أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

الأب غابي هاشم - عضو اللجنة الاسقفية للعلاقات المسكونية

المسألة المسكونية والحوار الاسلامي المسيحي.

مفهوم المسكونية انطلاقتها وآفاقها

مفهوم المسكونية انطلاقتها وآفاقها

غسان الشامي: مساء الخير.

كثيرون يسمعون بالعلاقات المسكونية أو بالحركة المسكونية أو بالحوار المسكوني، ولكن لا يعرفون أو لم يهتمّوا بماهيّتها أو تحت أية مندرجات تدخل العلائق والحوارات المسكونية وكيف تتم وما الصيغ التي تصل إليها وهل هي محض حوارات مسيحية مسيحية أو أنها تشمل الأديان الأخرى وخصوصا الحوار مع المسلمين. يُذكر أن البطريرك الراحل مكسيمس الرابع صايغ قال قبل نحو نصف قرن إن المسألة المسكونية بالنسبة الينا نحن مسيحيي الشرق مسألة حياة أو موت. لماذا؟ والآن، في ظل ما يحصل من موت ودمار وتهجير وفي زمن تسيّد الإلغاء والنفي والذبح، يسرّنا في "أجراس المشرق" أن نُجري حواراً مع الأب الدكتور غابي هاشم، عضو اللجنة الأسقفية للعلاقات المسكونية الذي يتابع هذا الأمر علميّاً وعمليّاً وأكاديميّاً ولاهوتيّاً، لتعريف مَن يطلب المزيد من معرفة الآخر.

ولكن، قبل حوارنا معه، نعرّفكم به:

 

التقرير

 

وُلد الأب الدكتور غابي ألفرد هاشم في حاصبيّا المتن عام 1962، وحاز إجازة في الفلسفة من معهد القديس بولس في حريصا عام 1987 وإجازة في اللاهوت من المعهد ذاته عام 1989، ثم دكتوراه في اللاهوت من جامعة لوفون الجديدة الكاثوليكية في بلجيكا عام 1996. وكان كاهناً في أبرشية بعلبك للروم الكاثوليك.

درّس في جامعات عديدة في لبنان وبلجيكا، وهو أستاذ في جامعة الروح القدس الكسليك منذ 2001. وعمل مديراً لمجلة البريد المسكوني الصادرة عن مجلس كنائس الشرق الأوسط من عام 2003 إلى عام 2006، ومديراً لقسم الإيمان والوحدة في المجلس منذ عام 2004، وعضواً في اللجنة الأسقفية للعلاقات المسكونية في مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان.

نشر مقالات علمية في الحركة المسكونية وسر الكنيسة والكنائس الشرقية باللغتين العربية والفرنسية. وشارك في مؤتمرات لاهوتية ومسكونية في المشرق وأوروبا.

 

غسان الشامي: أهلا بكم.

أهلا بك أبونا غابي هاشم في "أجراس المشرق".

الأب غابي هاشم: أهلا، وشكراً على استقبالكم.

غسان الشامي: هذا واجبنا، وما تقوم به أو الملف الذي تتابعه هو ملف هام داخل الكنيسة المشرقية وفي كنائس العالم. لماذا مسكونية؟ لماذا ليست عالمية مثلا؟ لماذا ليست إنترناسيونالية؟ لماذا ليست دولية؟ هذا التعبير المسكوني ما معناه؟ كيف جاء؟

الأب غابي هاشم: المسكونية ارتبطت تاريخياً بالإمبراطورية البيزنطية وبالأرض المسكونة. طبعاً في الكتاب المقدّس، في العهد الجديد ترد كلمة "نيكوماني" أو "إيكوماني" مرّتين فقط: مرة في إنجيل القديس لوقا عندما أمر أغسطس قيصر بإحصاء جميع المسكونة لأنه كان يريد أن يعرف على كم نفس هو يملك. كان يريد أن يقول إنه هو ملك الكون كله. وثانياً، في أعمال الرسل لأنه في آخر الزمان سيدين المسكونة. طبعاً، مع مطلع القرن الرابع أصبح هنالك نوع من المساواة، المرادَفة، بين المسكونة أي الأرض التي عليها سكن وبيوت والإمبراطورية البيزنطية. وبالتالي، كانت هنالك مقولة إن وحدة الإمبراطورية التي وحّدها الملك قسطنطين من وحدة الكنيسة، ووحدة الكنيسة من وحدة الإمبراطورية. طبعا لنفهم ذلك هنالك عدة مستويات:
المستوى الأول هو المستوى اللاهوتي. المستوى اللاهوتي ينطلق من كلمة ليسوع المسيح يصلّي فيها إلى الله عزّ وجل ويقول له: "يا أبتِ، ليكونوا واحداً كما نحن واحد. أنا فيك وأنت فيّ". هذا هو أساس الوحدة في المسيحية. عندنا الله تعالى عزّ وجل واحد والمسيح واحد وأتباع المسيح هم جسده أي هم امتداد له في التاريخ. وإذا كان هو واحداً وهم أعضاء في هذا الجسد فلا بد من أن يكونوا واحداً. طبعا الكنيسة تعرّضت عاجلاً منذ بداياتها لخطر الانقسام مثلها مثل أي مؤسسة بشرية أخرى.

غسان الشامي: وهذا دليل على أنها منذ بدايتها بانقساماتها لم تكن مسكونية.

الأب غابي هاشم: طبعاً. وهذا الانقسام يطرح علينا سؤالاً آخر حول التنوّع: التنوّع في الكنيسة مشروع. وهذا التنوّع قد يذهب بعيداً. وإنما عندما يهدّد الإيمان نفسه يصبح خطراً على وحدة الكنيسة وعلى طبيعة الكنيسة وعلى رسالة الكنيسة. لذلك، متى نميّز بين حدود التنوّع وحدود الوحدة؟ هذا هو السؤال الكبير.

غسان الشامي: حالياً، بماذا يمكن وصف العلاقات المسكونية بين الكنائس؟ أي بعد ألفَي عام ونيّف من انطلاقة المسيحية.

الأب غابي هاشم: طبعاً. تاريخ الكنيسة يشهد على أربع أزمات كبرى أدّت إلى تكوّن ما يسمى اليوم بالعائلات المسيحية الكبرى. وإذا أردت، يمكن أن نقول كلمة عنها، نعطي فكرة عنها. وهذه الانقسامات وصلت في نهاية القرن التاسع عشر إلى حدّ العداوة بين بعض المذاهب وبعض الكنائس المسيحية. ولذلك، انطلقت مع بداية القرن العشرين، وتحديداً سنة 1910، حركة عالمية سُمّيت في ما بعد بالحركة المسكونية أي بتوحيد المسكونة كلها وليس فقط كنيستين وإلى ما هنالك. لذلك، نحن بالعربية وفي الدروس اللاهوتية نستعمل لفظة مسكونية فقط للتعبير عن العلاقات المسيحية المسيحية. أمّا في الغرب فلها استعمال أشمل بكثير وتضمّ أية علاقات تهدف إلى التقارب بين ديانتين، بين مجموعتين بشريتين، بين حضارتين، بين ثقافتين.

غسان الشامي: هذا هو الأمر أن المسكونة، بمعنى مَن سكن، ليست مسكونة بالمسيحيين فقط، بل مسكونة بالمسيحيين وبغيرهم من الأديان الأخرى ومن الـلامتديّنين.

الأب غابي هاشم: طبعاً.

غسان الشامي: هل هناك إدارة لحوار مسكوني بين أهل المسكونة حالياً؟

الأب غابي هاشم: طبعاً، هنالك مقاربات حوارية شاملة، ولكن ربما لا تكون منتظمة في مناهج معيّنة أو سياقات معيّنة. طبعاً.

غسان الشامي: ما هي العوامل التي، برأيك، وأنت كمتابع لهذا الأمر، التي تتحكّم حالياً بالعلاقات المسكونية؟ ما هي ضوابطها؟ هل ترى أفقاً أمام هذه العلائق المسكونية أو هذه الحوارات؟

الأب غابي هاشم: طبعاً. أودّ أن أقول أولاً إن القرن العشرين كان مسكونيّاً بامتياز. ومع انطلاقة الحركة المسكونية سنة 1910، في الحقيقة هناك أوساط إنجيلية وبروتستانتية أي في الجماعات والكنائس الناشئة من الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر، أطلقت حركة أفاقت الروح المسكونية، روح الوحدة. نحن في الكنيسة نبدأ بإعلان الإيمان ونقول: أعترف بكنيسة واحدة مقدّسة جامعة رسولية. أي قبل أن تكون حتى رسولية وأن تكون جامعة وأن تكون مقدّسة، هي أولا الوحدة. من الوحدة تأتي القداسة والجامعيّة والرسولية. كل شيء يأتي من هذه الوحدة بسرّ الله أولا، بسرّ المسيح والوحدة داخل الكنيسة وضمنها. طبعاً الكنائس تعرّضت.. الانقسامات كانت نتيجة تداخل عناصر لاهوتية مع عناصر...

غسان الشامي: سياسية.

الأب غابي هاشم: ثقافية سياسية، بل أذهب إلى أكثر من ذلك وأقول: إلى عوامل بشرية شخصية أحياناً: خلاف أو نوع من العدائية أو سوء علاقة بين شخصين مسؤولين أدّت إلى مزيد من الانقسامات. لذلك، اليوم نعود إلى نوع من التنقية ونبدأ بفرز العناصر. نبدأ بفرز العوامل اللاهوتية عن غيرها من العوامل. طبعاً نحن كأكاديميين، وأنا كشخص ملتزم في الحوار المسكوني اختصاصي الأساسي هو الأمور العقائدية، ولكن طبعاً نلتفت ونُعنى بالعوامل الأخرى.

غسان الشامي: ذكرت أن القرن العشرين كان قرناً مسكونياً بامتياز. ولكن هذا القرن العشرون إذا كان مسكونياً على صعيد الكنيسة، فهو على صعيد المجتمعات لا علاقة له بالمسكونية إلّا بالحروب المسكونية. قدّم القرن العشرون حربين عالميتين مخيفتين، احتلالات، اجتياحات لشعوب. وتَتابَع هذا في القرن الحادي والعشرين الذي نحن فيه. كيف يمكن مقاربة أن تسعى روحياً إلى علائق مسكونية وأن يكون الواقع الدولي والسياسي يذهب إلى تفتيت الوحدات الاجتماعية والسياسية؟

الأب غابي هاشم: طبعاً. بعد هاتين الحربين الكونيتين، الكنائس والديانات عموماً أدّت دورً مهمّاً أولاً بإعادة بثّ الرجاء في النفوس اليائسة والخائبة. وثانياً، عملت بجهد كبير لتقريب الأشخاص وتقريب وجهات النظر وتقريب المبادئ وإلى ما هنالك. لدينا مثلاً المجمع الفاتيكاني الثاني. كان حدثاً مسكونياُ بامتياز ولو أنه حدث اختصّت به الكنيسة الكاثوليكية. دعت إليه الآخرين وانفتحت فيه على العالم وعلى الديانات الأخرى. وكذلك حذت الكنائس الأخرى والأديان الأخرى. فأصبح هناك جو من التقارب ورغبة في المصالحة وشعور بالأخوّة البشرية لأن كل وحدة إن لم تنتهِ بوحدة الجنس البشري برمّته تبقى ناقصة.
نحن المسيحيين نؤمن بأن وحدتنا المسيحية لا تكتمل ما لم تصل إلى وحدة الجنس البشري، إلى وحدة الكون بخالقه. هناك قدّيس اسمه غوريغوريوس النازيانزي كان يقول: نحن خرجنا من قلب الله وإلى قلب الله نعود. هذه هي حركة الوحدة الشاملة في المسيحية. طبعاً أريد أن ألفت النظر إلى السعي الحقيقي والذي يتطلب تطهّراً كبيراً، نسمّيه في الكنيسة
kenosis أي إخلاء من الذات يشبه نوعاً ما تجسّد الله الذي أخلى ذاته في المسيحية ليأتي ويلتقي الإنسان حيث الإنسان، حيث هو، ويكلّمه بلغته ويشعر به ويرفعه إلى مستوى التألّه بمعنى إلى أن يعيده إلى الشركة معه وأن يعيد الكون إلى جماله وبهائه الأصيل. ولذلك، نميّز بين هذه الحركة والأنشطة والبرامج التي نقوم بها أحياناً كثيرة، ولكن تفتقد إلى هذه الروحية، إلى هذه الروح الأصيلة، الروح الأخوية، الروح البشرية في عمقها، الروح الإنسانية في العمق.

غسان الشامي: الخلافات. دائما هناك حديث عن الوحدة المسكونية. ولكن هناك خلافات مُعيقة. لو لم تكن هناك خلافات لتحقّقت هذه الوحدة. هل يمكن أن نضع إصبعنا على مكامن الجروح أو مكامن الخطأ التي منعت حتى الآن تحقيق نواة أولى لوحدة مسكونية؟

الأب غابي هاشم: الخلافات الأهم هي الخلافات العقائدية الناجمة عن تفسير أو مقاربة السر الإلهي، سر الله. وهذه المقاربات اختلطت بالفلسفة اليونانية وبفلسفات وثقافات مختلفة وتبنّت مقولاتها الفلسفية لكي تعبّر عن السر. وهنا طبعاً نقول إن الخلاف الأكبر في هذا المجال هو الذي وقع في القرن الخامس والذي ظهر بشكل فاضح في مجمع خلقيدونيا سنة 451 تهيّأ، بدأ نوعاً ما منذ القرن الثاني ومرّ في القرن الثالث ببعض الأمور، وفي القرن الرابع انفجر نوعاً ما ليصل في ذروته إلى القرن الخامس ويفصل كنائس الإمبراطورية في ذلك الوقت أي كنيسة بيزنطية وكنيسة روما عن الكنائس التي كانت خاضعة للإمبراطورية أي الكنيسة السوريّة السريانية والكنيسة القبطية المصرية، وفي ما بعد التحقت بهما الكنيسة الأرمنية. طبعاً هذا الخلاف في المقولات الفلسفية واللغوية والحضارية والثقافية كان وراء هذا الخلاف اللاهوتي. وهذا الخلاف في القرن العشرين، بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، عولج بعدّة طرق بين البيزنطيين وهؤلاء الشرقيين أي الذين رفضوا خلقيدونيا، وبين الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الإنجيلية وهذه الكنائس أيضاً. واليوم هنالك نوع من إجماع نقول فيه إن إيماننا واحد ولكن تعابيرنا الحضارية واللغوية والفلسفية تختلف وتجعل بيننا خلافاً. هذا هو الخلاف الأهم. أمّا الخلافات الأخرى، منها مثلًا خلافات بشأن السلطة واستعمال السلطة في الكنيسة، ليست حتماً مسائل دنيوية فقط، إنما هي اختلاف أيضاً في تفسير مفهوم انتقال السلطة والتسلسل وخلافات السلطة في الكنيسة.

غسان الشامي: هل فعليّاً الفلسفة قد تدخّلت في اللاهوت فجعلته مهتزّا؟ بمعنى: دائماً حتى في المعاهد المسيحية يدرّسون الفلسفة واللاهوت معاً، والخلافات الأولى في المسيحية التي أدّت إلى انشقاقاتها هي في معناها العميق خلافات بناءً على معطيات فلسفية.

الأب غابي هاشم: طبعاً.

غسان الشامي: كيف يتم التوفيق بين الفلسفة واللاهوت داخل المسكونية وداخل المسيحية؟

الأب غابي هاشم: اللاهوت في تعريفي بعد هذه الخبرة الدراسية والأكاديمية هو خطاب حول سر الله. وهذا الخطاب هو حتماً خطاب بشري تلزمه وسائل. وهذه الوسائل هي الفلسفة واللغة والثقافة وما إليها. فعندما حاول المسيحيون الإجابة أو الرد على الهرطقة بخطاب لاهوتي استعملوا اللغة الفلسفية. لا أقول إن الفلسفة عندما دخلت إلى الخطاب اللاهوتي اهتزّ الإيمان. أبداً.
ولكن كل وسيلة بشرية للتعبير عن السر الإلهي تبقى ناقصة. ولذلك، اللاهوت يبقى في عمقه مقاربة للسر الإلهي. نحن الشرقيين لم يكن عندنا خطاب لاهوتي نسمّيه سكولاستيكي أي مدرسي، يُصنع في المكاتب والجامعات والأكاديميات. لاهوتنا عبّرنا عنه بالأيقونات، بالترانيم، في صلواتنا. لاهوتنا رائع، بهيّ.

غسان الشامي: ولكنه إيمانيّ أوّليّ.

الأب غابي هاشم: ولكنه احتفالي. أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول: احتفالي. إن ما نحتفل به أي هذا السر، سر الإيمان، نحتفل به بالغناء، بالرسم، بالليتورجية أي بالخدمة في الكنيسة.

غسان الشامي: بالطقوسية.

الأب غابي هاشم: عندما تلتقي الجماعة، نعبّر عنه بالشعر، نكتبه في اللاهوت خبرةً معاشة، وقد تصل إلى الخبرة الصوفيّة. لذلك، عندما دخلت الفلسفة، طبعاً استُعملت أولاً للردّ على الهرطقات، في سبيل غاية ما. وبهذا المعنى، كانت دائماً ناقصة. وطبعاً المصطلحات والألفاظ ليست نفسها: عندما يقال باليونانية مثلاً: "بروسوبون" للتعبير عن شخص، أو "فيسيس" للتعبير عن الطبع أو الطبيعة، ويقابلها في السريانية "كنوما".

غسان الشامي: هذه خلافات مصطلحية وليست...

الأب غابي هاشم: "كنوما" لا تعني شخصاً بل تعني شخصاً وتعني شخصية. هذا هو الاختلاف.

غسان الشامي: هنا أريد أن أسألك: الآن نحن أمام عالم فيه أوطان. وهناك كنائس وطنية بحتة. كيف يتم التوفيق بين الكنيسة الوطنية والكنيسة المسكونية؟ أي اختلافات يمكن الموافقة عليها؟ وأي خلافات يمكن التغاضي عنها؟ وهل بالإمكان فدرلة الكنائس؟

الأب غابي هاشم: أريد أن أوضح أن المسيحية في جوهرها العميق هي طريق، هي نهج، وليست ديانة. هي ديانة لأن كل جماعة، كل حركة يجب أن تتمأسس، أن تتحوّل إلى مؤسسة منظّمة. ما أريد أن أقوله أنه طبعاً لا نستطيع أن نتكلم على الفدرلة لأننا نسعى إلى شركة روحية عميقة، إلى التوصّل إلى السير معاً. الحوار اللاهوتي والحوار المسكوني في مفهوم الكنائس هو سير معاً نحو الحقيقة وبهدي الحقيقة وبهدي الروح القدس. ليس جذباً للآخر أو استلالاً للآخر. ولذلك، كل سر في المسيحية يعبَّر عنه بعبقرية كل شعب، كل شخص، كل جماعة. إذاً، لا نستطيع أن نتخلّى عن العنصر الثقافي، عن العنصر الفلسفي، عن العنصر الحضاري. نحن على سبيل المثال أنطاكيون. أنطاكية بالنسبة الينا ليست هذا المكان الموجود جغرافيّاً في تركيا اليوم. أنطاكية هي ضميرنا، هي روحنا، هي تاريخنا، هي آباؤنا، هي هذه الخبرة الطويلة مع المسلمين إخوتنا، هي خبرة طويلة أيضاً مع اليهود إخوتنا، هي حضارة مشتركة، هي تاريخ مشترك، هي معاناة مشتركة. فيها من الأمور الإيجابية وفيها من الجروح التي هي أحياناً صعبة القبول حتى بعد قرون. هذا نحن. هذه هويّتنا. الأنطاكي يختلف عن الإسكندراني، والإسكندراني يختلف عن الروماني. طبعاً نحن في شركة إيمان. نحن في تمجيد وتسبيح لسرّ الله الواحد. ولكن كلٌّ يعبّر عن هذا الأمر بعبقريّته. والعبقرية في مكان... أنا لا أحب أن أسمّيها مكاناً. في محلّة أو في محل. الكنيسة دائماً هي في محل ما. هذا معنى التجسّد. مرتبطة بتاريخ، بشعب، بقلب، بإحساس، بعاطفة، بفنّ، بشعور، وليست فقط مسألة علمية تتوقّف على تفسير نص كتابي أو تفسير لاهوتي.

غسان الشامي: جميلة طريقة التعبير التي تعبّر بها. ولكن أنا مضطرّ إلى أن أذهب إلى فاصل.

أعزائي، فاصل ثم نعود الى متابعة هذا الحوار مع الأب الدكتور غابي هاشم، وهو أحد المختصّين بالعلاقات والحوار المسكوني. انتظرونا بعد الفاصل إذا أحببتم هذه الحوارات.

 


الحوار المسكوني، من يدفع بإتجاهه؟

الحوار المسكوني، من يدفع بإتجاهه؟

غسان الشامي: أهلاً بكم من جديد في "أجراس المشرق".

أعزائي، سنبدأ هذا المحور بتقرير عن معهد القديس بولس للّاهوت في حريصا في لبنان لتتعرّفوا إلى طريقة هذا المعهد في تدريس اللاهوت. بعدها نعود الى متابعة هذا الحوار مع الأب الدكتور غابي هاشم عن العلاقات والحوار المسكوني.

 

التقرير

 

أنشأت جمعية المرسلين البولسيين معهد القديس بولس للفلسفة واللاهوت عام 1931 في حريصا بهدف تعليم طلّابها الإكليريك جامعيّا ولرفد نشاط المرسلين الثقافي والتربوي بمؤسسة أكاديمية تؤدّي خدمة للكنيسة وللمجتمع وللوطن. واعتمده مجمع الكنيسة الملكية الكاثوليكية عام 1963 مركزاً أكاديميّاً موحَّداً للبطريركية. وصدر عام 1972 مرسوم جمهوري يُجيز للمعهد منح الشهادات الجامعية معترفاً به مؤسسة خاصّة للتعليم العالي.

عمل المعهد منذ نشأته على الحوار المسيحي المسيحي والمسيحي الإسلامي، فأسّس مركز الحوار المسيحي الإسلامي كنواة بحث مستقلّة. وعمل أيضاً على تقوية الإنتاج العلمي والمؤتمرات والندوات والتراجم والمؤلفات والمحاضرات.

اهتمّ المعهد باللاهوت الشرقي وبعلم الآباء وبالدراسات من زاوية التنقيب والتدقيق وبالدراسات الفلسفية، ما خوّله منح درجتي الماجستير التعليمية والبحثية في الفلسفة واللاهوت. ويدرّس بالعربية والفرنسية. وأبوابه مشرَّعة للعلمانيين أيضاً. وكما أنه يهتمّ بالتنشئة الإكليريكية، فإنه يولي اهتمامه أيضاً للأشخاص الذين يعملون في حقل الرب كعلمانيين ملتزمين وكمربّين ومعلّمي الديانة المسيحية.

 

غسان الشامي: من جديد أهلاً بكم.

أبونا هاشم، بناءً على التقرير، وأنت أيضاً أستاذ تدرّس في معاهد وجامعات..

الأب غابي هاشم: أنا أستاذ في جامعة الروح القدس الكسليك أولاً.

غسان الشامي: المعاهد والجامعات التي تدرّس اللاهوت والفلسفة ماذا قدّمت فعليّاً من قيمة مضافة للعلاقات المسكونية؟

الأب غابي هاشم: طبعاً إذا أردنا أن نُعنى باللاهوت كمادّة علمية من الدرجة الثانية، لأن موضوعها ليس كموضوع العلوم الدقيقة، هناك يُدرَّس اللاهوت وهناك نوعاً ما يتفاعل الفكر اللاهوتي. المعاهد تقدّم بالدرجة الأولى التنشئة التي هي أساسية. التنشئة، بمعنى أن رعاة المستقبل والذين يريدون أن يتعمّقوا بإيمانهم لكي يستطيعوا أن يحتفلوا به ويشهدوا له بطريقة بهيّة، يجب أن يمرّوا بهذه التنشئة اللاهوتية، لأن معرفة الإيمان تتخطى ما نسمّيه بالتَقَويّات الشعبية. تتخطّاها لتذهب إلى عمق السر وإلى فهم أكبر لحقيقة هذا. طبعاً المعاهد أدّت دوراً في الشرق الأوسط مهمّاً جداً، لأنه قبل إنشاء مجلس كنائس الشرق الأوسط كانت هنالك رابطة، رابطة معاهد وكلّيّات اللاهوت في الشرق الأوسط. طبعاً هذه المعاهد قرّبت بواسطة طلّابها بين الكنائس.
فكانت هنالك على سبيل المثال لقاءات سنوية وأحياناً فصلية لمناسبة أسبوع الصلاة من أجل الوحدة. صار هناك تبادل بالأساتذة، تبادل بالبرامج، إغناء بالتحاور والتلاقي. وطبعاً التنشئة تغيّرت، وكان لنا رجاء، ولا يزال هذا الرجاء، بأن التغيّر في التنشئة أي أن تنشئ على الروح المسكونية سوف يقود إلى عيش هذه الروح ونشرها في الرعايا، في المدارس، في المؤسسات الاجتماعية للكنائس، في كل مكان، لكي تتحقّق الوحدة انطلاقا من الواقع، من الأرضية، من القاعدة، من الشعب لكي تكون واقعاً ولا تكون فقط وحدة مصنوعة في الأكاديميات.

غسان الشامي: والإرساليات؟ نحن كمنطقة في المشرق جاءتنا إرساليات لاتينية وإرساليات إنجيلية. ماذا قدّمت للموضوع المسكوني؟

الأب غابي هاشم: طبعاً هذا أمر دقيق جداً.

غسان الشامي: أعرف ذلك.

الأب غابي هاشم: لم تقدّم للمسكونية، في الحقيقة. ولكن نحن نعيد قراءة التاريخ لنتعلّم منه ولا نحكم على الأشخاص لأنهم كانوا محكومين في ذلك الوقت بذهنيّة العصر وبمقولات معيّنة. الواقع أن الإرساليات زادت التشتّت في كنيسة أنطاكية وفي كنيسة الشرق عموماً لأنها استلّت من الكنائس الأم وأوجدت جماعات مسيحية جديدة أو كنائس جديدة. وهذا أمر غير مقبول أقرّت به الكنائس على أنه خطأ تاريخي من حيث الوسيلة. هذا الخطأ موجود اليوم في كنائس حيّة وكنائس لها قيمتها الروحية والشهادية وإلى ما هنالك. لذلك لدينا نوع من الإشكال. ولكن أريد أن أقول إن فضل الإرساليات كبير علينا جداً في هذه المنطقة. لا ننسَ أننا كنا قابعين في الإمبراطورية العثمانية وخصوصاً في القرون الأخيرة من هذه الإمبراطورية بعد القرن الثامن عشر حين كان الجهل والفقر والظلم الاجتماعي والظلم الديني. وبالتالي، الإرساليات كانت مثل تنشُّق هواء نقيّ وفتحت لنا باب العلم وباب الشعور بالحرية. ليس فقط العلم، بل باب الإنسانية في عمقها وفي تطلّعها إلى قامة ملء الإنسانية. وهذا أمر يجب الاعتراف به. اليوم الإرساليات غيّرت نظرتها بوعيها المسكوني وهي تُسهم كثيراً في نشر الروح المسكونية لأنها في خدمة الإنسان والكنيسة والإيمان بطريقة شاملة.

غسان الشامي: أو عابرة للانقسامات.

الأب غابي هاشم: طبعاً. وكلمة حق تقال إن هنالك بعض المرسلين الذين جاؤوا إلى شرقنا وأصبحوا شرقيين ودافعوا عن مشرقيتنا أكثر منّا. وأذكر منهم على سبيل المثال الأب جون كوربون.

غسان الشامي: على ذكر الوحدة، ما هو أثر الانقسام الكنسي على الوضع الروحي للمسيحيين في سياق وحدة الكنيسة مسكونيّاً في بلادنا؟

الأب غابي هاشم: الأثر كبير وخطير جداً. نحن تحوّلنا من كنائس إلى طوائف. طبعاً هنالك هوّة كبيرة بين الهويّة الكنسية التي تجعل من حياة المؤمن سيراً نحو قامة ملء المسيح، نحو عيش إيمانه والاحتفال به بالاحترام والمحبة والتضحية والإخلاء. وتحوّلنا إلى مجموعات. هذا معنى الطوائف، يربطها تاريخ معيّن وعوامل عرقية وارتباطات عائلية ومشاريع سياسية وما إلى هنالك. تحوّلنا إلى طوائف تسعى إلى إثبات وإظهار هويّتها وما لها وما تملك. في حين أن المشروع المسيحي الأساسي هو أن تُظهر أيقونة المسيح، أن تشهد للمسيح. إن الدعوة المسيحية في هذا الشرق واضحة. الكنيسة لا توجد لذاتها، لا تجد مقوّمات وجودها في ذاتها بل في مَن تشهد لهم. وإذا، لا سمح الله، الكنائس كمؤسسات روحية وبشرية تغافلت عن هذا الأمر، تهاوت روحيّا وتحوّلت إلى مشاريع بشرية ولم تعد، كما تدّعي، كما تريد أن تكون، مشروعاً إلهياً.

غسان الشامي: ولكن هذا الحضور المسيحي في المشرق، بمعنى أنه حضور شعبي، هو حضور متدهور. أنت تقول: كنيسة بلا شعب، الوضع سيكون، بالتعبير الدارج: بالويل. هذا الحضور المتدهور حالياً جرّاء ما يحصل في هذه المنطقة، ما هو أثره على الكنيسة؟ ما هو أثره على العلاقات المسكونية؟ ما هو أثره على الحوار الإسلامي المسيحي؟ ما دام في مشروع الحوار المسكوني العالمي العلاقات مع الأديان الأخرى.

الأب غابي هاشم: أريد أن أوضح أولاً أن الحضور المسيحي في الشرق مرتبط بالوجود. طبعاً إذا انعدم الوجود، لا سمح الله، يختفي الحضور أو يضعف جداً. ولكن الحضور أسمى بكثير وأهم بكثير من الوجود. نحن لسنا موجودين فقط لنكون موجودين أو في خدمة أي مشروع آخر. نحن موجودون لاستمرار الشهادة للإنجيل، ليس فقط بالفكر، طبعاً بالفكر، ولكن ليس فقط بالفكر، بالليتورجية، بالروحانيات، ولكن في الحياة. إذا لم نصل إلى عمق الشركة في الحياة مع كل إنسان، ليس فقط مع المسيحي أخي الآخر، لكن مع كل إنسان أخي الآخر، لا نوفي شهادة الإنجيل ولا يمكن أن نتكلم على الوحدة. لذلك، هناك أمر ذو اعتبار كبير هو أمر مجلس كنائس الشرق الأوسط. مجلس كنائس الشرق الأوسط قصّته مثل قصّة أنطاكية. هو ليس مكاناً، وإن كان منتدى يلتقي فيه المسيحيون ويتحاورون ويتعرفون إلى بعضهم بعضاً وإلى تراثات بعضهم بعضاً ولاهوت بعضهم بعضاً ويتقدمون في الشركة معاً. هو أولاً الفرصة التي يعطيها لهم الروح القدس ليسيروا معاً وليكونوا معاً.

غسان الشامي: ولكن كثيرون يقولون إن هذه الفرصة قد ضاعت.

الأب غابي هاشم: أظن أننا أفسدنا عمل الروح في كثير من الأماكن في تاريخ مجلس كنائس الشرق الأوسط. ولكن الفرصة لم تَضِع. حتى وإن سلّمنا بأن الأمل ضعيف بعودة مجلس الكنائس إلى ما كان عليه أو بأداء دور كبير على مختلف المجالات، يبقى أن رجاءنا كبير أن المجلس قائم وأنه سيقوم بطريقة أفضل إن كان لدينا وعي كنسي بأن هذا هو سبيلنا لنكون معاً كلمة سويّة، كلمة إنجيلية نقولها، وإن كنّا نؤمن بأننا معاً نكون فعلاً في هذا الشرق ولكن فعلاً معاً. ومعاً لا تعني فقط كمسيحيين لأنه منذ وُجد مجلس كنائس الشرق الأوسط، هذا المجلس كان منفتحاً على العلاقات المسيحية الإسلامية. وكان هنالك قسم متخصص...

غسان الشامي: بالحوار الإسلامي المسيحي.

الأب غابي هاشم: وأول مَن كتب بالعربية في العلاقات المسيحية الإسلامية كان المجلس وفي مجلّات المجلس واجتماعات المجلس.

غسان الشامي: من موقعك حالياً ما بين الغرب والشرق، كيف تجد الحضور المسيحي أولاً، والوجود المسيحي ثانياً؟

الأب غابي هاشم: طبعاً الوجود المسيحي في خطر. الوجود المسيحي في خطر. وأريد أولاً أن أقول إن هذا الخطر ليس فقط على المسيحيين. قد يشعر به المسيحيون بطريقة مؤلمة أكثر من غيرهم نظراً إلى قلّة عددهم. هذا أمر مؤلم ومحزن في الوقت نفسه ويثير الخوف. ولكن نحن لا نبني الحضور، كما قلت، على الوجود أي على العدد. نحن نبنيه على قيمة الشهادة التي قد تذهب إلى الاستشهاد. أنا أقول لك إنني اليوم في قلبي أركع وأنحني أمام كل مسيحي سرياني منذ ألفَي سنة لم يعرف يوماً إلّا وكانت فيه معاناة أو حتى اضطهاد في هذا الشرق. أنا أنحني أمامه مهما كان إيمانه، مهما كانت صلاته، ولكن حافظ على هذه الكنيسة، على حضور المسيحي بطريقة ما بصلاته.

غسان الشامي: ولكنه بدأ يتبخّر من هذا الشرق، بدأ يتبخّر. الكنيسة السريانية في وضع لا تُحسَد عليه. مطران في حلب أُخفي وغُدر، ولا أعرف. الكنيسة الآن، الناس تهاجر، أيضاً يجب أن نقول هذا. هذا الخوف كيف يمكن إزالته من بنيان الناس ومن أذهانهم؟

الأب غابي هاشم: طبعاً هناك مستويان: على المستوى الروحي يجب أن نثبّت كنائسنا. هذا التثبيت يأتي أولاً من العودة إلى روح الشهادة وعدم الخوف حتى من الاستشهاد. هذا أثمن ما عندنا، وهذا ما يجعلنا نشبه المسيح. ولكن يبقى أن الشهادة فعل إرادة حر، فعل حب. الاستشهاد هو فعل حب ولا يمكن أن يُفرض على أي إنسان. لا يمكن لي أن أتوجّه إلى رب عائلة يخاف على بنيه وبناته الصغار وأقول له: لا تخَف، الاستشهاد هو... لا طبعاً. هذا التثبيت يلزمه ما هو أكثر من طاقة المسيحيين الشرقيين وربما أكثر من طاقة الدول الحالية أو ما بقي من الأنظمة الحالية لأن المنطقة بحاجة إلى استقرار، وبعد الاستقرار إلى عدل اجتماعي وإلى احترام عميق يترجَم بقوانين، بأنظمة، بأُطُر قانونية تحامي عن الأشخاص، تؤمّن لهم الأمن والاستقرار. وهذه أمور كبرى تلعب بها الدول الكبرى والعظمى. ولذلك نحن نقوم بما نستطيع أن نقوم به، أن نكون دائماً إلى جانب الإنسان، كل إنسان، وأن نكون في الإيمان صادقين وشجعاناً. الحضور المسيحي تلزمه الشجاعة والجرأة. هذا هو الإيمان. الإيمان في تحديده جرأة تفوق الواقع، تخطٍّ وإيمان بما لا يُرى.

غسان الشامي: هنا أريد أن أسألك أيضا عن دور المسيحيين العلمانيين. هل تريدهم الكنيسة؟

الأب غابي هاشم: هم الكنيسة.

غسان الشامي: أين دورهم؟

الأب غابي هاشم: دورهم من حيث المبدأ هو دورهم في الواقع. أنا لن أتكلم على دورهم في الواقع.

غسان الشامي: دورهم في الكنيسة.

الأب غابي هاشم: طبعاً هناك تقدّم بالنسبة الى دورهم في الواقع، ولكن أنا شخصيا أتمنى أن تكون هنالك شورى أكثر، أن تكون الشركة بين جميع أعضاء الكنيسة وإن اختلفوا بالرتبة أو بالوظيفة وهم متساوون في الكرامة أن تكون هنالك شركة ظاهرة أي أن تُعلن هذه الشركة بين الجميع بطريقة متناغمة، أكثر تناغماً وأكثر فاعلية، أن تكون الثمار ظاهرة. قلت إننا لا نكتفي فقط بالإيمان والاحتفال. نحن يجب أن نصل إلى الفعل، إلى الواقع، إلى التحوّل. نحن مسؤولون عن تحوّل هذا العالم إلى ملكوت الله.

غسان الشامي: ولكن بطريقة أو بأخرى، هذه الكنائس المسيحية التي ذهبت إلى الحوار المسكوني والعلائق المسكونية قربها أناس علمانيون مسيحيون لم تقبل بهم إلّا كمجموعة من المبخّرين. ليست لديها مجالس استشارية من علمانيين مسيحيين.

الأب غابي هاشم: هنالك علمانيون لاهوتيون أكثر فأكثر في الكنائس، وهذا في تقليدنا الشرقي، ويشتركون ويشاركون، ومنهم مَن هو كثير الفاعلية في الحوارات المسكونية وفي نشر الروح المسكونية على الأرض. ربما هذا قد لا يبدو كافياً بالقدر المطلوب اليوم لأن الظروف الراهنة صعبة جداً. ولكن أريد أن أُطَمئِن الجميع إلى أن طريق الوحدة قد فُتحت من جديد منذ ستينات وخمسينات القرن الماضي وأننا أحرزنا تقدّماً كبيراً جداً ولا سيما في الشرق وفي أنطاكية حيث نحن عائلة واحدة: الزيجات المختلطة والقربى. هناك أمور كثيرة بيننا تحثّنا على المضيّ قُدُما في مشروع تحقيق الوحدة. الوحدة موجودة، لكن يجب أن تظهر، أن تُعلَن، أن نحقّقها.

غسان الشامي: كانت لديّ أسئلة كثيرة كنت أريد أن أطرحها عليك في هذا الموضوع وفي موضوع الكنيسة والوحدة وشباب اليوم في هذا العالم المتقلقل والعنيف. ولكن هذا هو الوقت دائماً يداهمنا.

أعزائي، أية علاقة أو أي حوار لا تحكمه المحبة أو تسقفه هو حوار فاشل في مجتمعنا الغائص في الهويات المشلَّعة والخلافات حتى على الجزئيات. نحتاج إلى حوار محبة محلي وآخر مسكوني علّنا نصل إلى خواتيم التلاقي الحقيقي.

شكراً للأب الدكتور غابي هاشم على حضوره في "أجراس المشرق".
شكراً للزملاء في البرنامج الذين يقرعون معي هذه الأجراس.
شكراً لكم على لطف متابعتكم.

وسلام عليكم وسلام لكم.