بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الروائية لينا هويان الحسن

ابنة البادية البارة لينا هويان الحسن، كيف تفردت بفن السرد الروائي عن البادية والصحراء؟ مسيرة بدأت في عامها السادس والعشرين على الورق وعوالم تشكلت منذ نعومة أظافرها في الصحراء السورية.

البدايات

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. عالم البادية الغامض الواضح المُركّب الشائِك المُعقّد الرحب المضياف الكريم، حكايات الحبّ والثأر والقتل والقتال والنساء اللاتي يهوين العطور والأزياء والحُليّ والمصاغ ويسقطن صرعى الشغفِ والجموح الفاتِن الفتّاك، وكذلك المُجتمعُ الدمشقي المتعدّد المتنوّع الثريّ بتلاوينة الإنسانيّة الاجتماعيّة والطبقيّة والأثنية وبثقافته الرحبة الواسِعة والاغتراب الموحِش الذي يبدو وكأنّه قدر الناس في هذه البلاد. كلّ ما تقدّم يُمثّل العالم الروائيّ لضيفتنا الآتية من رحم البادية السوريّة ومن تلافيف التركيبة الدمشقيّة ومن تاريخ بلدها الضارِب في عراقته وحضارته، المضروب راهناً بغربان الموت ووحوش القتلِ والدمار، وليمةٌ دسمةٌ من حبرٍ وكلِمات، من سِحرٍ وعالمٍ واقفٍ على شفير المتعةِ والجنون، وسردٍ مكتظٍّ بالأحداث والشخصيّات تدعونا إليها السيّدة الكاتبة فنُلبّي الدعوة مسحورين ونفتحُ باب "بيت القصيد" للروائيّة والكاتبة الأستاذة " لينا هويّان الحسن". أهلاً وسهلاً بكِ

لينا هويّان الحسن: أهلاً وسهلاً بك

زاهي وهبي: شرّفتِ. السؤال الأول سيّدتي، ترشيح روايتك الأخيرة " الماس ونساء " لجائزة "بوكر" العربيّة ماذا عنى لكِ؟

لينا هويّان الحسن: هذا السؤال كان الأكثر حضوراً في الفترة الأخيرة، ترسيخ جميل، اعتراف أكاديمي. كلّ كاتِب معني بالاهتمام بما يكتُب سواء في المحافل الأدبيّة أو النقّاد أو القرّاء، ثمّ أنّ جائزة " بوكر" أثبتت أنّها الأكثر رواجاً وانتشاراً. الكُتُب والروايات التي تحظى بهذا الترشيح تنتشِر

زاهي وهبي: شعرتِ بهذا الأثر بشكلٍ مُباشر؟

لينا هويّان الحسن: طبعاً، طبعاً أكيد، وانعكس على بقيّة أعمالي السابقة وزاد في المبيع وزاد في الحضور وفي الانتشار بالتأكيد

زاهي وهبي: ما الذي قذف بكِ إلى هذه الطُرق الوعِرة؟ إلى عالم الأدب والكتابة؟ هلّ هي مناخاتٍ ما في البيت أو في المدرسة أو في الجامعة؟

لينا هويّان الحسن: ربّما الطفولة، طفولتي التي كانت

زاهي وهبي: كان الكتابُ فيها حاضراً ؟

لينا هويّان الحسن: كان الكتاب حاضراً لكن كانت الحكايات حاضرة أكثر، التنوّع كان حاضراً، " لينا" التي تربّت على شاطئ البحر في نفس الوقت وخلال لحظة ما يأخذها والدها في إجازة. أين هذه الإجازة؟ الإجازة هي في البادية السوريّة بين بيوت الشَعر، الحياة البدويّة الحقيقيّة الغنّامة؛ رعيان الغنم ، قِبَب الطين التي تحدّثت عنها كثيراً. مثلاً سيارة "الشيفروليه" التي أصبحت مثل رجله أن يتحدّث عنها لكثرة ما تحدّثت عنها. هذا التنوّع هو الذي ساهم بصُنع تاريخ شخصي ، تاريخ لي أنا

زاهي وهبي: حضرتك من بادية "حماه" ؟

لينا هويّان الحسن: من بادية " حماه"، من منطقة اسمها "الأندرين"، "بادية الأندرين"، وجميعنا يعرِف مطلع مًعلّقة "عمرو بن كلثوم" الشهيرة " أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَا وَلاَ تُبْقِي خُمُـوْرَ الأَنْدَرِيْنَا". أنا من منطقة فيها تراكُم عجيب وغريب لعدّة ذاكرات. لا يُمكِنـني، ربّما أكاد أجزُم أنّ بقاعا قليلة على وجه هذا الكوكب حظيت بهذا التاريخ الثري والعجيب منذ البدايات وما قبل التاريخ إلى الفينيقيين والكنعانيين والآراميين والبيزنطيين والرومان الإغريق طبعاً

زاهي وهبي: تراكُم حضاري هائِل

لينا هويّان الحسن: تراكم حضاري هائِل

زاهي وهبي: لكن، كم هي في هذه الحالة المرويّات الشعبيّة؟ حكايات الجدّات والأمهات والآباء؟

لينا هويّان الحسن: الجدّات، الأمّهات لا يحكين لنا حكايات حلوة أبداً، يرسلونا إلى النوم كي نستيقظ في الصباح ونذهب إلى المدرسة. في مرحلةٍ ما، ودائماً أحكي هذا بفرَح وبشغف، كما يقول "غاستون بشلار"، "الطفولة هي الفردوس المفقود". أنا فردوسي المفقود هو في " بادية حماة ". في مرحلة ما كان من الصعب على والدي أن نعيش في المدينة فاضطرّ لأن ينقلنا من المدينة للبادية وأنا هناك كنت على موعدٍ حقيقي مع عالم خُرافي لا مدارس فيه ولا طرقات ولا كهرباء، منطقة بدويّة رعويّة، خليط ما بين الريفي والبدوي. قبب الطين المشيّدة بشكلٍ مخروطي وهي أبنية تعود إلى ما قبل التاريخ فعلاً وحقيقةً، طرازاً وبناءً. إلى جانب هذه القبب نفسها هناك بيت الشَعر، البيت المنسوج من شَعر الماعِز، شتاءً وصيفاً منسوج من القُطن. في تلك المرحلة كنت في صف الثالث ابتدائي فكان من اللازم أن أدرُس ودرست

زاهي وهبي: كنتِ مُدركة أنّ هذا العالم عالم مُختلِف أم لا؟

لينا هويّان الحسن: لا لا، أبداً. كنت الطفلة التي تُحبّ أن تكتشف والتي شاهدت عوالِم مُختلِفة تماماً. أنا كنت آتي في إجازات متقطّعة لهذا العالم وفجأة وجدتُ نفسي أسكُن في ضيعة فيها كلّ ما يلزم الطفل لأن يكون روائياً وكاتباً. قُبّتان من الطين هما مدرستي، الصفّ الأوّل هو مقعد، الصفّ الثاني مقعدان والصفّ الثالث ثلاثة مقاعِد، وفي النهار حين نخرُج يقولون عنّا كلّهم بأنني مسكونة بالجان. كان عندي هناك موعِدٌ مع كائِنات خُرافيّة، كائِنات ماورائيّة تحدّثت عنها جدّتي أو "الحبّابة" كما يقول البدو، "حبّابتي". صرت أستيقظ كلّ يوم على صوت جدّتي وهي تتحدّث عن أشعار "الزير سالِم"، " أيا سعد قلبي من العبد خائف، أرى كفوف طعن الرمح كبارُ"

زاهي وهبي: أيمتى أدركتِ أنّ هذا العالم الساحِر المجهول إلى حدٍّ ما بالنسبة لكثيرين من المُمكِن أن يكون مادّة روائيّة؟

لينا هويّان الحسن: تحديداً في عمر الـ 25 سنة أو الـ 24 لأنّ في عمر الـ 25 كانت قد صدرت روايتي الأُولى وفي الـ 24 كنت في السنة الجامعيّة الثالثة قسم الفلسفة. على ما يبدو، الفلسفة هي التي تؤهِّلنا لامتلاك حريّة من الصعب أن يحظى بها آدمي للحقيقة

زاهي وهبي: أنا كنت قد حضّرتُ لكِ سؤالاً  مفاده، كم دراستك للفلسفة ساعدتكِ ربّما في بناء الشخصيات، في فهم الشخصيات التي كتبتِ عنها في رواياتك سواء أكانت واقعيّة فعلاً أو متخيّلة؟

لينا هويّان الحسن: عندما عُدت من عالم البادية، عدت وأنا مُحمّلة بآفاق مفتوحة وأمداء واسِعة وتعلّمتُ شيئاً من الحريّة، وحده البدوي يعرفها وهي نمطٌ من الحريّة، حريّة الاتّجاهات وحريّة حتّى الاعتقاد أو المُعتقد. المُعتقد في المدينة صارِم، توجد مثلاً حصص دراسيّة متعلّقة بالتربية الدينيّة، التربية القوميّة، التربية الوطنيّة، أخذتها في البادية وليس من الحريّة وانفلتت من الصفوف، وهذا ما ساهم بشكلٍ حقيقي وفِعلاً أنا مدينة لتلك السنة الصعبة التي لم يستطع أبي فيها أن يُبقينا في المدينة لأسباب أمنيّة. أنا مدينة وسأظلّ دائِماً مدينة لهذه السنوات الجميلة. لاحقاً، عندما دخلت الفلسفة ودرست الفلسفة اكتشفت أنّي أحتاج إلى ما يُبرّر، أو أنّ الفلسفة هي التي تمنحنا الحجّة لنُبرّر أحياناً أنفسنا أو آراءنا التي قد لا يتقبّلها المُجتَمع

زاهي وهبي: "لينا"، قلائل الذي كتبوا عن عالم الصحارى وعالم البوادي وربّما فوراً نتذكّر "عبد الرحمن منيف" ونتذكّر "إبراهيم الكوني" ونتذكّر "موسى صبري" من "مصر". ولكن قد تكونين السيّدة الأُولى التي كتبت عن هذا العالم، صحيح؟ وماذا يعني لكِ ذلك؟       

لينا هويّان الحسن: لا أبحث عن الرياديات في الحقيقة وهذا الأمر الجميع يعرِفه ولم أتقصّد ذلك، المصادفة هي التي جعلتني أكون الأولى لأكتُب عن هذا العالم. أنا لا أُفكِر أبداً في أنني كنت الأولى والثانية والثالثة، أكتُب نصّي وأنا مدفوعة بشغف وحنين، أحياناً Nostalgia، والفلسفة هذّبَت لي هذه الـ Nostalgia

زاهي وهبي: أيّ شغف، أيّ حنين للعالم الذي كنّا نتحدّث عنه؟

لينا هويّان الحسن: شغف للعالَم البسيط غير المُعقّد الحقيقي وغير المُزيّف. لاحقاً، المدينة مع احترامي الكبير للحداثة التي لها جانبها الجميل والتكنولوجيا والتطوّر التكنولوجي لكن هنالك شيء تركه الإنسان ونسيه. أنا استطعت أن أحتفِظ بالكثير منه ليساعدني في تقبّل الحياة بمصاعبها

زاهي وهبي: ما هو الذي نسيه الإنسان؟

لينا هويّان الحسن: ما الذي نسيه الإنسان؟ ينسى الإنسان دائماً عفويّته وبساطته وصدقه. ننظر كلّ يوم في المرآة لكن الناس الذين عندهم القدرة على مواجهة أنفسهم هم قلائِل في الحقيقة، وهذا الشيء أنا أخذته في وقتٍ مُبكِّر وتعلّمت أن أكون، من دون أن أخجل حتّى في طبائعي لأنّها أحياناً قد لا تكون مثار إعجاب الآخرين

زاهي وهبي: ربّما لا تحدث الكيمياء!

لينا هويّان الحسن: لا تحدث الكيمياء أو أنا طبعي فردي وأتعرّض دائماً للانتقاد بسبب آرائي التي تُعتبر أحياناً فجّة

زاهي وهبي: من أين أتت هذه الفجاجة؟

لينا هويّان الحسن: من حبّي للصدق والصراحة، لا أُحبّ الكذِب واُفضِّل الصمت على الكذب

زاهي وهبي: ربّما لأنّ البادية منبسطة ومفتوحة ومكشوفة كصفحة، ككتاب مفتوح!

لينا هويّان الحسن: نعم

زاهي وهبي: تقولين أستاذتي أن الغزلان، أو إناث الغزلان تقود الغزلان في الصحراء، هلّ لديكِ هم تأنيث الصحراء بشكلٍ أو بآخر؟ بمعنى الجدّات هنّ اللواتي يروين الحكايات؟

لينا هويّان الحسن: (تضحك). لا يُعوّل على شيء لا يؤنّث

زاهي وهبي: " إبن عربي"

لينا هويّان الحسن: طبعاً "ابن عربي" بالتأكيد، أُستاذي المُفضّل، ويمكنني بذلك الحديث عن تأنيث البادية. كلّما كتبت أقول أنّ للصحراء ذاكرة أُنثى لأنّ السراب المحتال الذي يمتلِك الحيلة لتلفيق الزوابع والمدن والواحات التي ليست سوى غبار، الحيلة هي ميزةٌ تمتلِكها المرأة أكثر من الرجل. إذا الصحراء بشكلٍ ما هي امرأة ذكيّة خبيثة محتالة وصريحة أيضاً وهي متحدّية، متحدّية بشكلٍ فاجِر. أيّ أرضٍ تلك التي تجرؤ على مواجهة سياط الشمس بهذه الطريقة؟ بهذا التكيّف؟ نمط الزهور في الصحراء، يُمكِن أن تُمطِر على قفر يباب فتنهض صباحاً لترى أنّ الآفاق مملؤة بالورود. زهر الصحراء يمتلِك ميزة أنّه ينتظر قطرة ماء ليُزهِر. لو أننا نحن جميعاً نتعلّم هذا النمط من الاقتصاد في الحياة لكانت آمالنا شيئاً مختلفاً حتّى لكانت قلّت خيباتنا في الحياة

زاهي وهبي: الذي تحكينه شعرا حلوا، فيه شيء من الشِعر وربّما في بداياتك كنتِ شاعِرة؟ قد يكون أحد كتبك عن الشِعر أو نشرتِ كتاباً

لينا هويّان الحسن: تخلّل مجموعة

زاهي وهبي: تخلّل نشركِ للروايات نشر ديوان شِعر بعنوان

لينا هويّان الحسن: "نمور صريحة"

زاهي وهبي: "نمور صريحة"، ونحن نتحدّث عن الصراحة. لماذا إلى جانب الرواية؟ ألم تكف الرواية؟ ألم تتسِع الرواية  لكلّ ما تريدين قوله؟ أم أن أيضاً عالم الصحراء هو عالَم شاعري في جانب من جوانبه وأعطتنا الصحارى نُخبة من شُعرائنا على مرّ التاريخ؟  هلّ عالم الصحراء وليل الصحراء وقمر الصحراء ونجوم الصحراء وعشّاق الصحراء هم الذين جعلوك تكتبين الشِعر؟

لينا هويّان الحسن: اللغة العربيّة هي التي تتميّز بالشاعريّة وكذلك كلّ اللغات، لا أحبّ دائماً احتكار الجمال لنا

زاهي وهبي: نحن عرب ونتحدّث عن لغتنا

لينا هويّان الحسن: لكن اللغة، على رغم أنّ اللغة هي ربّة الخديعة، هي أيضاً ربّة التأويل وربّة التعبير والمجاز. عالم اللغة أكثر شساعةً من العالم المحيط بنا، يُمكن لبضع كلمات أن تكون أوسع من الكرة الأرضيّة بأكملها

زاهي وهبي: إغراء لغوي الذي جعلكِ تكتبين الشِعر؟

لينا هويّان الحسن: ربّما هناك بعض الأفكار التي لم  تكن مؤاتيه للنصّ الروائي. "نمور صريحة" هو نصّ بين قوسين في شاعريّة الافتراس، ربّما قلّة من الشعراء يتواطؤون مع الكائِنات المُفترِسة كالنمور والذئاب

زاهي وهبي: أيّ شاعرية في الافتراس؟

لينا هويّان الحسن: الكائِنات المفترِسة هي كائِنات معظمها فرديّة، صبورة، قادرة على اقتناص الفريسة بعد صبر حقيقي جميل، لحظة الانقضاض اختارتها النمور لأنّ الطريقة التي تأكل بها الغزالة فيها الكثير من التعالي أو الأرستقراطية، النمر الذي مهما كان جائِعاً لا يأكل الغزالة في المكان الذي يقتلها فيه إنّما يسحبها إلى أعلى الشجرة ليبدأ بعد فترة قليلة، وكأنّ لا ينقصه سوى كأس وسيجارة حتّى يأكل

زاهي وهبي: يقوم بجلسة على وليمته. هلّ أنت ميّالة لأن تكوني المُفترِسة أم المُفتَرَسة؟

لينا هويّان الحسن: لا هذا ولا ذاك، لكن فعلاً تُعجبني فرديّة الكائِنات المُفترِسة. هي كائِنات تكتفي بما تفترِس

زاهي وهبي: لو قلنا أن تكوني ذئبة في البراري أو حملاً في القطيع ؟

لينا هويّان الحسن: طبعاً لا يُمكن أن أكون حملاً في القطيع، لا قطيع ولا حمل، أو حتى في عبارة أنا قلتها واستفزّت الكثير من الناس

زاهي وهبي: وهي؟

لينا هويّان الحسن: "لا عيب أن تموت الحملان"           

زاهي وهبي: لماذا؟ ألا يوجد قسوة في هذا الكلام؟ ألا يوجد عنفاً مضمّناً

لينا هويّان الحسن: لا، لا توجد قسوة بل حقيقة مرّة يتجنّبها البشر. إذا كنّا نحن ضعفاء بما يكفي ليفترِسنا الآخرون من الناس فإذاً هنيئاً

زاهي وهبي: حتّى موضوع الثأر في البادية أو بين العشائِر والقبائل، يبدو ألا موقفاً حاداً عندكِ منه

لينا هويّان الحسن: لأنّي أفهمه. القبيلة إذا استمرّت، أنا من قبيلة "قيس"، "القيسيّة"، واستمرّت القبيلة بسبب فكرة الثأر. هذه الصحراء الشاسِعة لا قانون فيها ولا محاكِم ولا سجون فكيف يُردَع الناس عن ارتكاب الجريمة؟ كان لا بدّ من سنّ قوانين عرفيّة قاسية. كان

زاهي وهبي: الثأر أحد هذه القوانين!

لينا هويّان الحسن: أحد هذه القوانين الثأر. سأحكي لك حكاية، عندما كنت طفلة صغيرة كان والدي دائِماً يوصِلنا إلى تخوم ضيعة أخوالي، فأقول له " بابا لماذا ننزل دائِماً عند التخوم؟ " وهناك حوالى 200 متر علينا أن نمشها صيفاً وشتاءً، في الوحل والطرقات غير مُعبّدة ونبكي ونزعل وأخوتي الذكور لم يكونوا يذهبون معنا إلى ضيعة أخوالي وجدّتي. أكتشِف لاحقاً أنّه بسبب أن أحد من أولاد عمّي قتل أحد أبناء هذه القرية، وبالعُرف القبلي يحُقّ لأمّ القتيل ألا ترى أيّ فرد من  الذين ينتمون إلى عائِلة القاتل وذلك احتراماً لمشاعِرها ولمدّة عشرين عاماً. أيّ قانون في العالم يُمكِن أن يُنفِّذ هذا الشيء؟ أنا بالفعل وعيتُ على الدنيا وأنا أمشي هذا الفاصل

زاهي وهبي: هذه المسافة

لينا هويّان الحسن: هذه المسافة إلى أن كبِرت وصرت صبيّة حتّى حدث الصُلح بعد عشرين عاماً وسُمِح بعده لأخوتي الذكور بدخول القرية

زاهي وهبي: بمعنى أنّه ليس دائِماً قوانين القبيلة هي قوانين

لينا هويّان الحسن: لا لا، هي غُبِنَت إلى حدٍّ ما. على فكرة في ما يتعلّق بالمرأة، قوانين القبيلة أرحم بكثير من القوانين الاجتماعيّة والدينية والشرقية في المُدن

زاهي وهبي: ألهذا حاولتِ أن تُنصفي هذا العالم في رواياتِك؟

لينا هويّان الحسن: حاولت أن أقول الحقيقة التي ترفُض الدراما أن تراها، ترفُض المُدن أن تراها. المُدن تعتنِق أحياناً الأكاذيب وتُحِبّ أن تصدّقها دائما ولا تُحب أن تغيِّر لا شعاراتها ولا لافتاتها ولا الجُمَل المفيدة التي تكتبها دائماً لطلاّبها. أحببت أن أقول لا، كلّ شيء يتغيّر، وجهات النظر تتغيّر والحقائِق تتغيّر، حتّى النظريات تتغيّر. اليوم، نظريات "أينشتاين" موضِع جدل

زاهي وهبي: صحيح

لينا هويّان الحسن: فلماذا لا نُغيِّر أفكارنا لنتصالَح مع هذه البيئة الجميلة المغبونة؟

زاهي وهبي: نُحبّ القوالِب الجاهِزة ونُحِب الأحكام النمطيّة

لينا هويّان الحسن: اعتدنا، ثقافتنا العربيّة هي ثقافة الاعتياد والتسلية

زاهي وهبي: والركون إلى ما نألفه وما نعتاد عليه

لينا هويّان الحسن:  والركون. لا يحبّون أن يُغيّروا، لا يحبّون أن يأتي أحدهم ويهِزّ هذه القناعات ويجعلهم يُفكّرون أو حتّى يسألون. من هنا المُجتَمع العربي يخاف من السؤال، يخاف من الـ ""لماذا"

زاهي وهبي: لأنّ كلمة "لماذا" فيها شكّ

لينا هويّان الحسن: طبعاً، يخاف من الشك 

زاهي وهبي: السؤال فيه شك والمُجتمع العربي هو مجتمعٌ يقيني فيه مُسلّمات وبديهيات

لينا هويّان الحسن: وبديهيات صحيح

زاهي وهبي: سيّدتي، سنُتابِّع هذا الحوار المُمتِع مع حضرتكِ ولكن اسمحي لنا أن نتوقّف مع موجز إخباري نُعاوِد بعده "بيت القصيد"

ما قلّ ودلّ:

¯ لينا هويّان الحسن

Ÿ روائيّة وكاتبة سوريّة  ولدت في بادية "حماه"

Ÿ كتبت الدراسة التاريخية والروائيّة والمقالة النقديّة واحترفت الصحافة الثقافيّة لسنوات

Ÿ تُعتَبر الكاتبة الأُولى التي كتبت عن عوالِم البادية السوريّة وعموم صحارى الشرق الأوسط وكرّست لها دراسات مثل "مرآة الصحراء" و"رجال وقبائِل" وروايات مثل "معشوقة الشمس" و"بنات نعش" و "سلطانات الرمل"

Ÿ رُشِحت رواياتها للعديد من الجوائِز آخرها ترشيح روايتها "ألماس ونساء" لجائِزة "بوكر" العربيّة 


نساء الرواية والحياة

المحور الثاني

لينا هويّان الحسن: مشاهدينا الكرام، نتابع "بيت القصيد" مع الروائيّة والكاتبة السوريّة "لينا هويّان الحسن". قبل أن أطرح المزيد من الأسئِلة سنستمِع إلى شهادة بتجربتك الروائيّة من أحد كبار النقّاد العرب المعروفين، الناقد والكاتب الدكتور "صلاح فضل"

كلام يوصل:

صلاح فضل (كاتب وناقد): الكاتبة "لينا هويّان الحسن" واحدة من الأصوات الروائيّة النابغة التي انبثق إبداعها بتدفّق في الآونة الأخيرة وتحمِل عبق الشام بكلّ تاريخه وعطره وجماله قبل أن يغرِق في مأساة الراهن المُعاصِر ويتمزّق بين أنياب الدكتاتوريّة الأُصوليّة. "لينا" في الأعمال التي قرأتها لها من قبل وكتبتُ عنها، كانت دائِماً مولعة بأن تستحضِر عوالِم الفنّ والجمال التي تقف على الحافّة بين المُجتمعات الشرقيّة من ناحية والمجتمعات الغربيّة في أميركا اللاتينيّة من ناحية ثانية. نجحت "لينا هويّان الحسن" نجاحاً باهراً في صناعة نماذِج نسائيّة تحملُ الوله بالجمال والافتتان بالحُسن والعشق للحياة والرغبة في إدارة وجودها بإيقاعٍ متحرّرٍ ومُتقدِّمٍ وحضاريٍّ جميل. متى يا "لينا" تكُفّين عن النظر إلى الماضي؟ ومتى تستطيعين أن تُمعني النظر في ما يشهده عالمنا المُعاصِر خاصّةً وطنك الحبيب من تمزّق، ربّما استطعتِ أن تري فيه شيئاً يبذر الأمل ليصنع المُستقبل، ليخلُصَ من محنته الراهنة ويستطيع أن يستشرِف أُفق السلام والجمال والمحبّة الذي تنشدينه. متى تكتبين عن "سوريا" الآن؟

زاهي وهبي: جزيل الشكر للأستاذ "صلاح فضل". متى تكُفّين عن كتابة الماضي وتكتبين الراهِن؟ خصوصاً ما يتعلّق بـ "سوريا" الآن؟

لينا هويّان الحسن: عندما تقول لي "الراهن"، إذاً نحن نتحدّث عن جرح عميق الغور، نتحدّث عن أكثر بقعة منحوسة في العالم بالحروب، بالتدمير، بالقتل، فقدنا حتّى التضامُن الإنساني. أصبح العالم فجأة يتفرّج على الإنسان السوري وهو مُشرّد في بقاع الأرض، وهو يُغادِر هذا الوطن العزيز علينا جميعاً. تحضُر هذه اللحظات التي ستدفعني فعلاً للكتابة. ربما أفتقِد للموضوعيّة في هذا الشأن

زاهي وهبي: لماذا تفتقدين إلى الموضوعيّة؟ هل بسبب المأساة التي عشتموها في بيتكم؟

لينا هويّان الحسن: أكيد الطريقة، أو مقتل أخي الذي لا أراه مُبرّراً ولا أراه منطقياً وهو ليس إلاّ، سيرة شقيقي "ياسر" رحمه الله هي سيرة كلّ قتلى "سوريا" بالمجّان، قتلوا لأسباب واهية، مجرمون من كلّ بقاع الأرض جاؤوا ليقتلوا الإنسان السوري. عندما أستطيع أن أكتُب من دون أن أذرف دمعتي ربّما أكتُب. أخشى أنني قد أكتُب نصّاً متحاملاً أو عاطفياً أو فيه شيء من التجنّي أو غير فهم لما يحدُث. لا أُحبّ التسرُّع، لا أُحبّ الدّعاء، مررتُ بظرف تراجيدي حقيقي خلال مقتل أخي، خطفه ثمّ لاحقاً فاوضونا على بيع الجثّة، حتّى اللحظة التي عثرنا فيها عليه وذهبتُ في رِحلة صعبة استمرّت حوالى 50 يوماً في البادية السوريّة، في منطقة كانت واقعة تحت سيطرة جماعات دينيّة مختلِفة الانتماءات، لم أكن أعرِف ذلك، لكن كنّا قد وقعنا في الفخّ. خرجنا بصعوبة

زاهي وهبي: كنتِ تبحثين عن شقيقك أو عن

لينا هويّان الحسن: كنّا قد عثرنا عليه

زاهي وهبي: كنتم قد عثرتم عليه!

لينا هويّان الحسن: عثرنا عليه لكن ليس هناك أصعب من دفن الأخ أو الفقيد، هذا ما حدث. ليس هناك بيت في "سوريا" سواء كان موالياً أو معارضاً، الجميع في "سوريا"، أُمّهات كلّ "سوريا" ثكلن

زاهي وهبي: سبقتني، أنا أريد أن أقول أنّ حكاية أخيكِ الشهيد قد تكون مئات وآلاف وعشرات آلاف البيوت السوريّة، هل ممكن أن تكتبيها؟ أن تكتبي هذه الحكاية، وبكون أخاكِ الشهيد رمزاً لهؤلاء الشهداء؟

لينا هويّان الحسن:  كلّ شيء مُمكِن في الأدب. للأدب ربة تحكمه هي ربّة الدهشة والمُفاجأة، كلّ شيء مُمكن. ممكن أن أتحرّر في لحظة ما من هواجسي، من مخاوفي، ربّما لأنني أُحِبّ أن أكون حقيقيّة وصادقة. لا أُحبّ التحيّز لطرفٍ من الأطراف حتّى لا أفقد مصداقيّتي أمام قرّائي. عوّدت قرّائي دائِماً على النصوص الجديّة والجادّة والحقيقيّة التي تحترِم عقل القارئ. لا يُمكنني أن أكتب نصّاً عن الأزمة السوريّة لا يحترِم الجميع، لا أُريد أن أشتُم أحداً

زاهي وهبي: ولكن هلّ نستطيع أن نُساوي بين القاتِل والمقتول وأتحدّث هنا بعيداً عن السياسة، عندكِ أخوكِ قُتِل. خُطِف وقُتِلَ وتمتّ المساومة على جثمانه

لينا هويّان الحسن: لو استطعت الإجابة على هذا السؤال لكتبت

زاهي وهبي: نعم. تقولين حضرتك أنّ مُستقبل "دمشق" مُسجّلٌ بماضيها وتاريخها، هلّ هذا ما يُعيدكِ دائِماً إلى الماضي؟ إلى التاريخ؟ أم أنّك تهربين من هذا الراهِن المُربِك المُلتبِس بالنسبة للكثيرين إلى الماضي وإلى التاريخ؟

لينا هويّان الحسن: لكلّ شيء ذاكِرة، حتّى حبّة البَرَد، حبّة الثلج أو البَرَد إذا أذبناها وعدنا ووضعناها في الثلاّجة ستأخُذ الشكل نفسه،. نحن كلّنا أبناء هذه الطبيعة. كما إذا كان الماضي خاصتي مُرتبِكا ومُتعثِّرا من الصعب جداً أن يكون مُستقبلي لا يشبه الماضي خاصّتي، فالمدينة تشبهنا نحن البشر  وليست "دمشق" وحدها، كلّ المُدن وكُلّ الكواكِب هي مشروع لتذكّر الماضي من خلال المُستقبَل

زاهي وهبي: "لينا"، الجرح السوري جرحٌ غائِر والمأساة السوريّة مأساة وفاجِعة حقيقيّة. الحزن أوّلاً على الناس، على البشر، ولكن أيضاً الذاكِرة التي حضرتك متمسّكة بها تتعرّض للتدمير، تتعرّض للنسف. جزء كبير من التراث، من الموروث، من الآثار. كيف يقع عليكِ هذا الأمر أنتِ الباحثة في التاريخ، في الوثائِق، في المرويّات سواء المكتوبة أو الشفهيّة؟ كيف يقع عليكِ هذا الأمر؟

لينا هويّان الحسن: يُثقِل من حجم الحُزن ومن التحسّر. نحن تاريخنا على ما يبدو هو تاريخ حسرات وأخشى أن يكون مستقبلنا القريب هو مُستقبل حسرات، نتفرّج على كلّ شيء يُدمّر عبر شاشة التلفزيون. على فكرة في بيتي لا يوجد عندي تلفزيون وكلّ رفيقاتي يعرِفن أنني بالكاد أقرأ الأخبار العامة، الخطوط العريضة

زاهي وهبي: هرباً من قساوة الواقِع؟

لينا هويّان الحسن: ليس هرباً لكن يكفي أن نعرِف الخطوط العريضة لما هو قاتم. ما الذي يُغري في رؤية الرؤوس المقطوعة والبشر الذين تحوّلوا إلى أشلاء مدمّرين، مُدن مدمّرة. " سوريا" تُدمَّر بدمٍ بارِد

زاهي وهبي: نعم، والعالم يتفرّج ويُشجِّع ويُرسِل

لينا هويّان الحسن: ويُشجّع ويُرسل المزيد

زاهي وهبي: من الوحوش إذا جاز التعبير. أعود إلى عالمكِ الروائي، تقولين أنّه " من الجميل أن نكتُب نحن النساء تاريخنا"، هلّ تشعرين أنّ الذكور كتبوا تاريخكنّ مغلوطاً؟ أو ماذا؟

لينا هويّان الحسن: كتبوا من وجهة نظر ذكوريّة أكيد. ربّما لم يتقصّدوا لكن التاريخ القريب أو المعروف، نحن نعرِف حوالى كذا ألف سنة كان الرجل فيها هو المُتحكِّم. إذا عدنا للعصر الأمومي ما قبل "عشتار" ولاحقاً فترة المرحلة الأموميّة، حالما عبرناها إلى مرحلة الذكوريّة المتسلّطة في الحُكم البطريركي، في العائِلة أصبح الرجل هو الذي يكتُب التاريخ، يكتب الروايات، يكتب القصص، الآن لماذا يستهجنون كتابة النساء؟ أريد أن أُضيف شيئاً خاصاً هنا حول ما تعرّضت له خلال كتاباتي خاصّةً رواية " ألماس ونساء" الأخيرة لأنّها استفزّت النساء قبل الرجال

زاهي وهبي: لماذا؟

لينا هويّان الحسن: هناك الكثير أو نسبة كبيرة من نساء المُجتمع العربي شبه مُدجّنات على التقاليد المُغرِقة جداً بالقِدَم. القِدم ليس عيباً وأنا التي أكتب عن التاريخ، ليس عيباً لكن عندما لا نريد أن نواكِب العصر، لا نريد أن نُشبِه هذا الزمان الذي نعيش فيه، وعندما نرفُض للآخر أن يُشبه هذا الزمان فهنا مُشكِلة حقيقيّة

زاهي وهبي: عالمكِ النسائي عالم نساء عندهنّ جموح، واقفاتٌ على الحافّة، على شفير الهاوية. هلّ تشعرين لأنّ النساء رغباتهن إلى هذه الدرجة ملجومة في مجتمعاتنا هناك هذا التطرّف في المشاعِر وفي النزوات والرغبات؟

لينا هويّان الحسن: توجد رُغبة في الانفلات، وهذه الرغبة يُعبَّر عنها بالنزوات وبالعواطف المُتطرِّفة، العواطف الكبيرة التي لا تسمح بها أزقّة المُدن ولا حارات هذه المُدن الصغيرة المُغلَقة التي ترفُض فتح البوّابات للزمن الجديد لهذا العصر

زاهي وهبي: أيضاً نجِد عوالم نساءكِ، نساء رواياتِك، فهناك عالم العطور وعالم الأزياء وعالم الحُليّ والمجوهرات، عوالمٌ حسّية بمعنى فيها حسيّة كبيرة. هذه الحسيّة من أين؟

لينا هويّان الحسن: المرأة هي الحسّ بحدّ ذاته. عندما كتبتُ عن "نازِك خانم"، عن "الماس ونساء" في المُجتمَع الدمشقي لم أتمكن من الكتابة عن المرأة التي تتزيّن وتتعطّر وهواجسها جمالها ونعومتها في المجتَمع البدوي لأن الهاجس هناك يختلِف بينما مدينة "دمشق" هي مدينة، ليست لأنّها مدينتي، في الحقيقة مدينة "دمشق" هي مدينة امتلكت مفاتيح الحقيقة، سعادة البشر

زاهي وهبي: إلى هذه الدرجة؟

لينا هويّان الحسن: طبعاً، وإلاّ كيف

زاهي وهبي: مفاتيح السعادة!

لينا هويّان الحسن: سعادة الحقيقة. إذا دخلنا إلى أيّ منزِل دمشقي، دخلنا حتّى إلى غرفة النوم، أنظر كيف هي المرايا والموزاييك في غرفة النوم. أنا شاهدت هنا في "بيروت" غرف نوم دمشقيّة تُباع بأسعار هائلة. هناك متاحِف في بريطانيا تحتوي على غرف نوم دمشقيّة وفي متاحف "مصر" غرف نوم دمشقيّة. لماذا الشامي استطاع أن يُطوِّر المخدع وأن يُجمّله بهذه الطريقة مع أنّه مكانٌ سرّي وحميم لا يدخله إلاّ الخدَم. من هنا كان السؤال عندي، وهذا السؤال فتح لي بوّابات كبيرة على عالم أسرار "الحريم" دعنا نقول. فعلاً كانت هناك مرحلة من المراحل التي كانت تحتوي على "حريم" و"جواري"، ودائماً يسألونني، لما أسميتِ "ألماس ونساء" فأقول لهم: " في كلّ أغاني المُجتَمع الدمشقي ولا مرّة سمعتهم يغنّون عن الذهب"، مثلا أغنية " بـ يلبق لكِ شكّ الألماس دروب دروب"

زاهي وهبي: نعم

لينا هويّان الحسن: المجتمع الدمشقي يُغنّي دائِماً عن الألماس، إذاً الذهب غير موجود حتّى في الحسبان. المرأة الشاميّة كانت دائِماً تُقايِض الرجل على جمالها وعلى لطفها

زاهي وهبي: كما تتفضّلين "لينا"، انتقلتِ حضرتكِ من عالم البادية في " بنات نعش" و" سلطانات الرمل"، إلى العالم الدمشقي الثري بشخصيّاته وبأحداثه وبوقائِعه وبـ "نازِك خانُم" وبـ "ألماس ونساء" وأيضاً أطللتِ على عالم الاغتراب السوري واحتكّيتِ بثقافات وأجناس آخرين من البشر. كلّ هذا العالم سنتحدّث عنه أكثر ولكن اسمحي لنا أن نتوقّف مع استراحة سريعة نُتابِع بعدها "بيت القصيد"


خسارة الأخ والبلد

خسارة الأخ والبلد

زاهي وهبي: قبل أن نُتابع المزيد من الأسئِلة، شهادة أُخرى بتجربتكِ في فقرة "كلام يوصل" من الشاعر الأُستاذ "شوقي بزيع" نسمعه سوياً

كلام يوصَل:

شوقي بزيع (شاعر): معرفتي بـ " لينا هويّان الحسن" تعود إلى خمس عشرة سنة مضت وكان عندي مُلاحظة حول شغلها آنذاك. كان يطغى منسوب الشعر على السرد في الرواية ولكن كان عندها خامة روائيّة ومُخيّلة خصبة جداً، اهتمام كبير بالأساطير واهتمام بالتراث وبتاريخ "سوريا"، وفي الوقت نفسه عندها ميزة غير موجودة في أُخريات أو في آخرين، فهي ملتصِقة بالمكان التصاقاً غير عادياً. "لينا" من بادية "حماه" فهي من البدو وهذا الشيء انعكس إيجاباً على شغلها بمعنى أن العلاقة بينها وبين لغتها صارت علاقة ناريّة جداً، علاقة مُحتدِمة. عندها شغفٌ بالحياة، عندها التصاق بالأماكِن التي عاشت فيها، كلّ هذا استثمرته في كتاباتها، والحلو أنّه في ما بعد تُفاجئنا "لينا" برواية استثنائيّة جداً تتنقّل من خلالها وهي "سلطانات الرمل". ما يلفتني فيها أنّها تعيش أُنوثتها في الحدود القصوى وتعيش علاقتها باللغة في الحدود القصوى بمعنى هي إنسانة ليست وسطيّة في معنى من المعاني. ربّما هذا السقف الذي رفعته عالياً في علاقتها بالناس هو الذي لم يجعلها تتزوّج لحدّ اليوم، وأنا أعرِف أنّ عندها الكثير من المُعجبين ولكن مع "لينا" ليس من السهل أن يُرضيها رجل لأنها قالت، عندما تتجه الأُنوثة إلى الحدود القصوى الذكورة تتجه أيضاً نحو الحدود القصوى الموازية. هذا الشيء يمكننا أن نكتشفه أيضاً في ديوانها "نمور صريحة". اتّخذت النمر كرمز أو كقناع لكي تتحدّث عمّا سمته هي "شاعريّة الافتراس". "لينا" مثلاً تُمجِّد الخيانة بمعناها الداخلي العميق لأنّها تعتبر أن الشعر والمجاز هما الخيانة بالمعنى الأصلي وهذا الشيء تربطه بالواقع، فهي بنتٌ قلِقة، بنتٌ وهبت نفسها بالكامل للكتابة مع إنّها تُحبّ أن تعيش وتُحبّ أن تبني أُسرة ولكن بالتأكيد هناك من سيدفع ثمناً في مكانٍ مُعيّن، وأنا أعتبر أنّها تدفع الثمن على هذا الصعيد. مرحباً "لينا"، هناك الكثير من الأشياء التي يُمكِن أن تُحكى لروائيّة في وزنِك، وكوننا على صداقة قديمة فهناك أشياء كثيرة أعرِفها عن تجربتكِ وعن قناعاتِك وغيرها. ولكن من الممكن أن يخطُر لي سؤال أساسي الآن وهو العلاقة بين مدينتين. أنتِ استندتِ الـى "دمشق" والبادية كظهير أساسي لرواياتك وأعمالِك وجئتِ إلى "بيروت" في ما بعد لكي تكون منصّة إعلاميّة هامّة لانطلاقتك إلى العالم. سؤالي من شقّين: أولاً هل ممكن أن تُشكِّل "بيروت" مادّة لرواية قادمة من رواياتكِ؟ والسؤال الثاني، فيما لو هدأت الحرب في "سوريا" واستعادت سوريا عافيتها و"دمشق" عافيتها، هلّ تفكّرين في الرجوع إلى الشام؟ أو تفضّلين أن تكون "بيروت" خياركِ النهائي للإقامة والكتابة؟

زاهي وهبي: شكراً للشاعر الصديق الأُستاذ "شوقي بزيع"، تفضّلي

لينا هويّان الحسن: طبعاً شكراً كبيرة لـ "شوقي بزيع"، هو كان ناقدا حقيقيا دائماً وأنا أخذت برأيه فعلاً . هو دائماً يقول بأنّ "لينا" تسمع الرأي وتأخذ بالنقد. أستفيد كثيراً من النقّاد وأسمع آراءهم وسؤاله حلو كثيراً وحقيقي عن علاقتي بـ "بيروت" التي كانت مُفاجِئة. عندما خرجت من "دمشق" لم أكن أعلم أين سأحُطّ الرحال. مدينة "دمشق" اقتسمتني مع "بيروت"، أو دعنا نقول "بيروت" هي التي حاصصت "دمشق" سواء في وجداني أو في قلبي

زاهي وهبي: دائماً "بيروت" تكون كالصورة مرتسمة في أذهان الذين لم يزوروها بعد أو لم يلتقوا بها بشكلٍ مُباشَر. كم كانت "بيروت" تشبه الصورة التي في ذهنكِ عنها؟

لينا هويّان الحسن: تشبه الصورة ومن اللازم أن أحكي لك ما هي الصورة. الصورة هي صورة لمدينة مُشِعّة، مدينة أُنثى حقيقيّة، أُنثى تليق بهذا الزمان وتسبِق كلّ التضاريس وتُغيِّر حتّى من تضاريسها ومن خرائِطها لصالِح أن تكون مُعاصِرة. "بيروت أغوتني غواية ما بعدها غواية

زاهي وهبي: هل يُمكنك أن تكتُبيها كما سأل الأستاذ "شوقي"؟

لينا هويّان الحسن: كلّ شيء مُمكن، الأدب مشاريع مفتوحة، الأدب لا يعرِف أبداً أن نقول له أُكتُب كذا وافعل كذا. كلَ شيء يأتي

زاهي وهبي: يأتي بشكلٍ تلقائيّ وبشكلٍ عفويّ

لينا هويّان الحسن: تلقائي ، ستدفعني هذه المدينة في يوم من الأيام الى كتابة نصّ ما

زاهي وهبي: ولكن الذي أعرفه أنّه في العادة في كلّ عيد ميلاد لك تكتبين دائماً السطر الأوّل من الرواية الجديدة، أو الرواية المُقبلة

لينا هويّان الحسن: صح

زاهي وهبي: بهذا المعنى، العفويّة تنكسِر قليلاً

لينا هويّان الحسن: أكيد، أكيد

زاهي وهبي: لماذا تختارين يوم ميلادِك للبدء بروايتك الجديدة؟

لينا هويّان الحسن: اعتبرت بأنني وُلِدت ولادة حقيقيّة غير الولادة التي ولدتني فيها أُمّي يوم بدأت الكتابة

زاهي وهبي: نعم. كم هناك تمجيد للخيانة في نصوصك أو بأفكارِك كما أشار الأُستاذ "شوقي بزيع"؟

لينا هويّان الحسن: اسمح لي أن أقول "يفضح حريشك يا شوقي، ماذا تعني بتمجيد الخيانة"؟ ربّما هو قرأ هذا الشيء من خلال نصّ "نمور صريحة" الذي يحتوي على آراء جريئة جداً حول أننا نحن، أنا ولائي كبير جداً للمكان مثلاً، للزمان، لكن للبشر أحياناً

زاهي وهبي: وهذا نجده في "بنات نعش" و "سلطانات الرمل"، نرى كم هي علاقتك بالمكان فعلاً علاقة حميمة

لينا هويّان الحسن: على ما يبدو أنّ الإنسان من الصعب أن يحمِل الكثير من الولاءات، إمّا الولاء للزمان والمكان أو الولاء للبشر. أنا اخترت الولاء للمكان الذي يدفعني ويشكِّل لي دافِعاً لكتابة النصوص الجديدة، النصوص التي لا تُشبه بعضها البعض

زاهي وهبي: ما تتفضّلين به يجعلني أرجع إلى "دمشق". الصورة التي نشاهدها في أعمالكِ في "دمشق" وللنساء الدمشقيّات مغايرة إلى حدٍّ ما لصورة أُخرى انطبعت في أذهاننا بسبب الدراما التلفزيونيّة عن البيئة الشاميّة أو البيئة الدمشقيّة. أيّ صورة هي الصورة الأصدق؟ هي الصورة الأقرب إلى الواقِع؟

لينا هويّان الحسن: أكيد، لا أُريد أن أقول أنّ روايتي هي الأقرب إلى الواقع لكن الكثير من الناس يعرفون، خاصّةً السوريين لأنهم أكثر من يعرفون بأنّ المرأة التي يطرحها مُسلسل مثل "باب الحارة" الذي طال الحديث عن مساوئه دعنا نقول، هو مُسلسل للتسليّة وأنا لستُ ضدّ التسلية ولست ضدّ حتّى المُسلسل، لكنني ضدّ فكرة تعميم الناس لفكرة المرأة الشاميّة أو السوريّة بالعموم من خلال "إبن عمّي تُقبُش قلبي، إبن عمّي". لا، لم تكن "دمشق" هكذا عام 1930. كان عندنا طبيبات وكانت نساء كثيرات سافرات

زاهي وهبي: حتّى كانت هناك تظاهُرات نسائيّة، أنا رأيت بعض الصور 

لينا هويّان الحسن: تظاهرات نسائيّة وخطابات نسائيّة، لا أعلم لماذا يُصرّ مسلسل "باب الحارة" دائماً، ربّما أكون أكذب إذا قلت بأنني لا أعرِف، بلى أعرِف. هناك الكثير من الفضائيّات العربيّة يُهمّها أن تُرسِّخ صورة هذه المرأة، هذه المرأة تحديداً، المرأة التي دائماً تحت جناح الرجُل. وعلى فكرة الدراما السوريّة ليست فقط لوحدها بل الدراما المصريّة أو الدراما بالعموم كلّها تخاف من طرح امرأة ممكن أن تكون قويّة، ممكن أن تشبه هذا الزمان

زاهي وهبي: مالكة زمام أمرها بيدها

لينا هويّان الحسن: يريدون دائِما امرأة تُشبه الماضي

زاهي وهبي: على سيرة الدراما، هل سيتحوّل شيء من رواياتك إلى أعمال تلفزيونيّة؟

لينا هويّان الحسن: كثُر الحديث وتمّت عدة اتفاقات بعضها أُبرِم وبعضها لم يُبرم بعد. لكن دعنا نقول أنّ "سلطانات الرمل" غالباً من الممكن أن تكون هي الأكثر ترشيحاً بين رواياتي لتكون عملاً تلفزيونياً خلال السنة القادمة. "عدنان العودة" غالباً يكتُب النصّ الآن وإن شاء الله 

زاهي وهبي: أحد أشهر كتّاب السيناريو والدراما التلفزيونيّة

لينا هويّان الحسن: أجل طبعاً، الدراما البدويّة أكيد

زاهي وهبي: نساء رواياتك هنّ نساء مشغولات أو منشغِلات بأنفسهنّ إذا جاز التعبير، وتقولين حضرتك عن روايتك  "نازك خانم"، " أنها رواية تحتفي بالنساء اللواتي لا ينشغِلن بغيرهن"، صحيح؟

لينا هويّان الحسن: نعم صحيح

زاهي وهبي: إلى هذه الدرجة المرأة مشغولة بعالمها؟ مشغولة بنفسها؟ مشغولة بأشيائها؟ هذا العالم الحسّي الذي تحدّثنا عنه قبل الاستراحة، المخادع، غرف النوم

لينا هويّان الحسن: تعوّدنا دائماً في الأدب العربي تحديداً أن نرى المرأة مشغولة بالدمع والنحيب

زاهي وهبي: والنميمة

لينا هويّان الحسن: لا، بسبب طلاقها. إمّا هي مُطلّقة وتشكو من أزمة عدم وجود رجال يحبّونها، إما هي عانِس تشكو الرجال أيضاً لأنّهم لم يتزوّجونها، أو هي فقيرة والمُجتمع أيضاً هو السبب في فقرها. أنا لا أريد أن أقول ولا أعلم إن كانت نصوصي فعلاً تميّزت بهذا الجانب وبأنّ المرأة كامرأة تُحقّق أحلامها مهما كان هذا المُجتَمع صعباً، حتّى لو بوسائِل لا يوافق عليها المُجتمع أحياناً لكنّها تندرِج ضمن الحريّة الشخصيّة. كلّ ما يتعلّق بالحريّة الشخصيّة أنا متواطِئة معه حتّى لو اختلف معي الجميع

زاهي وهبي: "نازك خانم" هي شخصيّة واقعيّة؟ هي فعلاً امرأة تعرّفت إلى "بيكاسو" وجلست أمامه عارية ليرسمها؟ وأول من لبِست "سموكنغ" "إيف سان لوران"؟ أم هذا كلّه خيال بخيال؟

لينا هويّان الحسن: لا أعتمِد في نصوصي على الخيال البحت ولا أعتمِد على الواقع البحت. من حقّ النصّ أن تتُمّ المزاوجة بين العالمين. بمعنى، هناك شيء من هذه الشخصيّة، جزء كبير منها غير خيالي وجزء كبير أيضاً من الخيال. في الحقيقة، هي كانت تقول " أنا جلست أمام بيكاسو" ولكن نحن لا نعلم إن كانت قد فعلت ذلك فعلاً أم لا. حتّى إذا كانت كاذبة فهي امرأة ذكيّة. فكرة الترويج لنفسها، فكرة جرأة أن تقول هذا الكلام

زاهي وهبي: لكن ربما مساحة الالتباس هذه بين الواقع والمتخيّل تغريك!

لينا هويّان الحسن: هي تُبرئ كلّ فكرة النصّ الروائي. النصّ الروائي

زاهي وهبي: قائِم على هذا الالتباس

لينا هويّان الحسن: قائِم على هذا الالتباس. لو أنا كتبتُ نصاً روائياً واضِحاً وصريحاً منذ الصفحات الأولى لأقول ما أريد، النصّ انتهى

زاهي وهبي: نعم. تنتهي "نازك خانم" في الرواية مقتولة. هلّ من تأويل لهذه النهاية؟

لينا هويّان الحسن: طبعاً هناك تأويل، لا يكتُب كاتب من دون تأويل، أكيد

زاهي وهبي: نعم

لينا هويّان الحسن: لعلّ أجمل من عبّر عن هذا التأويل هو الروائي الكبير "واسيني الأعرج" عندما قال "إنّها أيقونة الحريّة المخطوفة أو المقتولة"

زاهي وهبي: هلّ هذا يعني أنّ هذا قدر المرأة الحرّة؟ لا أريد أن أقول المتحرّرة ، الحرّة

لينا هويّان الحسن: ليس المرأة الحرّة فقط، الحريّة بحدّ ذاتها ستُقتل

زاهي وهبي: ستُقتَل وتوأد

لينا هويّان الحسن: سيكون هناك دائِماً من يقتلها ويُنهي وجودها سواء أكان كما أنا رسمت النهاية في "نازك خانم" أو أحياناً ليس بالضرورة كما أنا رسمتها في "نازك". هناك الكثير من الأسباب هناك أنظمة وحكومات هناك أفراد، هناك أديان، هناك مُجتمعات، هناك أحزاب

زاهي وهبي: هي رمز ولكنّه ليست فقط لامرأة أو للنساء، هي رمز للفكرة، لفكرة الحريّة

لينا هويّان الحسن: الحريّة التي يخاف منها

زاهي وهبي: سيّدتي، سأُتابِع معك في هذا العالم وفي هذه الموضوعات وأقصد عالمك الروائي ولكن نتوقّف مع استراحة أخيرة ثمّ نأتي إلى مسك ختام "بيت القصيد" 


النقد وعالم السحر

النقد وعالم السحر

زاهي وهبي: السيّدة "لينا هويّان الحسن" قبل أن نأتي على الأسئِلة الختاميّة، دعينا نذهب برفقتكِ إلى "بيروت" التي تحدّثنا عنها وما تمثّله لكِ ونراكِ في لقطات ضمن فقرة "علامة فارقة" في مدينة "بيروت"

علامة فارِقة:

لينا هويّان الحسن: وحدكِ تمشين بتلك الطريقة، مشية أحد لا يمكنه أن ينزوي. هكذا يمشي الإنسان بكلّ بطرِه وحُمقه وتكبّره وجروحه الشخصيّة. إنسانٌ لم يخف مما وراء الغاب يحقّ له أن يمشي الجذع مشدوداً بعد كلّ الحواجز التي حُطِّمت وكُسِّرت وذُلّلت وحُقّرِت

المعلّقة: ما ترويه بصوتها عاشته وكتبت عنه، لعلّنا بذلك نُصدِّق ما تقول. هي التي وجدت السحر في أماكِنَ لم يلتفِت إليها الكاتبُ العربيّ من قبل، وجدته في صحراء "حماه" وفي "الشام" فتنقّلت كما عصاً سحريّة بين أمكِنةٍ وأزمنةٍ حار القارئ في كونها حقيقةً أم وهماً. " لينا هويان الحسن" تُشبه خطّ أُفقٍ في صحراء لا يظهر جهراً ولا يغيبُ سراباً . تُشبه "دمشق" التي فتحت سبعة أبوابٍ على الجهات الأربع. أعمالها الروائيّةُ غوايةٌ خالِصةٌ لا فرق إن كانت حضريّةً أو بدويّة. كلّ الفرق في حريّتها وجرأتها ودقّتها . سبعُ رواياتٍ حتّى اليوم وفي كلّ عيدِ ميلادٍ للكاتبة تُفتَحُ صفحةٌ جديدة لعملٍ جديد. غداً، في قاموس هذه الكاتبة، مُبهم. الآن هو ما تحترِفه، الماضي هو ما تبحثُ فيه وتغترِفُ منه كي تقرأ الطالعَ للمستقبل.

لينا هويّان الحسن: انتبه إلى أنّها تمتلِكُ جمالاً لها هي ، الجمال الذي لم ترِثه من أحد. إنّه تلك المُنمنمات التي تنتشر بين ملامح الوجه من دون أن نراها

زاهي وهبي: من عالم المدن إلى عالم النقد والقراءات المتعدّدة لرواياتِك، الروائي والكاتب والناقد الأُستاذ "خليل صويلِح"، بقراءته لـ "ألماس ونساء" يقول بأنّك لم تمنحِ شخصيّاتك الروائيّة حريّتها المُطلقة، بقيتِ مُتحكِّمة بتلك الشخصيّات. كم هذا الانطباع صحيح؟

لينا هويّان الحسن: سأُجاوبك في شقّين. أُخِذَ عليّ في عدّة مقالات أُخرى أن الحريّة الفظيعة التي منحتها لبطلاتي، عدّة كتاب اعتبروها مأخذاً ورفضوا هذا الحجم من الحريّة الذي تمتّعن به النساء. لا أعلم، "خليل خليل" زميلي، زميل قديم، واكب مسيرتي الأدبيّة كما يقولون بين قوسين، منذ نعومة أظافري بالنقد الهدّام بصراحة

زاهي وهبي: مع أنّ "خليل" كاتبٌ جيِّد

لينا هويّان الحسن: كاتب جيّد وصحافي جيّد لكن أحياناً

زاهي وهبي: أنتِ صريحة ونموركِ صريحة. "خليل" أخذ هذه النمور ربّما بالنقد

لينا هويّان الحسن: نمر؟ لا ليس نمراً أبداً (تضحك)

زاهي وهبي: أنتما تعرفان بعضكما البعض وله كلّ احترامي. هناك مأخذ أيضاً على أعمالكِ الروائيّة، يوجد حشد من الأحداث ومن الشخصيّات في زمنٍ روائيّ لا يتّسِع لكلّ هذه الأحداث والشخصيّات. هل يكون عندك هذا الكمّ من الأشياء التي تريدين قولها في عملٍ واحد أحياناً؟

لينا هويّان الحسن: أحياناً مُمكِن كثيراً أن يكون النصّ مكثّفاً ومن الممكن أن تكون كلّ الروايات الكبيرة هي روايات تحمِل أعداداً هائِلة أحياناً من الأسماء. أنا أتذكّر حين قرأت " مائة عام من العزلة" لـ "ماركيز" ، كتبت وسجّلنا كلّنا وليس أنا فقط، كلّ ما أقرأه أُسجلّه إلى أن رسمت خارطة. أنا روايتي لا تحتاج لهذه الدرجة إلى خارِطة بل القليل من التركيز. على ما يبدو هناك نمطٌ بين الكثير من القراء وكذلك النقّاد الذين استسهلوا أو أحبّوا أن يقرأوا الروايات التي تُقرأ في ساعة واحدة والتي هي من مئة صفحة وفيها بطلٌ واحد يجلس ويحتسي القهوة في المقهى ويتلصّص على المارّة وعنده هواجِس والقليل من الأحلام التي يحكيها في الرواية، يرميها ويمشي، وخلص هذه صارت رواية. احترامي كبير لهذا النمط من النصّ التجريبي، لكن إذا كان ناقدٌ يكتُبُ هذا النصّ التجريبي وينتقِد روايتي، إذا هنا ثمّة لُبس حقيقي في مدى مصداقيّة هذا الناقِد

زاهي وهبي: نعم

لينا هويّان الحسن: وأنا أيضاً كناقِدة بدوري وأكتُب كما تعرِف في "الحياة" وفي "السفير" وفي عدّة مواقِع إلكترونيّة وأحياناً في الصُحف العربيّة ومجلاّت دورية

زاهي وهبي: كونكِ ناقِدة، المُفترض تقبُّلِك للنقد أو أن تكون علاقتك بالنقد رحبة، صح؟

لينا هويّان الحسن: أنا أتقبّل النقد عندما يكون من "صلاح فضل". كان له مآخِذ على "ألماس ونساء" ومآخِذ على "نازِك خانم" وأنا كنت ممنونة جداً أنّه نبّهني لأنّ أحياناً هناك ثغرات، لكن أحياناً يُقال النقد بطريقة حتّى غير لائِقة. هناك فرق بين

زاهي وهبي: الأسلوب، الأسلوب

لينا هويّان الحسن: هناك فرق بين الشتم وبين النقد. أنا لا أكتب، لا أذكر أنني كتبت نصاً فيه شيء من التبخيس لأحد وحتّى أتجنّب عداوة الكار وأكتُب عن النصوص المُترجمة. الناقد والروائي ليس نبيّا ، قد يقع في مطبّ الغيرة الشخصيّة أحياناً وهذا يحدُث

زاهي وهبي: وعداوات الكار في هذا الوسط حدِّث ولا حرج، دعينا نعود إلى عالم الروايات. في "سلطانات الرمل" هناك شخصيّة تُدعى "حمرا الموت" تقتُل غريمتها سحراً، بواسطة السحر. سؤالي من شقّين: لماذا السِحر هو جزءٌ من عالم البادية؟ وهلّ تؤمنين حضرتكِ واقعاً بالسِحر؟

لينا هويّان الحسن: شوف، ربيت في جوّ سحري فعلاً، كلِمة سحري تنطبِق عليه. سحري سواء بالعالم المبني على الخرافات وعلى الحكايات العجيبة الغريبة التي لاحقاً اكتشفت أنّ معظمها من "ألف ليلة وليلة"، والسحر هو قدراتنا الداخليّة. عندما نُريد أن نسحَر لأحد أو نسحَر أحدا ذلك قرارٌ يُتّخَذ من قِبَلِنا وقد نزعُم أننا تمتمنا بضع الشعوذات أو بضع الكلمات السحريّة. في رأيك، ألا توافقني أنّ الأدب هو كلمات سحريّة؟

زاهي وهبي: طبعاً

لينا هويّان الحسن: أليس الأدب هو سِحراً ؟

زاهي وهبي: له أحياناً مفعول أكبر من السحر

لينا هويّان الحسن: طبعاً

زاهي وهبي: على كلّ حال، هروبٌ ذكي من السؤال. البادية سيّدتي، يُقال أنّها لم تعُد تلك البادية التي نسمع عنها أو نقرأ عنها أو حتّى نعرِفها. هناك تحوّلات وهناك تغيّرات

لينا هويّان الحسن: أكيد

زاهي وهبي: هلّ في نيّتكِ أو قد نقرأ لكِ عملاً عنّ تحوّلات البادية؟ "مدن الملح" مثلاً لـ "عبد الرحمَن منيف"، قرأنا تحوّل مُجتمع بأكمله من مرحلة إلى مرحلة 

لينا هويّان الحسن: هو مشروعٌ مُغر

زاهي وهبي: نعم

لينا هويّان الحسن: خلال المرحلة التي كتب عنها الأُستاذ الكبير الراحل "عبد الرحمن منيف"، مرحلة التحوّل أصبحت الآن مرحلة اندثار لعالم البداوة. أنا أتحدّث عن البادية السوريّة تحديداً ولا فرق بين البادية السوريّة والبادية العراقيّة أو الصحراء السعوديّة أو الأُردنيّة أكيد، أتحدّث عمّا أعرِف. "سلطانات الرمل" في النصف الثاني كان هناك فيها الكثير عن تحوّلات الإنسان البدوي من الداخِل ومن الخارِج وسيظلّ هذا المشروع بالنسبة لي مشروعا جميلا وقائِما      

زاهي وهبي: هلّ يُمكن أن نرى لكِ أعمالاً ثلاثيّة مثلاً

لينا هويّان الحسن: لا، لستُ من الذين عندهم النفَس الثلاثيّة

زاهي وهبي: لكن رواياتكِ ليست صغيرة الحجم!

لينا هويّان الحسن: أجل، ليست صغيرة

زاهي وهبي: خصوصاً مثلاً "سلطانات الرمل"

لينا هويّان الحسن:(تضحك). شوف لأقول لك، الثلاثيات جمهورها ليس كبيراً حالياً. من الصعب وأحتاج إلى أن أكون واثقة جداً من النص لكي أكتُب الجزء الأول وأجرؤ أن يكون الجزء الثاني بنفس جاذبيّة الجزء الأول إذا نجح الأوّل ، ويأتي الثالث أيضاً وهو الأكثر صعوبةً. ممكن كثيراً ألا أكون مُغامِرة

زاهي وهبي: شاهدنا مثل هذه المآزِق عند بعض الكتّاب وبأن العملين الثاني والثالث ليسا بمستوى العمل الأوّل ضمن ثلاثيّة أو رباعيّة أو خُماسيّة، وليس حكماً وبالضرورة أن نتحدّث عن ثلاثيّة معيّنة. استشهادِك بأقوال أُدباء وكُتّاب عالميين وعرب في بدايات الروايات أو بين الفصول، ما الغاية من هذه الاستشهادات؟

لينا هويّان الحسن:  ليس قي كلّ النصوص. رواية "سلطانات الرمل" كان فيها الكثير من الاستشهادات ولكن ليس لكتّاب بل لمستشرقين

زاهي وهبي: حتّى "ألماس ونساء" فيها في البداية

لينا هويّان الحسن: قول واحِد لـ "مارك توين" عن "دمشق". رواية "نازك هانم" كان فيها بعض

زاهي وهبي: ما الغاية من هذا الأمر؟

لينا هويّان الحسن: أحياناً تكون بمثابة عنوان أو تقديم

زاهي وهبي: أو طرف خيط؟

لينا هويّان الحسن: أو طرف خيط

زاهي وهبي: نُعطي للقارئ طرف خيط على لسان أحد آخر

لينا هويّان الحسن: ممكن أنّ الكاتِب أحياناً يُغريه أن يتوارى وراء اسمٍ آخر ويقول شيئاً أحياناً لا يجرؤ ككاتِب على قوله، هذه نقطة. في "سلطانات الرمل" الأمر مُختلِف لأنني اضطررت أن أبرز الوثيقة لأنّ الناس لم يصدّقوا أن فعلاً ما أقوله هو الحقيقة، وكنت أعلم أنّه لو "سلطانات الرمل" صدرت من دون هذه الهوامِش لكنت سأكون كاذِبة من وجهة نظر كثير من الناس شاهدوا الدراما العربيّة عبر المسلسلات البدويّة

زاهي وهبي: والتي في جزء كبير منها، ولا أُعمّم، ولكن هناك جزء منها مُشوّه للبداوة

لينا هويّان الحسن: أكيد، أكيد

زاهي وهبي: البيئة البدويّة ليست فقط خيمة وجملا وحصانا وثأرا

لينا هويّان الحسن: اختَلَ واختصر وشوّه، ولا أعرِف من منح كتّاب الدراما العربيّة بالعموم هذا الحقّ بتخريب صورة البادية والبدوي في أذهان الناس. البدوي بالتأكيد له سلبياته وله إيجابيّاته

زاهي وهبي: طبعاً. ونتمنّى أن نُشاهِد "سلطانات الرمل في عمل تلفزيوني وتكون فيه صورة واقعيّة لعالم البادية. كم يستغرق عملكِ في البحث والتوثيق؟ أعرِف أنّك تشتغلين كثيراً على هذه الناحية، أريدك أن تجيبيني بسرعة لأن باقي من الوقت ثلاث أو أربع دقائق وعندي ثلاثة أو أربعة أسئلة

لينا هويّان الحسن: أحترِم عقل القارئ، لا يمكنني أن أتحدّث عن "بونيس آيرس" ولا يمكنني أن أتحدّث عن "ألماز خانم"

زاهي وهبي: أو عن "باريس"

 لينا هويّان الحسن: "ألماز خانم" تريد أن تُسافِر من ميناء "بيروت" إلى "باريس" فما كان اسم الباخرة؟ أنا فعلاً رجعت إلى أسماء البواخِر وأعرِف أنّ الباخرة "أورونوف" التي ذكرتها في "ألماس ونساء" كانت تُبحِر حقيقةً من ميناء "بيروت" إلى "مرسيليا"، هذا من باب الصدق مع القارئ

زاهي وهبي: عملكِ في الصحافة، ذكرتِ لي أنكِ تكتبين في "الحياة" و"السفير" وفي مواقع إلكترونيّة وسابقاً عملتِ في صحيفة "الثورة" السوريّة لسنوات طويلة،  ليست طويلة بمعنى عديدة جداً

لينا هويّان الحسن: عشر سنوات فترة طويلة، عشر سنوات عقدٌ من الزمان، من الزمان الجميل فعلاً

زاهي وهبي: كنتِ مسؤولة عن ملحق الـ

لينا هويّان الحسن: مُلحق الكُتُب

زاهي وهبي: كم العمل في المطبخ الصحافي وفي النقد وفي الكتابة يُثري الكتابة الروائيّة أم يستنزِف الروائي؟

لينا هويّان الحسن: أحياناً قد يستنزِف، لكن بالعموم بالنسبة لي هو لياقة قلمي المرتبطة في الكثير من الأحيان بكتابة النصّ الصحافي. من غير المعقول أن يجد أحداً يُسابِق في الماراثون  من دون أن يركض على مدار العام، فالكتابة هي الشيء نفسه. بعد ذلك، الكتابة تضعني على تماس يومي مُباشر مع الأخبار لأنّ الكتابة الصحافيّة هي كتابة يومية، ولا يمكنني أن أكتُب مقالة أرشيفيّة. يجب أن أكتب عن شيء يمس الحاضر ويمس الحدث أو يعني القارئ ، القارئ لن يقرأ إذا كتبتُ شيئاً لا يعنيه

زاهي وهبي: تقولين أنّ نصوصك الأولى هي تمارين على الكتابة، لماذا؟ لماذا ترين نصوصك الأولى مُجرّد تمارين على الكتابة؟

لينا هويّان الحسن: لأنني كنتُ حينها مُتسرِّعة وكنتُ مشروع رسّامة تشكيليّة إلى أن قرّرت أن أكتُب. شعرت أنّ اللوحة عاجزة عن التعبير، عندي فائِض وشعرت أن الكلمات قادرة على مساعدتي أكثر في التعبير وربما لأنني لست موهوبة بالرسم

زاهي وهبي: روايتك المُقبِلة عن ماذا؟

لينا هويّان الحسن: نتركها مفاجأة أو سراّ. من المُمكن أن تكون رواية تمسّ الحاضر كثيراً ويُمكِن أن تكون إجابة لسؤال "صلاح فضل"

زاهي وهبي: إذا أردتِ أن تقولي شكراً، لمن تقولين شكراً؟

لينا هويّان الحسن: شكراً  لوالدي. أنا حظيت بأبٍ رائِع، منحني ثقة مبكرة في حياتي، ثقة من الصعب أن تُهزّ. هزّني فقط الحزن في يوم من الأيام على مقتل شقيقي

زاهي وهبي: رحمه الله

لينا هويّان الحسن: ووالدي كان دائِماً هو سندي الحقيقي بأفكاري المجنونة وأفكاري المتمرّدة وأفكاري التي أحياناً حتّى المُجتَمع نفسه، ليس المجتمع، حتّى الفلسفة نفسها يُمكن أن تُصدَم وتُفاجأ. كان يتقبلني دائماً وتعلّمتُ دائِماً أن أكون مثلما علّمني، عندما علّمني السباحة في البحر في وقتٍ مبكِر جداً. علّمني أولاً أن أسبح بوجه الموج لأنّ البحر غدّار ومن الممكن في أيّة لحظة أن يعلو الموج، ودائماً أتذكّر التعاليم التي علمها لي عندما رماني في البحر وقال لي "اسبحي"

زاهي وهبي: إن شاء الله سباحتك دائِماً تصِل إلى شطّ الأمان. شرّفتِ وأهلاً وسهلاً بكِ "لينا هويّان الحسن"

لينا هويّان الحسن: شكراً  لكم ولهذه المساحة الحلوة والراقية

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً بكِ ومن خلالك نحيّي جميع مُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم. مثل العادة نشكُر فريق العمل ومُنتِجة البرنامج "غادة صالِح" ومُخرِج البرنامج "علي حيدر" ومُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم لكم دائِماً الشُكر الأكبر. نلتقيكم الأُسبوع المُقبل على خير بإذن الله