كانت عن إدمان المخدرات، فكانت نوعاً ما رسالة إنسانية، رسالة تحسيسيّة للحدّ من الإدمان على المُخدرات، هذا شيء أجمل أعتبره

زاهي وهبي: نعم. اسمحي لنا أيضاً أن نستمِع في فقرة "كلام يوصل" إلى رأي في تجربتك من الناقد والكاتب العراقي الدكتور "عبد الرضا علي" نستمِع إليه سوياً

كلام يوصل:  

عبد الرضا علي – باحث وناقِد: تختلف هذه الشاعِرة عن جيلها بالذات بميزات، إحدى هذه الميزات لا تعتمِد إطلاقاً على موهبتها أو على الفِطرة وإنما وشَّحَت هذه الفِطرة باكتسابٍ غنيٍّ كبير. وجدتها روائيّة ووجدتها مُترجِمة حاذقة، وتكتُب أحياناً أغاني، ولعلّ أُغنيتها لـ "كاظم الساهر" وبعض الأغاني لـ "سيمور" ما يُثبِت ذلك. هذه وريثة، وريثة للشِعر العربي كلّه، لـ "الخنساء"، "لـ "رابعة العدوية"، لـ "ميمونة"، لـ "خولا بنت الأزور"، لـ "نازِك الملائِكة"، لـ "لميعة عبّاس عمارة"، هذه وريثة للشاعرية العربيّة. أُعجِبتُ بشعرِها وأُعجِبتُ بما تترجمه، تترجِم بحذاقة. عندما تُترجِم كأنّ هذا الكلام الذي تقرأه أنت بلغتنا نحن. أنا سعيد أن أتحدّث عن ابنتي الدكتورة "حنين عُمر" مع أنّها لا ترغب في أن يُضاف لاسمها هذا اللقب العلمي. شكراً لكم لأنّكم زرتم "كارديف" في "بريطانيا" وجعلتموني أتحدّث عن ابنتي الشاعِرة الموهوبة الذكية المُختلِفة، نعم، هذه شاعِرة مُختلِفة، ترفُض السائِد وتُحاول جاهدةً أن تتخطّاه

زاهي وهبي: حين تسمعين مثل هذا الكلام يصدر عن ناقِد بمستوى الدكتور "عبد الرضا علي"، صاحب المؤلّفات النقدية والذي أضاء على تجارُب شعرية عربية كبيرة ماذا يخطُر في بالِك؟

حنيـن عمـر: طبعاً أنا عاجزة عن التعبير لأن الأُستاذ البروفيسور الكبير الدكتور غمرني بفضله، لا أستطيع إلاّ أن أكون شاكِرة وممتنّة له وأنا أعتبره والداً عزيزاً لي ولا أنسى أبداً تشجيعاته وأعتقد أنّ التشجيع الحقيقي لأيّة موهبة بأن يكون هناك ناقِد صادِق وناقِد موجّه وناقِد لا يُحابي، فأنا ممتنّة جداً لهذه الشهادة ولا أستطيع أبداً أن أُعلِّق عليها

زاهي وهبي: حين يقول أنّكِ وريثة لـ "الخنساء" ولـ "رابعة العدوية" ولـ "لميعة عبّاس عمارة"، وهنَّ من هنَّ في الشِعر، ألا يخيفك هذا الشيء؟

حنيـن عمـر: يخيف طبعاً، هذه مسؤولية مخيفة. عندما يقول هذا الكلام فأنا أقف ربّما الآن مرتبكة لأنّه لم يُخبرني من قبل بهذا، كان يقول، "أنت مختلِفة"

زاهي وهبي: أوّل مرّة تسمعين رأيه بهذا الشَكل

حنيـن عمـر: نعم، بالضبط، هذه أول مرّة أسمع رأيه بهذا الشكل، وكان يقول لي، " أنتِ شاعِرة مُختلِفة" وكان دائِماً يُشجّعني، وكنتُ أعتبره تشجيعاً لموهِبة. الميراث ثقيل ومُخيف وآمل فقط أن أستطيع ألاّ أُخيِّب ظن الأُستاذ البروفيسور الكبير والدي العزيز، لا أُريد أن أُخيِّب ظنّه. أحياناً أُفكِّر أن أترُك الشِعر بصراحة لأنني أشعُر بأنني أشتغِل في مجال بلا جدوى. ولكن أحياناً هذه اللا جدوى تُصبِح مسؤولية هي أيضاً، ولا أعرف ماذا أقول له، شكراً

زاهي وهبي: هلّ نهديه قصيدة؟ تفضّلي، نسمع

حنيـن عمـر: سأقرأ ربّما قصيدة لأنّك تحدّثت عن الأطفال

زاهي وهبي: الواقع العربي

حنيـن عمـر: وعن هذا الواقع العربي

زاهي وهبي: تفضّلي

حنيـن عمـر: وجعي أنا

أحلامنا... بين المقصاتِ الحقودةِ في مسافة عمرنا

أطفالنا.. إذ يولدون مضرجين بدمعهم وبيتمهم وبنزفنا

والـ هؤلاء الغائبونَ العالقون بغصة في شوقنا

وبلادنا.. إذ تستفيء من التأمل في غد تحت ابتسامة يأسنا

وجعي أنا.. أرضٌ من الماء المجرَّحِ نازفاً ينثال في رمل العصور

أرضٌ من الحُزنِ المخبّأ في عباءة طفلةٍ تمشي وتبحثُ عن أبٍ بين القبور

أرضٌ من الصمت المُلحّنِ في أغانٍ من حنين الضائِعين العابرين بلا شعوب

أرضٌ تُسمّى أرضنا.. نسيَ الزمانُ شفاهها في صمتها

نسيَ الجميع بأنّها كانت لنا.. كانت لنا نخلاً ونهراً واحتمالاً للحياة

كانت رغيفَ الخُبزِ في كفّ الجياع المُخلصين لكلّ أوقاتِ الصلاة

وكانت الحلوى بأعياد اليتامى والقُماشَ المُشتهى

ثوباً حميماً في جهاز العاشقاتِ.. من بعدِ صارت في دمي..

وجعاً بلون الموتِ مسدولاً على فرح السماء الواطِئة

وجعاً كمسمارٍ على تابوتِ مجهولٍ كتلويحِ الوداعِ

على المحطّات التي تُطوى في ليلات الشتاء الهادئة

وجعاً كمشرحةٍ، بها صندوقُ ثلجٍ فيه قتلى، غسّلتهم امّهاتٌ بالدموع الدافئة

آهٌ على وجعي أنا.. وطنٌ بلا وطنٍ يُهاجر كلّ يومٍ للمقابِرِ.. دوننا

زاهي وهبي: رغم موضوعها الحزين، لكنّها قصيدة جميلة. الصور والتشابيه والالتفات إلى مسمار في تابوت، وهنا ربما نرى كيف الواقع يترُك الأثر الذي تحدّثنا عنه في النصّ. سيّدتي، كتبتِ قصيدة النثر بتشجيع من الصديق الشاعِر "جريس سماوي". هلّ كان عندكِ موقف مُضاد لقصيدة النثر؟ أو للشِعر الحرّ؟

حنيـن عمـر: الشاعر أولاً عليه ألاّ يكون لديه أيّ موقف مُضاد من أيّ شيء. بالعكس، أنا أعتقد أنّه من المُهمّ أن نتحدّث عن قصيدة النثر حالياً. طبعاً أوجّه تحية لأُستاذي "جريس سماوي"، وكان هذا الموضوع ربما عام 2003 أو 2005، في هذا التوقيت، الذي شجّعني على كتابتها. لكن أعتقدّ أنّي لم أكتُب قصيدة نثر. قصيدة النثر لديها اشتراطات

زاهي وهبي: نعم

 

حنيـن عمـر: موهبة في بدايتها، مثلما كنت، لا تستطيع أن تكتُب قصيدة النثر

زاهي وهبي: لماذا؟

حنيـن عمـر: لأنّ قصيدة النثر تحتاج إلى عُمق. أسسها التي تمّ تأسيس قصيدة النثر عليها هي العُمق والاختزال. أنت تفقِد الموسيقى وتفقِد البلاغة وتفقد

زاهي وهبي: القافية

حنيـن عمـر: الكثير من العوامِل المُساعِدة، ماذا يظلّ؟ العُمق. العُمق يأتي مع التجربة ويأتي مع القراءات ويأتي مع مُحاولة صناعة هذا العُمق. الاستسهال الذي يحدُث حالياً

زاهي وهبي: نعم للأسف، يظنّ البعض اليوم أنّ مُجرّد التخلُّص من الوزن والقافية أو عدم معرِفة الوزن أو القافية، ليس فقط التخلّص منها، هذا يخوّله كتابة قصيدة نثر

حنيـن عمـر: هذه ليست قصيدة نثر، لماذا لا نُسمِّها "خاطرة" أو نسمِّها أيّ شيء آخر؟  لماذا نعتدي على فنٍّ قائِم بحدّ ذاته له اشتراطاته وله كُتبه وله قواعده

زاهي وهبي: ربما لأن الانتساب إلى الشِعر لا يزال يمنح صاحبه رُتبةً ما

حنيـن عمـر: إنّهُ مُغرٍ أعتقد، في العالم العربي مُغرٍ ولكن هذا ظُلم. عندما تظلم فنّاً أو تُظلم فنّاً مستقلاً بحدّ ذاته، عندما أُشاهِد ما يحدُث من مجازِر حالياً وما يُسمّى بقصيدة النثر، أشعُر بالشفقة على من اخترعوا قصيدة النثر لأنّهم لو عاشوا لحدّ الآن لكانوا انتحروا مما نرى الآن حالياً

زاهي وهبي: نعم. هلّ تجدين أنّ الشِعر فناً قابلاً للحياة إلى الأبد؟ أم أنّه مُعرّض، كما انقرضت بعض الفنون منها فنّ المقامات مثلاً الذي كان سائِداً في مرحلة من المراحل عند العرب، هلّ الشعر اليوم في خطر؟ أم لديكِ شعور آخر؟

حنيـن عمـر: جميعنا في خطر، الشِعر والآداب والحضارة كلّها في خطر حالياً، لكن الشِعر في خطر أكبر لأنّنا الآن نرى أنّ أيّ فنّ يحتاج إلى جمهور. عدم وجود جمهور يقتُل هذا الفنّ مهماً كان، مسرح، سينما، أيّاً كان هذا الفنّ. ما يحدُث حالياً هو تراجُع كبير للشِعر، لا أحد يقرأ الشِعر الآن، لا أحد يشتري ديوان شِعر. المطابع ودور النثر لا تطبع الشِعر، من المسؤول؟ جزء كبير من هذه المسؤولية يقع على الشِاعر بحدّ ذاته

زاهي وهبي: أين مسؤولية الشاعِر؟ في ماذا؟

حنيـن عمـر: في ترويج الكثيرين للرداءة. عندما تُنتِج أو تطبع كناشِر وعندما تُطبِّل كناقِد وعندما تُشجِّع أو تُحابي كشاعِر لشاعِر زميل أو بين قوسين (شاعر)، لأي شخص ينشُر كتاباً رديئاً موجوداً، الكتب الرديئة موجودة، موجودة بكثرة

زاهي وهبي: طبعاً، طبعاً، دور النشر تأخذ مالاً إذا كان يدفع ثمن طباعة الكتاب وتنشُر بمعزل عن المُحتوى للأسف

حنيـن عمـر: فنتخيّل طفلاً، لا نقول طفلاً، مُراهِقاً في الجامعة يدخل إلى المكتبة ويأخُذ كتاباً من هذه الكُتب الرديئة، لأوّل مرّة يكتشف الشِعر في حياته، مثلاً في عمر الستة عشر عاماً أو السابعة عشر عاماً في هذه السنّ، وعندما يقرأ هذه الرداءة هلّ سيفتَح كتاب شِعرٍ آخر؟ هلّ سيشتري كتاب شِعرٍ آخر حتّى لو كانت لـ "محمود درويش"؟ وهو لا يعرِف "محمود درويش"!

زاهي وهبي: ربّما يحصل العكس، يحصل نفوراً من الشاعِر ومن الشُعراء

حنيـن عمـر: بالضبط، لن يقرأ شيئاً بعد الآن وسيعتبِر أنّ هذه تفاهة، ليس هناك جمال، والجمال حتّى إن لم نفهمه فنحن نشعُر به. الكثير من الأغاني الأجنبية نحن لا نفهم ما تقول ولكننا نسمعها. هنا يأتي دور الشاعِر، عندما ننشر كتاباً جميلاً ونوزّعه، أنت توزِّع بعض الجمال على الآخرين وتحثّهم على قراءة الجمال والاعتناء بهذا الفن، وبالتالي فالجريمة مُضاعفة

زاهي وهبي: سيّدتي، لو طلبتَ منكِ أن تهديني ديوان شعر، غير دواوينكِ، لشاعِرٍ ما اليوم أو شاعِرة في الوطن العربي، من تختارين لتقدّمي كتابه هديّة، لي أو لسواي من القرّاء؟

حنيـن عمـر: "محمود درويش" ربّما

زاهي وهبي: "محمود درويش"

حنيـن عمـر: " لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي". لا أعرِف لماذا أُحبّ هذا الديوان كثيراً

زاهي وهبي: هو الديوان الذي صدر بعد وفاته

حنيـن عمـر: آخر ديوان على كلّ علاّته وأخطائِه ولكن مُجرّد صدوره بعد وفاة "محمود درويش" يُعطيه قيمةً غريبة وقيمة إنسانية لطيفة

زاهي وهبي: نعم، يشعُر الشاعِر بأنّ الموت لا يقف حائلاً دون القصيدة

حنيـن عمـر: بالضبط، أشعُر دائِماً انّها استمرار لوجوده على الأرض

زاهي وهبي: نعم، وهو الذي قال، "هزمتك يا موت الفنون جميعها". نعم، سأُتابع مع حضرتكِ سيّدتي ولكن نتوقّف لحظات قصيرة ثمّ نُعاوِد "بيت القصيد"

المحور الرابع:

حنيـن عمـر: "حنين" التي أنا عليها اليوم، أعتقد أنّي أُحبّها رغم كلّ عيوبها. ليس هناك إنسان ليس لديه عيوب ولكنّي أُحبّ مبادئها، أحبّ صدقها، أُحبّ أخلاقها أيضاً وتمسّكها ببعض الأمور التي قد يعتقد كثيرون أنّها موضة قديمة، أُحبّ ذلك كلّه في تناقضها العديد. انتماءاتها المُختلِفة، مشارِبها، عدائيّتها تجاه قضايا لا تخصّها فقط لأنها تريد أن تقف مع الحقّ. أُحبّ شخصية "حنين" أستطيع أن أقول، ولو لم أكن "حنين" وكانت هي شخص آخر لأحببتها أيضاً. في النهاية الحياة طُرُق وخيارات قد نكون مُجبرين على اختيار بعض الطُرُق ولكن دائِماً دائِماً يجب أن نختار الطريق الذي لا نفقد فيه أنفسنا لأننا إذا فقدنا أنفسنا لأيّ سببٍ كان لن نكون سعداء أبداً مهما امتلكنا. لهذا لا أُريد أن أفقِد "حنين"

زاهي وهبي: إن شاء الله لا تفقديها. وقفتِ كثيراً على مفترقات وكان الخيار صعب في اختيار الاتجاه؟

حنيـن عمـر: كثيراً لكنّه لم يكن صعباً أبداً

زاهي وهبي: لماذا؟

حنيـن عمـر: لأنني أعرِف ما أُريد، دائِماً لا أتردّد في اتّخاذ أيّ قرار ولا أندم لأنّني اتّخذته

زاهي وهبي: ولكنّكِ تحدّثتِ أيضاً عن تناقضات في شخصيّتكِ، أيّ نوع من التناقضات؟  

حنيـن عمـر: نعم، الكثير من التناقضات. أنا مُتحرّرة وفي نفس الوقت أنا مُلتزِمة، أنا أُحبّ أشياء وقد أكره نفس الأشياء، هناك تناقُض أحبّه ويصنعني

زاهي وهبي: ذكرتِ أيضاً الانتماءات المُختلِفة. البعض يظنّكِ عراقية ولستِ جزائرية، لماذا؟ ما مصدر هذا الالتباس؟

حنيـن عمـر: لا، ليس التباساً، هو فقط أنني أستطيع أن أقول أنّ أخوالي أثّروا وأنّ "العراق" مؤثِر في تكويني ووالدتي مؤثّرة في تكويني. هذا الانتماء، رغم أنّه انتماءً بعيداً لكنّي أسعى إلى استرجاع، واسترجعته. أنا عندما أذهب إلى "العراق" لا أشعُر أبداً أنّي غريبة، بالعكس، أشعُر بأنني في منزلي وبين أهلي ويعاملونني بطريقة أنني ابنتهم ببساطة. هذا الشيء يجعل الكثيرين يعتقدون مثلاً أنني أتنصّل من جزائريتي لكن هذا خطأ. أنا متمسّكة جداً بهذه الجزائرية، مُتمسّكة إلى حدّ مُرعِب، لماذا؟

زاهي وهبي: لماذا؟

حنيـن عمـر: لأنني حورِبت في "الجزائِر"

زاهي وهبي: لماذا حورِبتِ في "الجزائِر"؟

حنيـن عمـر: حورِبت، لم يتقبّلوني. أنا أستطيع أن أقول أنني أُشارك مرّة كلّ ثلاث أو أربع سنوات في شيء في "الجزائِر" بهذا الزخم بينما في "العراق"

زاهي وهبي: ما هو السبب؟

حنيـن عمـر: عدم تقبُّل. عندما دخلت إلى الوسط كنتُ صغيرة ولم يتقبّلوا الكائِن المُختلِف

زاهي وهبي: مُختلِف بماذا؟

حنيـن عمـر: مُختلِف في كلّ شيء

زاهي وهبي: هلّ لكونكِ امرأة؟  هناك كاتبات جزائِريات مرموقات ومُعترَف بهمّ مثل "أحلام مستغانمي"، "فضيلة الفاروق" وأُخريات كثيرات

حنيـن عمـر: ذكرتَ فقط من بدأن من الخارِج!

زاهي وهبي: نعم؟

حنيـن عمـر: ذكرتَ من تمّ بناء شهرتهنّ خارِج "الجزائِر"

زاهي وهبي: لأنني على تماس معهنّ هنا في "بيروت"

حنيـن عمـر: لكن "بيروت" كانت الحدّ الفاصِل. هنا الإجابة، الإجابة تكمُن أننا عندما

زاهي وهبي: "زينب الأعرَج" مثلاً!

حنيـن عمـر: أوجّه لها التحية، أُحبّها كثيراً

زاهي وهبي: وأنا كذلك

حنيـن عمـر: عندما تدخُل فتاة تربّت في مدرسة، أستطيع أن أقول بأنني تربيّت في مدرسة كنت أقرأ فيها لـ " دوستويفسكي " وأقرأ "فيكتور هوغو" و"محمود درويش" و"نزار قباني" ودخلت إلى الوسط العام. الوسط العام، و "الجزائِر" ليست حالة استثنائية، موجود في كلّ البلدان، صُدِمت بواقع أو بمستوى كان أقلّ من توقّعاتي. هنا بدأت أنا التحدثّ في عالم، العالم الذي نشأت فيه، كان مُختلفاً عن العالم الواقعي، الموجود على أرض الواقع

زاهي وهبي: "الجزائِر" عفواً، "الجزائِر" أعطتنا "مالِك حدّاد" و"كاتب ياسين" و" واسيني الأعرج"، عشرات

حنيـن عمـر: لكن هؤلاء ليسوا موجودين الآن ليساعدوني أو ليأخذوا بيدي. الموجودون الآن أو المتحكّمون والمتصرّفون في الوضع العام ليسوا هؤلاء بالتأكيد. الموجود، أشخاصٌ آخرون قد يرفضون وجودي، والموضوع ليس حالة فردية، ليست حالةً فردية لـ "حنين". كثير من الشُعراء من جيلي، كان هناك في جيلي في بدايات العشرين شُعراء رائِعون وأستطيع أن أقول أنّهم فعلاً كانوا لأحدثوا فرقاً، لكنّهم اختفوا، لم يستمرّ أحد تقريباً منهم. لا ألتقي بأحد منهم

زاهي وهبي: ربّما لأنّه لا يوجد مناخ مُشجِّع، لا توجد بيئة حاضنة

حنيـن عمـر: لا، تمّ قتل مواهب كثيرة. أحبّ أن أكون صريحة وأنا لا أخاف من شيء، تمّ قتل مواهِب كثيرة. هناك كاتِب كبير، كبير جداً ومرموق في "الجزائِر" والقصّة معروفة في الجزائِر وأنا لا أُخفيها لأنني لا أُحبّ أن أُخفي شيئاً. كاتب كبير رحمه الله توفّيَ

زاهي وهبي: من هو؟

حنيـن عمـر: "الطاهر وتّار"، توفّيَ رحِمه الله، وأنا هذه القصة عندما أرويها يقولون أنّه لا يجب أن نتحدّث، لا لا، عادي، فلنتحمّل مسؤوليتنا، وهذه القصة كنتُ أرويها في حياته وليس بعد موته، ولا أخاف من شيء. "الطاهر وتّار" قال لي عندما ذهبتُ لأستشيره كأُستاذ وكتجربة كبيرة نُكنّ له، عاملني بطريقة سيئة جداً وقال لي، "أنتِ لا تُصلحين للكتابة، اذهبي وجدي رجلاً وتزوّجيه. لا مكان لكِ في عوالِم الكتابة"

زاهي وهبي: هكذا، تعسّفاً؟

حنيـن عمـر: أجل تعسفاً، والموضوع كما نتحدّث أنه كان موجوداً وكان رائِداً، فأنا صُدِمت لحظتها، صُدِمت لأنّه كان تمثالاً كبيراً في رأسي. فعندما تعامل بهذه الطريقة، وهو معروفٌ عنه أنّه كان يتعامل بطريقة عدائية قليلاً مع الشباب ومع من يأتون من عوالِم مُختلِفة

زاهي وهبي: لكن لا نستطيع أن نُحمِّل شخصاً

حنيـن عمـر: لا، الموضوع ليس شخصاً واحداً. تعرّضت للكثير من الأشياء، يتمّ الإقصاء وأنا أقول بأنّ هذه الحال ليست حالة فردية، ليست حالة "حنين" فقط. كثير من المواهِب في "الجزائِر" تُقصى ولا تنجح إلاّ إلى اغتَربت ونُفيت وتعذّبت خارِج بلدك

زاهي وهبي: يُعترَف به، وللأسف هذا يحصل في العديد من البلدان العربيّة

حنيـن عمـر: بالضبط

زاهي وهبي: ليست آفةً جزائِرية بل آفة عربيّة

حنيـن عمـر: آفة عربية

زاهي وهبي: طالما ذكرنا "العراق"، دعينا نسمع صوتاً عراقياً يتحدّث عن حضرتكِ، تعاونتِ معه، الفنان "سيمور جلال"، كتبتِ له أكثر من أُغنية أليس كذلك؟ دعينا نستمع إلى رأيه ثمّ نعود إليكِ

 

كلام يوصل

سيمور جلال- فنان: "حنين" شاعرة متميّزة من ناحية مواضيعها التي دائماً تأخذها في الأشعار، والكلمات والمفردات التي تستعملها دائماً تراها غريبة، وترى الصور التي تستعملها دائِماً فيها نوع من الغرابة. تشعُر بأنّ أشعارها عميقة جداً، تشعُر بأنّ عندها ثقافة عالية جداً، حتّي تقدر أن تعرِف من خلال الشِعر ومن خلال الأشعار التي تسمعها. أحببت أن أتعامل معها لأنّها إنسانة شاعِرة ومُبدعة ومعروفٌ عنها ذلك، وتعاملت مع كبار الفنانين أمثال "كاظم الساهر" وغيره، وهي إنسانة صديقة وعزيزة عليّ جداً وقريبة جداً وأعتبرها جزءاً لا يتجزّأ من حياتي. كما يقولون في "العراق" تأتي إلى الجرح، عندما تكتب موضوعاً مُعيّناً يشعر الناس أنها ستتعرض إلى موضوع تشعر بأنّ الكلّ يقرّبك إلى الموضوع الذي تريد أن تتحدّث عنه. أنا دائِماً أبحث عن الشيء المُميّز وأبحث عن الشيء الغريب، وهذا الشيء شاهدته في "حنين". هي مُبدِعة وأنا جداً فخور بها وبأنني أتعامل مع شاعِرة مثل "حنين". عندي سؤالان لكِ، وأريد أن أرى ما سيكون جوابك. السؤال الأول، لو كان عندكِ موهبة التلحين وتمتلكين موهبة التلحين، هلّ تدخلين مجال التلحين أيضاً مع الشِعر أم ستبقين فقط شاعِرة؟ السؤال الثاني، لو الآن خيّروكِ بين مليوني دولار وبين التعامل مع " سيمور جلال"، هل تختارين المليوني دولار وتتركين التعامل معي؟ أو ستختارينني وتتركي المليوني دولار؟

زاهي وهبي: شكراً للفنان "سيمور جلال"، سؤالان طريفان، تفضّلي أجيبي

حنيـن عمـر: لو كنتُ مُلحنة، أكيد كنتُ استغنيتُ عن خدمات "سيمور". أنا الموسيقى تُدهشني، هو يعرِف ذلك وربما لهذا طرح السؤال. الموسيقى هي الفنّ الوحيد الذي أرى أنّه عظيم، كيف نصنع من الصمت شيئاً بهذه العظمة وهذا الجمال. كان والدي يريدني أن أُصبِح عازفة بيانو وحاولت تعلّم العود أيضاً، ولكن ما زلت أشعُر أنّ الموسيقى عالم مُدهِش وأنّي فعلاً كنت سأكون محظوظة لو حصلت على موهبة التلحين أو على الأقلّ الغناء، صوتي سيئ للغاية

زاهي وهبي: هلّ سؤاله الثاني خلفيته أنّ عند "سيمور" شعوراً أنّك ربما لن تتعاونين معه في المُستقبل؟

حنيـن عمـر: لا. هو ردّ عن تساؤلات، صديقي "سيمور" أولاً ونحن أصدقاء مُقرّبون جداً، فهو يعتقد، هو يعرِف الجواب على فكرة. المليونان لن يشتريا لي أصدقاء ولن يشتريا لي محبةً صادِقة ولن يكونا هنا لمواساتي عندما أحزن مثلما يكون "سيمور"، ولن يكونا معي عندما أفرَح ويُشاركني هذا الفرح، فبالتأكيد المليونين ليس لهما أيّة قيمة يا "سيمور" أمامك، وحتّى 20 و200 مليون

زاهي وهبي: ما الذي يجمعكِ مع "سيمور"؟ القواسم المُشتركة ما هي؟

حنيـن عمـر: القواسِم الإنسانية؟

زاهي وهبي: طبعاً

حنيـن عمـر: أنا و"سيمور" أسد وعقرب، فيُمكن أن تتخيّل كمية المناوشات التي تحدُث ولكنّي أعتقد أنّها مُناوشات جميلة. كثيرٌ من الناس يستغربون، كيف يبقى هؤلاء مع بعض ولكن نحن نبقى لأننا أولاً صديقان جداً، وهو جزء من حياتي ولا أستطيع أن أتخلّى عنه. وبعيداً عن الصداقة أيضاً نحن دويتو ناجِح في العمل، نحن نعمل بشكلٍ، أنا أرتاح في العمل مع "سيمور"، أرتاح فنياً عندما نجلِس ونعمل على أُغنية، أرتاح فعلاً في العمل معه. القواسم المُشتركة، الإنسانية، والصدق، والطيبة. "سيمور" إنسان وأنا أُحبّ انسانيته جداً

زاهي وهبي: ما الذي يُميّزه كفنان؟

حنيـن عمـر: موهبة، موهبة حقيقية في عالم قلّما أن نجِد فيه مواهِب حقيقية. والأفضل من ذلك أنها موهبة تريد أن تصل بالطريقة الصحيحة من دون تنازلات ومن دون ما يحدُث ومن دون أغانٍ هابطة. هنا دوري مُضاعَف، دوري هنا لأنني أؤمن بـ "سيمور" وأؤمن بالفنّ الراقي وأؤمن أنّه فعلاً يجب أن تكون هناك استمرارية للفنّ الراقي. هذا إيمان من جهة وثانياً هو صديقي ويجب أن أقف معه

زاهي وهبي: تكتبين قصائِد لتُغنّى أم لا، قصائِدك التي تكتبينها تُغنّى؟

حنيـن عمـر: على حسب. عندما اشتغلنا مع الأُستاذ " كاظم الساهر"

زاهي وهبي: في أُغنية "ماذا بعد؟"

حنيـن عمـر: أخذ أُغنية من الديوان، أخذ قصيدة من الديوان، قصيدة اسمها "رسالة شُكر أصلية" من هذا الديوان، "باب الجنّة"، وعدّلنا عليها، كانت قصيدة في الأساس. نفس الشيء مع "غرباء"، عندما أخذها "سيمور" كانت قصيدة في الأساس. لكن بقيّة الأعمال التي اشتغلتها كانت تكون مطلوبة وتُكتَب كأُغنية. أنا أفصل تماماً بين تجربتي الشعرية وتجربتي ككاتبة

زاهي وهبي: ما الذي شجّعكِ أو أغراكِ أو أغواكِ لكتابة الأُغنيات في زمن حال الغناء فيه كما تعرفين؟

حنيـن عمـر: أعتقد أنّ هذا ربما سيعيدنا إلى سؤالك حول الشعر، هلّ الشِعر في خطر؟

زاهي وهبي: نعم

حنيـن عمـر: الآن ما يحفظ الشِعر لن يكون إلاّ الأُغنية. الأُغنية الجميلة، الأُغنية التي تعيش، الأُغنية التي سنسمعها بعد مئة عام ونقول، "الله ما أجملها" ونبحث عن اسم شاعِرها. هنا لن يعيش الشِعر حالياً إلاّ من خلال الأغاني، وبالتالي أنا لا أستطيع أن أتخلّى عن "سيمور" لأنني أُريد أن أعيش من خلاله، أُريد بعد مئة سنة أن يكون هناك دويتو غنائي من مجموعات الدويتو الجميلة التي كنّا نسمعها من زمان لـ " أم كلثوم" و"أحمد رامي" وهؤلاء العُظماء الذين أسسوا لنا أجمل الأغاني وما زالوا إلى حدّ الآن يعيشون

زاهي وهبي: ما الذي جذب فناناً مثل "كاظم الساهر" إلى عالمكِ الشِعري ليختار قصيدة من قصائِدكِ ويغنّيها؟

حنيـن عمـر: علاقتي مع الأُستاذ "كاظم الساهر" قديمة، منذ طفولتي، والأُستاذ "كاظم" أدين له بأفضال كبيرة عليّ. يكفي أنّ هو من علّمني الوزن، تخيّل. فأدين له بهذه الأفضال، وربّما أراد أن يُكافئ التلميذة بعد أن أنهت دراستها وحصلت على شهادتها وأصبحت شاعِرة ولها ديوان، أراد ربّما أن يُكافِئني فأخذ القصيدة، هذه التجربة بالذات هي تجربة مُدهِشة. هي كانت تجربتي الأولى، فتح لي باباً واسعاً وحصلت على الكثير من الشُهرة وشعرت أنّي تحوّلت فجأة من تلميذة كانت في مدرسة الحبّ إلى أُستاذة، أصبحتُ أُعطي درساً وأصبح عندي درس اسمه "ماذا بعد؟"، فكانت تجربة رائِعة

زاهي وهبي: لماذا لم يتكرّر التعاون غناءً؟

حنيـن عمـر: أنا فاشلة، أنا أخجل جداً من الأُستاذ "كاظم" فلا أُزعجه دائِماً، لا أُرسل دائِماً نصوصاً. من النادر، هو يُشجّعني وطلب منّي كثيراً ولكن أنا أخجل من إزعاجه. فكأنني حصلت على كرم كبير وأشعُر بالخجل أن أطلُب المزيد من هذا الكرم

زاهي وهبي: تعاونتِ أيضاً سيّدتي مع مطربٍ تركي

حنيـن عمـر: "آرسن"

زاهي وهبي: "آرسن" معروف في "تركيا". كتبتِ له بالتركية؟

حنيـن عمـر: لا، كتبنا بالعربية، وكانت أُغنية تُراثية أيضاً، أُغنية بعنوان "البلبل"، فقمنا بتعريبها. كانت هذه أوّل تجربة تعريب قبل أن أنتقل إلى "أميركا" والولايات المتحدة

زاهي وهبي: نعم. اختارتكِ مجلة "سيدتي" ضمن 30 امرأة عربية مؤثِرة، ماذا عنى لكِ هذا الاختيار ولماذا؟ بناءً على ماذا حضرتكِ مؤثِّرة عربياً؟

حنيـن عمـر: الاختيار أولاً، هذه قصّة طريفة أيضاً في حياتي. كانت المجلّة موجودة وكنت مع صديقة في السيارة وكانت المجلّة موجودة في الخلف، فلا أعرِف ماذا كنّا نفعل وأردت أن أُلقي نظرة على المجلّة فسحبتها، وكان على الغلاف الإعلان عن النساء المؤثرات في العالم العربي. من باب الفضول فتحت المجلّة لأرى من ستكون من "الجزائِر"

زاهي وهبي: وجدتِ نفسكِ

حنيـن عمـر: كانت صديقتي معي فقالت لي، "من؟" فقلت لها "حنين عُمر" فأخذت تضحك قائِلة، "إن شاء الله، إن شاء الله بعد سنة" فقلت لها، "لا لا اسمي مكتوب". فكانت مُفاجأة أن تحصل على شيء، والآن هناك الوساطات وهناك الكثير من الأشياء التي تُفسِد نقاء الإنسان، الحصول على أشياء لا نستحقها لا يعني شيئاً لكن عندما نشعُر أنّ هناك مُفاجأة من دون أن نسعى إليها وتأتي إلينا كاستحقاق يكون له قيمة أكبر. بناءً على الاختيار كان هناك طبعاً سبعة آراء والاختيار كان على التأثير الذي حصل، الاغنية وانتشارها في الولايات المتحدة الأميركية وجهودي في نشر اللغة العربية والهوية العربية هناك

زاهي وهبي: حسناً سيّدتي، هلّ نختُم شِعراً إذا سمحتِ؟

حنيـن عمـر: بالتأكيد

زاهي وهبي: تفضّلي، هذه قصائِد جديدة من ديوان قيد التحضير

حنيـن عمـر: نعم، ربّما سيكون في الأسواق قريباً

زاهي وهبي: أين سيصدّر؟

حنيـن عمـر: حالياً أُفكِّر في "بيروت". اتفقتُ تقريباً مع ناشِر هنا ولكن ما زلت أدرُس الموضوع. أنا جداً بطيئة وكسولة

زاهي وهبي: هذا جيّد ونشجّع عليه، تفضلي

حنيـن عمـر: شكراً.

يا سيّد النبض الحزين سيكثُر الأعداء حولك

لن يفقهوا مهما حلَلت تعقّد الأشياء قولك

فافتح شبابيك الغيابِ ليغلِقَ التاريخ وصلك

واجعل وجودك مفرداً في دمعة المنفيِّ أهلك

يا قلبها بالغت في ذرف الدموعِ لتدفع الأحزانُ نولك

والعُمرُ غزلٌ من همومٍ فليفُكَّ الموتُ غزلك

الريحُ أنتَ فهبَّ بي لتهدهدَ الأمواجُ ظلّك

ويشظ ماءً من يقينٍ ظامئٍ يمتاحُ جهلك

يا قلبها، يا سيّد العطش القديم لتحرُسُ الأنهارُ رملك

كم موحِشٌ هذا الطريق المُشتهىَ للحقِّ مسلَك   

والنزف حادٍ للجحيم على ضياع الضوء دلّك

فاقبل وجودَكَ دمعةً مسكوبةً لله واهلَك

زاهي وهبي: ألف ألف شُكر. نوّرتِ "بيت القصيد"، أتمنّى لكِ كلّ التوفيق

حنيـن عمـر: هذا نورك يا أُستاذ، شكراً

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً. الشُكر الدائِم لفريق العمل، لمُخرِج البرنامج "على حيدر"، المنتجة "غادة صالِح"، لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم الشكر الأكبر لكم، نلتقيكم الأُسبوع المُقبل على خير بإذن الله