العد العكسي

برنامج حصاد إخباري أسبوعي يستعرض أبرز القضايا التي أثيرت خلال الأسبوع ويستضيف كتّاب وباحثين وشخصيات سياسية للحوار بشأنها. يستعرض في الحلقة الواحدة أربعة ملفات تتمايز على المستويات التالية: السياسي، الاقتصادي،الاجتماعي، البيئي، الثقافي، الطبي...وتتنوع في جغرافيتها بين دول المنطقة والعالم.

25-07-2015

د. فواز جرجس – أستاذ العلاقات الدولية في جامعة لندن، د. إدمون غريب – أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج تاون بواشنطن، د. داليا غانم يزبك - محلّلة أبحاث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، وخبيرة سياسية متخصّصة في شؤون الإرهاب من بيروت، د. أحمد ميزاب – رئيس اللجنة الجزائرية-الإفريقية للأمن والسلم من الجزائر، د. نبيل الخوري – أخصّائي في علم النفس العيادي من بيروت، أمّ حسن – ماسحة أحذية من مصر.

هل دخلنا مرحلةَ التحولات الكبرى؟ ولماذا تروّج إسرائيل لتحالف مع السعودية؟

  • المحور الأول
    المحور الأول

لينا زهر الدين: مواضيعُ وأحداثٌ عديدة شهدها هذا الأسبوع، نتناول أبرزها، ونبدأ من واشنطن. الحدث التاريخي المتمثل بعودة العلاقات بين واشنطن وهافانا بعد أكثر من نصف قرن من القطيعة معطوفًا عليه الاتفاق النووي مع إيران طرحا الكثير من التساؤلات حول سياسة أوباما الخارجية. هل اتُّخِذ القرار بإحداث تحولات كبرى في المنطقة العربية والعالم؟ وماذا عن العرب؟ هل نشهد تقاربًا بينهم وبين إسرائيل؟

المحطّة الثانية من الجزائر. لا يريد الجزائريّون لشبح الإرهاب أن يعود إلى بلادهم، وهم الذين اكتووا بناره لسنوات طوال، لكن اشتباكات غرداية وهجوم عين الدفلى وتهديدات تنظيم القاعدة تضع السلطات الجزائرية أمام أمتحانٍ صعب. هل ينجح الجزائريّون في إبعاد الكأس المرة عن أرضهم؟

محطتنا الثالثة نتوقف فيها عند تكرار حوادث العنف في لبنان من قتلٍ وخطفٍ واغتصاب ولأتفه الأسباب. هل نحن أمام ظاهرةٍ قد تتفشّى أكثر؟ ما أسبابها وخلفيّاتها؟ هل هي الحرب اللبنانيّة وتبعات الحروب في المنطقة، أم البيئة والمنزل والمدرسة؟ ماذا يقول علم النفس والاجتماع في ذلك؟

وأخيرًا هذه حكايتي. أمّ حسن لا حدود لطموحها. عملت وتعمل ماسحة أحذية في شوارع القاهرة، وهي تستعدّ الآن لدخول البرلمان.

أهلاً بكم إلى العدّ العكسي.

 

في أسبوعٍ واحدٍ من شهر نيسان الماضي، اتّخذ الرئيس الأمريكي بارك أوباما قرارَين تجاه العدوّين التاريخيّين للولايات المتحدة، الأول إبرام اتفاقٍ نووي مع إيران، والثاني التقارب مع كوبا.

سُئل وقتها عن مبدأ اوباما، فأجاب نحن منفتحون لكننا نحافظ على قدراتنا. لم يُفهَم بالضبط ماذا قصد.

قبل سنةٍ ونصف السنة من مغادرته البيت الأبيض، استطاع أوباما أن يضع بصمته على السياسة الخارجية والدولية بالرغم من معارضة بعض الداخل وبعض الحلفاء في الخارج.

هي مرحلة مهمة ومفصلية في تاريخ الولايات المتحدة والعالم، ما يطرح تساؤلاتٍ عدة حول مفرداتها وأدواتها، ولكن لماذا يبدو أوباما وكأنه لا يعير اهتمامًا للحليف الاستراتيجي المدلَّل إسرائيل؟ لماذا تبدو الأخيرة ممتعضة إلى حدّ الهستيريا خاصة تجاه الاتفاق النووي مع إيران؟

ثمّ هل ستدفعها هذه التطورات إلى حدّ التحالف الفعلي مع العرب الذين لا تقيم معهم حتى الآن علاقات دبلوماسية علنية، وعلى رأسهم السعودية؟ وما موقف الولايات المتحدة من احتمال حدوث تحالفٍ من هذا النوع؟ أيّ تغييراتٍ ينتظرها العالم في الأيام المقبلة؟

معنا لمناقشة هذا الموضوع من لندن الدكتور فواز جرجس أستاذ العلاقات الدولية في جامعة لندن. أهلا بك دكتور فواز.

ماذا برأيك يحاول أوباما أن يفعل من خلال انفتاحه على كلّ من إيران وكوبا بالشكل الذي شاهدناه وتابعناه جميعًا؟ هل يحاول رسم سياسة جديدة، رسم تاريخ جديد للولايات المتحدة؟

 

فواز جرجس: بالفعل، الخلاصة لرؤية أوباما أو استراتيجية أوباما هي أنه لا يريد الدخول في حربٍ جديدة، لا في الشرق الأوسط ولا في أية مسارح أخرى، ولا يريد التورط في الرمال المتحركة لا في الشرق الأوسط ولا في مسارح أخرى. هذه بالفعل إحدى الخلاصات الرئيسية لهذه الإدارة في السبع سنوات الماضية. ما هي رؤيته؟ وأنا كتبت كتابًا عن الموضوع اسمه اوباما والشرق الأوسط نهاية الحقبة الأمريكية. هو الحقيقة مقاربة أوباما أنه يؤمن بالحوار، عدم التهور، عدم المجازفة. قالها أكثر من مرة أن القيادات الأمريكية لها هوس في الحروب، يعتقدون أنّ الحروب التقليدية عصا سحرية. قالها عدة مرات في عدة خطابات أن القيادات الأمريكية الحقيقة تمتهن صنع الحروب، تحارب قبل أن تفكر. ومن هنا الحقيقة كما تعلمين هو الحقيقة من أوائل السياسيين الأمريكيين الذي رفض الحرب الأمريكية في العراق، وكانت الحرب الأمريكية على العراق في الحقيقة هي أحد السلالم التي مكنت باراك أوباما من الصعود إلى البيت الأبيض.

ومن هنا أنا أعتقد صحيح الانفتاح على هافانا هو بالفعل حدث تاريخي، ولكن الحدث التاريخي الأهم هو الحدث الاتفاق النووي الأمريكي الإيراني، هو بأهمية الحقيقة الحدث الأمريكي الصيني في السبعينات خلال ولاية نكسون، لأنه بالفعل استثمر رصيدًا سياسيًا رهيبًا، كما تعلمين كانت هناك وما تزال هناك ضغوط رهيبة في الداخل الأمريكي من قبل اليمين الأمريكي وطبعا في الإقليم. يريدون صراعًا مع إيران، قالها بالحرف الواحد أنّ حربًا مع إيران هي حربٌ كارثية، وبالفعل قال أنّ تكاليف الصراع مع إيران أكثر بكثير من أيّ اتفاق نووي وهذا بالفعل ما نشهده.

النقطة الأخيرة أنّ باراك أوباما يريد تطبيعًا تدريجيًا مع القيادة الإيرانية، طبعًا الولايات المتحدة هي ليست صديقة لإيران ولكن يبدو أنّ هذا العداء التاريخي، بدأنا نشهد بداية نهاية هذا العداء التاريخي بين الولايات المتحدة وإيران والولايات المتحدة وهافانا.

 

لينا زهر الدين: ولكن قد يصعب على البعض استيعاب بعض ما تفضّلت به دكتور فواز، أنّ أوباما بالفعل لا يريد الدخول في حروب في الشرق الأوسط، يؤمن بالحوار ولغة الحوار، ورأينا واشنطن تورّطت بشكل مباشر أو غير مباشر في حروب في النهاية في الشرق الأوسط ولو عن طريق الجو، ليس عبر جنود على الأرض، وساندت أيضًا أعمالاً عسكرية في المنطقة. من هنا السؤال، هل لأنّ أوباما فشل في ملفات عديدة وكثيرة في الشرق الأوسط وأولها ربما القضية الفلسطينية ومحاربة الإرهاب صمّم على الانفتاح على كلّ من إيران وكوبا؟

 

فواز جرجس: شكرًا على سؤالك التوضيحي. أنا عندما أقول أنّ باراك أوباما لا يريد التورط في حرب تقليدية في الشرق الأوسط أو حتى في أفغانستان، أنا لا أعني أنه لا يؤيد استخدام القوة. كلّ الرؤساء الأمريكيين، كل القيادات الأمريكية، القوة جزء لا يتجزأ من الاستراتيجية الأمريكية، حتى يمكن، دعيني أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول إن باراك أوباما يستخدم القوة المفرطة أحيانا في صراعه مع ما تسمى التنظيمات المتشددة المتطرفة الإسلامية، إن كانت في باكستان، أفغانستان، هو الحقيقة لا يأخذ أي رهائن، هو يقتل هؤلاء، بالفعل استراتيجية القتل وليس الرهائن التي استخدمها نظيره دبليو بوش. إذاً الحقيقة، هناك فارق ما بين استخدام القوة من أجل حماية ما تسميه القيادة، ما يسميه باراك أوباما المصالح الامريكية، والدخول في صراع تقليدي.

باراك أوباما وهذه القيادة وأعتقد أنا قضية أنّ الولايات المتحدة وصلت إلى خلاصة لم تعد لديها القدرة، طبعًا لديها قوة تدميرية هائلة ولكنها لا تستطيع صوغ نظام معيّن بعد هذه الحروب. تصوّري ما حدث في أفغانستان، تصوري ما حدث في العراق. إذاً هذه القوة الهائلة من الصعوبة بمكان ترجتمها إلى سياسات إيجابية. هذه بالفعل إحدى الخلاصات الرئيسية التي استخلصتها النخبة الأمريكية وخاصة بعد الحرب على العراق.

النقطة الثانية في سؤالك مهمة للغاية. سألتِني عن القيادة. أنا لا أحاول تقديم باراك أوباما على صحن من الذهب وأقول أنه بالفعل غيّر من الرؤية الأمريكية في العالم. بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي، هو الحقيقة قبل تقريباً بالأمر الواقع، قبل برؤية بنيامين ناتنياهو، لم يضغط كفاية على بنيامين ناتنياهو، يقبل الرؤية الإسرائيلية بالنسبة إلى حزب الله، صحيح أنه يطبّع مع إيران ولكن رؤية باراك أوباما وإدارة باراك أوباما إلى حزب الله هي رؤية الحقيقة هي جزء لا يتجزأ من الرؤية الإسرائيلية. ماذا يفعل باراك أوباما اليوم؟ هو يكافئ بنيامين ناتنياهو على معارضته لإيران بحوالى عشرة مليارات دولار في السنوات العشر القادمة على الرغم من أنّ إسرائيل تحصل على 3 فاصل 2 مليار دولار أمريكي في السنة، سوف تحصل يبدو على عشرة مليارات دولار مكافأة على الاتفاق النووي الأمريكي الإيراني في العشر سنوات القادمة إضافية. هذا يدل الحقيقة على الوضع السلبي للمقاربات الأمريكية للملفات في العالم العربي والشرق الأوسط.

 

لينا زهر الدين: وإذا كان بالفعل يحسب حسابًا لإسرائيل من الناحية المادية، يبدو أنه من الناحية الأمنية والسياسية غير آبه بما تقوله إسرائيل وغير آبه أكثر بما يعبّر عنه العرب، حلفاء أمريكا من العرب. سأعود ربما إلى هذه النقطة، اسمح لي، ولكن معنا الدكتور إدمون غريب على الهاتف، هو أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج تاون. أهلا بك دكتور إدمون.

الجمهوريون وأنت أدرى الناس بذلك يعتبرون أنّ سياسة الانفتاح التي يتبعها أوباما هي دليل ضعف الولايات المتحدة. هل ما زالوا متشبّثين بهذه الرؤية خاصة بعد انفتاح أوباما على كل من إيران وكوبا؟

 

إدمون غريب:  من دون شكّ، هناك معارضة قوية في الولايات المتحدة من قبل الجمهوريين وحتى من بعض الديمقراطيين أيضًا في ما يتعلق بكوبا، هناك الجالية الكوبية، هناك ممثلوها في الكونغرس، وأيضًا اللوبيات التي تقوم بالتحرك بدعم مواقف هذه الجماعات ولا يزال هؤلاء وخاصة أن عددا منهم هم مرشحون لرئاسة الجمهورية وبينهم مثلا السيناتور مارس تروبيا والسيناتور بروج وآخرون. هؤلاء يعارضون بقوة الانفتاح على كوبا ويرون في أن هذا نوع من التنازل ويعكس ضعف إدارة الرئيس أوباما، ولكن هناك أيضًا متغيّرات أخرى على الأرض، وهي تعزّز موقف الإدارة. أولاً أنّ الرأي العام الأمريكي إجمالا يؤيد هذا الانفتاح ولكن الأهم من ذلك أن المواطنين الأمريكيين من أصول إسبانية أو لاتينية في غالبيتهم يؤيدون الانفتاح على كوبا، هناك أيضًا حتى بين الكوبيين الأمريكيين هناك نسبة كبيرة متزايدة من الذين يرغبون بالانفتاح على كوبا والتواصل معها ويعتقدون بأنه قد آن الآوان بعد 50 سنة من العقوبات والعزل، وفي سياسةٍ اعترف الرئيس أوباما بأنها قد فشلت يجب الانفتاح على كوبا. وهناك أمر آخر وهو أنّ هناك مجموعة من دول أمريكا اللاتينية التي تقف بقوة مع كوبا ووقفت معها خلال السنوات الأخيرة حتى أنهم رفضوا المشاركة، عبّروا عن موقفهم للإدارة الأمريكية بأنهم لن يشتركوا في قمة الدول الأمريكية إذا كانت العقوبات لا تزال مستمرة على كوبا، وإذا كان لن يسمح لكوبا بالمشاركة في قمة الدول الأمريكية. هذا بالنسبة لكوبا.

بالنسبة لإيران.

 

لينا زهر الدين: وسيكون ربما المحك الأكبر لأوباما بلحظة مناقشة آثار الحصار تعويض الولايات المتحدة للكوبيين عن آثار الحصار على كوبا، وكنت تهمّ بالكلام عن إيران، سأعطيك المجال، ولكن في حال رفض أيضًا الكونغرس الاتفاق مع إيران، قيل أنه أو هناك البعض في الولايات المتحدة من يقول ستزداد عزلة كل من إسرائيل والولايات المتحدة؟

 

إدمون غريب: فعلاً هناك، هذا الرأي وحتى عبر عنه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، قال بأنه إذا نجح الكونغرس في شل هذا الاتفاق فإن هذا سيؤدي إلى عزلة الولايات المتحدة، لأنّ الدول الحليفة للولايات المتحدة أو على الأقل عددًا منها سيبتعدون عن الولايات المتحدة لأن هناك اتفاقية هم ساهموا على الأقل، حلفاء الولايات المتحدة الغربيون هم ساهموا في الوصول إلى هذه الاتفاقية مع إيران، وفي نفس الوقت أيضاً هناك دول أخرى مثل الصين وروسيا التي لديها أيضًا مصالحها والتي لها رؤى مختلفة مع رؤى الولايات المتحدة والدول الأوروبية ولكنها تدعم أيضًا بقوة الاتفاق مع إيران، وهذه الدول لن يكون لها أيّ مبرّر للاستمرار في فرض عقوبات على إيران، لا بل سيكون لديها مصالح تسمح لها بالاستفادة من ذلك، ولكن على الرغم من كلّ ذلك لا تزال هناك معارضة قوية شهدناها أول أمس ويوم أمس في جلسات الكونغرس عندما كانت هناك لهجة حادة جدًا استُخدِمت من قبل بعض الأعضاء في الكونغرس المعارضين للاتفاق، وكان أيضًا هناك ردود قاسية من وزير الخارجية ووزير الطاقة ووزير المالية الأمريكي، اتُهِم المفاوضون الأمريكيون بأنهم خُدِعوا ووصفهم رئيس لجنة العلاقات الخارجية، شبّههم بمن خرج من الفندق، هناك أحد نزلاء فندق ما خرج من الفندق فقط بثوب الاستحمام وبالتالي فإنّ آخر اتهمهم بأنهم خُدِعوا، وبالتالي فإن هذه تدل على أننا سنرى معركة قاسية، اللوبي الإسرائيلي مستعد والإدارة أيضًا تقوم بحملة للحفاظ على الأقل على الديمقراطيين لكي يدعموها عندما يستخدم الرئيس الفيتو إذا إضطر إلى ذلك وحتى يحاولوا كسبا جمهوريا هنا وهناك.

 

لينا زهر الدين: أنا أشكرك على كل هذه الأجواء التي نقلتها لنا دكتور إدمون غريب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج تاون، حدّثتنا من واشنطن.

أعود إليك دكتور فواز جرجس. لفتني في الواقع ما قاله منذ يومين وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بالحديث عن العرب واستكمالا للفكرة السابقة. قال جون كيري خلال لقاء في مقر مجلس العلاقات الخارجية "إيران عدوتنا لكنها تفاوضنا وتسمعنا ونسمعها وهي أفضل من حليف لا نسمعه ولا يسمعنا. الإيرانيون يعادون أمريكا سياسيًا لكنهم لا يكفّرونها دينيًا، "وفي هذا لطشة واضحة من قناة السعودية ربما أو بعض العرب.

 

فواز جرجس: أنا اعتقد بالفعل أنّ الحوار، لهجة الحوار، الأسابيع التي أمضاها وزير الخارجية الأمريكي مع نظرائه من القيادة الإيرانية بالفعل فتحت صفحة جديدة، القيادة الأمريكية ليست فقط جون كيري، حتى الرئيس الأمريكي يتحدث عن إمكانية بدء حوار وصفحة جديدة في العلاقات بين إيران وبين الولايات المتحدة، على الرغم من الاعتراف أنّ هناك الحقيقة اختلافات جذرية في المصالح في المنطقة. القيادة الإيرانية قالتها وبصراحة أنّ هذا الاتفاق لن يغيّر من المعادلات الاستراتيجية. القيادة الأمريكية أيضًا قالتها بصراحة أنها سوف تدافع عن أصدقائها. ولكن النقطة الرئيسية وسؤالك مهم للغاية، أنّ الإدارة الأمريكية، بالأخص باراك أوباما وصل إلى نتيجة من أن إيران يمكن أن تلعب دورًا إيجابيًا في العديد من ملفات المنطقة إن كان الملف العراقي إن كان الآن الأولوية الأمريكية كما تعرفين هي لمواجهة تنظيمات تكفيرية وخاصة داعش والنصرة، وإيران الحقيقة، حتى قالها الوزير الأمريكي في مجلس الأمن أنّ إيران يمكن أن تلعب دورًا إيجابيًا في سورية. طبعًا العراق هو الأولوية ولكن سورية أيضاً أصبحت الحقيقة مسرحًا مهمًا للقيادة الأمريكية. ومن هنا هناك بالفعل قراءة جديدة في الإدارة الأمريكية أن إيران يمكن ليس فقط على الملف النووي ولكن أن يؤدي تعاونها مع الولايات المتحدة والدول الغربية إلى تغيير جذري في الوضع الاقليمي الكارثي إن كان في العراق أو في سورية أو في اليمن أو في ليبيا.

 

لينا زهر الدين: ويبقى سؤال مركزي وأساسي عن حلفائها العرب، والقلق واضح ولو أن السعودية مثلا رحّبت بالاتفاق طالما أنه يمنع إيران من امتلاك قنبلة كما قال مؤخرًا وزير الخارجية عادل الجبير، ولكن شهدنا في نفس المرحلة في الأيام الماضية ترويجًا من قبل إسرائيل لتحالف ما مع العرب وسمّت بالاسم بقيادة السعودية نتيجة لكل هذه التطورات وبشكل خاص إيران. الرؤية الأمريكية برأيك هل تشجّع هذا الاتجاه؟ وهل فعلا سوف نرى تقاربًا إسرائيليًا عربيًا في المرحلة المقبلة؟

 

فواز جرجس: أنت سألتِ عدّة أسئلة وأسئلة مهمة للغاية وأنا لا أجامل. القيادة الأمريكية دائمًا تشجّع على علاقات ودية طيبة بين الدول العربية وإسرائيل، هذا الحقيقة سياسة تاريخية لم يتغير أي شيء، مع أنه طبعا الإدارة الأمريكية لها بعض الخوف من أن تقارب دول الخليج العربي مع إسرائيل يمكن أن يؤدي الحقيقة إلى تفاقم الأوضاع في الملف الإيراني، النقطة الأولى.

النقطة الثانية أنا أعتقد والشيء المؤلم والمحزن وغير المنطقي، أنا لا افهم سياسات تحويل الأعداء إلى أصدقاء والأصدقاء إلى اعداء. لماذا هذا البكاء على الأطلال؟ لماذا النظر إلى إيران على أنها دولة عدوة؟ دولة جارة، دولة مسلمة، دولة تلعب دورًا، طبعًا هناك بعض السياسات التي نختلف عليها مع إيران ولكن لماذا تحويل إيران إلى عدو تاريخي وإسرائيل إلى صديق؟ أين أصبحت القضية الفلسطينية؟ لم نتكلم أنت وأنا الآن، لم نتحدث عن القضية الفلسطينية. أنا أعتقد أنّ الرابح الأول من هذه التغييرات هو بنيامين نتانياهو. أين القضية الفلسطينية؟ الآن نتحدث عن أن إذا كانت إيران عدوًا أو صديقاً ولكن هل قدم نتنياهو، هل حاول نتانياهو ينشئ المستوطنات، نتانياهو لم يغير رؤيته بالنسبة إلى القضية الفلسطينية، الاحتلال الإسرائيلي ما يزال على نفسه، القيادة الأمريكية لم تضغط على نتانياهو، وهنا الحقيقة الكارثة الرئيسية.

ولكن النقطة الأخيرة، ليس هناك من مفر إلا من حوار شفاف صريح بين الدول العربية وإيران لردم هذه الفجوة والحقيقة منع هذه الحرائق المتنقلة التي تدمّر ليس فقط الدول العربية ولكن النسيج الاجتماعي.

 

لينا زهر الدين: نتمنى أن يعلو صوت الحوار بالفعل. شكرًا لك، بهذه الجملة نختم هذا اللقاء معك دكتور فواز جرجس أستاذ العلاقات الدولية في جامعة لندن. أشكرك جزيلا على هذه المداخلة.

شبح الإرهاب يطلّ من جديد على الجزائر.

فاصل قصير نعود بعده لنتابع.

بين داعش والقاعدة، الجزائر في مواجهة جديدة مع الإرهاب

  • المحور الثاني
    المحور الثاني

لينا زهر الدين: أهلا بكم من جديد إلى العد العكسي.

بيدٍ من حديد، تتعهّد الجزائر بمكافحة الارهاب، وهي التي اكتوت بناره في فترة التسعينات في ما عُرِف بالعشرية السوداء.

هجوم عين الدفلى جنوب غرب العاصمة وقبله اشتباكات ولاية غرداية جنوبًا وبعده العملية التي استهدفت دورة أمنيّة غربًا، كلّ هذا طرح علامات تساؤل كثيرة. هل هي الصدفة ام أنها عمليات منسقة ومخططة ام هي سياسات خاطئة ربما في معالجة الأوضاع؟

تدعو حركة النهضة الجزائرية إلى ضرورة معالجة أسباب التوتر الاجتماعية والسياسية، فيما يذهب أحد الخبراء الأمنيين إلى القول أنّ الجزائر تمثّل القلعة الأخيرة في العالم العربي، وفي حال اخترقتها الفوضى والفتنة وضربها الإرهاب، فسيكون ذلك وبالاً على العالم العربي كلّه وحتى على أوروبا.

من يريد العبث بأمن الجزائر؟ ولماذا تتوجّه أصابع الاتهام إلى السلفيين؟ وما الذي حققته المصالحة في هذه الحال؟

معنا لمناقشة هذا الموضوع هنا في الاستوديو الدكتورة داليا غانم يزبك محللة الأبحاث في مركز كارنغي للشرق الأوسط والخبيرة السياسية المتخصّصة في شؤون الإرهاب. أهلا بك معنا مرّة ثانية دكتورة داليا.

السيد عبد المالك سلال كان واضحاً بالقول سنلاحق الإرهابيين بلا هوادة. هل جاء دور الجزائر بمسألة الإرهاب؟

 

داليا غانم يزبك: أولاً وقبل كل شيء يجب أن أشير إلى أنّ إعلان جماعة بيعتها إلى داعش ليس بشيءٍ جديد. ظهرت داعش في الجزائر في أيلول 2014 بقيادة عبد المالك غوري والذي قام باختطاف المواطن الفرنسي هنري غوردال وقتله، ولكن بعد شهرين من قتل الرهينة تم القضاء على جند الخليفة وعلى أميرهم وحتى الشخص الذي حل محل عبد المالك غوري تم قتله من طرف الجيش الجزائري. هذا ان دلّ على شيء يدلّ على قدرة الجيش الجزائري وخبرته في مكافحة الارهاب، ويدلّ كذلك على عدم قدرة هذه الجماعات والتنظيمات في الاستقرار والاستمرار على المدى الطويل.

 

لينا زهر الدين: هو ربما السؤال أو ليس المعيار الاستقرار على المدى الطويل، المعيار لدى هذه الجماعات إحداث فوضى، تفجيرات من هنا، عمليات انتحارية من هناك، اشتباكات كالتي شهدناها، عمليات ضد الجيش وقوى الأمن، وهذا ما تعوّل عليه ربما وليس فقط الاستمرار في عمليات من هذا النوع.

 

داليا غانم يزبك: نعم، لا شكّ أنّ الغرض الرئيسي من هذا هو ضرب مصالح الدولة الجزائرية وضرب كذلك أعضاء الأمن، وستحاول داعش لا شكّ إحداث ضربة قوية من أجل إظهار قدراتها العسكرية ومن أجل القضاء كذلك على المنافسة، لأنّ داعش ليست الوحيدة في الجزائر. هناك كذلك القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

 

لينا زهر الدين: والتي تبنت الهجوم الأخير على الجيش هي القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وهنا السؤال ما هو الفرق؟ في الجزائر، نظرة الجزائريين، هل هناك فارق بين داعش والقاعدة؟

 

داليا غانم يزبك: نعم هناك فارق بين داعش والقاعدة. الفارق الجوهري في الطموحات، القاعدة لا تريد الحكم والسلطة بينما داعش تريد الحكم والسلطة.

 

لينا زهر الدين: وكأننا نبيّض صفحة القاعدة يا دكتورة بهذه الحال.

 

داليا غانم يزبك: لا، لا، ولكن الطموح مختلف وكذلك الأساليب مختلفة. القاعدة في بلاد المغرب العربي هي نتيجة للانشقاق الذي حدث في الجماعة السلفية في الجزائر في التسعينات، وهي جاءت وغيّرت أسلوبها، أي بينما كنا نرى في العشرية السوداء حربًا على كل الشعب الجزائري جاءت القاعدة وغيّرت الأسلوب وأصبحت تضرب فقط أعضاء الأمن والجيش، لا يوجد اعتداء على الناس.

 

لينا زهر الدين: وهذا العصب في النهاية، المؤسسة الأقوى في البلاد. بمجرّد ضربك الجيش أو المؤسسة الأمنية شرّعتِ البلد على الانهيار والفوضى. هذا ربما يكون أخطر من ضرب المدنيين.

 

داليا غانم يزبك: لا، لأن الجيش الجزائري جيش قوي، نتكلم اليوم عن الجيش، ليس جيش التسعينات. اليوم الجيش الجزائري لديه الموارد المادية والبشرية والمالية. ميزانية وزارة الدفاع تقدّر بـ13 مليار دولار هذا العام، إضافة إلى ذلك، الجيش اليوم لديه خبرة، ولا جيش في المنطقة ولا تونس ولا المغرب ولا ليبيا لديها هذه الخبرة. اليوم الجيش الجزائري عانى من عشر سنوات، من أكثر من عشر سنوات من مكافحة الارهاب، وله الخبرة، وأصلا دعيني أقول لك شيئاً. اليوم ما يحدث في سكيكدة أو في القبائل ليس شيئاً جديدًا، منذ نهاية الحرب الأهلية رأينا أنه ما زال هناك إرهاب في الجزائر لكن هذا الإرهاب مركز في مناطق معينة، مثل منطقة القبائل. لماذا منطقة القبائل؟ لأن منطقة القبائل هي عائق، تمثل عائقًا كبيرًا في عمليات مكافحة الارهاب نظرا للتضاريس من جبال وغابات كثيفة ووديان وغيرها، ولذلك تجعل عمليات مكافحة الإرهاب أصعب على الجيش.

لدينا أيضًا سكيكدة. سكيكدة لديها تاريخ إن صحّ القول في النشاط الإرهابي. كانت تمثل سكيكدة في العشرية السوداء منطقة استراتيجية لما كان يسمى آنذاك الجيش الإسلامي للانقاذ. اليوم نفس المناطق التي تعاني من هذا الأمر.

 

لينا زهر الدين: صحيح، هي أكثر من منطقة وقد ذكرتِ بعضها، هناك بومرداس، تيزي وزو، وهناك أيضًا غرداية، ربما نأتي على شرح بعض خلفيّاتها، غرداية تختلف نوعًا ما عن بقية المناطق. لكن عين الدفلى أيضًا، الهجوم الذي حصل مؤخرًا على الجيش، هي معقل جماعات مسلحة في التسعينات وهذا ربما طبيعي أن يخرج منها أو تبقى نوعًا ما معقلاً للمسلحين. هل ستستطيع السلطات الجزائرية التعامل؟ كيف يمكن أن تتعامل مع عين الدفلى بشكل خاص؟

 

داليا غانم يزبك: أنا برأيي يجب على الجيش أن يواصل هذه العمليات النوعية في مكافحة الإرهاب، هو الحل الوحيد، وبالطبع الحل العسكري لوحده في الجزائر لا يكفي. في الجزائر هنالك العديد من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويجب على الدولة أن تحلّ هذه المشاكل من أجل أن نتجنّب أن نرى آلافًا من الشباب يجنَّدون من طرف الجماعات الإرهابية.

 

لينا زهر الدين: وبالفعل المعارضة في الجزائر وعلى رأسها ربما بن فليس انتقد طريقة معالجة السلطات الجزائرية للوضع، أنّ الحل الأمني وحده لا يكفي.

اسمحي لي أن نتوقف مع الدكتور أحمد ميزاب رئيس اللجنة الجزائرية الإفريقية للأمن والسلم، معنا من الجزائر، وأنتِ لا شك تعرفين أن المسألة ليست مسألة محلية فقط، الموضوع موضوع منطقة بكاملها، موضوع الساحل وجوار الجزائر.

دكتور أحمد كان هناك مؤتمر دعت إليه الجزائر دول الجوار. هل ترى أنّ هناك خطرًا على الجزائر في المرحلة المقبلة من الناحية الأمنية؟

 

أحمد ميزاب: أهلاً وسهلاً بكم أولا. دعيني بداية أعلق على ما تم تناوله سابقا. أعتقد أنّ الجزائر مقارنة بغيرها من الدول العربية هي تمتلك مقاربة واستراتيجية واضحة للإرهاب، ولا تنظر له على أساس أنه مرتبط بهوية أو بمجال حدودي أو بأيديولوجية ثابتة وإنما ترى فيه أنه يتغذى من جملة أحداث ومعطيات منها ما هو مرتبط بما نسميه بلعبة الأمم ومنها ما هو مرتبط بإفرازات داخلية وأخرى بطبيعة النظام الدولي في حد ذاته.

الجزائر عزّزت استراتيجيتها في محاربة الأرهاب من خلال أرضية كرسها ميثاق السلم والمصالحة الوطنية الذي كان اختيارًا شعبيًا أقرّه الشعب الجزائري بموجب استفتاء ولمس إيجابياته، بالتالي اليوم هناك إجماع أنّ العودة إلى الوراء أمر غير وارد ولا يفضله الجزائريون. العقيدة الجزائرية في محاربة الإرهاب تنطلق في إطار محاربة الظاهرة لا الحدث وإطار البحث عن معالجة الأسباب لا الانسياق وراء المقاربة السلمية. لذلك الجزائر تدرك في ظل الظروف الإقليمية وفي ظل موقفها الجيو استراتيجي وفي ظل تطور الأوضاع في منطقة الساحل أنّها تواجه تهديدات أمنية زاحفة سواء في شقها البيّن أو في شقّها الصامت.

بالتالي هنالك اجراءات تتخذ على مستوى معالجة هذه الظاهرة ليس من خلال محاربة الحدث الارهابي او الرد على عمليات وانما في إطار شن عمليات استباقية، وأعتقد أنه ربما حينما نريد أن نحدّد، هل هنالك خطر أو هل هنالك حقيقة عودة لموجة الإرهاب كما كانت في زمن التسعينات، نجد أنّ الخلايا الإرهابية تنشط في مناطق غير مصنفة أنّها مناطق تشهد تمركزًا وتوسّعًا، بالتالي غالبية المناطق حتى التي ذكرتها ضيفتك المحترمة في الاستديو هي مناطق معروفة منذ التسعينات بأنها مناطق حراك ونشاط وتمركز للخلايا  وهنالك خلايا نائمة تحاول وتسعى لأن تعيد بعث الحياة أو النشاط لها بعد أن تم عزلها وبعد أن تمّ كذلك قطع الامدادات اللوجستية، لأنّ الجزائر نفذت مخططين أمنيين، مخطط أمني متعلق بضبط أمن الحدود، بصدّ أية محاولة اختراق للأراضي الجزائرية أو تمرير أسلحة أو مرور مقاتلين أو أيّ نوع من الأنواع الأخرى. ثانيًا محاولة تفكيك والقضاء على الخلايا المتواجدة في الداخل وكذلك محاصرتها ومنعها من التمدد جغرافيًا.

بالتالي، أعتقد أننا نحن ندرك أنّ هنالك جملة من المخاطر نظرًا للتطورات الإقليمية ونظرًا كذلك للتطورات الداخلية، لكن بالمقابل كذلك هنالك عمل يجسّد على الداخل. صحيح، نحن ندرك والقيادة الجزائرية كذلك تدرك وربما لمسنا ذلك حتى من خلال اجتماع مجلس الوزراء الأخير الذي ترأسه السيد رئيس الجمهورية حينما تمّ الحديث على ضرورة رفع درجة الحيطة والحذر واليقظة وكذلك القيام بعمليات تثقيفية، وكذلك توجيه رسالة حتى لمن تسوّل له نفسه أنّه يستطيع أن يشن هجمات في الجزائر أنّ هنالك مؤسسات وأن هنالك إرادة. أعتقد بأن المعادلة التي ساهمت بنجاح التجربة الجزائرية في مجال محاربة الأرهاب هي قوة وقدرة الجيش الشعبي الوطني.

 

لينا زهر الدين: وهنا تتفق مع ما تفضّلت به ضيفتنا. الجيش الجزائري اكتسب من الخبرة بحيث بات بالفعل من أقوى الجيوش العربية ربما في محاربة الإرهاب، وهذا ما نشهد نتيجته في الجزائر. الجزائر لغاية الآن بمنأى عن الفوضى إن صحّ التعبير الحاصلة في العالم العربي، وإن شاء الله تبقى كذلك. نحن لا ننسى المحيط الإقليمي وكنا نتحدث عنه، هناك بؤر توتر عديدة في المغرب وليبيا ومالي، وكله محيط بالجزائر. من هذه الناحية، نستطيع أن نقول الأمور مضبوطة مئة بالمئة على الحدود دكتور؟

 

أحمد ميزاب: هو أولاً دعيني أقول لك أمراً، أكمل شيئاً، أنّ المعادلة هي معادلة متكاملة، هي فيها قوة المؤسسة العسكرية الجزائرية وكل المؤسسات الأمنية التي تعمل في إطار التنسيق والتشارك بأكملها، أضف إلى ذلك الحاضنة الاجتماعية التي تدعم الاستراتيجية الجزائرية في مجال محاربة الارهاب، وكذلك إدراك السلطات الجزائرية لحجم التحديات المحيطة بنا اقليميًا. أعتقد بأنه على مستوى الحدود ربما الكل يلاحظ بأن هنالك جملة من السياسات التي تطبَّق في إطار ضمان أمن الحدود واستجابة كذلك لتطور الأوضاع في المنطقة. لا ننسى بأنّ هنالك ملفات معقدة منها الملف الليبي الذي يشكّل أبرز خطر وتهديد على أمن واستقرار المنطقة بأكملها، وليس فقط على الجزائر لأنّ ليبيا اليوم تشهد صورة غير مركّبة بشكل صحيح، تشهد تطورًا وتغوّلاً للتنظيمات الإرهابية ومكان استقطاب وتصدير المقاتلين لعدة مناطق.

بالتالي، الملف الليبي هو ملف مقلق وربما جلّ التفكير في الجزائر اليوم هو كيف يمكن أن نجد حلاً أو مَخرجًا للأزمة الليبية حتى يمكن التفرغ لمحاربة الارهاب. كذلك منطقة الساحل والصحراء التي نصنفها في إطار انها منطقة قوس الأزمات، وهذا لجملة من الاعتبارات أو ما نسميها بالمعضلات الأمنية الخمس المرتبطة بضعف الأداء الاقتصادي، بهشاشة الدولة، بالتأثر بالتدخل الخارجي، بالمسائل المرتبطة بالهوية والقبلية والاثنية والتحالف العضوي بين الجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة. أعتقد بأنّ الجزائر حتى في الكثير من الأحيان تطرح مقاربة صحيحة ومفهومًا واضحًا، هو في ما يتعلق بضرورة محاربة الارهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، لأنّ هنالك جملة من الفوائض في المنطقة تغذي الظاهرة الارهابية وتساهم في تمدد الظاهرة الارهابية، لا شك هناك جملة من التحديات.

أعتقد أنّ.

 

لينا زهر الدين: أشكرك.

أنّ ماذا؟ أكمل الجملة لو سمحت.

 

أحمد ميزاب: أعتقد أننا نشهد في المنطقة ليس فقط تهديد تنظيم القاعدة أو تنظيم داعش وإنما هنالك جملة من التنظيمات. لا تنسي بأن تنظيم بوكو حرام يتمدد من الناحية الجنوبية عبر العديد من الدول الإفريقية وداعش الذي يتمركز في الأراضي الليبية وتنظيم القاعدة الذي له وجود منذ تسعينات القرن العشرين. بالتالي هنالك تحديات أمنية تفرض نفسها، تستوجب الآن والجزائر هي تطالب بذلك، تستوجب استراتيجية شاملة واتفاقاً دولياً لأجل محاربة هذه الظاهرة، لذلك كان الملتقى الأخير الذي عقد في الجزائر يومي الأربعاء والخميس من الأسبوع الماضي الذي يناقش البحث عن إيجاد أرضية لمعالجة ومحاربة الإرهاب.

 

لينا زهر الدين: أشكرك دكتور أحمد ميزاب رئيس اللجنة الجزائرية الإفريقية للأمن والسلم، حدّثتنا من الجزائر.

جملة نقاط تحدث عنها وخلص إلى أننا بحاجة لاستراتيجية شاملة لمحاربة الإرهاب، وهذا ما تمت مناقشته في الملتقى الأخير. ليبيا ربما من أكبر التحديات والمحيط، الساحل والصحراء. من أين يأتي القلق الأكبر من محيط الجزائر دكتورة؟

 

داليا غانم يزبك: أظنّ أنّ القلق الأكبر يأتي من الحدود. تشترك الجزائر بالحدود مع تونس، حوالى 900 كيلومتر، حدود مع ليبيا كذلك 900 كيلومتر، وحدود مع مالي حوالى 1300 كيلومتر، وهجوم عين أميناس أظهر، هجوم عين أميناس الذي حصل في كانون الثاني 2013 من قبل جماعة مختار بن مختار أظهر قدرة هذه التنظيمات على التسلل في الحدود والخروج منها، وبالإضافة إلى أقدم وأرسخ التنظيمات في المنطقة الذي هو تنظيم القاعدة، هناك تنظيمات أخرى تتعاون معها القاعدة من أهمها أنصار الدين بقيادة إياد أغالي، هناك كذلك حركة التوحيد والجهاد غرب إفريقيا.

 

لينا زهر الدين: كلّها مجموعات جزائرية؟

 

داليا غانم يزبك: هي مجموعات مشكّلة. تنظيم حركة الجهاد والتوحيد في غرب إفريقيا ضرب المصالح الجزائرية وكان ذلك في مقرّ الدرك الوطني في الجزائر في تمنراست عام 2012، وزيادة على ذلك هناك تنظيم المرابطون لمختار بن مختار. أنا أظنّ أنّ الحدود هي أكبر خطر على الجزائر لأنّه لا يمكن ضبط المساحة الكبيرة، والجزائر كذلك لها سياسة حمائية. الجزائر لا تسمح للجيش أن يتدخل ما وراء الحدود، وهذا ربما أنّ التغييرات على الأرض ستؤدي بالجزائر إلى تغيير سياستها الخارجية، لأنّ اليوم الجزائر ما تفعله هو بعث المزيد من القوات، وكذلك أغلقت الجزائر الحدود مع الجيران إلا مع تونس، تركت الحدود مع تونس مفتوحة، ولكن رغم ذلك هناك خطر. اليوم تبقى المنطقة منطقة عسكرية من أجل الدخول إليها، يجب الحصول على تصريح أمني خاص.

 

لينا زهر الدين: هذا مطلوب في هذه الظروف.

 

داليا غانم يزبك: مطلوب، نعم، ولكن أظنّ أن الحل العسكري وحده لا يكفي.

 

لينا زهر الدين: نحن نلاحظ أنّ أقلّ ربما نسب المقاتلين الذين يقاتلون في سورية وفي منطقة الشرق الأوسط تأتي من الجزائر، أقلّ عدد من المقاتلين، هذا فقط للإشارة.

اسمحي لي أن أعود إلى الداخل الجزائري. كل العوامل التي ذكرتِها والتي ذكرها الدكتور أحمد ميزاب طبعًا موجودة وهي حقيقة واقعة، ولكن مديرة جريدة الفجر الجزائرية تقول من قتل جنودنا يوم عيد الفطر هو التيار السلفي المتعاظم في المجتمع بتشجيع من السلطة في المدرسة وفي المساجد التي اعترف وزير الشؤون الدينية بأنّ كثيرًا منها يؤمّها السلفيون وفي الأسواق والشارع، في وقت يحفر فيه دعاة الانفصال الأرض تحت أقدام الجزائريين لفتح البلاد على المجهول بحثاً عن قضية كاذبة.

نفس الشخصية مديرة جريدة الفجر تعتبر أنّ المصالحة كانت خطأ، هي التي شجّعت أو التي أعطت متنفّسًا لهؤلاء ليقتلوا الجزائريين. هل تعتقدين ذلك؟

 

داليا غانم يزبك: من الصعب أن نقول بطريقة عامة أنّ المصالحة كانت خطأ. الجزائر عانت من هذه الحرب. توفي 150000 جزائري 7000 منهم مفقودون. كانت رغبة الحكومة وكذلك رغبة الشعب هي الخروج من هذه الأزمة وكانت المصالحة آنذاك من الحلول الممكنة.

 

لينا زهر الدين: وبالفعل عاد الكثير من المسلحين إلى كنف الدولة وإلى المجتمع.

 

داليا غانم يزبك: نعم، عاد الكثير من المسلحين. لسوء الحظ ليس لدينا إحصائيات ولكن صحيح، أنا أفهمها عندما تقول هذا، لأنّ العديد من هؤلاء الذين عادوا بفضل المصالحة، عادوا بعد ذلك إلى الجبل وهم اليوم أعضاء في جماعات إرهابية مختلفة.

 

لينا زهر الدين: هل يمكننا أن نقف تقريبًا عند حجم داعش والقاعدة في الجزائر؟

 

داليا غانم يزبك: ليس لدينا إحصائيات دقيقة حول عدد المقاتلين، ولكن بالنسبة إلى داعش أنا لا أظن أنّ المجموعة كبيرة صراحة.

 

لينا زهر الدين: القاعدة لها ثقل أكبر منه، في الجزائر وليس في المنطقة المغاربية.

 

داليا غانم يزبك: نعم، القاعدة لها ثقل أكبر وأريد أن أشير إلى شيءٍ مهم ذكرتِه من قبل وهي مشكلة غرداية. اليوم أريد أن أتحدث عن غرداية لأنّ غرداية هي بوابة الصحراء. وينشط حول غرداية العديد من الجماعات المتطرفة والجماعات الإرهابية، واليوم المشكلة في غرداية ليست مشكلة طائفية ما بين الإباضيين والمالكيين، وليست المشكلة كذلك عرقية ما بين البربر والعرب، إنما المشكلة جاءت نتيجة لمشاكل سياسية، اقتصادية واجتماعية، من أهمها العمل، مناصب الشغل، العقار، الأرض وغيرها. ولماذا أتحدث عن غرداية؟ لأنّها هي في أبواب الصحراء، وإذا ساء الأمر في غرداية سيؤدي ذلك بالجماعات المتطرفة والإرهابية الموجودة في منطقة الصحراء الكبرى والساحل باستغلال الأوضاع وبتجنيد الآلاف من الشباب.

 

لينا زهر الدين: يشبّهها البعض ربما بمنطقة سيدي بوزيد التونسية لناحية الافتقار إلى أدنى مقوّمات الحياة، ونحن عندما ننظر إلى غرداية، هي في الجنوب غرداية، نرى أنه بالفعل هناك حالة اقتصادية واجتماعية بحاجة للالتفات إليها من قبل الدولة. لِمَ الدولة، هل هناك اهمال من قبل الدولة لهذه المنطقة، مقصود من قبل الدولة؟

 

داليا غانم يزبك: لا اعرف إذا كان مقصودًا ولكن.

 

لينا زهر الدين: واضحة، مشكلة غرداية واضحة، وعندما تقع اشتباكات يذهب ضحيتها 23 شخصا في الفترة الأخيرة. هناك خطورة في الموضوع.

 

داليا غانم يزبك: هناك خطورة في الموضوع وحتى الآن لم تتعامل الدولة بشكلٍ، لم تجد الدولة حلاً على المدى الطويل، فالدولة توزّع الأموال وتوزع الأراضي وبعثت مؤخرًا حوالى 8000 جندي، ولكن هذا لا يكفي. غرداية مشكلتها هي سياسية واجتماعية واقتصادية ويجب أن نجد حلاً قبل أن تنفجر القنبلة في وجوهنا.

 

لينا زهر الدين: نتمنى أن تبقى الجزائر بمنأى عن كلّ شكل من اشكال العنف.

أنا أشكرك جزيلاً دكتورة داليا غانم يزبك محللة الأبحاث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط والخبيرة السياسية المتخصصة في شؤون الإرهاب. شكرًا لك على الحضور.

في لبنان جمال طبيعة خلابة، وفي لبنان نفاياتٌ وعنفٌ متصاعد. ما أسبابه وخلفيّاته؟ بعد الفاصل.

مستويات العنف في لبنان ترتفع... ما الأسباب والخلفيات؟

  • المحور الثالث
    المحور الثالث

لينا زهر الدين: أهلاً بكم من جديد إلى العدّ العكسي.

طغت كارثة النفايات ومنظر الشوارع المقزّز في بيروت على ما عداها من أزماتٍ يغرق فيها لبنان. لكنّ هذه الكارثة على فداحتها وخطورتها يفترض ألآ تُنسيَنا الظواهر والممارسات الخطيرة التي بات يعانيها المجتمع اللبناني، لعلّ آخرها جريمة القتل المروّعة التي راح ضحيّتها المواطن جورج الريف على يد طارق يتيم.

تقول المعادلة المنطقيّة عقاب صفر يعني جريمة مئة بالمئة. هل هذا هو الحال الذي وصلنا إليه في لبنان؟

كثُرَت في الآونة الأخيرة حالات العنف في البلد الذي ما عُرِف عنه إلا الجمال والذوق واللياقة في التعامل. قتل المواطن جورج الريف في وضح النهار أمام المارة. بالطبع ليست الجريمة الأولى من نوعها التي يشهدها لبنان، لكنها ربما تكون الجريمة الوحيدة التي صُوّرت وشاهدها العالم بأسره.

مواطنٌ لبناني يقتل ابن جلدته، رجلٌ يقتل زوجته، أبٌ يعنّف ابنه ويضربه ويكيل له الشتائم، حالات اغتصابٍ متعدّدة، شابٌ يعلّق كلبًا على حبل ويتلذذ في ضربه وتعذيبه. عنفٌ وشتائم من شتى الأنواع تتطاير في الهواء بسبب ركن سيارة أو أفضليّة مرور أو مشكلةٍ عائلية أو مسألةٍ مادية أو ما شابه.

ما الذي يدفع الإنسان واللبناني خصوصًا إلى ارتكاب مثل هذه الأفعال؟ هل هو غياب المحاسبة والقانون؟ هل هي التربية والتنشئة الاجتماعية السيّئة؟ هل هي المدرسة ورفاق السوء؟ هل هي الأحداث المأساوية المحيطة بنا من كلّ حدبٍ وصوب أم ربما كلّ هذه مجتمعة في بعض الحالات؟

معنا لمناقشة هذا الموضوع من بيروت، من هنا من بيروت، الدكتور نبيل خوري الأخصائي في علم النفس على الهاتف. أهلا بك دكتور نبيل.

كيف يمكن أن نوصّف كل هذا الحجم من العنف الذي نشهده بشكل شبه يومي أو أسبوعي على الأقل في لبنان في الفترة الأخيرة؟

 

نبيل خوري: أهلا بك وتحية لك ولكلّ مستمعيك ومشاهديك الكرام وأنا أعرف أنهم كثر.

 

لينا زهر الدين: أهلاً بك.

 

نبيل الخوري:السؤال واسع جدًا ولكن لاختصار المسافة الوقتية فقط يمكن القول بأن أسباب العنف في المجتمع تعود على سبيل الحصر لا المثال، أنّ هناك طبعًا كما تفضّلتِ مسؤولية للأسرة والمدرسة والاعلام والمجتمع ولكن هذه تبقى بحد ذاتها محدودة الأثر إذا ما قورنت بالواقع بواقع سياسي واجتماعي أليم نعيشه في لبنان.

أولا هناك عند الأجهزة الأمنية ممارسة تقرب إلى التسلط، أقرب منها إلى التسلط منها إلى السلطة، ما يحفّز على عملية التمرد على الانظمة والقوانين ولا يخلق حالة من الراحة والسؤدد والطمأنينة في المجتمع بقدر ما يعزز مفهوم الانتقام وروحية وذهنية الانتقام، وهناك مشكلة أكبر بكثير هي مشكلة سطوة رجال السياسة على القضاء. القضاء مطيَّف، ممذهب في لبنان، وموزّع محاصصة بين مجموعة الطوائف والقبائل التي يتألف منها المجتمع اللبناني. يتألف المجتمع اللبناني من هذه القبائل التي تشرف على القضاء وتفرض سلطتها عليه وسطوتها عليه وتفرض عليه قرارات، وعندما لا ينفذ هذه القرارات يكافَأ القاضي إما بتعيين جديد في موقع جديد أو بنقله إلى موقع لا يريده أو يُطلَب منه أن يتنحّى عن قضية ما ليحل محله قاضٍ آخر لديه قدرة إذعانية واضحة المعالم، وبالتالي تصبح الأحكام مجتزأة من حيث أثرها أو حتى معدومة الفعالية.

 

لينا زهر الدين: هنا نشكّك بالقضاء بشكل مباشر، وهذا جزء أساسي من الحديث أنه إذا كان هناك نوع من الفساد او التساهل في القضاء نفسه، فكيف يمكن أن يحكم أو أن يضع عقوبات رادعة لمن يقوم بجريمة ما أو ممارسات شاذة؟

 

نبيل خوري: سيدتي العزيزة، القضاء، هناك قضاة كثر نزيهون وشرفاء جداً ويعطون نتائج على الأرض، ولكن سطوة السياسيين عليه وكون تعيينهم خاضعًا لمشيئة السياسيين الذين ينتمون إليهم على الأقل طائفيًا وإنسانياً واجتماعيًا وحتى خلقياً في نواحٍ معينة، أي ضمن المدرسة السياسية نفسها. دور القاضي يصبح ضعيفًا.

 

لينا زهر الدين: هذا موجود بالتركيبة اللبنانية وهي ليست جديدة دكتور نبيل. منذ نشأة لبنان وهناك تركيبة معيّنة طائفيًا ومذهبيًا وفي كل أجهزة الدولة. ذكرت نقطة مهمة هي الرغبة بالانتقام. أنا أفهم ربما أن تكون لدى البعض رغبة بالانتقام، ولكن عندما يضرب الأب ابنه بالطريقة الوحشية التي رأيناها، وعندما يقتل شخص لبناني شخصًا آخر لبنانياً بهذه الطريقة الوحشية التي رأيناها، هذا ماذا يمكن أن يسمّى، عنف فردي أم عنف على مستوى المجتمع؟ هل وصلت إلى حد الظاهرة؟

 

نبيل خوري: هذا يجيب عن سؤالين في الحقيقة، أولا تقولين حضرتك أنه طول عمر لبنان فيه تطيف وتمذهب، ولكن نوعية السياسيين ما بعد الاستقلال وفي الستينات والسبعينات والثمانينات ربما هي غيرها نوعية السياسيين اليوم. السياسيون اليوم نوعيتهم مختلفة. لا تنسي أنّ أغلب زعماء الاجرام والقتل في لبنان أصبحوا مشرعين ووزراء ونواب، هذا لم يحدث في أي بلد في العالم. هناك قناصون أصبحوا وزراء خدماتيين، هناك اشخاص مارسوا أدوارًا لا يمكن أن تُعتبَر في إطارها الإنساني إلا أدوارًا مرفوضة، يجب أن يكونوا في السجون، أصبحوا مراجع سياسية. هذا بالدرجة الأولى.

الأب الذي يضرب ابنه بوحشية كما نشاهد في الصور اليوم أو الأم الهستيرية التي تعتمد اساليب عنيفة على ولدها، هذا لأنها تربّت في كنف عائلة، هي بحد ذاتها في هذه العائلة لم تكن تحظى لا بالاهتمام ولا بالعطف ولا بالتثقيف اللازم. تربّت على المسلسلات المكسيكية وعلى المسلسلات التي تأتي من حضارات مختلفة عن حضارتنا وترعرعت في كنف أجواء الثرثرة والنميمة والكذب والحقد وحتى الخيانة وعدم الوفاء. ماذا تنتظرين منها، أن تكون مثقفة لأبنائها؟ وهذا الرجل الذي يخبر ابنه كيف كان يقوم بالطحشات والهجمات ويقتل ويذبح على الهوية ويجرجر الجريح في الشوارع قبل أن يقتله إذا لم تقتله الجرجرة؟ هذا إنسان تريدين منه أن يصبح مربّيًا ومثقفاً لأبنائه؟

 

لينا زهر الدين: ولكن لماذا كثرت في الآونة الأخيرة؟ فقط السنة الماضية دكتور نبيل هناك أكثر من عشرين حالة قتل زوج لزوجته مثلا ضمن ما يسمى بالعنف الأسري ولا أحد مسموح أن يتدخل، إلى أن تحرّك الاعلام قليلاً والجمعيات الخاصة.

هناك مستوى عالٍ من العنف في السنتين الماضيتين. لماذا؟ إلامَ يعزى ذلك؟

 

نبيل خوري: العنف موجود منذ زمن طويل في لبنان ولكن الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، هذا هو أظن أنه الأمر الوحيد المتغير.

 

لينا زهر الدين: سلّطت الضوء أكثر.

 

نبيل خوري: بدأ يسلط الضوء. هناك جرائم غسل عار لم يكن يسمع بها اللبناني إلا بالتواتر بعد فترة زمنية طويلة، وهناك جرائم وأد فتيات بعد ولادتهنّ، وأد، دفنهنّ وهنّ احياء، لأنهم يرفضون البنت بالعائلة، طول عمرنا نسمعها، نسمعها بمناطق غير بعيدة عن بيروت. والأهم من الموضوع كله، هذا يجيب أيضًا على السؤال، أظنّ أنّ السبب الأول أنّ هناك جهابذة محتالين منافقين يحتالون على القانون، يتبجحون أنّهم يتحايلون على القانون، مستعدون أن يبرّئوا أيّ مجرم في أية لحظة عن طريق التلاعب بأصول المحاكمات الجزائية أو التلاعب بقانون العقوبات وتمييع العملية وتسويفها والابقاء عليها بجو معين أو استدعاء خبراء وأطباء شرعيين وأطباء علم نفس ليكتبوا تقارير تساعد الإنسان على النجاة بفعلته، ما لم يردع المجرمين الآخرين عن غيّهم، لأنّهم يعرفون بأن هناك تسويات ستحصل وأنّ هناك تسويفًا سيحصل وأنّهم لن يدفعوا ثمن عملهم وحالتهم الغضبية موجودة ورغبتهم الانتقامية موجودة ونزعتهم الجرمية موجودة إلا أن خوفهم من العواقب أصبح ضعيفًا.

 

لينا زهر الدين: إذا كان هناك هذا الفساد على المستوى السياسي، وللأسف هذا لا يتغيّر بسهولة أو بين ليلة وضحاها، وقد يبقى أبديًا، نحن في داخل العائلة أو داخل المدرسة، ما المطلوب؟ ماذا علينا أن نفعل لنجنّب مجتمعاتنا، لنجنّب محيطنا على الأقل التعرض لممارسات من هذا النوع أو التحول لكل هذه العدائية؟

 

نبيل خوري: هذا السباق اللغوي إذا شئتِ، الحل بسيط ولكنه مستحيل التطبيق.

 

لينا زهر الدين: أي ليس بسيطًا.

 

نبيل خوري: بسيط ومستحيل التطبيق، لوجستياً ونظرياً، الحل هو بقوانين صارمة وحازمة وهو برفع يد الدين عن القضاء وهو برفع الغطاء عن المجرمين، هو بمعاقبة أحدهم بعقابٍ قاسٍ وصارم حتى يرتدع الآخرون.

الحل أيضًا ببدء التثقيف الاجتماعي والانساني والتوجيهي في المدارس بشكل لا يكون فيها الطالب مجرّد رقم في معادلة، بل إنسان له حدوده ومسؤولياته وجوهره وإمكانية تحرّكه حتى يعرف أين هي صفوفه وماذا يجب أن يردعه وممّ يجب أن يخاف وعلى أيّ أساس يجب أن يستند.

الحلّ أيضًا في تطبيق مفاهيم جديدة بالتربية العائلية تبدأ في المؤسسات التوجيهية التي تتبع لكل قبيلة ولكل طائفة سواء أكان في كنيسة أو جامع، ليتمكن الأب من تحضير نفسه وجهوزيته في عالم الأبوة والأم لعالم الأمومة التي يجب ألا يُنظَر إليها على أنها مجرد غريزة، وفي المرتبة الثالثة يجب أن يكون هناك دائًما وأبدًا إشراف للأجهزة المسؤولة، أجهزة أمنية مسؤولة فيها اختصاصيون يعرفون كيف يتعاطون مع هذه الأمور، يعرفون كيف يردعونها ويعرفون كيف يفرضون عقابها، والتحسّن الأول يجب أن يطرأ في أطر وزارة التربية التي يجب أن يكون عندها مكتب شكاوي مفعّل أكثر، في كل المحافظات والأقضية، يفعَّل دور التفتيش التربوي أو مكاتب الشكاوى حتى تشرف على المدارس الخاصة الكبيرة، مدارس الخمس نجوم، والصغيرة أي الدكاكين والمدارس الرسمية وتفرض رأيها وسلطتها بشكل قانوني، ليعرف الأستاذ ما هي واجباته ويدرك الطالب أنّ هناك فعلاً من يحميه.

 

لينا زهر الدين: أنا أشكرك دكتور نبيل خوري الأخصائي في علم النفس العيادي، وبالطبع هناك أساليب أخرى يمكن الحديث عنها باستفاضة، لكن لم يعد معنا أبدًا وقت. شكرًا جزيلا لك.

إلى هذه حكايتي.

في مصر، حكاية ماسحة الأحذية التي تنتظر دخولَ البرلمان من أوسع أبوابه؟

  • المحور الرابع
    المحور الرابع

لينا زهر الدين: حكايتها لا تشبه حكايات بقيّة الأمهات أو العاملات. تجرّأت ونزلت إلى الشارع بحثاً عن لقمة عيشها ولتؤمّن لأولادها حياة كريمة.

أم حسن ماسحة الأحذية الأشهر في مصر تحدّت المجتمع وواجهت كلام الناس وصعوباتٍ كثيرة لتصنع حياةً أفضل لها ولأطفالها.

اليوم تستعدّ أمّ حسن لدخول البرلمان بعد أن حصلت على جوائز وأوسمة من رئيس البلاد من ضمنها وسام الأم المثالية.

كيف بدأت أم حسن مشوار الألف ميل؟ وكيف تنظر إلى المستقبل؟

هي تروي لنا حكايتها.

 

أمّ حسن: أنا أعمل ماسحة أحذية، عملت بهذا العمل لظروفي، لأنّ زوجي توفي وترك لي خمسة أولاد، بنت وأربعة صبيان، فاضطررت أن أعمل ليكمل أولادي تعليمهم في المدارس.

والله بالصدفة كنت أقف على الشرفة وأفكر ماذا أفعل، ولم يكن معي مال أصلا. المهمّ وجدت شخصًا يلمع أحذية لصاحب محل قربنا، فلمعت الفكرة في رأسي بسرعة، وقلت لماذا لا أفعل نفس العمل؟ ثم قلت أنّ هذا عمل للرجال، وتحدثت مع نفسي، ثم عدت وقلت السيدة يمكن أن تقوم بأيّ عمل، فنزلت بسرعة ومن دون أن أفكر ذهبت تجاهه وقلت له لو سمحت من أين جئت بهذا الصندوق والأدوات، فقال لي من رمسيس، فقلت له ممكن أن آتي بأحذية أولادي لتلمعها أمامي، وأرى كيف تفعل ذلك، قال لي ممكن فعلاً، بسرعة صعدت وجئت بأحذية أولادي ليلمعها أمامي، قلت له تلمعها كيف، فعلمني وفقط لمرة واحدة تعلمت. فبحثت عن منطقة مزدحمة لاكون فيها.

عندما بدأت العمل وأظهرت الصندوق، دخلت بداية داخل مجمع السكة الحديد، وجدت رجلين يعملان فقررت الجلوس بعيدا قليلا عنهما، وعندما أخرجت الصندوق أرسلوا شخصًا إليّ، صرخ عليّ ودعاني للمغادرة، قلت له أنا أودّ العمل ومعي ابني الصغير على كتفي وولد ثانٍ عمره خمس سنوات، فقلت له أنا أودّ أن أجلس لأسترزق، قال لي لا، لا يمكنك أن تسترزقي، غادري المكان.

المهم استمررت بالبكاء حتى خرجت خارج المزاد وجئت قرب محل العصير فقلت له لو سمحت هل يمكن أن أقيم هنا؟ منذ 16 سنة وأنا في هذا المكان، عندما جلست بادئ ذي بدء استغربت الناس كيف أنّ سيدة تجلس لتلمع الأحذية. بالنسبة لهم هذا أمر غريب، فكان هناك من سخر وضحك وقالوا ما هذا هل هناك سيدة تلمع؟ طبعًا كلّ هذا رميته خلف ظهري لأنني أودّ تربية أولادي وعليّ مسؤولية تربية وتعليم وإلباس واطعام.

أنا كنت أتمنى منذ زمن دخول الجامعة. العام المنصرم الله أرسل لي سيدة فاضلة وسألتني ماذا تريدين، فقلت لها والله أتمنى دخول الجامعة، هي استغربت، قالت ظننت أنك تريدين مالاً، تريدين أمرًا لك، تريدين مثلاً الذهاب للعمرة والحج، فقلت لها لا، بصراحة أنا أملي أن أكمل دراستي، ذهبنا سويًا للجامعة ودخلت وحاليًا أستعد لدخول السنة الثالثة.

إن شاء الله أنا سأرشح نفسي بمجلس الشعب بإذن الله، وطلبت هذا من الرئيس عندما التقيت به وقلت له أتمنى دخول مجلس الشعب لأنني أحبّ بلدي وأريد الوقوف إلى جانب الناس المستضعفة، وأتمنى أن تختارني حضرتك من ضمن العشرة بالمئة التي تختارها، وستكون منه لفتة جيدة أنّ سيدة مثلي جالسة في الشارع تشعر بنبض الشارع والفقراء ويضعها في هذا المنصب.

ومن ثمّ واحدة استطعت إدارة بيتها وتربية أبنائها وإدارة نفسها لن تستطيع العمل بهذه الوظيفة؟ أكيد الحمد لله وإن شاء الله.

جاءني اتصال من وزارة التضامن الاجتماعي وقالوا لي أنّه تمّ اختياري الأم  المثالية على الجيزة، أنا فرحت جدًا ولم أصدّق، وبعد ذلك تفاجأت أيضًا بأن الرئيس عبد الفتاح السيسي قال أنا من الأمهات المثاليات، فذهبت الاتحادية والتقيت به وكرمنا ومنحنا أوسمة وشهادات تقدير.

أنا أرى أنّ بلدنا إن شاء الله سيكون أفضل بلد في العالم بقدرة الله وبجهود الرئيس السيسي إن شاء الله.

 

لينا زهر الدين: أعتقد أنّ أمّ حسن هي رمز الأمّ والمرأة المثالية في العالم، وليس فقط في مصر. نتمنى بالطبع أن نراها في البرلمان المصري قريبًا.

إلى هنا مشاهدينا نأتي إلى ختام هذه الحلقة من العدّ العكسي. شكرًا لكل من ساهم في إنجازها، والشكر الأكبر لكم على متابعتكم. أستودعكم الله والسلام عليكم.