من الداخل

برنامج حواري اجتماعي- سياسي أسبوعي يهدِف إلى كشف ومناقشة قضايا ساخنة وشائكة، أو استضافة شخصيات مثيرة للجدل، من خارج العالم العربي.

"ليبرا" تكافح المافيا و الجريمة المنظمة

جيوفاني باغانو - رئيس منظّمة ليبرا لمكافحة المافيا في صقلية، كيف يصف ظروف نشأة إتحاد ليبرا و ما تعريفه للجريمة المنظّمة و كيفية مكافحتها ؟

زينب الصفار: السلام عليكم ورحمة الله. منظمة "ليبيرا" الإيطالية تكافح الجريمة المنظمة على طريقتها وبأسلوب تربوي، حتى باتت نهج يسير عليه كل من أراد أن يكافح من خرج عن القانون. منظمة ليبيرا الإيطالية في مدينة باليرمو في صقلية، من الداخل. معكم زينب الصفار، تابعونا.

 

التقرير

إذا كنت من أنصار مكافحة أعمال المافيا والجريمة المنظمة، فتعال وانضم إلى اتحاد مكافحة المافيا، ليبيرا. في الـ 21 من آذار / مارس من كل عام، تحتفل منظمة ليبيرا بيوم الذاكرة والالتزام لإحياء ذكرى ضحايا المافيا في إيطاليا. لا عجب وهو يوم بداية الربيع، عندما تتفتح الأزهار وبراعم الأمل حيث تكون فرصة لذوي الضحايا الذين يلتقون ويبلسمون جراحهم تحت مظلة "ليبيرا". يتناقشون ويتشاركون الآراء حول سعيهم المتواصل للعدالة الحقيقية وتحويل ألمهم إلى وسيلة سلمية وفعّالة للسلام والتغيير. أبصرت ليبيرا النور في الـ 25 من آذار / مارس عام 1995 بهدف دعم كل من تهمه مقارعة المافيا والجريمة المنظمة، حتى باتت اليوم تضم أكثر من 1200 جمعية ومجموعة ومدرسة التزمت بناء جهود تنظيمية متضافرة بين الحقائق المحلية السياسية والثقافية، قادرة على بث ثقافة الشرعية والقانون. 20 عاماً من البرامج التربوية والزراعية والرياضية التوعوية في المدارس والجامعات والجمعيات، حتى باتت منظمة معترفاً بها من قبل وزارة الجامعات والأبحاث الإيطالية. أعمال ليبيرا لم تحدّها الحدود الإيطالية فانطلقت إلى العالم حيث نسجت شبكة عالمية لمكافحة التهريب غير الشرعي والجرائم البيئية الدولية والاحتيالات وجرائم الملكية الفكرية وشبكات اقتصادية محظورة حول العالم. اليوم أضحت ليبيرا بين أبرز 100 منظمة غير حكومية في العالم بحسب الـ "غلوبل جورنال". رئيس منظمة ليبيرا في مدينة باليرمو في جزيرة صقلية "جيوفاني باغانو" كيف يصف ظروف نشأة اتحاد ليبيرا؟ وما هو تعريفه للجريمة المنظمة؟ وماذا عن مكافحتها؟ وطبيعة عملهم في هذا السياق؟

 

زينب الصفار: سيّد جيوفاني باغانو، رئيس مؤسسة "ليبيرا" في باليرمو، صقلية، أهلاً بك في برنامج من الداخل. السؤال الأول الذي يخطر ببالنا، ما هي ليبيرا ومتى تأسّست، وما هو الهدف الرئيس لهذه المنظمة أو المؤسّسة غير الحكومية؟

 

جيوفاني باغانو: شكراً جزيلاً لك. ليبيرا مؤسّسة، ولكنها فريدة من نوعها، ففي عنوانها الثانوي نجد الجواب عن سؤالك: "مؤسّسات بالأسماء والأعداد ضد المافيا". لفظة "مؤسّسات" مكتوبة بصيغة الجمع لأنها تمثّل تآزراً بين مؤسّسات عدّة. حالياً لدينا 1600 كيان إيطالي منها التعاونيات الاجتماعية والمدارس. العضو في مؤسّسات ليبيرا، "بالأسماء والأعداد"، تشكّل عموداً آخر يدعم أنشطتنا، ألا وهو إحياء ذكرى الضحايا، وهذا ما نحققه. نشأت مؤسّسة ليبيرا قبل 20 سنة، عام 1995، ونتمّ في شهر شباط / فبراير 20 سنة من النشاط. نشأت فكرة مشروع قانون إثر مبادرة شعبية. في إيطالياً، قد يقترح النواب مشاريع القانون ولكن عامة الشعب أيضاً يحق لهم ذلك. ووقع 50 ألف مواطن على الأقل الاقتراح، فنشأت ليبيرا إثر التواقيع على اقتراح تحوّل إلى قانون اعتمده مليون شخص في كل أنحاء إيطاليا. أصبح هذا الاقتراح قانوناً أفضل من قانون سابق يشترط مصادرة إرث المافيا الذي يصبح حكماً ملكاً للدولة، ولكن حتى يومنا هذا بقي الإرث محصوراً. صحيح أن هذا الإرث ظل بيد الدولة ولكنه بقي غير مستعمل، ولكن بفضل القانون الذي اقترحته مؤسّسة ليبيرا، يمكن استخدام الممتلكات المصادرة من المافيا لأغراض اجتماعية، وقد تكون هذه الممتلكات شققاً..

 

زينب الصفار: بالضبط، مثل المكان الذي نحن فيه حالياً، فهذا المبنى صادرته المافيا. كيف تمكنتم من استرجاعه واستخدامه؟ ألا تخافون استعمال هذا المكان الذي كان بيد المافيا؟

 

جيوفاني باغانو: في الحقيقة إن قصة هذه الممتلكات يجري سردها في ما يجري لاحقاً. نحن في متجر مصادر من يد مقاول حُكم عليه لتعامله مع المافيا، وقصة هذا الموقع الذي جرت مصادرته من المنظمة الإجرامية، ومن ثم مُنح لمؤسّسة وفي هذه الحال مؤسّستنا نحن، تسرد قصة القانون الذي أدّى إلى نشأة مؤسّسة ليبيرا، والشخص الذي يدان، أي الشخص المتهم، يجد فجأة أن ممتلكاته قد احتجزت تلقائياً. يبقى هو مالك العقار، ولكن لا يُسمح له بالتصرف بأملاكه فتنتخب المحكمة مديراً وصيّاً يقرر كيفية توظيف أملاكه ويدير العقار في انتظار قرار القضاء الإيطالي النهائي الذي يحدد ما إذا كان المتهم مذنباً أم بريئاً. حالما يُحكم عليه بأنه مذنب تصادر ممتلكاته كلها، وهكذا أصبح هذا المتجر كله للدولة، فأوكلته الولاية المركزية إلى مقاطعة باليرمو، والتي بدورها أوكلته إلى مؤسّسة اجتماعية بموجب القانون، الذي بفضل تأسيس ليبيريا أصبح تنفيذه ممكناً في بلادنا، وبالتالي أتكلم عن عام 1994 حيث احتجز ملك عقاري للمرة الأولى من يد مالكه، وفي عام 2008، أي بعد 14 عاماً، تمكنت البلدة من استكمال الإجراءات الإدارية وتوكيلها إلى مؤسّسة ليبيرا في باليرمو، وهي المؤسّسة التي يتعين عليها نقل ممتلكات المافيا إلى مجتمع باليرمو وإلى المجتمع الإيطالي عموماً. وفي خلال الأعموام الـ 14 من الطبيعي أن تمسي حال العقار رديئة، فأية شقة أو أي مبنى يبقى مغلقاً 14 عاماً من البديهي أن ينتهي به الأمر إلى حال حرجة جداً، وبالتالي أصبح تدخل المجتمع كله لا بد منه. وقد تمكنا من جمع الأموال لترميم العقار ونجحنا في جمع تبرّع بقيمة 30 ألف يورو تقريباً ما سمح لنا بترميم المبنى ترميماً أساسياً كما ترون وجعله أهلاً للاستعمال الاجتماعي. في هذا المتجر عرض المالك القديم مجموعته الخريفية الشتوية وفي مطلع الصيف عرض ربطات العنق، وقد أبقينا الأثاث والهيكلية كما كانا، وحالياً يأتي نحو ألفي تلميذ سنوياً إلى هذا المكان للتعرّف إلى أنشطة ليبيرا وليروا بأعينهم كيف يمكننا الرد على ظاهرة المافيا بفضل هذا القانون.

 

زينب الصفار: سنخوض أكثر في موضوع البرنامج الثقافي الذي تقدّمه ليبيرا وتمثله، ولكن قبل ذلك، أحد أهدافكم الأساسية هو أنكم تأسّستم لمكافحة أنشطة المافيا وشبكات المافيا. ما هو تعريف الجرائم المنظمة؟ وما هو موقف إيطاليا من الجرائم المنظمة اليوم لا سيما في صقلية؟

 

جيوفاني باغانو: هذه الظاهرة عامة، ظاهرة شديدة التعقيد، ونحن كمؤسّسة ليبيرا نأمل أن نتمكن يوماً من إغلاق المؤسّسة بعد تحقيق هدفنا وهو تحسين مجتمعنا بالتغلب على المافيا. من البديهي أن نفكر في ماهية ظاهرة المافيا بتعقيدها، وليس فقط من جانبها المعروف لأسباب سينمائية أو قانونية تعرض في النشرات الإخبارية، ومن ضمن القصص التي ملأت العناوين الإخبارية. نذكر تفجيرات "كاباتشي" وتفجيرات "فيا داميليو"، وهي صور بقيت محفورة في مخيلة الشباب وذاكرتهم، أغلبهم من تلامذة المدارس الابتدائية، ولكن الظاهرة شديدة التعقيد وفي رأيي هي رمزية. على سبيل المثال، سأخبركم بقصة لا يعرفها الجميع وليس الجميع متأكداً من صحتها مثل اغتيال القاضي "بورسيلينو" في تفجيرات "فيا داميليو" والأسباب الكامنة وراء هذا الاغتيال، واليوم أية محاكمة تقام في هذه المدينة تصبح وطنية على الأقل، هذا إن لم تنتشر لتشمل أوروبا. هي محاكمة تقيم هدنة بين الأحياء الفاسدة في بلادنا، أي جماعة المافيا والقوات الجوية الإيطالية يجري حلّها عبر الإعلام بمجرد محاكمة عضو من المافيا.

 

زينب الصفار: كيف للدولة أن تفاوض المافيا؟

 

جيوفاني باغانو: بالضبط، المشكلة كامنة في هذه المسألة، فنحن نتكلم عن الهدنة ما بين الدولة والمافيا لنبسّط الأمر، لكن الهدنة لا تُبرم بين الدولة والمافيا بل بين أشخاص يمثلون الدولة ويتحملون مسؤولية اختيار هذه الاستراتيجية وأحياء من منظمات المافيا الذين، وبناء على ما يجري إجمالا، لا يبوحون باستراتيجية رئيس حلقة المافيا التي ينتمون إليها، ومن إطار تنفيذ شروط الهدنة بعد الطلب الأول إلى رئيس الحلقة يستنتجون إذا ما كانت المافيا قد أذعنت. إذاً، أتكلم الآن عن منظورنا نحن، أي منظور الدولة. أقول دوماً للتلاميذ إن اختراقات الهدنة بين المافيا والدولة كثيرة، فممثلو الدولة هم القضاة الذين يكافحون بمحاكماتهم في سبيل اكتشاف الحقيقة ووضع حد لنشاطات المافيا، مثل باولو بورسيليني وجيوفاني فالكونيه، وشخصيات كثيرة أخرى سبق أن وصلت إلى نتائج تاريخية. وكذلك فإن الدولة يمثّلها أشخاص مدنيون كثر مثل المعلمين وضباط إنقاذ القانون الذين عبر أعمالهم اليومية الاعتيادية وعبر أداء واجبهم اليومي، يقدّمون مساهمة استثنائية في مكافحة المافيا. كنت أقول، إحدى النقاط المهمة هي الجانب العسكري للمافيا، فالمافيا ليست واحدة في إيطاليا بل عديدة ومقسّمة إلى مناطق وفق المنطقة التي تتحدّر منها مع هيكليات منظمة مختلفة، ولكنني أذكركم بأننا نتكلم عن الجانب العسكري، منه السيطرة على الأراضي ومنه أنشطة الأعضاء المعروفين بالـ "بيتشوتي" والهيكليات المنظمة التي يؤلفونها، فنجد في صقلية حالاً من الضياع إثر عمليات الضباط الفعالة الذين بعد اعتقال "بروفنتسانو" نجحوا في اعتقال رؤساء حلقات المافيا في باليرمو أمثال "لو بيكولو" و"روتولو" و"راكويا" و"نيكي"، لم يشتهروا بسبب الصحافة الوطنية ولا السكان العالميين الذين شاهدوا هذه الظاهرة بفضول، بل اشتهروا لأنهم اعتقلوا في وقت قصير جداً. فعلى الأرجح تعاني المافيا أزمة من الناحية العسكرية في صقلية، ولكن الأمر ليس مماثلاً في مناطق أخرى ولا سيما في "كالابريا" حيث منظمة مافيا أخرى تدعى "ندرانغيتا" قائمة، وهي أكثر تعقيداً بكثير. ففي حين أن المافيا في صقلية "كوزا نوسترا" غالباً ما تختار إقامة هدنة مع الدولة ثم تصطدم بها..

 

زينب الصفار: تشكّل دولة ضمن الدولة، ويقولون عن بعض أنواع المافيا إنها دولة مناوئة للدولة أو دولة موازية. سنتعمّق أكثر في هذا الموضوع، تفضل.

 

جيوفاني باغانو: لقد شاركوا الدولة في السلطة، ولكنني كنت سأذكر هذا لاحقاً، هم يتولون السيادة. يمكن منظمات المافيا فعل ذلك سواء بموافقة الدولة أو بمعارضتها، أما الخيار الذي اتخذته "ندرانغيتا" فهو البقاء في الخفاء وعدم مواجهة الدولة مباشرة وإدارة مناصب السلطات ولا سيما الاختيار الذي ندفع ثمنه نحن، أي المجتمع المدني، ألا وهو التوسع خارج منطقة المنشأ والمشاركة في الاقتصاد الحي الإيطالي في قطاع الصناعة في الشمال، ونحن بصدد دراسة المناطق التي تتغلغل فيها المافيا

 

زينب الصفار: في تورينو...

 

زينب الصفار: وحتى في بيومونتيه وفي فينيتو وليغوريا، ونجري تحقيقات في ميليه رومانيا حول حركة الأرض والعمران حيث نجد كل أنواع الأنشطة التي تشي بوجود مافيا "كالابريا"، أي الـ "ندرانغيتا" وهي أكثر تقدماً بكثير من مافيا صقلية "موزا نوسترا" الذين يمرون حالياً في مرحلة صعبة، ومع ذلك يخطئ من يفكر في أن المافيا تقهقرت، ويخطئ من يعتقد أن قصة المافيا اقتربت من نهايتها.

 

زينب الصفار: سنكمل حديثنا حول هيكليات المافيا كلها، وأنشطتها وعلاقاتها الخارجية وإلى ما هنالك، ولكننا سنتوقف مع فاصل قصير لنتكلم بعده عن مؤسّسة ليبيرا كبرنامج تعليم معتمد، وما معنى ذلك. إذاً فاصل قصير ونعود، لا تذهبوا بعيداً.

 

فاصل

 

زينب الصفار: إنشاء ليبيرا كرّس لإحداث وإدارة برامج تربوية متعلقة بقيم المواطنة ولمواجهة المافيا والجريمة المنظمة، ووزارة الجامعات والأبحاث الإيطالية اعترفت باتحاد ليبيرا كبرنامج تعليمي. رئيس منظمة ليبيرا في باليرمو في جزيرة صقلية جيوفاني باغانو، كيف يصف هذه المبادرة وهذا البرنامج؟

 

جيوفاني باغانو: إطار التوعية إجمالاً هو أحد أعمدة أنشطة ليبيرا، والعقار الأول الذي صودر والذي تكلمنا عنه نشأ بفضل فكرة قانون يعيد إلى المجتمع ما صادرته المافيا منه. أما العمود الثاني لأنشطتنا فهو التآلف مع كل ضحايا المافيا الأبرياء وعائلاتهم. إذا كنتم تذكرون العنوان الثانوي مؤسّسات بالأسماء والأعداد. العنوان "بالأسماء والأعداد" لأن هناك قصصاً كثيرة طي النسيان عن ضحايا المافيا الأبرياء الذين دفعوا ثمن إجرام المافيا، وبالتالي ترغب ليبيرا في دعم عائلاتهم. في 21 من آذار في كل عام نقرأ أكثر من 900 اسم، أسماء جميع ضحايا المافيا الذين استطعنا جمعها، ولكنها ليست بالضرورة أسماء الجميع. أما النقطة الثالثة التي تركز عليها ليبيرا في أنشطتها فهي التعليم، وتمثل المدارس المكان الأساسي لهذا النشاط، وتمثل المدرسة في إيطاليا المكان الذي يتأسّس فيه المواطن المدني المستقبلي ليس بعناصر تعليمية فحسب مع الدروس الواجب إعدادها للغد أو الاستعداد للامتحانات، بل بدروس تجعل منهم مدنيين يتمتعون بأعلى درجات الوعي. هكذا نمهّد فكرة البرنامج التعليمية التي تقترحها ليبيرا. وفي مقاطعة باليرمو نعمل كثيراً على فكرة مواجهة التلاميذ، وترك أمر تولّي الكلام لهم وحدهم، فعلينا أن نجعلهم يرون الأخطاء ويتخلون عن سلسلة كاملة من المعلومات عن تاريخ المافيا وخصائص أنشطتها في مختلف المراحل الزمنية في ما يتعلق بالظاهرة، ولكن قبل كل شيء علينا تشجيع التلاميذ على التفكير قدر الإمكان وعلى متابعة الظاهرة في الحياة اليومية وليس من منظورها التاريخي فحسب، ولكن هذا غير كاف. تمييز الأسود من الأبيض بوضوح وتمييز الخير من الباطل أمر لا بد منه، ولكنه لا يقدّم أية حلول للمشكلات، ثم من الضرورة قراءة الصحف الإيطالية ومتابعة الأحداث إضافة إلى طلب الفواتير من المتاجر وهو واقع يعكس الوضع الراهن مباشرة. المكافحة من أجل الوحدة الشعبية واختيار الممثلين السياسيين في لحظة التصويت، ليس وفق توزيع الأصوات بل يجري اختيار الأشخاص بحسب قدرتهم على تلبية المهمات لتمثيل مجتمع أكثر عدلاً. هذا والمدرسة هي من أهم مراحل التوعية ولكنها ليست الوحيدة. ففي باليرمو على سبيل المثال أطلقنا مشروعاً لا يزال يطلق في مناطق أخرى من إيطاليا مثل فلورنسا وجينوفا ونابولي يدعى "أموني"، أي "هيا بنا" باللهجة المحلية، ويقضي المشروع بمعاقبة القاصرين على الجرائم الأولى البسيطة، وفي نظامنا لا نعاقب القاصرين لدى ارتكابهم جرماً للمرة الأولى ولا نرسلهم إلى الإصلاحيات، ولكننا نجبرهم على اتباع صفوف إعادة تعليم ونخضعهم لتجارب كي نمتحنهم، ونتدخل في هذه المرحلة. أولئك الشبان الذين اقترفوا خطأ معيناً، من وجهة نظرنا هي مرحلة من النمو الشخصي لا نزال نتمتع فيه بفرصة التدخل بفاعلية ومنحهم الوسائل اللازمة لفهم الوضع فهماً صحيحاً وتحمّل المسؤولية التي تقع على عاتقهم حين يكبرون. ليبيرا منتشرة في أنحاء إيطاليا، وكل وحدة تنسيق تتمتع بحرية في دمج الأنشطة وتحديد أكثر لأهداف فاعلية. ما أعنيه هو أن أحد الأمور التي نفعلها هنا على سبيل المثال، حين تسنح لنا الفرصة، هو اصطحاب التلاميذ في زيارة إلى الأراضي التي صودرت من المافيا، والتي تنتج فيها حالياً المواد الأساسية التي تصنع منها الباستا والنبيذ في الأراضي الحرة، ما يعطي التلاميذ جواباً واضحاً عن وظائف شرعية بالنسبة إلى الشبان الذين يعملون في هذه الأراضي إضافة إلى إنماء هذه الممتلكات.

 

زينب الصفار: في 21 آذار / مارس من كل عام تحتفلون بذكرى يوم والتزام إحياء ذكرى جميع ضحايا المافيا، لماذا 21 آذار تحديداً؟

 

جيوفاني باغانو: لأنه اليوم الأول من فصل الربيع.

 

زينب الصفار: وهو يوم أمل.

 

جيوفاني باغانو: صحيح، وبالتالي نجد فيه عنصر الأمل والعطف والرغبة في احتضان العائلات التي يفوق عددها الـ 400 التي تجتمع سنوياً مع ليبيرا، مع المؤسّسات للمشاركة في هذا الإحياء. ففي 21 آذار / مارس، ننظم في كل المدن والأقاليم الإيطالية، ونقرأ أسماء الضحايا الـ 900، وهي لحظة تبدو أزلية ونتمكن من استرجاع ذكرى أو قصة أحدهم، ونختبر مختلف السياقات التي تخبرنا بما يجري في مختلف أنحاء البلاد، فنقرأ معاً إسم "برونو كاتشا" وكان قاضياً من "بييمونته" قتلته مافيا "ندرانغيتا" في مطلع العقد الثامن، ونقرأ إسم "روكو كينيتشي" الذي مثله مثل "كوستا" و"تيرانوفا"، وهم قضاة من باليرمو، أصبحوا معروفين حالياً داخل صفوف المدارس، ولكن قبل ذلك كانوا شبه منسيين، وكأن كل تاريخنا مع المافيا بدأ مع "فالكونيه" و"بورسيلينو"، كما نقرأ أسماء سياسيين مع أن الشعب ممتعض حالياً من السياسيين الجمهوريين، ولكن هناك بعض السياسيين الذين حاولوا تلبية حاجات المجتمع ودفعوا ثمن ذلك، فحظينا برئيس في منطقة صقلية، كان يدعى "بييرسانتي ماتاريلا" قتلته المافيا بسبب الجهود التي بذلها، إضافة إلى رئيس المعارضة وهو شيوعي يدعى "بيو لا توريه" الذي ظن الناس أنه شرّع قانوناً بسيطا جداً في البدء، ولكن مجرّد الانتماء إلى المافيا جرم بحد ذاته، أي إن عضو المافيا يدان لمجرّد كونه من المافيا.

 

زينب الصفار: صحيح، سنتكلم أكثر عن هذه الأحداث في حلقتنا المقبلة المتمحورة حول المافيا في إيطاليا ولا سيما في منطقة صقلية، ولكن لدي سؤال أخير لك من فضلك، في ما يتعلق بليبيرا، هل تقيمون نشاطات في الخارج أم أعمالكم تقتصر على الداخل؟ إلى أية درجة تتعاونون مع المنظمات غير الحكومية أو الشبكات التي تشاطركم الأهداف نفسها؟

 

جيوفاني باغانو: كما سبق أن ذكرت، تتميز ليبيرا بأنها تتألف من مجموعة من المؤسّسات وقد طوّرنا "فليرغ" وهي تجربة مجانية عالمية لها قاطعان فاعلان في أوروبا وأميركا الجنوبية خصوصاً، فتشكّل منظمة تضم مؤسّسات. الفكرة منها ونظريتنا التي مهّدنا لها على مر السنين هي فتح مجال انضمام أعضاء إلينا حتى على المستوى العالمي، أما نحن في باليرمو فنعمل على فكرة المواطنة الأوروبية الناشطة التي تستثمر في الفرص المتوافرة في أوروبا مثل برنامج تدريب الطلاب والخدمة الطوعية الأوروبية، وهي فرصة للمؤسّسات في ألمانيا وإسبانيا الشبيهة بمؤسّستنا، إضافة إلى فرنسا التي نتبادل معها التجارب ونتبادل المعرفة حول مختلف المناطق الأوروبية. حالياً أرسل البرلمان الأوروبي لجنة إلى الأراضي المصادرة في "كورليوني" في "سان جوزيباتو" لمعاينة الأنظمة الإيطالية، وكيف يمكن نقل هذه التجربة إلى التراث الأوروبي، وبالتالي ما يجري في النشاط السياسي الداخلي لا بد من أن تظهر نتيجته في داخل المجتمع الأوروبي. وبهذا الصدد، أجل لقد بذلنا جهداً ونحاول تحقيق ذلك قدر الإمكان، ولكنها لا تزال تجربة ضيقة النظاق.

 

زينب الصفار: سيّد جيوفاني باغانو، رئيس مؤسّسة ليبيرا في باليرمو، صقلية، نشكر لك انضمامك إلينا، ونعد مشاهدينا بأنك ستكون ضيفنا في حلقة الأسبوع المقبل حيث سنتكلم أكثر عن تفاصيل المافيا وعن تاريخ المافيا، وكيف تكافحون المافيا هنا في باليرمو، صقلية، التي هي في الواقع منشأ المافيا الإيطالية. إذاً لقاء جديد في الأسبوع المقبل مع ضيف جديد وقضية جديدة، ودائماً من الداخل. السلام عليكم ورحمة الله.