إسلاميون...وبعد

برنامج حواري أسبوعي، يعنى بشؤون الجماعات الإسلامية منذ نشأتها الى حاضرها، مع استعراض لمشروع وعقيدة كل منها، دون إغفال المرور على الوضع الراهن، وأخذ وجهة نظر ضيوف الحلقات به.

صلاح الدين الجورشي القيادي في تيار الإسلاميون التقدميون - الجزء الثالث

محمّد علوش: لعبت كتابات فتحي عثمان في مقالاته عن اليسار الإسلامي ثم كتابات المُفكّر المصري حسن حنفي الدور الأبرز في البناء الفكري عند الإسلاميين التقدميين الذين فشلوا في التحوّل من الحال النخبوية إلى التيّار الفاعل جماهيرياً، شعارهم الدائم التمييز بين ما جاء به الإسلام وما جاء من أجله الإسلام، فمقاصد الدين هي الثوابت وما عداها فليس من الثوابت في شيء.

بناءً على ما سلف جاءت دعوتهم لتجديد الدين، ذاك التجديد الذي يعيد ترتيب العلاقة بين المسلم ومحيطه الكوني، لذلك اعتمدوا العقل وسيلة في فهم الكتاب والسُنّة بعيداً عن الحرفية أو النصية. فهل نجحوا في ذلك؟ وما هي طبيعة مشروعهم؟

أهلاً بكم إلى الجزء الثالث من الحوار مع القيادي في تيّار( الإسلاميون التقدميون) صلاح الدين الجورشي.

نرحّب بك أستاذ صلاح الدين الجورشي في هذه السلسلة. طبعاً ورد في التقرير حول الطروحات الفكرية للإسلاميين التقدميين، يتحدّث عن تعدّد في القراءات للإسلام. ما المقصود لدى الإسلاميين التقدميين بتعدّد القراءات للإسلام؟

 

صلاح الدين الجورشي: نحن الحقيقة انطلقنا من تلك التجربة التي عشناها في المرحلة السابقة، ولاحظنا بأنّ عموم الإسلاميين يذهبون إلى الاعتقاد بأنّ هناك إسلاماً صحيحاً، وهذا الإسلام الصحيح هم الذين يعبّرون عنه من خلال تقمّص هذا المفهوم الأساسي، وكان هناك حديث في تقديري ليس حديثاً وإنما منسوب إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقول بأن أمّتي ستفترق إلى 72 فرقة كلها في النار إلا واحدة. الواحدة كلّ واحد يدّعي بأنه هو الذي يُمثّل هذه الفرقة. فقلنا هل صحيح بأنّ الإسلام يخضع لقراءةٍ واحدة وأنّ هناك مفهوماً وحيداً يمكن أن يعكس جوهر الإسلام وحقيقته؟ واكتشفنا بأنّ هذا ادّعاء لا يستقيم من الناحية التاريخية، لأنّه صحيح لنا رسولٌ واحد صلّى الله عليه وسلّم ولنا قرآنٌ واحد، ولكن بين النص القرآني أو ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم وبين فهم المسلمين لهذه النصوص المرجعية، وجدنا أنّ هناك فوارق مُتعدّدة، وتصل إلى مستوى التناقض بين هذه القراءات المُتعدّدة، وعندما نعود إلى التجربة النبوية سنجد أنّ الصحابة اختلفوا في فهم العديد من الأحكام والعديد من النصوص، وهذا الذي أدّى بهم ليس فقط إلى مستوى الاختلاف، وإنما مستوى الصراع ومستوى التناقضات الجوهرية، وهذه التناقضات ترجمت في اختيارات اجتماعية واقتصادية وسياسية مُتباينة.

 

محمّد علوش: أنتم تفصلون أو تقولون بالفصل بين النص وبين فهم النص؟

 

صلاح الدين الجورشي: ولأننا إذا لم نقم بهذا الفصل فإننا ننتهك حرمة النص.

 

محمّد علوش: لكن هناك إشكالية أستاذنا صلاح الدين لدى مَن يقول بذلك، وهو الفصل ما بين النص وفهمه، النصّ المُقدّس. هل يعتقد بأنه للنص فهم ثابت لكن ليس بالضرورة أن يتأتّى لدى جمهور مُحدّد أو مذهب واحد، أم يرى أنّ النص يحتمل قراءاتٍ مُتعدّدة وكلّها صواب؟

 

صلاح الدين الجورشي: نحن ذهبنا إلى الاعتقاد بأنّ النصّ القرآني مفتوح، بمعنى هو نصٌ قابلٌ لكي يُفهَم ويؤوَّل تأويلاتٍ مُتعددة.

 

محمّد علوش: وكلها صحيحة؟

 

صلاح الدين الجورشي: هنا الصحة تبقى نسبية، بمعنى أنّ الصحة مرتبطة بمدى الوصول إلى معايشة والدفاع عن حقوق أساسية للمسلمين في كلّ مرحلة من مراحل التاريخ، بمعنى أنه عندما نرجع إلى الصحابة ونرجع إلى الفتنة الكبرى والصراع الذي دار بينهم، نلاحظ أنّ هناك من حاول أن ينحاز إلى عالم الفقراء وحاول أن يدفع في اتجاه تحقيق الحدّ الأدنى من العدالة الاجتماعية، وهناك من ذهب في اتجاهٍ معاكسٍ تماماً، وبالتالي اعتمد على تنمية المصلحة الشخصية وعلى الانحياز لفئاتٍ اجتماعيةٍ رأت بأنّ الإسلام يوفّر لها فرصة للاستثراء ولتعزيز نفوذها الاقتصادي والمالي والسياسي. هنا بطبيعة الحال يصبح تحديد الحقيقة أو تحديد هل هي صواب أم لا بمدى انعكاسها وتأثّرها وتأثيرها في الصراع الاجتماعي وكذلك الصراع السياسي.

 

محمّد علوش: لكن هناك إشكالية أيضاً تبقى وهي أنّ، ما هو الضابط الذي يضبط هذه المرونة في فهم النص بحيث لا ينسلخ ممّا يُعرَف دائماً في الأديان الثوابت الدينية؟

 

صلاح الدين الجورشي: الثوابت الدينية مرتبطة أساساً بالعبادات وبعدد أساسي من العقائد، بمعنى أنّه لا يشكّ أيّ مؤمن وأيّ مسلم في وجود الله وفي وجود الرسول صلّى الله عليه وسلّم وفي تحقيق المعاني المُرتبطة بالعبادات، لكن ما عدا ذلك، إذا انتقلنا من المستوى العقائدي والتعبّدي إلى مستوى فهم ومعالجة القضايا ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فإنّ هنا المجال يصبح مجالاً مفتوحاً للاجتهاد الواسع، وبالتالي تتحدّد حقائق الأشياء انطلاقاً من هذا الصراع الذي هو مفروضٌ أن يتمّ بين المسلمين في مجتمعاتهم وفي تجاربهم للاقتراب من تحقيق القيَم الأساسية التي جاء من أجلها الإسلام، وهي قيمة الحرية، قيمة العدالة، قيمة التآلف والرحمة وتحقيق المصالح العليا.

 

محمّد علوش: أليس في ذلك اختزال للدين في دائرة فقط القيَم والمُثُل على شاكلة أديان أخرى ليس فيها نصوص شرعيّة تشريعية كما يقول فقهاء المسلمين، بأنّ الإسلام دين ودولة، أو على الأقل وكأن فكرتكم تقترب إلى حد ما من الطرح العلماني الذي يقول بفصل الدولة عن الدين وحتى بفصل المجتمع عن الدين على اعتبار أنّ الدين هو علاقة خاصة بين العبد وربّه؟

 

صلاح الدين الجورشي: أنا من الذين يعتقدون بأنّه كلما ربطنا بين الدين والدولة إلا وحدثت ثلاث مشاكل أساسية. المشكلة الأولى هي الاستبداد، يبدأ هذا الاستبداد بسيطاً ثم يتطوّر، ثانياً عزل مجموعة من القوى الأساسية في صلب المجتمع من خلال تعميق التمييز بين أبناء الوطن الواحد والمجتمع الواحد. وثالثاً يقع اضطهاد اجتماعي واضطهاد جنسي انطلاقاً من قراءات محدودة جداً للإسلام، وفي العديد منها قراءات تشوّه الصراع الاجتماعي وتشوّه القيَم الأساسية للإسلام. إذاً كلما أمكن أن نُحدِث نوعاً من العلاقة التي قائم بينها نوع من التمايز بين الديني من جهة وبين الدولة من جهة أخرى، كلما كان ذلك لفائدة الدولة المدنية التي يجب أن تكون هي المرجع، وكذلك لأبعدنا الإسلام عن توظيفه في صراعاتٍ اجتماعية تخدم أطرافًا دون أخرى.

 

محمّد علوش: الدكتور حسن حنفي في كتابه "اليمين واليسار في الفكر الديني" يقول اليسار الإسلامي عبارة عن حركة تاريخية جماهيرية ثقافية حضارية اجتماعية سياسية، ثقافتنا ترتكز على ثلاثة أصول: التُراث القديم، الإسلامي يقصد، التُراث الغربي، وثالثاً القرآن الكريم.

هل تلتقون مع ما كان يطرحه الدكتور حسن حنفي في هذا المجال، أم تختلفون؟ وإذا كان هناك اختلاف، ففي أيّ وجه يتم الاختلاف، لأنه يتم الحديث هنا عن أصول مُعتمدة في إنتاج الفكر والمشروع الفكري للحركة؟

 

صلاح الدين الجورشي: انطلاقاً من الفقرة التي قرأتها حضرتك، لا يوجد خلاف كبير، ما عدا توضيح معنى التُراث، بمعنى أنه عادةً ما نُتَّهَم بأننا عندما نتحدّث عن التُراث نُدرِج ضمنه القرآن والسُنّة، مع أننا نريده، وهو كان واضحاً في أنه عندما قال المصدر الثالث هو القرآن، فصله، هذا الفصل مهم لأنه بعد ذلك سيقع تحميلنا ما لا طاقة لنا به.

 

محمّد علوش: لكن هناك إشكالية في الفصل أستاذنا صلاح، يُستشَفّ من كلام الدكتور حسن حنفي أنّ السنّة ليست في مرتبة القرآن كما يقول أهل السنّة والجماعة، وبالتالي فيها أخذ وردّ بخلاف النص الأساسي.

 

صلاح الدين الجورشي: نتّفق من البداية على أنّ كلمة التُراث لا تشمل القرآن والسنّة، والأمر الثاني هو أنّه لحماية القرآن لا بدّ من أن نؤكّد بأنّ التُراث بمعنى محاولات التفسير والفهم التي قام بها العلماء والفقهاء والمفسّرون وعموم المسلمين لا تُلزِم النصّ القرآني وبالتالي هي ليست جزءاً ثابتاً من الإسلام، مَن يعتقد بأنّ التُراث ثابت من الثوابت هو يعتدي على دور القرآن وعلى تجاوزه للمراحل الزمنية، كلّ المراحل الزمنيّة، أي إننا عندما نعتبر بأنّ التُراث هو جزءٌ لا يتجزّأ من الإسلام، فإننا سنسجن الإسلام في المراحل التاريخية لأولئك الفقهاء والأصوليين والمفسّرين الذين فهموا هذا الدين في مراحل تاريخية عاشوها.

عندما نصل إلى مستوى السنّة، لا بدّ من أن نعترف ولا بدّ  من أن نقول وأن نشير إلى أنّ هناك خلافات كبيرة في مفهوم السنّة وهناك تفاوت بين العلماء حتى في تحديد ما هو الحديث الصحيح وما هو الحديث الضعيف، والدليل على ذلك أنّه إلى حدّ الآن، إلى حد اليوم، ما زالت هناك محاولاتٌ لغربلة الأحاديث النبوية، وهناك دائماً من يقول بأنّ هذا الحديث قد يكون صحيحاً في ظاهره.

 

محمّد علوش: النقطة الأساسية التي أريد أن أستفهمها من حضرتك أستاذنا صلاح، الموقف دائماً من السنّة ونقصد بها أحاديث النبيّ أو ما يُعرف بالسنّة القولية والفعلية عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، الموقف منها مُتعدّد، هناك مَن يقول بأنّها هي بمثابة القرآن الكريم من حيث الحكم، وهناك مَن يقول هي مفسّر للقرآن الكريم وبالتالي إذا اختلفت معه تسقط، وهناك قول ثالث يقول ليس لها اعتبار. أنتم من أية فئة من هذه الفئات الثلاث؟

 

صلاح الدين الجورشي: الحقيقة في تجاربنا التي قمنا بها وعلى مستواي الشخصي لم نقل في لحظة من اللحظات بإسقاط السنّة، وإنما كنّا أقرب إلى وجهة النظر الثانية التي عبّرتم عنها وهي أنّه إذا وجدنا حديثاً يتناقض مع إحدى الثوابت النصية في القرآن أو يتناقض مع العلم أو يتناقض مع مصلحة عموم المسلمين، فإننا نسمح لأنفسنا بتجاوز ذلك النص الديني المنسوب إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وبالتالي نحن لم نُسقِط السنّة ولكن ما زلنا نطالب ونلحّ على أخذها بعين الاعتبار لكن في ظلّ مقاييس ومنهجيّة تجعل السنّة في خدمة النصّ القرآني وثوابته وكذلك في خدمة مصالح المسلمين.

 

محمّد علوش: هذا من حيث متن النص أم لا يأخذ بالاعتبار سند النص؟ لأنّه أحياناً قد يكون السند كما يقول المُحدّثون صحيحاً، إذا كان السند صحيحاً والمتن لا يتّفق مع توجّهاتكم هل تسقطونه في هذه الحال ضمن هذا الإطار؟

 

صلاح الدين الجورشي: ما يهمنا في هذا السياق هو المتن، لأن النص هو الذي سيتحوّل إلى حكم أو إلى آلية لإثبات موقفٍ ما، فإذا هذا المتن كما قلت لك يتناقض مع ثوابت القرآن ومع مصلحة المسلمين ومع العِلم، فإننا نطرح مجموعة من التساؤلات حوله، لا يحقّ لي شخصياً أن أسقِط أي حديث أو كلام منسوب إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولكن أقول هذا لا يصحّ اعتماده في هذه المرحلة وفي هذه القضية وفي هذا الحكم.

 

محمّد علوش: وأنت تتحدّث عن الطروحات التي تقدّمتم بها كإسلاميين تقدّميين، تقول بعد التخلّص من فكر سيّد قطب وجدنا أنفسنا نقيم قراءة نقدية لحركة الإخوان، ومن ثمّ انتقلنا إلى نقد الجذور الفكرية للمدرسة السنيّة وخصوصاً في بُعدها السلفي، وهو ما جعلها أقرب إلى مدرسة الاعتزال وإبن رشد. هل أنتم تعتبرون أنفسَكم متداداً للمُعتزِلة تاريخياً؟

 

صلاح الدين الجورشي: في بعض المسائل، وجدنا أنفسنا بأنّ الاعتزال أو مدرسة الاعتزال توفّر فرصةً لقراءةٍ أكثر جدليّةً وأكثر تحرّريةً تساعدنا على مسألةٍ مهمة جداً، وهي كيف نفهم النصّ القرآني، لا نعتبر أنّ المُعتزلة هم المدرسة العضوية التي سننتمي إليها أو سنعتمد على كلّ ما قالوه، هناك أفكار لم تعد صالحة وثبُت بأنها هشّة ولا يمكن الاعتماد عليها، لكن لحظنا في ما سمّيناه بالتيّار العقلاني داخل الفِرَق الإسلامية وداخل التُراث الإسلامي، لا يسمح أو لا يساعدنا على التأكيد بأن هناك حركية، هناك علاقة جدلية يجب ان تقوم بين القارئ وبين النص، وبالتالي يقع تحرير النص في الكثير من التأويلات والتفاسير التي حاولت أن تحشر النص في سياق إما سياسي أو مذهبي يُفقِد حيوية النص التي مفروض أن تكون مُتجاوزة للزمان والمكان.

 

محمّد علوش: اسمح لي أن أسأل هنا سؤالاً أيضاً أحيانًا يقع فيه الإنسان من حيث لا يدري، وهو الهروب من فخّ الأدلجة، أدلجة النصوص إلى أدلجة جديدة. عندما نتحدّث نحن عن تيّار عقلاني بمعنى أن يكون العقل هو المرجعية في فَهم النص، عملياً هنا بدأنا أو شرّعنا أدلجة جديدة لكن عنوانها العقل مُخالفة لأدلجة خرجنا منها عنوانها النص. ألم تقعوا في مثل هذا الفخّ الذي يتطلّب انتقائية في فَهم النصوص بناءً على عقلي الذي قد يختلف عن عقل الآخرين؟

 

صلاح الدين الجورشي: حقيقةً صديقي، لا يمكنني أن أفهم النص من دون عقلي، وإلا كيف سأتعامل معه؟

 

محمّد علوش: والسلفي أيضاً.

 

صلاح الدين الجورشي: ولكن لاحظ إننا لو لم نتعامل عقلانياً مع النص فإننا سنجد أنفسنا أمام إشكالياتٍ عديدة لا يمكننا أن نفهمها أو أن نفكّكها. أنا شخصياً لو وجدت نفسي في جدل مع أحد السلفيين الآن الذين يدّعون بأنّهم يملكون الحقيقة، ولم أعتمد عقلي ولم أعتمد نوعاً من قراءة حركية للنص، فإنني سأضطر إلى التسليم بكل ما يقوله وسأعتبر ما يقوم به شرعياً، لماذا؟ لأنّه يعتمد على قراءةٍ ظاهريةٍ للنص، وله نصوصه التي يستند إليها لكي يبرّر كلّ أشكال الأعمال التي يقومون بها، وبالتالي كيف يمكن لي أن أواجهه؟ أواجهه عبر التأكيد بأنّ النصّ الذي قرأه أو اعتمد عليه ورأى أنه سند مشروعية خطابه ومشروعية ممارسته لا يستقيم فهمه مع أشياء أخرى أقيس عليها أنا، وهي مصلحة المسلمين، وهي النصوص الثابتة في القرآن، وهي اجتهادات هنا وهناك بيّنت بأنّ هذا النص ليس له فهمٌ واحدٌ وأنه يمكن أن يكون له مفاهيم مُتعدّدة. إذا لم أستعمل كل هذه الآليات فإني سأصبح داعشياً بشكل من الأشكال، أي أنّ الذي يجعلني أختلف جوهرياً مع هذه الأطراف هو استعمالي لعقلي في فهم.

 

محمّد علوش: نقطة أساسية أريد أن أستوضحها منك، تقول إنّ مَن اعتمد هذه الأدوات في تفكيك النص وتحليله واستنباطه سيصبح داعشياً في يوم من الأيام، المنظومة السنيّة بشكلٍ عام، إذا ما استثنينا منها الإسلام السياسي، يعتمد كل هذه الأدوات. هل هذا يعني أن هذا الفكر يتّجه بشكل أو بآخر نحو صيرورة داعشية؟

 

صلاح الدين الجورشي: لا، أولاً داعش ليست ظاهرة حديثة.

 

محمد علوش: معروف تاريخياً قائمة وليست في الإسلام، موجودة في أديان أخرى.

 

صلاح الدين الجورشي: في أديان أخرى، وبالتالي حتى داخل الفضاء السنّي وُجِدت تجارب شبيهة بما نعيشه اليوم، لكن ما يمكن قوله وهو أنّ النصّ هو الوحي، ولكن هذا الوحي، رغم أنّه مفارق للواقع لكنّه لا يستطيع أن يُفهَم إلا ضمن السياق التاريخي، وبالتالي تنزيل هذا النص على الواقع هو الذي يُعطيه البعد ويُعطيه الحيوية ويجعله مؤثّراً في واقعه. لكي يقع تحويل هذا النص من الكتاب المُقدَّس، من القرآن، إلى أحكام ومواقف وصِراعات واجتهادات وتصوّرات ونمط جديد من الحياة، هذا كلّه يحتاج إلى ماذا؟ يحتاج إلى العقل، يحتاج إلى مُقارنة التجارب، يحتاج إلى تحديد المصالح وكيف نحقّق التوافق بين هذه المقاصد القرآنية وبين مصالح المسلمين، ولذلك الفقه مُتحرّك، والآن هناك دعوة لإعادة بناء منهجية استنباط الحكم الفقهي من خلال مراجعة أصولية عميقة، الآن هناك حديث عن إعادة تفعيل المقاصد التي تعني تجاوز ظاهر النص وتجاوز الأحكام الظرفية لتحقيق هذه الديناميكية التاريخية.

 

محمّد علوش: على الأقل الإمام الشاطبي ألّف كتاباً في المقاصد الشرعية ولعلّه ربما الكتاب الأول الذي كُتِب في المقاصد وإن تحدّث عنه الفقهاء تاريخياً، لكن أريد أن أسألك بعد الفاصل، هل أنتم بصَدَد الحديث عن مقاصد تختلف عما طرحها الإمام الشاطبي الذي يُعتبر سلفياً في مرحلة من المراحل؟ وما طبيعة هذه المقاصد؟

بعد الفاصل، مشاهدينا أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمّد علوش: نحيّيكم من جديد مشاهدينا ودائماً مع الأستاذ صلاح الدين الجورشي، وهو من روّاد فكر الإسلاميين التقدّميين في تونس.

قبل الفاصل كنّا نتحدّث في ما يتعلّق بالمقاصد، بما أن حضرتك تناولتها أكثر من مرّة وكأنها هي المحور أو قُطب الرحى الذي يدور حوله فكر الإسلاميين التقدّميين.

ما المقصود بالمقاصد لديكم؟ وهل هي نفس ما قاله الشاطبي في كتابه المقاصد؟

 

صلاح الدين الجورشي: الإسلاميون التقدّميون حاولوا أن يستفيدوا من الشاطبي، وأصلاً نظرية المقاصد ساعدت الإسلاميين التقدّميين كآلية من الآليات التي لجأوا إليها واعتمدوا عليها لكي يفهموا النصّ وينزّلوه في سياقه الراهن، لكن لا أعتقد بأنّ الشاطبي قد حدّد بشكلٍ نهائيٍ هذه المقاصد. لذلك، بقيت هذه المقاصد مفتوحةً لكي يقع تعزيزها بشكلٍ مستمرّ، لكي تستوعب أكثر ما يمكن من القِيَم الأساسيّة التي يُمكن أن تُحدِث نقلةً في المجتمعات العربية والإسلامية. نحن عندما وصلنا في مستوى التركيز على فكرة المقاصد، بدأنا نبحث عن مقاصد جديدة نُضيفها، وبهذا السياق تأثّرنا بقيمة الحرية، قيمة الحرية وهي قيمة أساسية واعتبرنا بأنه لا يمكن أن يصبح الإسلام قوةً رائدة دافعة، ليس فقط على مستوى المسلمين، على مستوى العالم، إلا إذا ترسّخت قيمة الحرية واعتُبِرت إحدى المقاصد الأساسية من مقاصده، كذلك مفهوم العدالة الاجتماعية الذي كان غائباً أو كان له طابع أخلاقي محدود، فاعتبرنا أنّ العدالة الاجتماعية تحقيق المساواة بين أبناء المجتمع الواحد في ظلّ تناسق قِيَمي يقوم عليه المجتمع كمواطنة وليس كانتماءٍ عقائدي أو مذهبي، وبالتالي أردنا أن ندفع بالمنظومة الأصولية إلى مجالٍ أوسع تستوعب فيه التطوّرات التي حصلت على المستوى العالمي وعلى المستوى الكوني، لأنّ هناك مسألة لا بدّ من أن نستحضرها باستمرار، أنّه حصلت لنا قطيعة بين المرجعية الإسلامية الأساسية بعد الانقلاب الأموي وبعدما أصبح الصِراع على السلطة هو الأساس، وبعد أن أصبح هناك انقسام حاد داخل المجتمع وداخل الأمّة، والآن نحن مثلاً نبحث عن الإسلام، هل نتحدّث عن إسلام واحد موجود الآن؟

نحن نتحدّث عن انقسام وشرخ كبير بين الشيعة والسنّة. ما معناها؟ معناها أنّه في صلب الإسلام هناك تعدّدية لم تُدَر بشكل سلمي وبشكل عميق، ما أدّى إلى وكأنّ كل واحد من هذه الفرقتين يعيش إسلامه الخاص وينظر للإسلام من منظوره الخاص. أكثر من ذلك، الآن بتطوّر الحركات السلفية التي تُسمّي نفسها جهادية الآن، وإلى جانبها حركات أخرى، الإسلام السنّي نفسه مهدَّد بالتفكّك في داخله، وأصبح هناك تقاتل داخل الإسلام السنّي لأنّ كلّ واحد يدّعي أنه هو صاحب الشرعية وصاحب الفَهم الصحيح للإسلام. إذا لم ندرك أنّ مفهومنا للإسلام بحاجة إلى إعادة بناء وإعادة نظر وإعادة هيكلة، فإننا نسير إلى نوع من الحرب الدينية والمذهبية، وبالتالي بدل أن يكون الإسلام هو عنصر توحيد وعنصر بناء وعنصر تجميع وعنصر دفع إلى الأمام، يتحوّل هذا الدين إلى عنصر صراع وصراع على الإسلام نفسه وعلى فَهم الإسلام نفسه.

 

محمّد علوش: لعلّك من هذا الهاجس الذي شغل الدكتور أحميدة النيفر وهو أحد روّاد هذا الفكر الذي قال إنه نحن بحاجة إلى تجديد في الدين، وهو يحدّد مُحدّدات لهذا التجديد، في دراسة له بعنوان "التجديد الإسلامي ورؤية العالم". أخذنا منها مقتطفاً. نشاهد معاً.

 

التجديد الإسلامي ورؤية العالم: في دراسةٍ بعنوان "التجديد الإسلامي ورؤية العالم" المنشورة في موقع إسلام أون لاين عام 2009، يقول أحميدة النيفر: "إنّ تجديد الخطاب الديني هو إعادة اكتشاف الذات وِفق شروط الوعي العالمي الجديد المُتميّز بمناهجه المعرفية وليس الأيديولوجية. ليس التجديد الذي غايته المُعاصرة مُجرّد تراكمٍ كمّي لمُستجدّاتٍ تُضاف إلى المجتمع القديم. إنّه نهاية الاغتراب الحضاري بوضع الإنسان في سياقٍ تاريخي ووجوديٍ أشمل يُعيد العلاقة بينه وبين محيطه الكوني".

 

محمّد علوش: تقديرك، أستاذ صلاح إلى أيّ حدّ قد يكون موفقاً الدكتور النيفر في وضع اليد على النقاط الأساسية في ملامح التجديد المطلوب للخروج من هذا المأزق التاريخي الذي يعيشه الإسلام بحسب ما ترونه؟

 

صلاح الدين الجورشي: أنا برأيي أنه هو أصاب الهدف لأنه من دون تجديد، تجديد الدين، بمعنى تجديد النيّة، من دون إعادة فهم جذري، لأنّه عادةً عندما نتحدّث نحن على التجديد في الإسلام هناك مَن يبحث عن تجديد شكلي وكيف نقدّم النصوص القديمة في ثوب جديد، وكيف نحاول أن نعدّل بعض المفاهيم، هنا مأزق الفكر الإسلامي في العصر الحديث ليس مأزقاً شكلانياً ولا جزئياً، هناك مأزق جوهري، مأزق جوهري إذا لم تقم حركات تجديد فعلي، تتصدّى لجوهر القضايا وتُعيد الاعتبار إلى هذه القضايا الأساسية، فإنّ الإسلام سيبقى يعيش ليس فقط على هامش اللحظة التاريخية التي يمرّ بها الآن، ولكن سيُعتبَر أحد الديانات التي تُعرقل عملية نمو الإنسانية بأكملها.

الآن، أنا أعطيك مثالاً. نحن ما زلنا نتخبّط في محاولة البحث عن الاجتهادات التي من شأنها أن تنظّم مجتمعاتنا المُعاصرة الآن الإسلامية. هل لنا إجابات حقيقية وقوية ويمكن أن ندافع عنها من داخل الإسلام تُعتبَر اجتهادات موجّهة لمعالجة مشاكل الإنسانية؟ الآن الإنسانية تعاني من مشاكل خطيرة جداً. ما هو رأي الإسلام وموقف المسلمين منها؟ نحن ما زلنا نتخبّط ونتصارع على قضايا فُقهية، وما زلنا نتحدّث المرأة كيف تلبس أو لا تلبس، كيف تتصرّف أو لا تتصرّف، ولدينا مشكلة في كل عائلة. ما زلنا نتحدّث عن كيفية تربية أطفالنا، ولا زلنا نتحدّث عن كيفية التعامل مع العلوم وكل مرة نسمع فتاوى غريبة وعجيبة. ما معناها؟ معناها العقل المُسلم مُعطّل أو أنه يدور في حلقة ضيّقة ولم يستطع أن يتجاوز هذه الحلقة الضيّقة لكي يفهم اللحظة التاريخية ويفهم التحدّيات الكبرى، وذلك أنّ القرآن هو كلام الله للعالمين، هذا يحتاج إلى إثبات ومَن سيُثبته؟ هل سيثُبته هذا العقل الفقهي المحدود الذي يتصرّف بجزئيات أم يجب أن يفكّر تفكيراً إنسانياً بعيداً وأصلاً إن استوعب ماهية القضايا الإنسانية المطروحة اليوم؟

الأزمة الكونية حول البيئة هل لدينا تصوّر لها؟ الآن حتى على مستوى النظام السياسي والاجتماعي العالمي المُهدّد بالانفجار في داخله، نحن راهنّا على الديمقراطية، ولكن الديمقراطية يمكن أن تُزيّف، إرادة الشعوب يمكن أن تُزيّف. وكيف نحاول أن نبني ديمقراطية حقيقية لا تُزيَّف فيها إرادة الشعوب ولا تُزيَّف فيها إرادة الإنسان؟ إذاً الحقيقة الفلسفة الإسلامية بحاجة إلى إعادة نظر لأن المنهج الفكري هو الذي يطغى الآن على الفقه الإسلامي وجعله منهجاً براغماتياً أو يسعى إلى التعامل بشكل مُجزّأ، حتى تحديد مَن هو الذي يتولّى الفتوى ومَن هو الفقيه، عندنا مشكلة في العالم السنّي، يمكن العالم الشيعي عالجها بشكل من الأشكال وإن كانت المشكلة مطروحة على الجميع، لكن في العالم السنّي تمّ تهريب وتمّت مصادرة الفتوى، وأصبحت الفتوى كل طرف يدَّعي بأنه هو صاحب المرجعية الفقهية الأساسية.

إذاً أنا في رأيي المسلمون الآن يمرّون في أزمة جوهرية تتعلّق بالكيان، تتعلّق بالمُعتقدات، تتعلّق بالتصوّر، حتى بالنسبة إلى مُعتقدات المسلمين تحتاج إلى حِراك، تحتاج إلى إعادة تفكير، تفكير بين أن أؤمن بالله وبين أن أناضل من أجل الحرية وبين أن أواجه الظلم الاجتماعي، لا توجد روابط حقيقية.

 

محمّد علوش: طبعاً، ونحن نتلمّس خيوط هذا الفكر، على الأقلّ ما يوجَّه إليه من نقد، التركيز الأساسي هو حول العدالة الاجتماعية في الإسلام، التركيز الأساسي هو حول قِيَم الحرية والديمقراطية، حول التوزيع العادل للمُكتسبات وللثروات وغيره.

الدكتور نصر حامد أبو زيد وهو ناقد فعلي لكل تيّارات الإسلام السياسي، يقول أنّ كلّ هذا كانت إرهاصات وامتدادات لكتابات سيّد قطب صاحب كتاب "العدالة الاجتماعية في الإسلام" في المرحلة الأولى من حياته، وكذلك الدكتور مصطفى السباعي، وكلاهما ينتمي إلى الإسلام السياسي، الذي بدوره كما يقول الدكتور نصر حامد أبو زيد هو ليس إلا الوجه الآخر للطرح الغربي، الذي كان يشتغل على الهوية الأوروبية ومركزية الغرب في تصدير الحضارة إلى البشرية.

هل مارستم النقد، بما أنكم مارستم النقد ضدّ الآخر أو في حقّ الآخر، هل مارستم النقد في طروحاتكم الأساسية هذه إذا ما كانت تستحق كل هذا الجهد والبذل من أجلها؟

 

صلاح الدين الجورشي: أولاً تجربة الإسلاميين التقدّميين تجربة مفتوحة وتحتاج إلى مراجعات وتحتاج إلى تدقيق نظر، لكن أنت تحدّثت بكلام مهم جداً، سيّد قطب الذي فكره أو تجربته الفكرية أوصلته في البداية إلى أن يُلامس القضايا الجوهرية للمجتمع المصري وللمجتمعات العربية الإسلامية، وهي البحث عن كيف يُمكن ترسيخ نظام اجتماعي يقوم على العدالة، ما الذي جعل سيّد قطب يخرج من هذه البداية الإيجابية والمهمة جداً ويجد نفسه في قفص، في سجن، وفهمه بأنّ الإسلام يبدأ بأن نعلّم الناس كيف يوحّدون الله وكيف يفهمونه. في نظرته لعملية التوحيد والبناء العقائدي وجد نفسه سيّد قطب يعتمد على المرجعية العقائدية الحادّة والمُغلقة لكي يفهم دور الدين ودور الإسلاميين في المجتمع، وإذا بنا نجد أنفسنا أمام منظومة مُغلقة حادّة أدّت بنا إلى ما يحدث حالياً من عمليات تصفية واسعة والقضاء على حرية المُعتقد وعلى التعدّدية داخل المسلمين.

إذاً المنهج، عندما أخطأ في المنهج سيّد قطب أدّى ذلك إلى ردّة على المستوى الفكري وعلى مستوى التناول الاجتماعي، وبالتالي أصبحت المشكلة ليست مشكلتنا كيف نحكم ومع مَن نحكم وما هي القِيَم الأساسية وما هي السياسات التي يجب أن نختارها لكي نقوم بنهضة مجتمعية واجتماعية، وإنما أصبح الصِراع عقدياً فقهياً، مَن هو المسلم ومَن هو الكافر، وإذا واحد فسّر تفسيراً غير مُتجانِس مع الفهم الذي أعتبره أنا صحيحاً، كيف أتصرّف معه، هل أقتله وكيف يتم تنفيذ الحكم عليه.

إذًا مفهومنا للإسلام يؤدّي بنا إما إلى عملية تحرّر إيجابي بنّاء مثلما فعل سيّد قطب في الجزء الأول من مسيرته وإما أن يؤدّي به.

 

محمّد علوش: مع أنه كان يتّهم نفسه أنه كان متأثّراً باليسار. الإشكالية أنه هو خرج من أيديولوجيا يسارية إلى أيديولوجيا أكثر تهوّرية أصولية تُراثية، على الأقل جزءاً من هويته الثقافية، أنتم تعيدونه إلى المربّع الأول، إما أن نستلهم من المُعسكر الشرقي تاريخياً المنظومة الفكرية أو نرتدّ إلى المُعسكر الغربي في طرحه الليبرالي، ويبقى الإسلام بين قراءتين ليستا من داخله.

 

صلاح الدين الجورشي: هناك مسألتان نتفاهم فيها بشكل واضح، أنا صلاح الدين الجورشي كمسلم، قيمتي هل أستمدّها بمُجرّد أنني مُسلم أم لأنني مُسلم يحاول أن يؤثّر في واقعه لكي ينهض به؟ إذاً قيمتي، رمزيّتي، أهميّتي، سرّي يكمن في مدى قدرتي على التأثير في تغيير الواقع. اما إذا بقيت في دهليز وبقيت في كهف وأصلّي لله سبحانه وتعالى، يجب أن أعتقد هذا، ربي سيحاسبني يقول لي ماذا فعلت، أعطيتك 30 سنة، 40 سنة، 70 سنة، ماذا قدّمت فيها، ماذا قدّمت للناس؟ إذاً هذه القيمة الأساسية. القيمة الثانية وهي مهمة أن الدين إذا غادر الواقع أو انفصل عنه، فإنه يفقد، هو يفقد أهميته؟ لماذا الرسول جاء ولماذا الله يُحاسِب الرُسل؟ يحاسبهم، عندما يقول "هل بلّغتم"، ما معنى هل بلّغتم؟ هل بلّغتم القول وهل بلّغتم المُعتقدات؟ فبالتالي هل بلّغتم النموذج الذي يجب أن يُقيم الناس عليه حياتهم؟

فبالتالي فصل الدين عن الواقع وعن حياة الناس عملية خاطئة ويرفضها الكثير من العلمانيين، لكن أيّ دين وأيّ فهم للدين يجب أن يرتبط بهذا الواقع؟ لأننا نؤمن بأن الدين يجب أن يكون ثورياً بالمعنى التحرّري وبمعنى مساهمته في إعادة بناء منظومة القِيَم وأيضاً منظومة الواقع والعلاقات الاجتماعية. الدين عندما ينفصل عن العلاقات الاجتماعية يفقد أيّ تأثير ويصبح مُجرّد تهويماتٍ تتجاوز الواقع.

 

محمّد علوش: ورغم ذلك كيل الاتّهام لكم بأنكم عطّلتم الثوابت باسم البحث عن تأصيل لهذه الثوابت.

 

صلاح الدين الجورشي: ما هي هذه الثوابت؟ اللّهم إن قالوا عطّلتم الشريعة، ونحن نعتقد بأن.

 

محمّد علوش: عطّلتم الشريعة؟ أنا أسألك.

 

صلاح الدين الجورشي: يقصدون بذلك ربما، لكن ماذا قلنا نحن بموضوع الشريعة؟ نحن قلنا الشريعة ليست أحكاماً، الشريعة هي مجموعة من القِيَم الأساسية، هي طريق أراده الله لنا لكي يوصلنا إلى نتائج مُعيّنة. إذاً بدل أن آتي مهمتي إنني أطبّق حدّ السرقة، واحد مسكين كذا سرق في السوق، فآتي أنا ونضع ميزانًا ونرى السرقة التي سرقت فاتت النصاب أم لا، وإذا كانت فاتت النصاب نأتي أمام جماعة ونقطع يده. هذا مفهوم خاطئ وسطحي وبسيط.

 

محمد علوش: سطحي وطُبّق في التاريخ الإسلامي لمئات السنين، وفيه نص قرآني واضح، "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ"؟

 

صلاح الدين الجورشي: عمر ابن الخطاب عندما جاءه شخص وقال له هذا سرقني وكان يعمل عندي وسرقني، فقال له عمر ابن الخطاب، سأله هل وفّرت له حاجياته، فلمّا تبيّن لعمر ابن الخطاب أنه لم توفّر له، قال لو جئتني مرة ثانية لقطعت يدك أنت، أنت صاحب المال وصاحب العمل.

 

محمّد علوش: لكنه لم يُعطّل الحكم، يردّ عليكم الآخرون، هو لم يُعطّل الحكم وإنما وجد أن مناط الحكم مختلف، بمعنى أنه كان يتطلّب أن يكون لا يسرق من جوع، لا يسرق من طلب ومن حاجة ومن فاقة وإنما نوع من مرض موجود عنده؟

 

صلاح الدين الجورشي: يا سيّدي، الآن بعض الدول الإسلامية الموجودة الآن تطبّق هذه الأحكام، تطبّق الحدود. هل الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في ظلّ هذه الدول وفي ظلّ هذه المنظومة التي تُطبّق الشريعة هي تتماشى مع الإسلام، تتماشى مع حرية الإسلام، تتماشى مع العدالة الاجتماعية التي وضعها الإسلام، تتماشى مع المفهوم الإنساني؟ إذاً ما معناها؟ معناها الحكم عندما تجرّده من السياق.

 

محمّد علوش: سيّد قطب ردّ على هذا القول، وقال إما أن تأخذوا الإسلام كله أو تدعوه كله. الاتّهام للجهات التي تتحدّث عنها أنها مارست نوعاً من الانتقائية في الإسلام لاستتباب سلطة سياسية تحكم باسم الدين.

 

صلاح الدين الجورشي: ولكن سيّد قطب عندما قال خذوا الإسلام كله أو اتركوه كلّه، ما هو هذا الإسلام الذي طالبنا به؟ ما هي مضامينه وما هي السياسات التي يطالبنا بتنفيذها؟ سيّد قطب قال كلمة، قال الشِعار، ممكن أن نبلور لك شِعاراً ولكن الشِعار يبقى من دون مضمون، وقتما أقول لك لأنه هو خلاف فقهي يعتقد بأن الإسلام نظام شامل للحياة.

 

محمّد علوش: كل الإسلاميين يقولون ذلك؟

 

صلاح الدين الجورشي: أنا أعتبر بأن هذه مُغالطة. ما معنى الإسلام نظام شامل للحياة؟ معناها أنني عندما أبحث عن كُتب الإسلاميين أجد نظاماً اقتصادياً وأجد نظاماً اجتماعياً وأجد نظاماً تعليمياً. هل هذا متوافر عند الإسلاميين؟ موجود شعارات وموجود تفسيرات وتأويلات مُتناقضة في ما بينهم وكلهم يتأثّرون بالتجارب الغربية. عندما ترى أنت مواقف الإسلاميين، هم في الحقيقة أمامهم صورة لا يحبّون الاعتراف بها، وهي التجربة العالمية والتجربة الكونية، ويستفيدون منها ويقومون بصبغها ويقولون هذه تحوّلت إلى نظرية إسلامية.

 

محمّد علوش: إذا كان إلى هذا الحد هناك خروقات وشروخ في منظومة الفكر الإسلامي السياسي واكتشفتم إياها أنتم في الإسلاميين التقدّميين، لماذا لم يُكتَب لكم الانتشار أو السَبق على الإسلام السياسي على الأقلّ في تونس؟

هذا السؤال طرحناه على الأستاذ محمّد القوماني وهو أحد روّاد هذا الفكر فكانت الإجابة على الشكل التالي.

 

محمّد القوماني: الإسلاميون التقدّميون كما يُسمّون في تونس انشقوا عن الجماعة الإسلامية في نهاية السبعينات، وفي البداية مثّلوا نوعاً من ردّ الفعل التنظيمي على ما يُسمّى آنذاك بالاتّجاه الإسلامي، وتعرّضوا إلى تشويه قوامه أنهم خرجوا عن الجماعة وأنّهم تبنّوا فكراً يسارياً يقترب من الماركسية، وفي بيئة مُحافِظة آنذاك سهُل ربما على المناوئين لهذا التفكير أن يُحجّموا ربما من إشعاع ومن إقبال الشباب عليه.

الأمر الثاني أنّ فكرة الإسلامية التقدّمية فكرة جديدة، والفكر الجديد يجد صعوبة في البيئة المُحافظة التي تستند إلى موروث سهل. أنا أعتقد أنّ الإسلاميين التقدّميين ربما لم ينجحوا في استقطاب تنظيمي للشباب، ولكن فكرة الإسلام التقدّمي وخاصة اليسار الإسلامي كظاهرة عربية نستطيع أن نقول أنّ هنالك شباباً كبيراً يقبل عليها الآن وتحتاج إلى أطُر لتنظيمها.

 

محمّد علوش: هل ردّ الأستاذ القوماني مُقنِع في ما يتعلّق بعدم قدرة الإسلاميين التقدّميين على التسويق لفكرهم أو على الأقل مواجهة الإسلام السياسي بكل هذه الشروخات التي تتحدّث عنها؟

 

صلاح الدين الجورشي: أنا في رأيي القيمة الإضافية التي قدّمها الإسلاميون التقدّميون هي أنّهم طرحوا مجموعة من الأسئلة وقاموا بمراجعات من داخل النَسَق، نَسَق الإسلام السياسي، ووصلوا إلى اقتناع بأنّ الأجوبة التي يُقدّمها الإسلاميّون حالياً أجوبة غير كافية أو أنّ العديد منها باطل، غير صحيح، غير قادر على أن يستوعب الواقع بتحدّياته الكبيرة. أكثر من ذلك، الإسلاميون التقدّميون وصلوا إلى اقتناع بأنّ هذا السعي لبناء ما يُسمّى بالدولة الإسلامية هو سعيٌ من أجل الوَهم، لا يوجد أمر اسمه الدولة الإسلامية، لأنّ وجود الدولة ويجب ان نحدّد آليات هذه الدولة وما هي علاقتها بمواطنيها وكيف يقع التداول على السلطة في داخلها.

 

محمّد علوش: هذه وسائل أستاذنا صلاح الدين، ليست أساسيات.

 

صلاح الدين الجورشي: الدولة الإسلامية؟

 

محمّد علوش: لا، أنا أقصد ما تدعو إليه، أن تحقّق الدولة نوعاً من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، هذه وظيفة الدولة، لكن السؤال الأساسي ألا يُفترض أن يكون للدولة هوية؟ الإسلاميون عندما يتحدّثون عن الدولة الإسلامية، هم يتحدّثون عن هوية الدولة، هكذا يقولون.

 

صلاح الدين الجورشي: أنا أسألك، هل الدولة يجب أن تكون لها عقيدة؟ بمعنى أنه هل عندما نُعطي عقيدة للدولة، هل سيجعلها قائمة بشكلٍ جدّي وعميق ومختلف عن بقية الدول؟ الدولة لها وظيفةٌ أساسية هي حماية حقوق الناس وتحقيق التعايش بين مواطنيها. قيمة الدولة ليست في أنّها إسلامية أو غير إسلامية، والماركسيون عندما أحبّوا إنشاء الدولة الماركسية أو الدولة الاشتراكية انتهوا إلى ماذا؟ إلى قمع واسع النِطاق وإلى فشل ذريع على جميع المستويات.

نحن نريد أن نبني دولة تحترم المواطِنة، تعتمد أساليب، تعتمد الوسائل المُرتبطة بالمهام، لا يمكن أن تصل إلى هدفها من دون وسيلة. إذاً قيمة الوسيلة هي التي ستُعطيك الفرصة لتحقيق هدفك، ولذلك فشل الإسلاميون وفشل غيرهم، رفعوا شعارات، الدولة الوطنية كانت مجموعة شعارات، ولكن هذه الشعارات خانتها الدولة الوطنية لماذا؟ لأنها لم تعتمد الوسائل الحقيقية والفعلية والجدية التي من شأنها أن توصلهم إلى تلك الشعارات. إذاً قضية الوسائل ليست قضية هامشية وإنما قضية أساسية واستراتيجية.

 

محمّد علوش: نستكمل إن شاء الله في الأسبوع القادم النقاش بهذا الخصوص.

كل الشكر والتقدير لكم أستاذ صلاح الدين الجورشي على أمل اللقاء بكم في الأسبوع المقبل، كما أشكركم مشاهدينا على حُسن المتابعة. إلى اللقاء.