أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

منطق القرآن في الحوار مع الآخر

هل نملك كمسلمين معرفة إسلامية متكاملة أم أننا نملك رؤى وأفكار ونظريات فوضوية في هذا المتن أو ذاك؟ وهل نملك إبستمولوجيا إسلامية منظمة أم مجاميع معرفية متضاربة؟ وما هي أسس المنهجية المعرفية في المدارس الإسلامية، وأين يكمن الخلل؟ سيجيبنا عن هذه التساؤلات الكبرى وغيرها المفكر الإسلامي الكبير والعالم البحاثة السيد كمال الحيدري.

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنّة مثواكُمُ.

على الرّغم من الغِنى الكبير في الموروث الإسلاميّ، وعلى الرغم من تدفّق المراجع والمصادر والحواشي والتفسيرات وكُتُب الحديث ممّا يسمح بالتأسيس لمعادلاتٍ معرفيّة إسلاميّة، إلا أنّ كلّ ذلك لم يحدُث ولم ينتظم في أصولٍ معرفيةٍ يمكننا تقديمها بطريقةٍ منهجية للجغرافية الإنسانية.

وفي هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخ العالم الإسلامي، حيث الاصطراع والاختلاف والتقاتل والتذابح، يهمّنا أن نعرف كيف نظّم القرآن الكريم للحوار، وكيف أقرّ الاختلاف مع الآخر والانفتاح عليه، وكيف أسّس لحضارةٍ دَيدنُها التنوع والتعددية كما خلق الله تعالى الطبيعة متنوّعةً ومتعدّدةً.

فما هو منطق القرآن في الحوار مع الآخر؟ وهل الاختلاف سُنّة إلهية أم غير ذلك؟ ولماذا لم يتعلّم المسلمون من نماذج الحوارات التي كانت سائدة في بعض تاريخِنا الإسلاميّ لينقذوا الأجيال اللاحقة من السقوط والانكسار الحضاري؟

هذه التساؤلات وغيرها سيجيبنا عنها المحقّق الكبير آية الله العظمى السيّد كمال الحيدري الذي استضاف الميادين في بيته في قم المقدّسة في إيران.

مرحباً بكم سماحة السيّد العزيز.

 

السيّد كمال الحيدري: مرحباً بكم دكتور في قم المقدّسة.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله. طبعاً قبيل هذا اللقاء نشرنا أنه سيكون لنا لقاء معكم، فتهاطلت علينا الرسائل من محبّيكم في العالم الإسلامي صدقاً، من خط طنجة جاكرتا ومن ديار الاغتراب، والكلّ يُقرئك السلام، وها أنا ذا أنقل الأمانة كما هي.

 

السيّد كمال الحيدري: وعليك وعليهم السلام جميعاً.

 

يحيى أبو زكريا: سلّمكم الله. سماحة السيّد، واحدة من الإشكالات التي يعيشها المسلمون اليوم مسألة الاختلاف. لماذا لم ننظّم هذه المسألة ونعطيها بعدًا معرفياً ابستمولوجياً كما ورد ذلك في القرآن الكريم؟

 

السيّد كمال الحيدري: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين. اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد.

في الواقع، للإجابة على هذا التساؤل دكتور، أحتاج إلى بيان مقدّمة، وهي أنّ القرآن الكريم لا أقل في آيتين صريحتين دعا إلى الأمّة الواحدة وذمّ التفرّق والتقاطع ونحو ذلك. قال تعالى "إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ"، وقال تعالى "وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ". إذاً دعوة صريحة من القرآن الكريم أن تكون البشريّة جميعاً ماذا؟ أمّة واحدة.

الآن أنا لا أريد أن أدخل في هذا البحث، أنّ هذه الآية عندما قالت أمّة واحدة، هل المُراد من الأمّة الواحدة الأمّة الإسلامية، أو المراد من الأمة الواحدة البشرية؟ لأنّ القرآن الكريم في آيات أخرى تقول إنه أساساً كنتم أمة واحدة فاختلفتم، وهناك إشارة إلى ماذا؟ إشارة إلى البشرية وليست إشارة فقط إلى الأمة الإسلامية. أنتم عندما تأتون إلى الآية 113 من سورة البقرة، تجدون بشكل واضح وصريح يعبّر هذا التعبير الدقيق في سورة البقرة، قال تعالى "كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً". إذاً هنا عندما تقول الآية إنّ هذه أمتكم أمة واحدة، فهل المُراد من الأمة الواحدة أمة الإسلام كما ذكر البعض أو البشرية؟

وطبعاً الآن أنا لست بصدد أن أقدّم القرائن والشواهد أنّ القرآن يُشير إلى البشرية ولا يُشير إلى ماذا؟ ولا يُشير إلى أمة الإسلام، "فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً". أنظر هنا، بدأ الذم أنكم إذا كنتم أمة واحدة، والله سبحانه وتعالى خلقكم لأن تكونوا أمّة واحدة، إذاً لماذا تقطّعتم أمركم بينكم زبرا، "كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ". هذا معناه أن القرآن يريد أن تكون البشرية ماذا؟ أمّة واحدة، يريد من البشر جميعاً أن يكون لهم مقصدٌ وهدفٌ واحد. ما هو المقصد؟ "وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ"، "وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ".

السؤال المطروح هنا أساساً، إذا كان الأمر كذلك، فهل أنّ القرآن الكريم مع دعوته إلى الأمة الواحدة يوافق على الاختلاف والتعدّد في هذه الأمّة، أو يريدهم أن لا يوجد هناك أي تعدّد وأي اختلاف بينهم، أيّ منهم؟ لأنّ البعض يتصوّر أنه عندما دعا القرآن الكريم البشرية إلى أن تكون أمة واحدة، إذاً يريد أن يقرّ الاختلاف أو يرفع الاختلاف، البعض يتصوّر أنه إذاً لكي نكون أمّة واحدة لا بدّ أن يرتفع ماذا؟ أن يرتفع الخلاف والاختلاف، بعبارةٍ أخرى أن يكون الجميع نسخةً واحدة، لا نسخ متعدّدة وعقائد متعدّدة وأفكار متعدّدة وشعوب متعدّدة، مع أننا عندما نأتي إلى القرآن الكريم نجد نفس هذا القرآن الذي يؤكّد ويدعو إلى الأمّة الواحدة يؤكّد على الاختلاف والتنوّع، ولهذا لا بدّ من أن نميّز جيّداً بين الاختلاف المذموم وبين الاختلاف ماذا؟ الممدوح. الآن إذا كان معنا وقت إن شاء الله أنا أشير إلى الفرق بينهما.

القرآن الكريم مع أنّه يؤمن بالأمّة الواحدة، ولكنّه نجده في آخر سورة هود، أعزائي، أنا بودّي أنّ المشاهد الكريم واقعاً يقف عند هذه الآية بشكل واضح وصريح ويدقّق فيها جيّدًا. قال القرآن الكريم، الآية 118 من سورة هود، "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً"، ماذا يعني؟ يعني أنّ الله سبحانه وتعالى، لو اقتضت حكمته التكوينية وإرادته التكوينية أن يكون الجميع بلا أيّ اختلافٍ وبلا أيّ تعدّدٍ وتنوّعٍ كان قادراً على أن يوجِد هكذا أو ليس بقادر؟ نعم، "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". هنا الآية تقول لا، هذه الإرادة، هذه المشيئة، الله لم يُعمِلها وإنما ترك البشريّة حتى يختلفوا.

 

يحيى أبو زكريا: هنا أدخلتني في معضلةٍ كلامية، كيف يكون مُراد واجب الوجود الذي هو الله أن تكون الأمة أي الأسرة البشرية واحدة، وفي نفس الوقت يقول قرار التوحيد والجمع بيدي؟ ألا يُعَد هذا، وأستغفر الله ولا إشكال في طرح السؤال، نوعاً من التناقض؟

 

السيّد كمال الحيدري: أحسنتم، هو هذا الذي أريد أن أقوله. القرآن الكريم دعا إلى الأمة الواحدة، دعا، ولكنّه قال أنا أريدكم أن تكونوا أمّة واحدة، ولكن إلهي تريد أمة واحدة بلا إرادةٍ واختيارٍ وتعدّدٍ وتنوّع، أو تريد أمّة واحدة تتضمّن كل هذا الاختلاف والتعدّد والتنوع؟ أيٌ منهما؟

القرآن الكريم يصرّح بشكل واضح، يقول "وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ".

 

يحيى أبو زكريا: بناءً على قولك، هذا الاختلاف بين علماء الإسلام، هذا الذبح الذي أوجدته فتاوى أمر مشروع؟

 

السيّد كمال الحيدري: الجواب هنا لا بدّ أن نرجع إلى قواعد أخرى للقرآن، عندما يريد القرآن أن يقول أو يوافق على الاختلاف، يريد الاختلاف الممدوح أم يريد الاختلاف ماذا؟ المذموم؟ هذا الذي تفضّلت به، هذا ناشئٌ من الاختلاف المذموم وسأبيّن إن شاء الله من خلال البحث أنه ما هو الاختلاف الممدوح وما هو الاختلاف المذموم. هنا القرآن الكريم بشكل واضح وصريح يقول " وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ" وأنتم تعرفون جيّداً الفعل فعل مضارع، والفعل المضارع يدل على الاستمرارية، لا أنه في عصر تختلفون، لا وإنما أساساً أنتم على الدوام والاستمرار ماذا؟ مختلفون.

سؤال، إلهي وسيّدي أنت خلقتنا للاتفاق أو للاختلاف؟ أيٌ منهما؟ هذا السؤال لا بدّ أن نسأل القرآن الكريم، أنت خلقتنا، أنت عندما ترجع إلى القرآن الكريم يقول " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ". إذاً الغاية من خلق الإنسان هي ماذا؟ العبادة. إذاً هذه اللام في قوله ليعبدون لام الغاية، غاية خلقكم أن تكونوا عابدين لله. الآن لماذا؟ هذا بحث آخر الآن لا أريد أن أدخل فيه. ولكن السؤال، إلهي أنت خلقتنا لأن نتّفق أم خلقتنا لأن نختلف؟ أيٌ منهما؟ هذا لبسؤال لا بدّ أن يوجَّه لمن؟ للقرآن الكريم.

 

يحيى أبو زكريا: وهو سؤال مشروع.

 

السيّد كمال الحيدري: وهو مشروع، أسأل القرآن، قد يقول لي أنا خلقتك لأن تكون ماذا؟ لأن تكون متفقاً، أو يقول لي أنا خلقتك لأن تكون ماذا؟ مختلفاً.

أنظروا إلى الآية المُباركة، يقول الله تعالى "وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ". الآن هذه إلا من رحم ربك اجعلوها بين مزدوجين، الآن بحثي ليس فيها، ولذلك خلقهم.

 

يحيى أبو زكريا: لام العليّة ها هنا.

 

السيد كمال الحيدري: نعم، عزيزي، لام الغاية. يقول لماذا خلقتنا مختلفين؟ يقول أنا أساساً، الغاية من خلقكم، خلقتكم لأن ماذا؟ لأن تختلفوا.

هذا السؤال، وأنا واقعاً أريد أن تغني البحث دكتور. أنظروا إلى هذه. هنا هذه اللام، وهي ولذلك خلقهم، وقع بحثٌ كبير وعميق بين محقّقي المفسّرين أنه كيف يمكن أنّ الله سبحانه وتعالى جعل غاية خلق البشر لماذا؟ لأن يختلفوا. الجواب، هنا ندخل في بحث فلسفي عميق، أنه إذا لم يكن هناك اختلافٌ وتنوّعٌ وتعدّدٌ بين الفكر البشري، هل كان يتكامل الإنسان أو لا يتكامل؟

 

يحيى أبو زكريا: لكن ها هنا سماحة السيّد منعطف خطير، الختلاف في مجال الرؤية العقدية، في مجال المبنى الفلسفي، في مجال الرؤية للحياة، للعمران، للحضارة، أين هي مشروعية الاختلاف؟

 

السيّد كمال الحيدري: الجواب، أحسنتم. هنا آية سورة البقرة بيّنت ما هي دائرة الاختلاف.

 

يحيى أبو زكريا: يعجبني فيك الرجوع دائماً إلى القرآن، وأنا أدعو المسلمين إلى أن يكون القرآن هو سندهم.

 

السيّد كمال الحيدري: إلى القرآن لأنه أنا أتصور واقعاً أن لا بدّ إسلامنا نأخذه من أين أعزائي؟ من القرآن، لماذا؟ لأنّ هذا الكتاب هو المتّفَق عليه بين جميع المسلمين. أما إذا جئنا إلى الحديث، الآن ليس هذا حديثي، أنتم تعلمون أنّ عندي مشروعاً كاملاً في مسألة إسلامي محورية القرآن، ولكنه إذا رجعنا إلى الحديث أنت تستند إلى البخاري ومسلم ومسند أحمد والمسانيد والسنن وغيرها، وأنا استند إلى الكافي وإلى غير ذلك. إذاً تُحَل المشكلة أو لا تُحَلّ المشكلة؟ غير قابلة للحل. أما إذا رجعنا إلى القرآن الكريم، القرآن الكريم بيني وبين الله مورد اتفاق بين جميع المسلمين أولاً، وثانياً نحن نعلم أن هذا الكتاب المُبارك وقع فيه تحريف أو لا؟ الجواب لم يقع فيه أي تحريف. هذا القرآن الذي بأيدينا هو الذي نزل به الروح الأمين على قلب الخاتم.

 

يحيى أبو زكريا: وإن كان الإشكال في المسلمين أنّ كلّ طائفة أخذت من القرآن؟

 

السيّد كمال الحيدري: مع الأسف الشديد أدلجت القرآن، أحسنتم، المشكلة في القراءات التي قُدّمت عن القرآن، ليس في أصل ماذا؟ المشكلة في المعرفة الدينية، وليست ماذا؟ وليست في أصل الدين. انظروا إلى القرآن الكريم، الآية المباركة جدًا مهمة هذه الآية، "كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ"، "فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ"، التفِتوا، "وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ".

إذاً الاختلاف في ماذا؟ في الدين، ليس في الأمور الطبيعية، وإذا وجدنا اختلافاً في الأمور الحياتية أو في موارد أخرى هذه منشأها الاختلاف في الأمور ماذا؟ في المعارف الدينية، في المعارف العقدية للدين.

 

يحيى أبو زكريا: نستطيع أن نقول في التأويل.

 

السيّد كمال الحيدري: أحسنتم، في القراءة، إذا أردنا أن نتكلم بلغة حداثوية أو معاصرة، مشكلتنا أين؟ مشكلتنا في القراءة.

 

يحيى أبو زكريا: جيّد سماحة السيّد، اليوم في الراهن الإسلامي، دعني في القرن الواحد والعشرين، اليوم كل طائفة، كل ملّة، تخندقت وراء قراءة معينة، وربّك لكلّ حي إسلامه، لكلّ مسجد إسلامه، لكل زقاق إسلامه، بات الإسلام إسلامات والوحي مجموعة وحي. كيف هنا سأنطلق من القرآن لإعادة تنظيم الاختلاف بين المسلمين وصولاً أقلاً إلى السلام بين المسلمين؟

 

السيّد كمال الحيدري: الجواب، بيني وبين الله، وهذا يعود بنا مرّة أخرى إلى المقدّمة التي أشرتَ إليها، وهي أنه في النتيجة قبل أن ندخل إلى مصادر المعرفة الدينية، ما هي مصادر المعرفة الدينية؟ المصدر الأول هو القرآن الكريم، المصدر الثاني هو الموروث الروائي من أوسع أبوابه، ولن أدخل به الآن، هذا المصدر الثاني، المصدر الثالث هو العقل الإنساني، لأنه أنت من خلال هذا العقل تستطيع أن تفهم ماذا؟ أن تفهم هذا المصدر أو ذاك المصدر، وإلا بيني وبين الله، الآن لو نعطي القرآن الكريم ونعطي الحديث النبوي لمن لا يملكون العقل، للبهائم والدواب والحيوانات، هل يمكنهم أن يستفيدوا من القرآن شيئاً أو لا يمكنهم؟ لا يمكن، لماذا؟ لأنه لا توجد عندهم آلية فهم القرآن. إذاً آلية فهم القرآن أين تتحقق؟ تتحقّق في العقل. إذاً نحن لا بدّ أن نرجع إلى العقل أولاً لنتعرّف على آليات عمل العقل، وبعبارةٍ أخرى لا بدّ أن نحقّق آليات المنظومة المعرفيّة لفهم القرآن ولفهم ماذا؟ ولفهم النصوص الروائية.

 

يحيى أبو زكريا: إذاً سماحة السيّد هنا تفتح لي إشكالاً واسعاً. هل كان المسلمون؟

 

السيّد كمال الحيدري: دكتور، أنا أريد أن أسأل، هذه الإشكالات متى نجيب عليها؟

 

يحيى أبو زكريا: لا، ستجيب عنها جميعاً إن شاء الله اليوم وفي حلقات مقبلة.

 

السيّد كمال الحيدري: إن شاء الله.

 

يحيى أبو زكريا: المسلمون إذًا مجانين لأنه منذ 14 قرناً والصراع ديدنهم والتقاتل ديدنهم.

 

السيّد كمال الحيدري: أن العقل حجة أو ليس بحجة.

 

يحيى أبو زكريا: لم يحكّموا العقل نهائياً.

 

السيّد كمال الحيدري: وهذا مع الأسف الشديد هو المشكلة الأصلية التي تواجه منظومة المعرفة الدينية. لا بدّ أن نعرف ما هو دور العقل، وأنا هنا دكتور لو تسمح لي في جملة واحدة، هنا لا بدّ أن أبيّن ما هو المُراد من العقل. العقل له اصطلاحان، وكثيراً ما يقع الغلط والخطأ والمغالطة في ما بينهما. الاصطلاح الأولي للعقل يعني القوة التي ندرك بها الأشياء، كما عندنا الباصرة نبصر بها الأشياء، السامعة نسمع بها الأشياء، الذائقة نذوق بها الأشياء، عندنا العقل نتعقّل به الأشياء. هذا الاصطلاح الأول. إذاً هو آلة للفهم، لا آلة للسمع، لا آلة للبصر، لا آلة للذوق او الشمّ أو اللّمس. هذا المعنى الأول للعقل.

المعنى الثاني للعقل وهو أنه ما تنتجه هذه القوة العاقلة. هذه القوة عندها منتوجات تصنع قواعد لنفسها. هذه القواعد هي التي يصطلح عليها بالنتاج العقلي الذي يدرَس عنه في الفلسفة، وتُدرَس عنها في العلوم العقلية. العلوم العقلية تسمّى علوماً عقلية لا لأنّ آلية الفهم فيها هو العقل، بل لأنّ المُنتَج فيها هو من قبل من؟ ليس من قبل النقل والوحي، وإنما من قبل من؟ من قبل العقل.

 

يحيى أبو زكريا: وللأسف الشديد معظم عقلاء العالم الإسلامي وفلاسفة العالم الإسلامي قُتلوا نحراً من الحلاّج إلى السهروردي إلى آلاف غيرهم للأسف الشديد.

هنا سماحة السيّد في المحور الثاني، سأتطرّق معك إلى الاختلاف، هل هو سُنّة إلهية إذاً؟ وكيف ننظّم هذا الاختلاف إذا سمحت لنا سماحة السيّد؟

مشاهدينا كان بودّي أن أواصل وأواصل، لكنّها ضرورات الفواصل. بُعيد الفاصل سنعود إلى قوة البحث وبحث قوة العقل. ترقّبونا.

 

 

المحور الثاني

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. عُدنا، والعَود أحمد، إلى اللقاء مع سماحة آية الله العظمى المحقّق الكبير السيّد كمال الحيدري.

سماحة السيّد، كنتُ قد سألتُك في المحور الأول حول ثقافة الاختلاف وكيف برمجها القرآن. دعنا في القرآن أحسن.

 

السيّد كمال الحيدري: قبلها القرآن كأصلٍ، قالوا ولذلك خلقه الله، الآن إذا سمحت لي دكتور قبل سؤالك، جملة واحدة. السؤال لماذا الاختلاف؟ لماذا الاختلاف؟ هنا الفلاسفة دخلوا على الخط، وهنا بودّي، أنظروا كيف أنّ البحث الفلسفي والعقلاني يتزاوج مع البحث ماذا؟ مع البحث الوحياني. الجواب، شيخ الإشراق السهروردي عنده جملة واحدة، هذه تكشف عن سر كل هذا الاختلاف، يقول لولا التضاد لما دام الفيض من الجواد.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت، أحسنت. لكن سماحة السيّد، وأنت مجتهدٌ وتعرف كيف يُصنَع الحكم الشرعي وتعرف كيف تردّ الفرع إلى الأصل، المولى عزّ وجلّ في بنائه للوجود، عندما يبني الوجود، هو يملك لحظة المستقبل، يعرف ما سوف يؤول إليه الأمر ويعرف أنّ هذا الاختلاف سيفضي إلى تقاتل البشر، فهل السماء وضعت كميناً في طريق الإنسان باعتبار أنّ المولى عزّ وجلّ عندما أوجدني، وهو يعلم ما يؤول إليه أمري، ويعلم أنّ الإخباري إذا اختلف مع الأصولي أو غير ذلك سوف ينتهي بهم المطاف إلى التكفير الأعمى الذي هو سمة موجودة في كل المدارس الإسلامية؟ فكيف لم يَصُن المولى عزّ وجلّ، هذا إشكال لبعض الفلاسفة، الوجود باحتياطاتٍ كبيرة جداً؟

 

السيّد كمال الحيدري: الجواب بيني وبين الله لم يطلب من أحدٍ أن يتقاتلوا، طلب منهم بل خلقهم للاختلاف، ولكن أيضاً وضع قواعد حل هذا الاختلاف. لو ترك البشر بلا أن يضع لهم قواعد لحل هذه الاختلافات، عند ذلك يأتي هذا السؤال. ولذا أنتم تجدون هذا السؤال الذي طرحتموه، كان هو سؤال الملائكة لا يتبادر إلى الذهن، ليس سؤال الفلاسفة، هذا سؤال الملائكة، قال "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ، قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء". الملائكة من أين عرفوا؟ ذاك بحث آخر، كاملاً التفتوا أن هذا البشر عندما يختلف، بدل أن يتجه بهذا الاختلاف لأن يتكامل من خلاله، يحاول ماذا؟ يحاول أن يذبح بعضهم البعض الآخر. من هنا جاء القرآن الكريم، وهنا هذه النقطة الأساسية، من هنا جاء القرآن الكريم ليضع قواعد لهذا الاختلاف بين البشر في منظومتهم وفي معارفهم الدينية.

 

يحيى أبو زكريا: وما هي هذه القواعد؟

 

السيّد كمال الحيدري: أحسنتم، جزاكم الله خيراً. أنا هنا إن سمحت لي دكتور، وإن شاء الله عندي وقت، أنا أشير إلى قاعدتين وأصلين أشار إليهما القرآن الكريم، ولا يسع الوقت لأكثر من ذلك.

القاعدة الأولى دكتور، في سورة سبأ، "وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ". الحديث حديث من؟ كلام من؟ كلام سيّد الخلق، سيّد الخلق يتكلّم مع من؟ يتكلّم مع المشركين.

 

يحيى أبو زكريا: قريش.

 

السيّد كمال الحيدري: هل يتكلم معهم بمنطق أنا الحق المُطلق وأنتم الضلال المُطلق الذين في النار أو يتكلّم بلغة الحق أو أيّ منهما؟

 

يحيى أبو زكريا: الثاني.

 

السيّد كمال الحيدري: هذا المنطق يُشير إلى أمرٍ، وهو أنّه أنتَ عندما تبدأ الحوار مع الآخر، بشكل مباشر أو غير مباشر، إبدأه على أنّك لعلّك تملك الحقيقة ولعله لا يملكها، ولعله ماذا؟ ولعلّ العكس، هو يملك جزءاً من الحقيقة، وأنت ماذا؟

 

يحيى أبو زكريا: تملك الجزء الآخر فتتكاملا.

 

السيّد كمال الحيدري: تملك الجزء الآخر فتتكاملا، أحسنت. إذا بدأ الحوار بمنطق أنّ الحقيقة في جيبي وأنت تملك شيئاً أو لا تملك شيئاً، نصل إلى نتيجة أو لا نصل إلى نتيجة، لا نصل إلى نتيجة، ولهذا أحكم عليك بالكفر ثم بالذبح ثم في النار ثم الخلود في النار.

 

يحيى أبو زكريا: وهو منطق فرعون، "مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى".

 

السيّد كمال الحيدري: لماذا؟ لأنه هو يرى أن الحقيقة ماذا؟ موجودة، ولكن هذه الآية المباركة ماذا تقول؟ "وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ"، ليس وإيّاكم، "وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ". طبعاً، بحسب المنطق اللغوي كما يقال هنا بنحو اللف والنشر المرتب، عندما قالت إنا قالت لعلى هدى، وإياكم في ضلال، ولكنّه هذا اعتقادك، قد يكون الأمر بالعكس. ماذا أنتج هذا؟ أنت عندما القرآن يقول لا يحق لك أن تدّعي أنك تملك ماذا؟ الحقيقة المُطلقة، وإنما يُحتمَل أن الجزء من الحقيقة موجود عندك، ويحتمل أن جزءاً آخر من الحقيقة ماذا؟ موجود. ما هي النتيجة؟ النتيجة أنه يحق لأي معتقد ديني، لا أقول لأي سنّي أو شيعي، لا أقول لأي مسلم أو مسيحي، لا لأي معتقد، أنتم تعلمون أنّ الأديان التي تحكم البشرية عشرة أديان رسمية موجودة في العالم، الأديان التوحيدية التي هي اليهودية والمسيحية والإسلام والأديان الشرقية التي هي الكونفوشيوسية وبوذائية وإلى غير ذلك، وما شاء الله، ما شاء الله، عشرة أديان رسمية. هذا المنطق منطق ماذا؟ منطق أنتم في عصر الاتصالات بعد لا يمكن أن تقول أنا أتكلم في ما بيننا، أنت مفتوح على العالم والعالم مفتوحٌ عليك، أنت متّصلٌ به وهو متصل بك.

يترتّب على هذا الأصل، أنظروا إلى القرآن الكريم كم هو دقيق في هذه المسائل، ولكن التفتنا أو لم نلتفت، التفتوا جيّداً. القرآن الكريم بعد أن أسس لهذا الأصل ينتقل إلى الأصل الثاني وهو الآية 113 من سورة البقرة أعزائي، اليهودية دين إلهي أو ليست ديناً إلهياً؟ نعم. المسيحية دين إلهي أو ليست ديناً إلهيا؟ نعم. القرآن الكريم يذمّهم على منطقهم. ما هو منطقهم؟ منطق أن الحقيقة عندنا وليست عند الآخرين. "وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ"، منطق ماذا؟ إنّ الحقيقة عندي، وليست عندك، وأنّ الحقيقة عنده وليست عندي. القرآن يوافق على هذا. المهم أن الآية المُباركة قالت ويا ليت أن منطق الإقصاء جاء من عموم الناس، هذا المنطق جاء من علمائهم، وإذا وجدتم اختلافاً وتقاتلاً في الأمة فسببه مَن؟ العلماء، وهم يتلون الكتاب.

إذاً منطق الإقصاء منشأه من أين يبدأ دكتور؟ من العلماء. إذاً، إذا أردنا أن لا تتقاتل الأمة، أن لا تتذابح الأمة، أن لا يكفّر بعضها بعضاً، فلا بدّ أولاً أنّ العلماء أن لا يكفّر بعضهم ماذا؟ بعضاَ، وأن لا يقصي بعضهم بعضاً، وأن لا يقول له لست على شيء. أنت الآن انظر، في المدرسة الواحدة بعضٌ يقول للبعض الآخر لست على شيء، في المدارس المتعدّدة بعضٌ يقول للآخر لست على شيء، في الأديان المتعدّدة بعضهم يقول لست على شيء. قد يقول لي قائل، سيّدنا هذه الآية مرتبطة باليهود والنصارى، فما هي علاقتنا بهذه الآية؟ نحن إذا نتكلم الآن أين؟ في الإسلام. القرآن الكريم يقول لا، هذا منطقٌ جارٍ سواء كان عند اليهود والنصارى أو غيرهم، "كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ".

            

يحيى أبو زكريا: إذاً بناءً على ما ذكرت، أعطِني عالماً ربانياً أعطيك أمة متنوعة مختلفة ومتحابّة أيضاً في الله.

 

السيّد كمال الحيدري: عالِماً قرآنياً، الرباني إصطلاح قرآني، ولكن أريد أقول إذا أعطيتني علماء يتّبعون المنطق القرآني والنهج القرآني، إطمئنّ، سوف يقبل كلٌ منهم ماذا؟ بالآخر ويقرّ له، يقول نعم أنا وصلت بحسب أدلتي إلى ألف وأنت وصلت بحسب أدلتك إلى ماذا؟ إلى باء، أنت حر في ما وصلت إليه وأنا حر في ما وصلت إليه. التفت لي جيداً دكتور، الآية تقول، "كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ"، يريد أن يقول القرآن أنّ منطق الإقصاء ومنطق التكفير، منطق العالم أو منطق غير العالم؟

 

يحيى أبو زكريا: منطق غير العالم.

 

السيّد كمال الحيدري: "كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ". إذاً إذا وجدت إنساناً على فضائية أو في كتاب أو في محاضرة أو في منبرٍ يقصي الآخر، هذا منطق العالم في القرآن أو منطق غير العالم؟

 

يحيى أبو زكريا: منطق غير العالم يقيناً.

 

السيّد كمال الحيدري: بينك وبين الله، إذاً أعطانا ضابطاً القرآن الكريم.

 

يحيى أبو زكريا: لكن سماحة السيّد، العالم في كل المدارس الإسلامية، وهو ينطلق نحو استكشاف الحكم الشرعي، يبدأ حادياً، شوفينيًا، دغمائياً، ديكتاتورياً.

 

السيّد كمال الحيدري: وهذا خلاف منطق القرآن.

 

يحيى أبو زكريا: معذرة، الذي يدرس في مؤسسة دينية مثلاً، لا يقرأ إلا كتبه، وذاك نفس الشيء.

 

السيّد كمال الحيدري: الجواب هو هذا الذي يحاربه القرآن ويرفضه القرآن ويقول ينبغي أن تقبل الآخر. هذا أنا أريد أن أصل إليه. الآن قد تقول سيّدنا، إذا وقع الاختلاف في الأمّة وجلسوا في ما بينهم ولم تُحَلّ الاختلافات، فما هو الحكم، فما هو؟ في النتيجة أحكم بكفري أو لا؟ أنظروا ماذا يقول القرآن الكريم يقول "كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ". سؤال إلهي إذاً هذا الاختلاف أين نذهب به؟ قال "فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

 

يحيى أبو زكريا: لا إله إلا الله.

 

السيّد كمال الحيدري: أنظر وبعد أوضح من هذا دكتور تريد؟ أنت القرآن يتكلم معك، لأن نحن اعتقادنا ان القرآن لم يخاطب به النبي الأكرم فقط، القرآن يخاطب ماذا؟ يخاطب البشر في كل زمان. ومن هنا لا بدّ أنت لا تقول قال السلف الصالح كذا، لا بدّ أن تقول أنت ماذا يقول لك القرآن وماذا تفهم من القرآن؟ أنت لا بدّ أن تقدم قراءتك ماذا؟ للقرآن.

 

يحيى أبو زكريا: هذا يؤكّد مقولة الكلاميين أن الذي لم يُعرَض عليه الإسلام في دار الدنيا يُعرَض عليه يوم القيامة، فيكون الله عادلاً مع الجميع.

 

السيّد كمال الحيدري: ولهذا هناك نظرية تقول أنّ التكليف الإلهي لن ينتهي أمده في الدنيا، بل هو مستمرٌ في عالم البرزخ، بل هو مستمرٌ في الحشر الأكبر، إلى أن يدخلوا إلى الجنة وإلى النار، عند ذلك ينتهي التكليف.

 

يحيى أبو زكريا: سماحة السيّد أقرّ أمام الله وأمام المشاهدين أنّك تملك مشروعاً إصلاحياً كبيراً للعالم الإسلامي، وأدعو الجميع أن يتعلم من مدرستك.

ما هو الأسلوب القرآني الذي إذا اتبعناه نصل إلى إقرار ثقافة الاختلاف والحوار في المجتمع، ومن ثمّ نعيش متعايشين متحابين وندخل الجنة جميعاً، عرضها السموات والأرض يدخلها خمسة أشخاص؟

 

السيّد كمال الحيدري: أحسنتم، وطبعاً هذه النظرية تحتاج منك دكتور حلقة مستقلة في بيان نظرية النجاة الأخروي.

 

يحيى أبو زكريا: بالتأكيد، إن شاء الله.

 

السيّد كمال الحيدري: مع الأسف الشديد نحن إلى الآن في العقلية الإسلامية أو الثقافة الإسلامية العامة، إلى الآن نؤكّد راوية أو حديث تفترق أمتي على 73 فرقة كلّها في النار إلا ماذا؟ إلا واحدة، وحيث أنّ كلّ حزب بما لديهم فرحون. إذاً كلّ جهةٍ تدّعي لنفسها أنها ماذا؟

 

يحيى أبو زكريا: المحقّة.

 

السيّد كمال الحيدري: أنها الفرقة الناجية.

 

يحيى أبو زكريا: طبعاً الشيخ محمّد عبدو يرى بطلان هذا الحديث، وأنت كذلك تراه.

 

السيّد كمال الحيدري: وهو كذلك، وأرى بطلانه. أثبت لك بطلانها قرآنياً.

 

يحيى أبو زكريا: في حلقة أخرى أو إذا على السريع ممكن.

 

السيّد كمال الحيدري: واقعا أحسنتم، أنا لا أريد أن أدخل الآن في هذا البحث، وهو أنه نظرية النجاة هل هي مختصّة بمدرسةٍ، بدينٍ، باتجاهٍ، أو أنّ نظرية النجاة واسعة؟ استوسعوا رحمة الله، سبحان الله، القرآن الكريم يقول "وما أرسلناك"، رسول الله، وما ارسلناك إلا جلاداً للعالمين؟

 

يحيى أبو زكريا: لا، رحمةً للعالمين.

 

السيّد كمال الحيدري: للعالمين، ليس للأمة الإسلامية، ونحن نعلم بأنّه أساساً ليس بالضرورة أنّ الجميع سوف يكون ماذا؟ مسلمين، لأن هذا الاختلاف، وأن المسيحية ستبقى حتى في زمن ظهور الحجّة.

 

يحيى أبو زكريا: المصيبة أنّ أحدهم فتح بحثاً بعنوان كيف نكفّر الجن. يا أخي كفرت الإنسان، تذهب إلى الجنّ أيضاً.

 

السيّد كمال الحيدري: واقعاً كذلك أقول هذا المنطق منطق عدم قبول الآخر، كله ينشأ دكتور من هذه النقطة وهي أنّ الحقيقة المطلقة موجودة عند أحد أو أننا دائماً نبحث عنها، أيٌ منهما؟ إذا وصلنا إلى نتيجة أنّ الإنسان بلغ ما بلغ من السعي والبحث والجهد والاجتهاد والتحقيق فإنّه يبقى يلامس الحقيقة ولا يمكنه أن يملك ماذا؟ الحقيقة المطلقة.

إذا كان كذلك، بعد يتواضع قليلاً، يقول لعلّ الحق عند ماذا؟ عند غيري. أنظروا بينكم وبين الله، القرآن كيف يتكلم معنا؟ نحن ابتعدنا عن القرآن ولهذا يأتي القرآن يوم القيامة وماذا يقول؟ "إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا"، لم يعمل أحد به. رسول الله سّيد الخلق أجمعين، سيّد الأولين والآخرين، هل يوجد أعلم منه أو لا يوجد؟ لا يوجد. القرآن يأمره "وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا".

 

يحيى أبو زكريا: الله أكبر. إذاً من بوابة العلم، الاسلوب المتبّع لتحقيق هذه الثقافة.

 

السيّد كمال الحيدري: أحسنتم. إذاً ما هو الأسلوب. في الواقع أنا لا أريد أن أطيل في هذا البحث، أنا لا أعلم كم دقيقة باقية من الوقت.

 

يحيى أبو زكريا: لا بأس، تفضّل سيّدي.

 

السيّد كمال الحيدري: أنا أريد أن أقف عند آيتين في هذا المجال، ليس أكثر من ذلك.

الآية الأولى دكتور، وهي الآية 125 من سورة النحل، الآية 125 أعزائي من سورة النحل، قال تعالى، هذه الآية كثيرة الدوران ولكن فيها بعض المطالب التي لا يُلتفَت إليها، وهي الآية، قال تعالى "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ"، إذاً البحث أين؟ في الدعوة، والآن الجميع يدّعي أنه داعية، سواء أنت نظرت إلى الشيعي، إلى السنّي، إلى المسيحي، إلى غيره، إلى البوذي، إلى الكونفشيوسي، كلٌ يريد أن يدعو إلى الرب الذي يعتقد به. طبعاً التصوّر عن الرب ليس واحداً، أنتم تعلمون أنه كلٌ يملك تصوّراً عن الله، المجسمة يعتقدون أنه جسم، القائلون بعدم التجسم يعتقدون أنه مجرد وليس بجسم، وإلى غير ذلك، المسيحية تعتقد أنه ثلاثة في واحد أو واحد في ثلاثة وهكذا.

الآن، أنا لا أتكلم ماذا؟ لا أتكلم الآن في هذا التصوّر الذي يملكونه عن الرب كلٌ بحسبه، ولكن القرآن الكريم يشير إلى أنه إذا أردت أن تدعو لك طرقٌ ثلاثة على نحو الحصر، لا يوجد طريقٌ ماذا؟ لا يوجد طريقٌ رابع. ما هو الطريق؟ "بالحكمة"، هذا هو الطريق الأول، بالحكمة. هنا القرآن الكريم أشار إلى الطريقة الثانية، "والموعظة الحسنة، هذه رقم اثنين، ثم أشار إلى الطريقة الثالثة، "وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ". هذه الآية دكتور عادة يقرأونها على المنابر وعلى الفضائيات، ولكن العجيب أنّ الآية لم تقيّد الحكمة بأيّ قيدٍ، قالت بالحكمة، سؤال حسنة أو غير حسنة؟ سكتت الآية. هذا معناه إن الحكمة لا تكون إلا.

 

يحيى أبو زكريا: حسنة.

 

السيّد كمال الحيدري: بل أحسن.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

السيّد كمال الحيدري: وإلا إذا كانت توجد عندنا حكمة حسنة وحكمة غير حسنة، كان المفروض أنّ القرآن ماذا يفعل؟ يقيّد، يحدّد ولم يفعل.

ثانياً عندما جاء إلى الموعظة قال والموعظة الحسنة، هذا معناه أنّ الموعظة ماذا؟ تنقسم إلى قسمين: حسنة وغير حسنة، فيا أيها الذين تدعون إلى الله بالموعظة عليكم بالموعظة الحسنة إذا أردتم أن تكونوا من أهل القرآن، ومع الأسف الشديد نحن عندما نسمع الآن على الفضائيات، نسمع في كثير منها موعظة حسنة أو موعظة غير حسنة مولانا؟

 

يحيى أبو زكريا: والله لا علاقة لها بالموعظة.

 

السيّد كمال الحيدري: أحسنتم.

 

يحيى أبو زكريا: سُباب وشتائم ولعن.

 

السيّد كمال الحيدري: سأقول عزيزي، التفت لي دكتور، ثم عندما جاء إلى الجدال الذي هو في الأعمّ الأغلب في ما بيننا ماذا؟ جدالٌ بالتي هي أحسن، جدالٌ في ما بيننا. القرآن الكريم قال الجدال ينقسم إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول الجدال القبيح، الصنف الثاني الجدال الحسن، الصنف الثالث الجدال بالتي هي أحسن، والإنسان القرآني والعالِم القرآني لا يحقّ له أن يستعمل الطريق الأول أو الطريق الثاني، عليه أن يستعمل الطريقة الثالثة لأنّ الآية قالت ماذا؟ وجادلهم بالتي هي حسنٌ؟، لا، أحسن.

       

يحيى أبو زكريا: أفعل التفضيل.

 

السيّد كمال الحيدري: أحسنتم دكتور. إذاً أعزائي، الآن على هذا الأساس التفتوا جيّداً، الآن منطق السبّ واللعن والتكفير، هذا من الناحية النظرية، والذبح والحرق وغيرها وغيرها من الناحية العملية، بأيّ واحدة من هذه مرتبطة عزيزي؟

 

يحيى أبو زكريا: لا حول ولا قوة. دعني أمارس معك لعبة الاجتهاد قليلاً. هنا الحسن ورد في ثلاثة موارد، الحكمة الحسنة، قلت لا تكون إلا حسنة، والموعظة الحسنة والجدال الأحسن.

 

السيّد كمال الحيدري: أحسنتم.

 

يحيى أبو زكريا: من أين جاء السيئون في هذا العالم الإسلامي؟

 

السيّد كمال الحيدري: الجواب، لأنّهم هجروا القرآن الكريم، وهم يدّعون أنّهم ماذا؟ حملة القرآن. ولذا يأتي القرآن يوم القيامة ويحاججهم، يقول أين أنتم من القرآن؟ ولهذا أول محتجّ على الإنسان يوم القيامة هو مَن؟ هو القرآن الكريم، لأنه يأتي ناطقاً. نحن نعلم أنّ القرآن يأتي يوم القيامة ناطقاً وهذه روايات عند المدرستين شيعة وسنّة بين جميع المسلمين، وروايات مُعتبرة وصحيحة، أنّ أول من يأتي يوم القيامة ناطقاً متكلّماً مدافعاً شفيعاً معارضاً محاكماً هو مَن؟ هو القرآن الكريم.

يقول هذا عمل بي وهذا ماذا؟

 

يحيى أبو زكريا: لم يعمل بي.

 

السيّد كمال الحيدري: هذا هجرني وذاك ماذا؟ عمل بي. ولهذا تجدون القرآن الكريم، هذا الذي قلت أنّ القرآن أقرّ الاختلاف ولكنّه أيضاً أسّس لقواعد الاختلاف، على أيّ أساس؟ هنا يأتي هذا السؤال، الآن لا أريد أن أدخل ما هو المُراد من الحكمة، ما هو المُراد من الموعظة، ما هو المُراد من الجدال بالتي هي أحسن. واقعاً هذه مقولات ثلاث لأنكم قرأتم في علم النحو أن العطف يدل على المغايرة، أي الحكمة ليست الموعظة والحكمة ليست الحكمة والحكمة ليست الموعظة والموعظة ليست الجدال بالتي هي أحسن. ثمّ قال القرآن الكريم، التفتوا جيّداً، أنا بودي أنّ المشاهد الكريم يتدبّر القرآن، "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ"، التفتوا جيّداً، "أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا". فمن لم يتدبّر يقع أين؟

 

يحيى أبو زكريا: في القسم الثاني.

 

السيّد كمال الحيدري: في القسم الثاني، لأن القرآن حصره، قال إما متدبّرٌ للقرآن وإما ماذا؟ وإما أقفِل قلبُهُ عن القرآن الكريم، ولهذا هذا الذي أقفل قلبه عن القرآن الكريم يأتي يوم القيامة أعمى. "قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ".

 

يحيى أبو زكريا: إذاً، بناءً على أنّ المقدّمات مُفضية إلى النتائج الصحيحة، المقدمات الصحيحة مُفضية إلى النتائج الصحيحة، لمّا أقفلنا القرآن قُفِلت في وجهنا الحضارة، التنمية، الرقي، وصار المسلمون عالة وشحادين؟

 

السيّد كمال الحيدري: جزاكم الله، كلّ شيء، وهذا الذي تجده أنت الآن من القرن الخامس أو السادس، بعد ذلك التمدّن الكبير الذي عاشته الأمّة الإسلامية، والذي كان، أنتم تعلمون، في القرون الوسطى للغرب ليس القرون الوسطى للأمة الإسلامية، القرون الوسطى للغرب الذي كان يعرف اللغة العربية كان يُعَدّ ماذا؟ إنساناً متمدّناً حضارياً.

 

يحيى أبو زكريا: عبقرياً، صحيح.

 

السيّد كمال الحيدري: صحيح، لأنه لماذا؟ لأن الحضارة والمدنية كانت أين؟ كانت هنا عند المسلمين، ولكنّه الآن مع الأسف الشديد، الآن ماذا بقي عندنا من الإسلام؟ ماذا بقي من الإسلام؟

 

يحيى أبو زكريا: رسمه واسمه.

 

السيّد كمال الحيدري: دكتور إذا سمحت لي، القرآن الكريم لم يبيّن فقط أنكم إذا استمعتم إلى هذا القرآن وعملتم به، له كذا، بيّن آثار هذه العملية. عجيب القرآن الكريم، بيّن بشكل واضح وصريح، أنتم تعالوا معنا دكتور إلى الآية 34 و35 من سورة فُصّلت، قال تعالى في سورة فُصّلت، الآيات 34 و35 و36، أنظروا ماذا يقول القرآن الكريم؟ القرآن الكريم بشكل واضح وصريح يقول "وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ". التفت جيّداً، تستوي الحسنة والسيئة أو لا؟

 

يحيى أبو زكريا: كلا.

 

السيّد كمال الحيدري: كلا، هذا صريح القرآن، "وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ". سؤال، إذا استعملت أسلوباً غير بالتي هي أحسن أين يدخل في الحسنة أو في السيئة؟

 

يحيى أبو زكريا: في السيئة.

 

السيّد كمال الحيدري: أنظروا إلى الآية، قال "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"، يعني ماذا؟ يعني أيها الإنسان إعلم، إذا دفعت بالتي هي أحسن، فهي ماذا؟ فهي حسنة؟ أما إذا دفعت بالذي هو حَسَن، فهي حسنة أم سيئة؟ فهي سيئة. إذا وعظت ولم تكن موعظتك حسنة فهي ماذا؟ فهي سيئة. بعد توضيح أكثر من هذا؟ انظروا، "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"، إذا أردت أن تدافع، أردت أن تدعو، ادفع بالتي هي أحسن. إلهي ما الثمرة المترتّبة؟ ثمّ ماذا؟ أنا أريد أن أدفع بالتي هي غير أحسن، يقول لا أنا أريد منكم أمة واحدة، أريد منكم أمة متراحمة، "فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ".

الآن ترون المنطق الذي يحكم البشر، الذي يحكم المسلمين، تجد منطق الولّي الحميم أو منطق التقاتل والتذابح.

 

يحيى أبو زكريا: سماحة السيّد، للأسف الوقت التلفزيوني كما تعلم سريع جداً، وأنت تحتاج إلى فضائية لوحدك صراحةً، نسأل الله أن يوفقك إن شاء الله لتطلق فضائية اسمها فضائية المرجعية إن شاء الله. أريد الخلاصة.

 

السيّد كمال الحيدري: قال تعالى "فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ". سؤال، من الذي يستطيع أن يقوم ويطبّق هذا المنهج القرآني؟ قال "وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا". لا بدّ أن تصبر على الآخر، "وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ".

الحصيلة التي أريد أن أنتهي إليها في دقيقةٍ واحدة. إذاً القرآن الكريم بيّن منهجه وبيّن أسلوبه. أولا قبل أو دعا إلى الأمة الواحدة، وأقرّ الاختلاف، وبيّن أسلوب الحوار مع الاختلاف، ولكنّه بيّن لنا أصلاً، هذا الأصل بودّي أنّ المشاهد الكريم عندما يستمع إلى أية فضائية أو قناة أو منبر يلتفت إليه. القرآن عندما يُشير إلى أهل النار، يُشير إلى منطق أهل النار، يقول "كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا". إذاً منطق أهل النار منطق السلام والحكمة وكذا أو منطق اللعن والسبّ والشتم؟

 

يحيى أبو زكريا: وربي كمنطق أهل النار هو منطق الواقع العربي.

 

السيّد كمال الحيدري: الآن أنا أقول، إذاً على المسلمين أن يضعوا الملاك، هذه المسطرة، هذا الميزان، حتى يعرفوا أن هذه الفضائية فضائية منطقها منطق أهل النار، كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا، أو منطق أهل الجنة. " قَالُوا سَلَاماً"، سَلَاماً.

 

يحيى أبو زكريا: قال "هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ".

سماحة العلامة آية الله العظمى السيّد كمال الحيدري لا يُشبَع منك، أنت حقاً عقلية إسلامية جبّارة.

قبيل الالتقاء بك طفتُ حول مكتبتك، وجدتُ أنّ معظم الكتب من المدارس الإسلامية الأخرى، وهكذا يجب أن نكون لينهض عالمنا الإسلامي بأجنحة كلّ المذاهب والمدارس الإسلامية. شكرًا جزيلا لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

حيّاك ربّي.