أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

الشيخ أحمد بدر الدين حسون - مفتي الجمهورية العربية السورية

الجسر الوطيد بين المسيحية والاسلام... مريم في القرآن

غسان الشامي: مساء الخير.

"مُبارَكةٌ أنتِ في النساء. إنّ الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين". مريم، العذراء السيّدة في إيمان أربعة مليارات مسيحي ومسلم، سيّدة نساء العالمين. وفي هذا الزمن التفتيتي الذي يحاول فيه الخارجون عن أخلاق الشرائع وروحها بثّ الكراهية والفرقة، لا بد ّمن مريم، السيّدة منذ آرام، الإسم الذي حمل صفة الطهارة وجمع المسيحيين بالمسلمين. كل الدروب تقودنا إلى مريم، حاملة دور وصفات تنوء بها اللغة: المرأة، الأم، القيدوم، على الرغم من إقصائية المجتمعات الذكورية، على الرغم من السبي والاغتصاب وتسليع النساء. البداية من هذا الجلال والبهاء. ومَن غير سماحة مفتي الديار الشاميّة الدكتور أحمد بدر الدين حسّون يمكنه الإيغال في استكناه الإسم والدور في القرآن الكريم؟ وأي مكان أعتق من المسجد الأموي، وتحديداً من جوار قبر يوحنا المعمدان، النبيّ يحيى؟ أهلاً بكم. وسنذهب في جولة أيقونية مريمية لنبدأ بعدها الحوار مع سماحته.

 

التقرير

 

لم تحتلّ امرأة في تاريخ البشرية ووجدانها المكانة التي احتلّتها العذراء مريم، اإاسم الذي يعني في الآرامية السيّدة، وكلمة مار تعني السيّد. الإسم الذي تحوّل إلى صفة تعني الطاهرة.

وُجدت مريم في النص الإنجيلي قبل ولادة السيّد المسيح، ورافقته حتى الصلب والقيامة. وفي القرآن الكريم نجدها العابِدة قبل الولادة والبتول والأم الطاهرة المُكرّمة مع ابنها.

هذا الحضور المريمي تبدّى منذ المسيحية الأولى في كنائس بُنيت على إسم السيّدة، وفي جماعات مريمية كرّمتها. وتفنّن رسّامو الأيقونات برسمها مستوحين السيرة الإنجيلية إذ تبدو غالباً حاملة المسيح الطفل وبألوان زاهية ووجه هادئ ورزين وحزين معاً ورأس مُغطّى. ويقال إن أول الأيقونات رسمها القدّيس لوقا، وإنها في الشاغورة في دير سيّدة صيدنايا في سورية.
وهناك أيقونات لها عن ميلادها وعن دخولها إلى الهيكل وعن مريم الفتاة بين والديها يواكيم وحنّة وحتى عن رُقادها. ونجدها في أيقونات العذراء المُرشدة والقائدة والمُعزّية والرحومة والمُتوّجة والحَبَل بلا دَنَس وأمّ البرايا والمُرضِعة والعجائبية والعذراء الوردية وحاملة الوردة وينبوع الحياة وفرح الحزانى والزنّار المُقدّس وحتى سيّدة البحر والجبل وغيرها.

كما تبارت مدن كثيرة بأيقوناتها المريمية مثل عذراء كيلوس وكورسون وكازان وسيّدة جبل آفوست. وهناك مدارس للرسم الأيقوني منذ القِدَم مقدسية وحلبية وقبطية وبيزنطية وروسية وغربية أخرى.

 

غسان الشامي: أهلاً بكم. سماحتك أهلاً بك في حلقة عن السيّدة العذراء.

ماذا يعني مُحمدياً أن نتكلّم على السيّدة مريم على كتف قبر يوحنا، على كتف هامة النبيّ يحيى؟

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله خالقنا جميعاً. الحمد لله الذي خلق هذا الكون بإبداعه وأطلقه بأنواره وأسراره وجعل الزمان صفحة تكتبها يد القُدرة الإلهية بإبداع.

إن كنت تذكر أخي الأستاذ غسان أول لقاء لنا في "أجراس المشرق" الذي أردت أن توقظ به الأمّة لتستيقظ من هذه الرقدة والغفلة التي تعيش بها، كانت لقاءاتنا الأولى في رِحاب أموي حلب وبجانب والد سيّدنا يحيى سيّدنا زكريا قبل سنوات أربع.
وكانت الحلقة الأولى التي بدأت بها "أجراس المشرق" من رِحاب سيّدنا زكريا --عليه السلام--.

غسان الشامي: مع أملنا أن نعود إلى حلب.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: وإن شاء الله سيكون بعد هذه الحلقة لقاء آخر مع أجراس وأذان المشرق في حلب مرة أخرى وهي تغرّد في مآذنها وتُطرِب العالم بأجراس كنائسها وتوقظهم...

غسان الشامي: إن شاء الله.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: لتقول: ها هي سورية، استطاعت أن تجمع في رِحابها كل رسالات السماء وكل أبناء وآباء الأنبياء ورسالات الأصفياء. لذلك حينما نتحدّث اليوم عن مريم، وبدايتك كانت رائعة، لا بدّ من مريم اليوم لأننا مُزّقنا باسم كثير من الطوائف والمذاهب، فنبحث اليوم عن جامع يجمعنا. لذلك حينما اخترت اسم مريم، والمرأة اليوم تحوّلت في العالم إلى كارثة مؤلمة من الظلم والتهجير والاستغلال والعرض والطلب ليأتي لقاؤنا اليوم مع امرأة ما ذُكرت في كتاب مُقدّس مثلما ذُكرت في القرآن. 34 مرّة ذُكرت باسمها شخصياً: مريم بنت عمران.

غسان الشامي: إذا سمحت لي، قربنا من النبي يحيى، علاقة النبي يحيى بسيّدتنا مريم.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: الناس يبحثون دائماً حينما يتحدّثون عن سيّدتنا مريم عن ولادتها لعيسى --عليه السلام--، ولكن لا يبحثون عن ميلاد مريم أن ميلادها كان فيه شيء عجيب في التاريخ وتحوّل في شريعة من الشرائع التي هي شريعة سيّدنا موسى والتي كانت تحتكر القيادة الدينية في أيدي الرجال. فكانت مريم هي التي أرادها الله أن تخترق هذا الاحتكار وتكون المرأة التي تدخل المعبد رغماً عن حاخامات ذاك الزمن الذين اعتبروا أن المرأة كلها نَجَس. فأراد الله أن يُدخل المرأة إلى المعبد وأن تكون هذه المرأة هي المهيّأة لحمل عجيب في التاريخ. ولكن قبل أن تحمل يجب أن نعرف كيف نبتت مريم، كيف نشأت مريم، وما دور يحيى وزكريا في خدمة مريم --عليها السلام--.

غسان الشامي: هناك دور ليحيى وزكريا في خدمة السيّدة مريم.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: سيّدنا يحيى كان بَرَكَة من بَرَكات سيّدتنا مريم. أمّا سيّدتنا مريم فإنّ أمّها حينما ذكرها القرآن بصورة، وأقف دائماً مع القرآن حينما يصوّر لنا قصة مريم في أكثر من 13 مرّة بتصوير عجيب، و34 مرّة يذكر اسمها كاملاً. أمّا في أول سورة وهي سورة آل عمران، وهي عائلة مريم، آل عمران عائلة مريم: "إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً". كلمة "مُحرَّرا"؛ كان الناس هناك يُستعبَدون إمّا لملوك أو لآلهة أو لأصنام. فأرادت أمّ مريم أن يكون ما في بطنها حرّا، مُحرّراً أي من عبودية الخلق، ويكون فقط لك. هذا المولود الذي سأضعه أريد أن أَنذُره لك حرّاً من أن يقيَّد بقيد من قيود الخلق. "فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى". وهنا كان بالنسبة إليها الذهول. أنا وهبتها لك ولكنها أنثى، وليس الذكر كالأنثى عند رجال المعبد وليس عندك يا رب. هنا لننتبه: ليس الذكر كالأنثى ليس اعتراضاً من أمّ مريم، إنما تذكير بأن رجال المعبد لا يسمحون للأثنى بأن تكون موهوبة ولا يسمحون للأنثى بأن تكون مُحرّرة من رقّهم. هي المرأة التي ستكون جسراً بين رسالات السماء المسيحية واليهودية والإسلام. انتبه إلى هذه الزاوية. ستكون هي الجسر الواصل بين الشرائع الثلاث، فهي وُلدت يهودية في بيت يهودي، وسيّدنا زكريا وسيّدنا يحيى كانا من أتباع سيّدنا موسى، من شريعة سيّدنا موسى. وكان رجال المعبد الذين يسيطرون عليه هم رجال الدين اليهود. فكانت سيّدتنا مريم --سلام الله عليها-- هي العنوان الجديد القادم ليُعلم أن المرأة لها دور في كل الشرائع السماوية. فمريم ابنة عمران هي نفسها التي حملت رسالة أم موسى يوم ألقته في اليمّ، وهي نفسها التي سلّمت على محمّد --صلّى الله عليه وآله وسلّم-- يوم وصل إلى المسجد الأقصى في الإسراء والمِعراج فوقفت هي وآسية امرأة فرعون، فقال جبريل: سَلِّمْ يا محمّد. قال: على مَن؟ قال: على مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون. لذلك، حينما يأتي القرآن في سورة آل عمران ليعطينا وصف ولادة مريم وقيمة مريم ودور مريم في المعبد وكيف تحوّلت المرأة من خادمة أدنى إلى مخدومة أعلى، إلى مخدومة. فحينما قالت: "إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ" قالت كلمة: "وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". مَن ذرّيّة سيّدتنا مريم؟ شخص واحد هو عيسى --عليه السلام-- الذي سيكون في خلقه إبداع كإبداع آدم، ولكن فيه سر: حمل رسالة ما حملها آدم --عليه السلام--.

غسان الشامي: نُذِرَتْ مريم، كما أنت تقول إذاً، مذ كانت في بطن أمها. إنها إذاً منذورة. إذ قالت امرأة عمران كما ذكرت.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: "رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي".

غسان الشامي: في الآية 34 من السورة.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: سورة آل عمران.

غسان الشامي: ما معنى أن تكون منذورة قبل أن تولد؟

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: هنا هذا السر هو التهيئة كلها لولادة المسيح --عليه السلام--. يجب أن يكون هذا المولود الذي سيأتي من أم من دون أب أن تهيّأ الأم لهذه المرحلة الإبداعية الخارقة. ولذلك، كان أول خرق في قانون رجال المعبد أن تتحوّل الرسالة من أن يحملها رجل إلى أن تحملها امرأة هنا. وهذا يردّ على مَن قالوا إن سيّدنا آدم أخرجته حوّاء من الجنّة، فهي رجس وهي كذا وهي مكروهة في كثير من فكر الأمم. لا، حوّاء وآدم --عليهما السلام-- متساويان في التكليف وفي التشريف.
ولكن غاب هذا الفكر عن رجال المعبد خلال هذه الفترات الطويلة لأن فرعون قتل رجال بني إسرائيل واستعبد نساءهم، قتل رجال بني إسرائيل، 70 ألف طفل قتلهم لكي يقتل موسى.

غسان الشامي: ورجال إسرائيل ألم يعتبروا المرأة في موقع متدنٍّ؟

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: لمّا كانت المرأة خادمة في رِحاب فرعون نظر إليها الإسرائيليون بالصورة نفسها لأنه في فكرهم أنها هي التي أخرجت أباهم آدم من الجنة، ولا علاقة لها بذلك إنما هي قصة بعض رجال الدين الذين يريدون استعباد الناس بنصوص خرافية كاذبة. وهنا دور عالم الدين الذي يجب أن يُعيد القراءة اليوم لكل التفاسير، للعهد القديم والعهد الجديد والقرآن الكريم، أن يُعيد الدراسة. هل ما قاله أناس منذ 700 سنة أو 800 سنة أو 1,500 سنة صالح هذا اليوم؟ هنا مشكلتنا، وهذا الذي يحدث في العالم اليوم. لذلك، لمّا أدخلها إلى الغرفة وأقفل عليها، هنا يبدأ الإبداع الثاني. دخل عليها مرة فوجد عندها فاكهة في غير زمانها. في بلادنا العنب يأتي في الصيف. فدخل عليها في الشتاء فرأى عنباً، والمفتاح بيده. انتبه إلى كلمة سيّدنا زكريا: "يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا" أي مَن دخل عليك غيري؟ وهو لفظ ليس فقط استفهام بل استغراب لأن هذه الفاكهة ليست في أوانها، ودخولها إليك ليس شكلاً طبيعياً. فإذا بهذه المنذورة تعلّم سيّدنا زكريا النبيّ درساً من أروع الدروس فتقول له: "هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ"، فالإله الذي نُذِرْتُ له واخترقت كل قوانينكم...

غسان الشامي: يرزق مَن يشاء.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: أعطاني هذا لأخترق قوانينكم. إذاً اخترقت القانون الديني أولاً في دخولها إلى المعبد.

غسان الشامي: هنا اسمح لي أن أتوقّف قليلاً. امرأة في المِحراب. هذا كما قلت اختراق للقانون الديني في ذلك الوقت. كلّما دخل عليها زكريا وجدها مُتعبّدة أولاً.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: اسم مريم، مريم في اللغة ما هو؟ العابدة. مريم في اللغة: العابدة. فماريّا، مريم، كلها لفظ على العبادة أنها العابدة المُتبتّلة.

غسان الشامي: في التاريخ ما قبل الإسلامي والمسيحي، في التاريخ الآرامي تعني السيّدة. مار: السيّد، مريم: السيّدة، موريو تعني الرب، مارون تعني السيّد الصغير. وهي أصبحت صفة من بعد الحالة القرآنية بمعنى الطهارة، الطاهرة. أريد منك شرح رسالة القرآن الكريم لوجود امرأة في مِحراب.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: الله --عزّ وجلّ-- في القرآن الكريم حينما يذكر الآيات التي تكلّف المرأة والرجل يذكرها بلفظ التساوي: إنّ "المسلمين والمسلمات"، "المؤمنين والمؤمنات"، "القانتين والقانتات"، لذلك "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ". الذي حدث عند الرومان وعند العرب وعند الفراعنة وعند الفرس أن المرأة خرجت من أن تكون إلهة متجسّدة عند أرباب الأصنام، كانوا يجعلون آلهتهم أنثى، إلى إنسانة مُحتقرة عند أصحاب الشرائع السماوية التي زُوّرت وما هو المقصود. فسيّدنا موسى أمّه كان لها الدور الأول في إبقائه في اليمّ. أمّه وأخته كان لهما دور. وامرأة فرعون كان لها دور أن تقف أمام أعتى ملك في الأرض فتقول: رَبِّيَ الله. إذاً، المجتمعات الإنسانية تنقسم إلى قسمين: قسم يمجّد المرأة ويجعل منها إلها يعبده، وكانت هذه في الأصنام، ويضع ساحة الجنس هي المسيطرة عليه.
وقسم يحتقر المرأة ويجعلها أحطّ مكان في الحياة وأنها سبب الشؤم. جاءت سورة مريم والقرآن ككل ليقول إنه ما من نبيّ في الكون إلّا كان للمرأة دور في مسيرته. ما من نبيّ في الكون؛ حينما أتذكّر سارة وهاجر. اليوم المسلمون يذهبون إلى الحج، يشربون ماء زمزم، يسعون بين الصفا والمروة، ولا يعرفون أن ماء زمزم والصفا والمروة هو هديّة الله لـهاجر. لذلك، في المسيحية واليهودية والإسلام ما زال حتى اليوم الفكر الذكوري مسيطراً على الفكر النسائي. لذلك، سورة مريم، حينما يأتي زكريا ليكون خادماً لها ويقول لها: "أَنّى لَكِ هَذا" فتعطيه الدرس الأول. لمن تعطي الدرس الأول؟ لنبيّ. وتقول له: "إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ". الآية هنا دقيقة تماماً، تقول: "هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ". هنالك أين؟ أي حينما سمع من هذه المرأة أن الله يرزق مَن يشاء بغير حساب تذكّر نفسه زكريا وهو النبيّ. قال: ربّي هِب لي ذرّيّة ....

غسان الشامي: إذاً هي إضافة إلى أنها منذورة، مرزوقة.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: مرزوقة ورازقة.

غسان الشامي: من متابعة مقاربتك الكتابية، "وَإِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ"

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: "يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ".

غسان الشامي: لماذا هذا القرآن العظيم الإعجازي يصطفي امرأة مرتين؟

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: وفي الوسط الطهارة.

غسان الشامي: وفي الوسط الطهارة.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: إذاً، دعني فقط أعطِ حقّ هذا الذي نجلس بجانبه ثم أصل إلى الاصطفاء الثاني.

غسان الشامي: معي دقيقة في هذا المحور.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: نعم. حينما قال: "هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ" وطلب أن يرزقه ابناً وهو الذي بلغ التسعين وامرأته عاقر. في آيات أخرى: "وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ". مَن الذي أعطاه الدرس؟ هي سيّدتنا مريم. قالت: وإن كانت امرأتك عاقر وأنت بلغت التسعين، فالذي رزقني العنب في غير أوانه وأدخله والأقفال مصفَّدة قادر على أن يعطيك ما تريد يا زكريا. فكانت تلك اللحظة التي دعا فيها زكريا ربّه: يا مَن رزقتَ مريم من غير حساب، ارزقني ولداً من غير حساب. "فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى". فسيّدنا يحيى من بَرَكَة مريم التي علّمت سيّدنا زكريا هذا الدرس. أمّا اصطفاؤها الأول واصطفاؤها الثاني ففيه سر عجيب. هي المرأة الوحيدة التي جاء في القرآن "يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ" من بين نساء العالم فنُذِرْتِ في موقع فيه رجال لتخترقيه، فكنت المُصطفاة من النساء لتدخلي المعبد. وحينما دخلتِ المعبد هيّأكِ لطهارة الطعام والشراب والجسد ليصطفيك بمولود ليس له مثيل.

غسان الشامي: اسمح لي أن أتوقّف مع فاصل.

أعزائي، فاصل ثم نعود إلى الحوار مع سماحة مفتي الديار الشاميّة الشيخ الدكتور أحمد بدر الدين حسّون. انتظرونا إذا أحببتم.

 

المحور الثاني

 

غسان الشامي: تحية لكم من "أجراس المشرق" من دمشق من الجامع الأموي في حلقة عن مريم العذراء مع سماحة الدكتور أحمد بدر الدين حسّون.

كي لا أقاطع مسراك الفقهي، أعود إلى مفهوم الاصطفاء لأنتقل منه إلى شأن آخر في سيرة مريم. اصطفاءان وطهارة.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: في الوسط طهر.

غسان الشامي: خارج إطار الذكورة، ماذا يعني هذا فقهياً؟

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: الاصطفاء الأول، كما قلت لك، أنها منذورة وأنها اخترقت الذكورة وجعلت الاصطفاء متساوياً بين الذكورة والأنوثة وأنها كانت خادمة فصارت مخدومة. كل هذا هو الاصطفاء الأول. ثم دخلت إلى العبادة الروحية والفكرية والنفسية لتتطهّر من كل أدران المجتمع المُعاصر في وقتها. ونحن نعرف أن المجتمع الذي كانت فيه سيّدتنا مريم مجتمع تسلّط فيه رجال الدين على الدين، فحوّلوا كثيراً من معانيه. وحتى إنهم قاوموا زكريا ويحيى --عليهما السلام-- قبل ميلاد المسيح       --عليه السلام--. فسيّدنا عيسى أول مَن بدأ بالصِدام معه هم رجال المعبد وليس رجال القصر لأنه جاء ليلغي سلطتهم التي باسم الدين تطاولوا بها على الناس. فإدخالها إلى المعبد كانت طهارة الفكر من أدناس المجتمع وأفكاره، طهارة الجسد بطعام سماوي: "أَنّى لَكِ هَذا"، وطهارة العطاء حينما تقول لزكريا وتقول لغيره. فإذاً صارت مُهيّأة للاصطفاء الثاني. حينما يقولون إننا سنزرع الآن بويضة يقومون بعملية تطهير جسدي للمرأة وللذكر ليطهّروه ليكون هنالك حمل جديد. فالله هيّأ مريم ليكون هذا الحمل القادم البديع لأول مرة في تاريخ الإنسانية، سيكون تزاوج بين الجسد والنور. كل ما كان سابقاً، آدم --عليه السلام--، كان تزاوج بين التراب والروح. حوّاء بين الجسد والجسد. إلّا مريم، سيظهر لها الملاك جبريل. وهنا الاصطفاء الثاني الذي طهّرها الله لتتحمّله، لأن رسولنا --صلّى الله عليه وآله وسلّم-- لمّا ظهر له جبريل خاف منه. فكيف بامرأة عاشت في المعبد طول عمرها ثم يخترق عليها المحراب رجل ويقف أمامها. فكان التطهير للتهيئة لهذا الاصطفاء الثاني.

غسان الشامي: هذا يدفعني إلى السؤال: جبريل أو جبرائيل ومعناه...

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: الروح القدس.

غسان الشامي: ومعناها رجل الله.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: نعم.

غسان الشامي: هو المُبشّر، "فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً". الله --سبحانه وتعالى-- أرسل جبريل إلى السيد المسيح، أرسل جبريل إلى سيّدنا محمّد. لماذا يرسله إلى مريم إلى بشر؟

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: لأن هذه المرأة ستغيّر مجرى التاريخ الإنساني في ما ستقوم به من عمل. فكيف لا يرسل لها مَن يحمل معها ثقل هذه العملية؟ هي التي دخلت مكاناً لا تدخله النساء، وهي التي جلست في معبد خاص بها، وهي التي رُزقت بغير حساب. إذاً ستتهيّأ للقاء الروح القدس. ولذلك نراها، وهنا المرحلة الثالثة من الاصطفاء، حينما رأت جبريل في خلوتها، وهي التي لم ترَ إلّا زكريا خلال تلك الفترة، قالت كلمة رائعة وكأنها درست تاريخ الفقه والفكر من أعظم الكتب السماوية أو الإنسانية: "قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ"، ما قالت: إن كنتَ مؤمناً، ولا قالت: إن كنت يهودياً. قالت: "إِنْ كُنتَ تَقِيّاً". والتقوى لا يملكها كثير ممّن يملكون اسم الدين اليوم. فالرسول --صلّى الله عليه وآله وسلّم-- قال: التقوى ههنا. فسيّدتنا مريم لمّا رأت هذا الرجل داخل غرفتها ومحرابها، وهي التي لم ترَ رجلاً إلّا زكريا، قالت تلك الكلمة الرائعة التي تهزّ مَن أمامها إن كان تقيّاً أو لم يكن تقيّاً. فقالت: "إِنّي أَعُوذُ". والعياذ دائماً هو الالتجاء للقوي. فهي حتى لا تصطدم بهذا الواقف قالت: "بِالرَّحْمَنِ" ولم تقل: بالقهّار، حتى لا تستفزّه إن كان مجرما. قالت: بالرحمن، ثم قالت: "إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً" أي إن كنت تتّقي غضب هذا الرحمن الذي لا يغضب إلّا لسبب وجيه. "قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ". هنا خطاب لأول امرأة في التاريخ من جبريل --عليه السلام--. بينما هاجر يوم كانت هناك في الوادي غير ذي زرع وبدأ ابنها يموت، سمعت حفيف مَلَك وما رأت. ماذا قالت؟ قالت: يا صاحب الصوت، قد أسمعتني وإن لم أرَك. إن كان عندك غوث فأغِثْني. فتفجّرت ماء زمزم ولكن لم ترَ جبريل. المرأة الوحيدة التي رأت جبريل --عليه السلام-- هي سيّدتنا مريم كما ورد في النص القرآني. حتى أمّهات المؤمنين...

غسان الشامي: لم تَرِدْ أسماؤهن.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: سيّدتنا خديجة. قال رسول الله: هذا جبريل يُقْرِئُكِ السلام. سيّدتنا عائشة قالت: كان ينزل عليه جبريل في بيتي. ولكن لم ترَ جبريل. سيّدتنا الزهراء لم ترَ جبريل. جاء جبريل فأخبر النبي --صلّى الله عليه وسلّم-- عن رضوان الله عليها "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ"، ولكن لم ترَ. المرأة الوحيدة في الكون التي رأت جبريل روح القدس هي سيّدتنا مريم، لأن ما ستقوم به هو الوحيد في الكون، لم يتكرّر مع إنسانة قبلها ولم يأتِ مع إنسانة بعدها.

غسان الشامي: "إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ". (آل عمران: 45).

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: "وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ".

غسان الشامي: تدفعني هذه الآية إلى سؤال سماحتكم عن تعبير الكلمة. الكلمة الجسر أو العبّارة المُشتركة ما بين الإسلام والمسيحية عبر إنجيل يوحنا: "في البَدْءِ كانَ الكَلِمة". وأيضاً عن أن الله --سبحانه وتعالى-- في القرآن الكريم يكنّي المسيح باسم أمّه.
نحن نعلم أن الرجال كانوا يُكَنَّون على الغالب بأسماء آبائهم.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: وحتى اليوم.

غسان الشامي: وحتى اليوم. ما معنى هذا الموضوع فقهياً: الكلمة؟ وهذا التكنّي؟

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: أولاً، الكلمة هي سر الكون. فقد ورد نصّ في القرآن الكريم: "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ" وهي كلمة "فَيَكُونُ". فالله –تعالى-- خلق هذا الكون كلّه بكلمة وخلق المسيح بكلمة. انتبه. لأن المسيح --عليه السلام-- وضعه مختلف عن وضع باقي الكون، فلذك سمّاه... وفي آية أخرى: كلمة "وَرُوحٌ مِنْهُ". إذاً أخذ صفتين: صفة أنه كلمة، والكلمة تحتاج لموجب خلّاق مُبدع وليس لزوج. فالزوج يوم يتزوج زوجته يتزوجها بكلمة الله، حينما يقول النبي: استحللتم فروجهن بكلمة الله. وحينما يعقدون العقد في الكنيسة يقولون إنه عقد مُقدّس لأنه تحت مظلّة ماذا؟ كلمة الله، الزواج. فمريم، هذا الولد مَن سيكون والده؟ تحتاج إلى كلمة. ولكن هذه الكلمة هي روح. لذلك لا تحتاج إلى جسد آخر. كلمته، وفي الآية: وروحه ألقاها. فالروح لا تحتاج إلى كلمة من البشر لأنه "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي". فلذلك كان المسيح هو كلمة الله وروحه ألقاها إلى مريم. ومن هنا أجد أن كلمة فرج لم تَرِدْ في الكتب السماوية إلّا في القرآن مرة حينما قال: "وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا". وكلمة "أَحْصَنَتْ"، الحصانة: "اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ". فهذا الاصطفاء والطهارة أعطاك الحصانة لكي لا يقول غداً اليهود: مَن والد المسيح؟ هل هو يوسف النجّار؟

غسان الشامي: سأقارب مفهوم الحصانة من موقع آخر إذا سمحت لي. ولكن قبل ذلك، في سورة "المؤمنون" يرد كلام يحتاج فعلا، برأيي المتواضع، إلى أن يُقرأ بشكل ويُقرأ للناس.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: تفضّل.

غسان الشامي: "وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً". بماذا تفسّر كلمة الآية هنا؟ وما مغزى جمع السيّد المسيح مع أمّه كآية واحدة؟

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: هل هناك مولود خرج من امرأة في الكون من دون ذكر إلّا المسيح؟ وهل كانت امرأة والدة لمولود إلّا مريم؟ فكلاهما شكّلا إعجاز الله. الآية هي الإعجاز والإبداع. فمريم من بدايتها "أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". هل كانت أمّها تعرف أنها أمّ المسيح؟ لم تعرف؟ ويوم كفلها زكريا ودخلت المحراب هل كان أحد يعرف أنها ستكون أمّ المسيح؟ لم يعرفوا. ولكن الله من اللحظة الأولى أعطاها هذا السر ليجعلها أمّاً لكلمة ألقاها إلى مريم. وكلمته ألقاها إلى مريم التي هي آية في حياتها، وهو آية في خلقه. هي آية في حياتها أنها اخترقت كل... فكانت تأكل من غير حساب وتدخل المعبد ويقوم رجال الدين بل الأنبياء على خدمتها. ومتى قام الأنبياء على خدمة امرأة؟ فهي كانت آية. فجاء المسيح من آية ليكون آية.
فكلاهما نموذج لآية الإبداع الإلهي حينما قال: "فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا"، الكلمة التي بعدها: "وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا"، صدّقت بكلمات. جاءتها الكلمة فصدّقت الكلمة، "وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ" أي الراضين. مع أنه سيعرض لنا القرآن في سورة "مريم" ألمها، حزنها، ولكن ليس حزنها من الحمل، وليس حزنها من أنها ستضع مولوداً بلا أب، إنما حزنها من مجتمع لن يفقه هذه القضية كما لم يفقهها. سنصل إليها.

غسان الشامي: أتى القرآن الكريم على ذكر نساء كثر، لكنه ربطهن بأسماء أزواجهن. لنأخذ سورة التحريم على سبيل المثال: امرأة لوط، امرأة فرعون، امرأة نوح. ولكن مريم جاءت بالإسم الصريح: "وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا".

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: حتى نساء النبي ّ--صلّى الله عليه وآله وسلّم-- ما وردنَ بأسمائهن.

غسان الشامي: وحتى نساء الأنبياء.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: أبدا. "وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ"، "يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ".

غسان الشامي: إذاً هنا الفرادة؟

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: هنا الفرادة لمريم. لذلك، من الفرادة الرائعة تقول سيّدتنا آمنة --رضي الله عنها--، أمّ النبي:
فلمّا وضعته رأيت نسوة يقفون أمامي في الهواء ويحملون أباريق ماء، فبدأت أتساءل مَن هؤلاء؟ فقيل لي: هذه مريم ابنة عمران وتلك آسية. وأولئك نساء من الجنة جاؤوا يستقبلون محمّداً. تصوّر هذا الرابط بمريم --سلام الله عليها--، هذه المرأة التي من آل عمران حملت المسيح، حضرت ولادة محمّد، سلّم عليها محمّد --صلّى الله عليه وسلّم-- في الإسراء والمِعراج. لذلك نحتاج اليوم إذا أردنا دراسة المرأة من جديد أن ندرس مريم، كما قلت في أول الحلقة. مريم، أيّتها المرأة التي كانت هي كلمة وحملت بكلمة. ولذلك إذا أردنا أن نستعرض الآن حالتها في الميلاد، ميلاد المسيح، يجب أن نقف عندها للحظات.

غسان الشامي: سأذهب بعد إذن سماحتك إلى المغازي الكبرى من المفهوم المريمي في القرآن الكريم. بمعكوس ما حصل في سورة "التحريم"، لنذهب إلى سورة "الأنبياء" على سبيل المثال، يأتي بشكل معكوس أن القرآن يذكر إبراهيم ولوط وموسى وزكريا، وعندما يصل إلى مريم يعود فيقول "وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ". هل لا يريد القرآن الكريم أن يضع مريم بين الأنبياء بالاسم الصريح بينما يعطيها تلك الصورة في سورة "التحريم"؟

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: أولاً، ما معنى النبي؟ وما معنى الرسول؟

غسان الشامي: نعم، تفضّل.

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: النبيّ هو حامل رسالة رسول جاء قبله ليبشّر بها. والرسول حامل رسالة لنفسه ليعلّمها للناس. فالنبي تابع لرسول، والرسول شخصية قائمة برسالة. حتى جاء نبيّنا --صلّى الله عليه وآله وسلّم-- فكان رسولاً لكل الرسل.
لذلك جاءت الآية: "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ". فهل مريم كانت حاملة شريعة؟ لا. هي حاملة رسالة المسيح فقط، وما كانت حاملة شريعة موسى. هي ملتزمة برسالة موسى وليست مُكلّفة بتبليغ رسالة موسى. المكلّف بتبليغ رسالة سيّدنا موسى سيّدنا زكريا ويحيى، هؤلاء الرسل، إسحاق، يعقوب، كلهم أولاد إبراهيم كانوا مُكلّفين بحمل رسالة آبائهم وأجدادهم. سيّدتنا مريم حملت الرسول والرسالة وهو سيّدنا عيسى. الكلمة هي الرسالة، والروح هو الرسول. "ويسألونك عن الروح قُلْ...". إذاً، حملت بالرسول والرسالة. فلذلك، حينما يصف لنا الحق: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً". هنا زكيّ كذكاء العقل؟ نقول: فلان ذكي؟ لا. غلام مُزَكّى مُطَهَّر  من كل رجس ودنس. هذا الغلام سيكون مميّزاً على العالم بطهارته ونقائه. سيمشي على الماء وسيطير في الهواء وسيضع يده على الميت فيحييه وعلى الأعمى فيبصر لأن هذا الغلام هو كلمة وروح. "قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ". انظر في هذا الموقف أنها كانت واعية ولم ترتجف ولم تهرب من جبريل. "أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ". سيّدنا زكريا قال: "أَنَّى لَكِ هَذَا". هي سألت السؤال نفسه: "أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيّاً، قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ" يوم أطعمك عنباً من دون أن يكون في وقته سيُطعمك ولداً من دون أن يكون رجل. فأنت قلتِ لزكريا: "هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ"، ويا مريم ستُرزَقين مولوداً بغير حساب.

غسان الشامي: هذه مُعجزة البتولية والأمومية القرآنية للسيّدة العذراء. كما ذكرت، اتّخذت حجاباً. أين تقارب صفات البتولية والأمومية ما بين المسيحية والإسلام؟

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: البتولية التي صارت في الرهبانية عند المسيحيين والتعبّد عند نساء المسلمين. حينما تستعرض حياة رابعة العدوية أو قبلها حياة سيّدتنا الزهراء --سلام الله عليها-- وأمهات المؤمنين في التعبّد الذي قاموا به، هذه العبادة، وسيّدتنا مريم في عبادتها وطهرها. فالبتولية ليست فقط عدم مسّ الرجال. فقد تمسّ الرجال وهي بتول. ففاطمة البتول. والسبب أنها بتول، قالوا إنها كانت تلد مولودها عشاءً وتصلّي الفجر. فما كانت دماؤها تمنعها من صلاة لأنها كانت بتولا. فطهارة الجسد سر يقوم على العبادة وصفاء الروح. فسيّدتنا مريم في خلوتها ونساء النبي "لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ" والزهراء --سلام الله عليها-- ومَن جاء بعدها؛ هنالك في تاريخنا نساء ونساء كثيرات إذا أردنا أن نستعرض هذه البتولية، نجد أنها أُخذت من التبتّل والتعبّد. فحينما تقول الآية: "انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً" أي هي بتول، دخلت إلى المحراب أي هي بتول. لذلك "فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً". أنبّه العالم كله، ما قالت سيّدتنا مريم هذا الكلام تأفّفا من حملها ولا من وضعها إنما من مجتمعها الذي لن يصدّق هذا الإبداع. فهي تعلّمت ذلك في خلوتها يوم أكلت من غير حساب، فهي تحمل من غير حساب. ولكن سيأتي بعد أربع آيات ما توقّعته مريم --سلام الله عليها-- يوم قالوا "وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً"، لماذا أنت بغيّ. قالت "يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا" الحمل الذي لن يستوعبه هؤلاء. ومَن الذي اعترض عليها؟ أتراهم عوامّ الناس؟ لا. رجال الهيكل والمعبد لأن هذا الآتي سيعيدهم إلى مواقعهم التي تطاولوا فيها على الناس. وهذه مشكلة العالم اليوم في قياداته الدينية أنه لو جاء المسيح --عليه السلام--، ورأى سيّدنا محمّد مقام المفتي ومشيخة المسلمين ورأى المسيح مقام البابا، لقال المسيح ومحمّد --عليهما السلام--: أنا لا أعرفكم. إنما جئنا نحن لخدمة الناس لا للاستعلاء على الناس. "قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً" من رجال مجتمعها الذين سيتّهمونها بأنها حملت من سفاح.

غسان الشامي: كانت لديّ أسئلة كثيرة عن مريم المعصومة ومريم الصدّيقة. ولكن هذا هو الوقت دائماً. سؤالي الأخير كي أُجمِل هذه الحلقة: بعد كل هذا، بعد كل ما ذكرته عن السيّدة مريم، كيف ينظر بعض المسلمين، كيف ينظر التكفيريون والوهّابيون والمتعصّبون، كيف يغضّون بصرهم عن هذه الـمريم، هذه الأمّ الطاهرة وما يربط المسيحيين بالمسلمين، هذا الجسر العريق؟

المفتي أحمد بدر الدين حسّون: هؤلاء الذين تتحدّث عنهم هم الذين دخلوا الشقاوة في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وقد عبّر سيّدنا عيسى عنهم بالآية، في ختام هذه الآية: فلمّا وضعته وتأفّفت من الألم، "فَنَادَاهَا مَنْ تَحْتَهَا"، هناك قراءة "مِنْ تَحْتِها" وهناك قراءة "مَنْ تَحْتَها"، "فَنَادَاهَا مَنْ تَحْتَهَا أَلّاَ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً". إذا أردت فقط أن أجلس لأتحدّث "فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً"، والمسيح يقولها لأمّه، أقول لكل طفل في الكون: تعلّم هذا الدرس. فقط قُلْ لأمّك: كلي واشربي وقَرّي عيناً. هذا الدرس الذي أعطاه المسيح لكل واحد منّا مسلمين أو مسيحيين. اسمع ما قال المسيح لأمّه في لحظة وضعه وهي التي تتألم. فأمّك تألّمت في وضعك وحملك، ومريم تألّمت من مجتمعها في وضعها وليس من حملها، فهي تعرف مَن حملها. فقال: "وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً" هؤلاء الذين سيتكلمون فلا تتكلمي أنت. دعيني أكُن أنا ... التي أدافع عنك. أيّها الابن، أيّها العاقّ، أيّها البارّ، تعلّم من المسيح --عليه السلام-- هذا الموقف وأنه ابن ساعات قرّر الدفاع عن أمّه. فكيف لا تقرّر الدفاع عن عرضك ووطنك وأمّك ونسلك وأمّتك وتلقي عليهم بالقذائف والقتل بل والذبح كما فُعل في الرقّة منذ سنة حينما ذبح واحد أمّه. بأية شريعة هذا الذبح، وهذا عيسى بن مريم --سلام الله عليه--، والرسول يقول: أخي، لا تفضّلوني على عيسى بن مريم. هو رسول الله وكلمته. لا تفضّلوني عليه. فإذاً قال: لا تقولي للناس شيئا ودعيني أنا أقُل.

غسان الشامي: شكراً سيّدي.

أعزائي، إنها مريم السيّدة المنذورة المرزوقة المكمَّلة المُصطفاة المبشَّرة المُتكلمة البتول الأم الملاذ اللائذ بالإيمان. هل تريدون صفات أكثر لحجر الزاوية الإيماني الجامع لأربعة مليارات إنسان؟ كيف نُغفِل ما يجمعنا ونذهب إلى ما يفرّقنا؟ كيف في هذا الزمن الأبشع؟

شكراً لسماحة مفتي الديار الشاميّة الدكتور أحمد بدر الدين حسّون على حضوره في "أجراس المشرق".
شكراً للزملاء في البرنامج وقناة الميادين الذين يقرعون معي هذه الأجراس، واليوم يؤذّنون "حيّ على المحبّة" من مسجد بني أميّة في دمشق الشام. وأخصّ الزملاء جاد نخلة ولورا موراني وحازم المجذوب.
شكراً لكم على لطف متابعتكم.

ودائماً

سلام عليكم وسلام لكم.